Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) . الحواشي
(١) أي وأطيعوا أولي الأمر منكم، وهم أمراء المسلمين، في عهده ﷺ وبعده، ولقوله ﷺ «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» رواه النسائي، ولا نزاع في وجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية، ولا نزاع في وجوب الغزو معه، برًّا كان أو فاجرًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا» رواه أبو داود، وفي الصحيح «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» .
وفي الصحيحين من حديث عبادة: بايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروًا كفرًا بواحًا، عندكم، فيه من الله برهان، ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تركه مطلقًا، وإلى ظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم وإعلاء كلمة الكفر.стр. 1962
(ولا يجوز) التعلف والاحتطاب و (الغزو إلا بإذنه (١) إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه) بفتح اللام أي شره وأذاه (٢) لأن المصلحة تتعين في قتاله إذًا (٣) ويجوز تبييت الكفار (٤) . الحواشي
(١) وكذا خروج من عسكر، وتعجيل، وبراز، وإحداث أمر إلا بإذنه، لأنه أعرف بحال الناس، وحال العدو، وقوتهم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قال ابن رشد: اتفقوا على محاربة جميع المشركين، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ وقال: شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، أي لا تجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجمع عليه بين المسلمين لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقال: «فادعهم إلى الإسلام» .(٢) فلا يحتاجون إلى الإذن إذًا، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا.(٣) لا يشترط فيه الإذن ولا غيره، بل يجب الدفع بحسب الإمكان، ولا شيء بعد الإيمان أوجب من دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا.(٤) بلا نزاع، وهو كبسهم، وقلتهم وهم غارون، وقد ثبت من فعله ﷺ أنه كان يبيت العدو، ويغير عليهم مع الغدوات.стр. 1963
ورميهم بالمنجنيق (١) ولو قتل بلا قصد صبيا ونحوه (٢) . الحواشي
(١) فإنه ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف، ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية، ويجوز رميهم بنار، وقطع سابلة، وماء، وهدم عامر، وقال الشيخ: اتفقوا على جواز إتلاف الشجر والزرع الذي للكفار، إذا فعلوا بنا مثل ذلك، ولم نقدر عليهم إلا به، وقال: اتفقوا على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر، عند الحاجة إليه، وليس ذلك بأولى من قتل النفوس، وما أمكن غير ذلك، وفي الإنصاف، ولا يجوز عقر دابة، ولا شاة إلا لأكل يحتاج إليه، وذكره الموفق وغيره إجماعا في دجاجة وطير، واختار جواز عقر دواب قتالهم، إن عجز المسلمون عن سوقه، ولا يدعها لهم.
وفي البلغة: يجوز قتل ما قاتلوا عليه في تلك الحال، جزم به الموفق وغيره، وقال: لأنه يتوصل به إلى قتلهم، وهزيمتهم، وليس فيه خلاف، وإن أحرزنا دوابهم إلينا لم يجز إلا للأكل، وإن تعذر حمل متاع، ولم يشتر، فللأمير أخذه لنفسه وإحراقه، وإلا حرم، ويجوز إتلاف كتبهم المبدلة، وقيل: يجب إتلاف كفر وتبديل.
والزرع والشجر ثلاثة أصناف، ما تدعو الحاجة إلى إتلافه لغرض ما، فيجوز قطعه وحرقه، قال الموفق: بلا خلاف نعلمه، والثاني ما يتضرر المسلمون بقطعة، فيحرم قطعه وما عداهما فقيل: يجوز, وهو المذهب، وقيل: لا إلا أن لا يقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا، قال أحمد: يكافئون على فعلهم، وكذا رميهم بالنار، وفتح الماء ليغرقهم، وهدم عامرهم، وجزم الموفق وغيره بالجواز إذا عجزوا عن أخذه بغير ذلك وإلا لم يجز.(٢) كنساء وشيوخ ورهبان، لجواز النكاية بالإجماع في جميع المشركين،
وقال ابن رشد: النكاية جائزة بطريق الإجماع، في جميع أنواع المشركين
ذكرانهم، وإناثهم، شيوخهم، وصبيانهم، صغارهم وكبارهم، إلا الرهبان، فإن قوما رأوا أن يتركوا، ولا يؤسروا، بل يتركون دون أن يعرض لهم، لا بقتل ولا استعباد، لقوله ﵊ «ذرهم وما حبسوا أنفسهم عليه» واتباعا لفعل أبي بكر، وفي الإنصاف: وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم، إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم، ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع، قال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب، لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد.стр. 1964
ولا يجوز قتل صبي، ولا امرأة وخنثى، وراهب (١) وشيخ فإن (٢) وزمن وأعمى لا رأي لهم (٣) ولم يقاتلوا أو يحرضوا (٤) . الحواشي
(١) لا رأي لهم ولم يقاتلوا، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن النساء ما لم يقاتلن فإنهن لا يقتلن، إلا أن يكون ذوات رأي فيقتلن، ولأنهم يصيرون أرقاء بنفس السبي، ففي قتلهم إتلاف المال، ونبه بذكر الخنثى لاحتمال أن يكون امرأة، وأما الرهبان فقال الشيخ: هم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمَّى أحدهم حبيسًا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به، والجمهور على أنه لا يقتل، ولا تؤخذ منه جزية.(٢) لا رأي له، ولم يقاتل، أو يحرض على القتال، وإلا فيقتل اتفاقًا.(٣) فإن شاركوا العدو في الرأي قتلوا اتفاقًا.(٤) أي على القتال، فيقتلون، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إذا كان الأعمى والمقعد، والشيخ الفاني، وأهل الصوامع لهم رأي وتدبير وجب قتلهم، وإن تترس الكفار بهم جاز رميهم، قال الشيخ: والمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر عنها أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل
بهم زيادة في الجهاد، أو يكون نكالا لهم عن نظيرها، وأما إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان، وزجر لهم عن العدوان فإنه هنا نوع من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، والمندوب إليه، وكذا قال الخطابي وغيره.стр. 1965
الحواشي
(١) أي الصبي وما عطف عليه، لأنه ﷺ كان يسترق النساء والصبيان إذا سباهم، وأجمعت الصحابة على استعباد أهل الكتاب، ذكرانهم وإناثهم حكاه أبو عبيد وغيره، ويجوز استرقاق من لا تقبل منهم جزية عند بعض أهل العلم، ومن أسر أسيرا لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام وإن قتله فلا شيء عليه، ويخير الإمام بين قتل لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ واسترقاق لقوله ﷺ «أعتقيها» ومنٍّ، وفداء لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ولفعله ﷺ بمنه على ثمامة وغيره، وفدائه الرجلين بالرجل.
قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق وبين المن والفداء، واختار الشيخ: يعمل المصلحة في المال وغيره، كما فعل ﷺ بأهل مكة، ومن أسلم منهم قبل حكمه فكمسلم قبل القدرة عليه، فيعصم نفسه، وولده الصغير، وماله، وحمل امرأته، لا هي ولا ينفسخ نكاحه برقها، ومن أسلم بعده لزمه حكمه.
ويجب هدم الأوثان، لقصة وفد ثقيف، وسؤالهم رسول الله ﷺ أن يدع لهم اللات ولو شهرا، فأبى وكذلك جميع القباب على القبور، وفي الإنصاف: وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز، إن كانت المصلحة فيه، وإذا نزلوا على حكم حاكم جاز، ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين، من القتل والسبي، والفداء بلا نزاع، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا، عصموا دماءهم، بلا نزاع، وإن سألوا أن ينزلوا على حكم الله لزمه أن ينزلهم، ويجري فيهم كالأسرى.стр. 1966
والمسبي غير بالغ منفردًا أو مع أحد أبويه مسلم (١) وإن أسلم أو مات أحد أبوي غير بالغ بدارنا فمسلم (٢) وكغير البالغ من بلغ مجنونًا (٣) (وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب) (٤) . الحواشي
(١) ولو مميزًا إن سباه مسلم تبعًا، لحديث «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه» رواه مسلم، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، لانقطاعهما عنه، أو أحدهما وإخراجه من دارهما إلى دار الإسلام.(٢) وظاهره أن الحربي والذمي في ذلك سواء، وقال ابن القيم: الراجح في الدليل قول الجمهور أنه لا يحكم بإسلامه بذلك، وهي رواية عن أحمد، اختارها الشيخ، والفرق بينهما وبين مسألتي السبي أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم، بخلاف من مات أبواه أو أحدهما، فإنه تابع لأقاربه، أو وصي أبيه، فإن انقطعت تبعيته لأبويه، فلم تنقطع لمن يقوم مقامهما من أقاربه، وأوصيائه، ويدل عليه العمل المستمر من عهد الصحابة إلى اليوم، بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال، ولم يتعرض أحد من الأئمة وولاة الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون.(٣) أي فحكمه حكمه فيما ذكر.(٤) وفي الانتصار باستيلاء تام، لا في فور الهزيمة، للبس الأمر، هل هو حيلة أو ضعف؟ وقال ابن القيم في قصة حنين: إن الغنيمة لا تملك بالاستيلاء عليها، إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأن بهم ليردها عليهم، فلو مات أحد من الغانمين قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام رد نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته، وهو مذهب أبي حنيفة.стр. 1967
وتجوز قسمتها فيها (١) لثبوت أيدينا عليها (٢) وزوال ملك الكفار عنها (٣) والغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به (٤) . الحواشي
(١) أي قسمة الغنيمة في دار الحرب، وهذا مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، وقال أصحاب أبي حنيفة، إن لم يجد الإمام حمولة جاز له قسمتها فيها، وقول الجمهور أولى، قال الأوزاعي، ما قفل ﷺ عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسَّه وقسمه قبل أن يقفل، واتفقوا على أنه إذا قسمها الإمام بها نفذت قسمته.(٢) بالاستيلاء عليها، وطرد الكفار عنها وقهرهم.(٣) بأخذها من أيديهم، وحصولها في أيدي المسلمين، فزال ملكهم بذلك، والملك لا يزول إلى غير مالك، فصارت ملكًا للمسلمين، وأما أموال المسلمين فنص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دارهم، وقال الشيخ: الصواب أن الكفار يملكون أموال المسلمين، بالقهر ملكًا مقيدًا، لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه، سواء اعتقدوا تحريمه أو لا، وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه، وقال في رواية أبي طالب: ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك.
قال الشيخ: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال، قبضًا يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة، والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع اهـ وما لم يملكوه فإن ربه يأخذه مجانا، ولو بعد إسلام من هو معه، أو قسمته، وشرائه منهم، وإن جهل ربه وقف أمره، ولا يملك الكفار حرًّا مسلمًا، ولا ذميًا بالاستيلاء عليه، ويلزم فداؤهم لحفظهم من الأذى، ولا يملكون وقفا ونحوه.(٤) مما أخذ فداء، أو أهدي للأمير، أو نوابه ونحوه وخرج بحربي
ما يؤخذ من أموال أهل الذمة، من جزية، وخراج ونحوه، و «قهرا بقتال» خرج به ما رحلوا وتركوه فزعا، وما يؤخذ من العشر، إذا اتجروا إلينا ونحوه.стр. 1968
مشتقة من الغنم وهو الربح (١) (وهي لمن شهد الوقعة) أي الحرب (من أهل القتال) بقصده (٢) قاتل أو لم يقاتل (٣) حتى تجار العسكر وأجرائهم المستعدين للقتال (٤) . الحواشي
(١) لحله للمسلمين بقهرهم العدو عنه، واستيلائهم عليه قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ وقال ﷺ «وجعل رزقي تحت ظل رمحي» والغنم بضم الغين فالغنيمة فعيلة بمعنى مفعولة أي مغنومة، ولم تحل لغير هذه الأمة، لحديث «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» وكانت قبل أن تنزل عليها نار فتأكلها.(٢) أي بقصد الجهاد، بخلاف من لم يكن قاصدًا له.(٣) وفاقا حكاه الوزير وغيره، وقال ابن رشد: الأكثر على أنه إذا شهد القتال وجب له السهم وإن لم يقاتل، وأنه إذا جاء بعد القتال فليس له سهم في الغنيمة، وبهذا قال الجمهور، وقال: إنما تجب عند الجمهور للمجاهد بأحد شرطين، إما أن يكون ممن حضر القتال، وإما أن يكون ردءا لمن حضر القتال، ويسهم لدليل وجاسوس، ومن بعثهم الأمير لمصلحة وشبههم، وإن لم يشهدوا لفعله ﷺ .(٤) ومعهم السلاح، لأنهم ردء للمقاتل، لاستعدادهم، أشبه المقاتل، ولإسهام النبي ﷺ لمسلمة، وكان أجيرا لطلحة، رواه مسلم، بخلاف من لم يكن قاصدا للقتال، كتاجر ونحوه، خرج بلا استعداد، ولا هو من العسكر، لأنهم لا نفع فيهم.стр. 1969
لقول عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة (١) (فيخرج) الإمام أو نائبه (الخمس) بعد دفع سلب لقاتل (٢) وأجرة جمع، وحفظ، وحمل (٣) وجعل من دل على مصلحة (٤) . الحواشي
(١) رواه الشافعي وسعيد عن طارق أن عمر قاله.(٢) حال الحرب أو انهزم والحرب قائمة فأدركه وقتله، فسلبه له لما في الصحيحين «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» قال الشافعي: قد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة اهـ، أو قتله منفردًا لقصة ابن الأكوع، فإن المقتول كان منفردًا ولا قتال هناك، والسلب بالتحريك: ما كان على المقتول، من ثياب وحلي وسلاح، والدابة وما عليها بآلتها، والمراد بالدابة التي قاتل عليها، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، قال ابن رشد: وعليه جماعة السلف.(٣) أي للغنيمة، فالخمس بعد ذلك، لاستحقاقهم لها من جميع الغنيمة.(٤) أي ودفع جعل، بضم الجيم، لمن دل على مصلحة، من ماء أو قلعة ونحوهما لتقديم حقهم، وكذا ما أخذ من مال مسلم، أو معاهد، فأدركه صاحبه قبل قسمه، لم يقسم ورد إلى صاحبه بغير شيء، لما روى البخاري: أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده النبي ﷺ وذهب فرس له فرده عليه خالد.
قال الشيخ: وإذا كان المغنوم مالاً، قد كان للمسلمين قبل، من عقار ومنقول، وعرفه صاحبه قبل القسمة، فإنه يرد إليه، بإجماع المسلمين، اهـ فإن قسم بعد العلم أنه مال مسلم، لم تصح قسمته، وإن أدركه مقسومًا فهو أحق به بثمنه لخبر ابن عباس مرفوعًا، «إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم، أخذته بالقيمة» ، وكذا بعد بيعه وقسم ثمنه، وما لم يملكوه، فلا يغنم بحال.стр. 1970
ويجعله خمسة أسهم (١) منها سهم لله ولرسوله ﷺ (٢) مصرفة كفيء (٣) وسهم لبني هاشم وبني المطلب (٤) حيث كانوا، غنيهم وفقيرهم (٥) وسهم لفقراء اليتامى (٦) . الحواشي
(١) متساوية لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ والذي عليه الجمهور: أنه لا يتعدى الخمس تلك الأصناف المنصوص عليها.(٢) في حياته صلوات الله وسلامه عليه، واليوم هو لمصالح المسلمين، وذكر اسمه تعالى للتبرك، لأن الدنيا والآخرة له، قال تعالى: ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ له الملك كله جل وعلا، وبيده الخير كله.(٣) قال ابن رشد: وهو قول مالك وعامة الفقهاء، وكان ﷺ يصنع بهذا السهم ما شاء، قال الشيخ: يتصرف فيه الإمام كالفيء، وهو قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.(٤) وهو ثابت بعد موته ﷺ لم ينقطع، ولأحمد من حديث جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى لبني هاشم وبين المطلب، وقال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» .(٥) يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين حيث كانوا حسب الإمكان، غنيهم وفقيرهم فيه سواء.(٦) خص فقراء اليتامى لأنه قد يكون يتيمًا ويكون غنيًّا فلا حظ له فيها، و «اليتيم» في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة، واليتيم في الأصل، من لا أب له ولم يبلغ.стр. 1971
وسهم للمساكين (١) وسهم لأبناء السبيل (٢) يعم من بجميع البلاد حسب الطاقة (٣) (ثم يقسم باقي الغنيمة) وهو أربعة أخماسها (٤) بعد إعطاء النفل والرضخ (٥) . الحواشي
(١) أي أهل الحاجة، فيدخل فيهم الفقير، فهما صنفان في الزكاة فقط، وفي سائر الأحكام صنف واحد، ويجب أن يعطوا كالزكاة، واختار الشيخ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كالزكاة، وقال: لا يختلف اثنان من المسلمين، أنه لا يجوز أن يعطي الأغنياء الذين لا منفعة لهم، ويحرم الفقراء، فإن هذا مضاد لقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ واختار أن الخمس والفيء واحد، يصرف في المصالح، كمذهب مالك، وهو رواية عن أحمد.(٢) وهم المسافرون، البعيدون من مالهم، المحتاجون، كما في الزكاة لا الأغنياء.(٣) يعني ممن ذكر، وحسب: بفتح السين، ويشترط في إعطاء ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، أن يكونوا مسلمين، فلا حق فيها لكافر ولا قن.(٤) قال ابن رشد وغيره، اتفق المسلمون على أن الغنيمة التي تؤخذ من أيدي الروم، ما عدا الأرضين، أن خمسها للإمام، وأربعة أخماسها للذين غنموها لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ لأن الله لما جعل لنفسه الخمس فهم منه أربعة الأخماس للغانمين قال: وأجمع جمهور العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، إذا خرجوا بإذن الإمام لعموم الآية.(٥) وبعد الخمس على ما تقدم، والنفل بالتحريك هو الزائد على السهم لمصلحة، لما روى أبو داود «لا نفل بعد الخمس» والرضخ بالضاد، والخاء المعجمتين هو ما دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة.стр. 1972
لنحو قن ومميز على ما يراه (١) (للراجل سهم) ولو كافرًا (٢) (وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له سهمان لفرسه) إن كان عربيًّا (٣) . الحواشي
(١) أي الإمام أو نائبه فيفضل ذا البأس، والأنفع من العبيد، والصبيان المميزين، والنساء، قال الوزير: اتفقوا على أن من حضرها من مملوك، أو امرأة، أو ذمي، أو صبي رضخ له، على ما يراه الإمام، ولا يسهم لهم، وقال: اتفقوا على أن للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض، فمن لا سهم له أحق، وقال عمر: ليس أحد إلا وله في هذا المال حق، إلا ما ملكت أيمانكم وانتشر في الصحابة، فلا سهم للغلمان إجماعًا، وإنما يرضخ لهم والجمهور أن المرأة لا سهم لها، ويرضخ لها لحديث أم عطية، وكان يرضخ لنا من الغنيمة.
وقال ابن القيم: نص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، والعطاء الذي أعطاه رسول الله لقريش والمؤلفة هو من النفل، نفل به النبي ﷺ رءوس القبائل، والعشائر، ليتألفهم به وقومهم، على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته، وأهله، واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء، وللإمام أن يفعل ذلك، لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة، فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين، وإن تعين للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته، واستجلاب رءوس أعدائه إليه، ليأمن المسلمون شرهم، تعين عليه، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين.(٢) إذا خرج بإذن الأمير، والمراد المكلف، وأجمعوا على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد، لا يشترط في الغنيمة مباشرة كل واحد في القتال.(٣) أي العتيق، وهو ما أبوه وأمه عربيَّان، لخلوصه ونفاسته فخرج
الهجين، وهو ما أبوه عربي فقط، والمقرف عكسه، وهو ما أمه عربية فقط، والبرذون وهو ما أبواه نبطيان.стр. 1973
لأنه ﷺ يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له، متفق عليه عن ابن عمر (١) وللفارس على فرس غير عربي سهمان فقط (٢) ولا يسهم لأكثر من فرسين، إذا كان مع رجل خيل (٣) ولا شيء لغيرها من البهائم (٤) . الحواشي
(١) ولأبي داود من حديث أبي عميرة نحوه وذلك سنة سبع، وقيل: كان أسهم كذلك يوم بني قريظة، وقال الحذاء لا يختلف فيه عن الصحابة، وهو قول جمهور العلماء، ولأن سهم الفارس إنما استحقه الإنسان الذي هو الفارس بالفرس، وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل.(٢) لما روى مكحول أنه ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد وأبو داود مرسلا.(٣) للخبر ولما رواه الأوزاعي أن النبي ﷺ كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، ولأن حاجته إلى الثاني لكون إدامة ركوب واحد يضعفه، ويمنع القتال عليه، بخلاف ما فوق ذلك، فإنه مستغنى عنه، فيعطى صاحبها خمسة أسهم، سهم له، وأربعة لفرسيه العربيين، وهذا رواية عن أحمد، والجمهور أنه لا يسهم لغير فرس واحد، لظاهر الخبر، ولو أسهم لفرسين لاستفاض ذلك.(٤) كفيل وبغل وبعير ونحوها، ولو عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل،
ولم تخل غزاة منها، ولم يسهم لها ﷺ وكذا أصحابه لم ينقل
أنهم أسهموا لغير الخيل، ولا خلاف في ذلك، ولأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة، قال الشيخ وغيره: ويرضخ للبغال، والحمير، وهو قياس الأصول، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء، والعبيد والصبيان.стр. 1974
لعدم وروده عنه ﵇ (١) (ويشارك الجيش سراياه) التي بعثت منه من دار الحرب (فيما غنمت (٢) ويشاركونه فيما غنم) (٣) قال ابن المنذر: روينا أن النبي ﷺ قال: «وترد سراياهم على قعدهم» (٤) . الحواشي
(١) أي أنه أسهم لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا، وغيرها من الغزوات، ولم يسهم لها.(٢) قال ابن رشد: الجمهور أن العسكر يشاركونهم فيما غنموا، وإن لم يشهدوا الغنيمة ولا القتال، وذلك لقوله ﷺ «وترد سراياهم على قعدهم» رواه أبو داود، ولأن لهم تأثيرا أيضا في أخذ الغنيمة.(٣) أي شارك السرايا الجيش فيما غنم الجيش، فأيهما غنم شاركه الآخر، نص عليه، وإذا لحق بالجيش مدد، أو صار الفارس راجلا، أو عكسه ونحوه، قبل تقضي الحرب، جعلوا كمن كان فيها كلها، وبعد تقضي الحرب، ولو لم تحرز الغنيمة لا شيء له.(٤) ورواه أبو داود وغيره، ولأنها في مصلحة الجيش، قال الشيخ: كما قسم النبي ﷺ لطلحة والزبير، يوم بدر، لأنه بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم، وذكر حديث ابن عمر وهو في سرية، وأنهم نفلوا بعيرًا بعيرًا، وعنه: كان ينفل بعض من يبعث من السرايا، لأنفسهم خاصة، سوى قسمة عامة الجيش، قال: ولم يرد ما يدل على الاقتصار على نوع معين، ولا مقدار معين، فيفوض إلى رأي الإمام، وهو قول الجمهور.стр. 1975
وإن بعث الإمام من دار الإسلام جيشين، أو سريتين، انفردت كل بما غنمت (١) (والغال من الغنيمة) (٢) . الحواشي
(١) لانفراد كل منهما بما تعانيه.(٢) قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب إجماعًا، للنهي الأكيد، والوعيد الشديد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حاملا له على عنقه، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، والأحاديث في تحريم الغلول مستفيضة متعددة، منها قوله ﷺ ، «أدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار ونار على أهله يوم القيامة» رواه أحمد وغيره، ومنها قوله: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة بكذا، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك» وقوله: «إن الشملة لتلتهب عليه نارًا» متفق عليهما.
واتفق المسلمون على تحريم الغلول للآية والأحاديث، وأجمعوا على أن على الغال رد ما غله، ويؤخذ للمغنم، ومن ستر على غال، أو أخذ مما أهدي له منها، أو باعه إمام أو جاب فهو غال، وقال الشيخ: وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العاد استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسب العمل، قال أبو سعيد: هدايا العمال غلول، وروي مرفوعًا، ويشهد له قصة ابن اللتبية، وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية، ولهذا شاطرهم عمر، لما خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، لأنه إمام عادل يقسم بالسوية.
وقال الشيخ: وعمال الفيء إذا خانوا فيه، وقبلوا هدية أو رشوة، فمن فرض له دون أجرته، أو دون كفايته عياله بالمعروف، لم يستخرج منه ذلك القدر، وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء.стр. 1976
وهو من كتم ما غنمه أو بعضه، لا يحرم سهمه (١) (يحرق) وجوبا (رحلة كله) ما لم يخرج عن ملكه (٢) (إلا السلاح، والمصحف، وما فيه روح) وآلته ونفقته (٣) وكتب علم (٤) وثيابه التي عليه (٥) وما لا تأكله النار فله (٦) .
قال يزيد بن يزيد بن جابر (٧) : السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواه سعيد في سننه (٨) . الحواشي
(١) أي من الغنيمة، لوجود السبب الذي استحقه به، ولم يثبت حرمان سهمه في خبر، ولا دل عليه قياس، فبقي بحاله.(٢) ببيع ونحوه، ولا يحرق سهمه، لأنه ليس من رحله، واتفقوا على أنه لا يقطع إذا كان له فيها سهم.(٣) أي نفقة الغال، والآلة هي كسرجه ولجامه، وحبله ونحوه وعلفه.(٤) أي وإلا كتب علم، فلا تحرق.(٥) أي فلا تحرق، نص عليه.(٦) لبقاء ملكه عليه، ولا تأثير للنار فيه.(٧) عالم أهل دمشق، وتلميذ مكحول، وثقه غير واحد من الحفاظ.(٨) ولأحمد، وأبي داود، عن ابن عمر: سمعت أبي يحدث عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه، واضربوه» فيعزر ولا ينفي وعنه: يعزر بما يراه الإمام، ولا يحرق، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء، وأئمة الأمصار، ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين، واختار الشيخ وتلميذه، أن تحريق رحل الغال من باب التعزير
لا الحد، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة، واستظهره في الإقناع، وصوبه في الإنصاف، وقال البخاري: قد امتنع رسول الله ﷺ عن الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، وقال الدارقطني: هذا الخبر لا أصل له عن النبي ﷺ .стр. 1977
(وإذا غنموا) أي المسلمون (أرضًا) بأن (فتحوها) عنوة (بالسيف) (١) فأجلوا عنها أهلها (خير الإمام بين قسمها) بين الغانمين (٢) (ووقفها على المسلمين) بلفظ من ألفاظ الوقف (٣) . الحواشي
(١) أي غلبة وقهرا، وهذا أحد أصناف الأرضين بالاستقراء.(٢) تخيير مصلحة، كالتخيير في الأسرى، فيفعل ما يراه أصلح، لأنه نائب المسلمين، فلا يفعل إلا الأصلح لهم، قال الشيخ: ومذهب الأكثرين أن الإمام يفعل ما هو الأصلح للمسلمين، من قسمها، أو حبسها، ولأنه ﷺ قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه، رواه أبو داود، فتملك بقسمتها، ولا خراج عليها، لأنها ملك للغانمين.(٣) لأن الوقف لا يثبت بنفسه، فحكمها قبل الوقف حكم المنقول، وعنه: تصير وقفا بنفس الاستيلاء، قال في الإنصاف: هذا المذهب وعليه الأصحاب، وجزم به في الإقناع، وقال ابن القيم: معنى وقفها إقرارها على حالها، وضرب الخراج عليها، مستمرا في رقبتها، وقال: جمهور الصحابة والأئمة بعدهم على أن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء ولما قال بلال وذووه لعمر: اقسمها قال: اللهم اكفينهم فما حال عليهم الحول، ثم وافق سائر الصحابة عمر، وكذلك جرى في سائر البلاد التي فتحت عنوة، لم يقسم منها الخلفاء قرية واحدة، وكان الذي رآه وفعله عين الصواب، فجعلها وقفا على المقاتلة تجرى عليهم، حتى يغزو منها آخر المسلمين.стр. 1978
(ويضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي بيده) (١) من مسلم وذمي، يكون أجرة لها في كل عام (٢) كما فعل عمر ﵁ فيما فتحه من أرض الشام، والعراق، ومصر (٣) وكذا الأرض التي جلوا عنها خوفا منا (٤) . الحواشي
(١) يتصرف فيها بنفسه أو يؤجرها، فالخراج في رقبتها.(٢) تتكرر الجزية بتكرر الأعوام، بلا نزاع في الجملة.(٣) ضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي بيده، وقال: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببَّانا، أي لا شيء لهم، ما فتحت عليَّ قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها لهم خزانة يقتسمونها رواه البخاري، قال الشيخ: وجمهور الأئمة رأوا أن ما فعله عمر بن جعل الأرض مفتوحة عنوة فيئًا حسن جائز، وإن حبسها بدون استطابة الغانمين ولا نزاع أن كل أرض فتحها لم يقسمها.
وقال ابن القيم: إن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض، ووقف البعض فعل، فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة، وقال الشارح: ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا نصف خيبر، فصار لأهله، لا خراج عليه، وسائر ما فتح عمر، ومن بعده لم يقسم منه شيء، قال الشيخ: وتنقلت أحوالها كالعراق، فإن خلفاء بني العباس نقلوه إلى المقاسمة، ومصر رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها، وصارت الرقبة للمسلمين، وهذا جائز في أحد قولي العلماء.(٤) أي كالعنوة في تخيير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، وضرب خراج مستمر عليها، وهذا الصنف الثاني.стр. 1979
أو صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج (١) بخلاف ما صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج عنها، فهو كجزية تسقط بإسلامهم (٢) (والمرجع في) مقدار (الخراج والجزية) حين وضعهما (إلى اجتهاد الإمام) الواضع لهما (٣) فيضعه بحسب اجتهاده لأنه أجرة، يختلف باختلاف الأزمنة (٤) فلا يلزم الرجوع إلى ما وضعه عمر ﵁ (٥) . الحواشي
(١) فيضرب عليها خراج، وهذا الصنف الثالث، وهو «نوعان» هذا أحدهما وهي كالعنوة في التخيير، ولا يسقط خراجها بإسلامهم، وعنه: تصير وقفا كالثانية، ويضرب عليها الخراج، ولا يغير إذا ضربه أحد الأئمة، لأنه نقض للحكم اللازم، ما لم يتغير السبب، فيغير المسبب لتغير سببه.(٢) أي فإن ما يؤخذ من خراجها كجزية، كما ذكر، إن أسلموا، أو انتقلت إلى مسلم يسقط بإسلامهم، ويقرون فيها بغير جزية، لأنها ليست بدار إسلام، بخلاف ما قبلها، فلا يقرون فيها سنة بلا جزية، وهذا هو النوع الثاني.(٣) فيرجع في قدر الخراج في ابتداء الوضع إلى تقدير الإمام من زيادة ونقص، على قدر حسب ما يؤدي إليه اجتهاده وتطيقه الأرض.(٤) فرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، قال الشيخ: ويجتهد الإمام في الخراج والجزية، فيزيد وينقص بقدر الطاقة.(٥) بل يستأنف الوضع فيما استؤنف فتحه، وما وضعه عمر ﵁ على كل جريب درهما وقفيزا، وهو ثمانية أرطال، قيل بالمالكي، والجريب عشر قصبات في مثلها، والقصبة ستة أذرع، بذراع عمر، وهو ذراع متوسط، وقبضة وإبهام قائمة فيكون الجريب ثلاثة آلاف ذراع وست مائة مكسرًا.стр. 1980
وما وضعه هو أو غيره من الأئمة ليس لأحد تغييره (١) ما لم يتغير السبب (٢) كما في الأحكام السلطانية (٣) لأن تقديره ذلك حكم (٤) . الحواشي
(١) لأنه حكم من الإمام، ولا نقض لما فعله النبي ﷺ من وقف أو قسمة، أو فعله الأئمة بعده، ولا تغيير، لأنه نقض للحكم اللازم، وإنما التخيير والاستئناف فيما استؤنف فتحه، قال الوزير وغيره: الزيادة مع عدم الاحتمال لا تجوز، ولا النقصان، ومدار الباب أن تحمل الأرض ما تطيقه، وأن لا يتبع غيره مما لم يأذن فيه الشرع بحال، وأكد بالضمير البارز المنفصل لصحة العطف عليه، على المذهب الراجح.(٢) كما لو تغيرت حال الأرض بأن غلت، أو رخصت، فيغير المسبب لتغيير سببه، قال الشيخ: ولو يبست الكروم بجراد أو غيره أو بعضها، سقط من خراجها بقدر ذلك، وإذا لم يمكن الانتفاع بها ببيع، أو إجارة، أو غيرها لم تجز المطالبة بخراجها.(٣) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، عالم زمانه، المتوفى ببغداد، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله مصنفات كثيرة منها الأحكام، ذكر فيها ما وضعه عمر وغيره، وأنه يختلف بما يختص بالأرض من جودة وبالزرع من اختلاف أنواعه، وبالسقي والشرب فلا بد لواضع الخراج من اعتبار ما وصف، من اختلاف الأرض، والزرع، والشرب، ليعلم ما تحمله الأرض من خراجها، فيقصد العدل فيما بين أهلها وأهل الفيء.(٤) أي ما وضعه عمر ومن بعده حكم لازم، وليس لأحد تغييره، ولا نقضه، وإنما التغيير فيما استؤنف فتحه، ما لم يتغير السبب كما تقدم.стр. 1981
والخراج على أرض لها ماء تسقى به، ولو لم تزرع (١) لا على مساكن (٢) (ومن عجز عن عمارة أرضه) الخراجية (٣) (أجبر على إجارتها (٤) أو رفع يده عنها) بإجارة أو غيرها (٥) لأن الأرض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم (٦) (ويجري فيها الميراث) فتنتقل إلى وارث من كانت بيده، على الوجه الذي كانت عليه في يد مورثه (٧) . الحواشي
(١) كالمؤجرة، وواجبها والحال ما ذكر خراج أقل ما يزرع، وهو درهم وقفيز، ولا خراج على ما لا يناله ماء، ولو أمكن زرعه، وإحياؤه ولم يفعل، وما لم ينبت، أو لم ينله إلا عاما بعد عام، نصف خراجه في كل عام، وهو على المالك، لأنه على رقبة الأرض كما تقدم.(٢) فليس عليها خراج بالاتفاق، وإن حولت مزارع ونحوها فعليها.(٣) وهي ما فتحت عنوة.(٤) لئلا يتعطل خراجها على المسلمين.(٥) أي أو غير الإجارة، كدفعها لمن يعمرها ويقوم بخراجها.(٦) بسبب عجزه عن عمارتها، ويجوز شراء أرض الخراج استنقاذا، وذلك أن تنتقل إليها بما عليها من خراج، لامتناع الشراء الحقيقي، ويكره شراؤها للمسلم، لما في دفع الخراج من الذل، وإن رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان، أو تخفيفه جاز، وسيأتي في المساقاة أن القائم في الكلف بالعدل كالمجاهد في سبيل الله.(٧) كالملك ينتقل من مورث إلى وارث، إلا أنه ليس مثله من كل وجه.стр. 1982
فإن آثر بها أحدًا صار الثاني أحق بها، كالمستأجرة (١) ولا خراج على مزارع مكة والحرم (٢) (وما أخذ) بحق بغير قتال (٣) (من مال مشرك) أي كافر (٤) (كجزية وخراج، وعشر) تجارة من حربي (٥) أو نصفه من ذمي اتجر إلينا (٦) . الحواشي
(١) أي فإن آثر بالأرض الخراجية من كانت بيده أحدًا، صار المؤثر أحق بها، كالأرض المستأجر، إذا آثر بها المستأجر أحدًا، بإجارة ونحوها، كان الثاني أحق بها، لقيامه مقام الأول.(٢) وإن كانت فتحت عنوة، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، ويحرم، بيعها، وإجارتها، وفاقًا لهما، كبقاع المناسك واختار الشيخ جواز البيع فقط، وتابعه ابن القيم، لأنه إنما يستحق التقدم على غيره بهذه المنفعة، واختص بها لسبقه وحاجته فهي كالرحاب، والطرق، من سبق إليها، فهو أحق بها، وإنما جاز البيع لوروده على المحل الذي كان البائع أحق به من غيره.(٣) أي بحق الكفر لا من ذمي غصبًا ونحوه، أو ببيع ونحوه، و «بلا قتال» أخرج الغنيمة.(٤) والفرق بين المشرك والكافر، أن المشرك هو المتخذ مع الله إلهًا آخر، والكافر هو الجاحد.(٥) وكخراج وزكاة تغلبي، ولا يؤخذ في السنة إلا مرة واحدة.(٦) أي نصف عشر تجارة من ذمي اتجر إلينا ففيء.стр. 1983
(وما تركوه فزعًا) منا (١) أو تخلف عن ميت لا وارث له (٢) (وخمس خمس الغنيمة (٣) فـ) هو (فيء) سمي بذلك لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين (٤) وأصل الفيء الرجوع (٥) . الحواشي
(١) وهربوا أو بذلوه فزعًا منا في الهدنة وغيرها، وهذا إذا لم نقصدهم بقتال، وإلا كان غنيمة.(٢) مسلمًا كان أو كافرًا، يستخرج جميع ماله، فيصرف في مصالح المسلمين، قال الشيخ وغيره: اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم، فماله يصرف في مصالح المسلمين.(٣) سهم رسول الله ﷺ كما تقدم، فإنه يصرف في مصالح المسلمين، قال الشيخ: يقسمه الإمام بنفسه في طاعة الله ورسوله، كما يقسم الفيء وهذا قول أكثر السلف، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومذهب أهل المدينة والرواية الأخرى عن أحمد، وهو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة، اهـ وكذا ما يهدى لأمير الجيش، وبعض الغانمين، وغير ذلك مما سيأتي بيانه وغيره.(٤) لأن المشركين لما أشركوا مع الله غيره، لم يبقوا مستحقين لتلك الأموال، التي إنما جعلها الله للاستعانة بها على عبادته، فأرجعها الله لعباده المسلمين، ليستعينوا بها على عبادته وحده.(٥) قاله الشيخ وغيره، قال: والله خلق الخلق لعبادته، وأعطاهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فالكفار لما كفروا بالله، وعبدوا معه غيره، لم يبقوا
مستحقين للأموال، فأباح الله لعباده قتلهم، وأخذ أموالهم فصارت فيئا أعاده الله على عباده المؤمنين، لأنهم هم المستحقون له، وكل مال أخذ من الكفار
قد يسمى فيئًا، حتى الغنيمة، لقوله في حنين «ما يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم» لكن لما قال الله ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآيات، صار اسم الفيء عند الإطلاق، لما أخذ من الكفار بغير قتال.
وجمهور العلماء على أن الفيء لا يخمس، كقول مالك وأبي حنيفة، وأحمد، وهو قول السلف قاطبة، وهو الصواب، فإن السنة الثابتة، عن رسول الله ﷺ وخلفائه، تقتضي أنهم لم يخمسوا فيئًا قط، ومنشأ الخلاف، أنه لما كان لفظ آية الخمس، وآية الفيء واحدًا، اختلف فهم الناس للقرآن، وصوب: أن مال الخمس والفيء سواء.стр. 1984
(يصرف في مصالح المسلمين) (١) . الحواشي
(١) وقاله الشيخ وغيره، قال: وسائر الأموال السلطانية لجميع المصالح اتفاقًا، وقال: وما اجتمع من بيت المال، ولم يرد إلى أصحابه، فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين، أولى من صرفه فيما لا ينفع أصحابه، أو فيما يضر قال: ومثله المظالم المجهول أربابها، والواجب على من حصلت بيد أموال، ردها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك، فالمجهول كالمعدوم، وقد دل على ذلك قوله في اللقطة «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه» .
وذكر أن من مات لا وارث له، ففي المصالح، ثم قال: فإن ما لم يعلم بحال، أو لا يقدر عليه بحال، هو في حقنا كالمعدوم، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه، وهذا النوع ونحوه، إنما حرم لتعلق حق الغير به، فإذا كان الغير معدومًا، أو مجهولاً بالكلية، أو معجوزًا عنه بالكلية سقط حق تعلقه به مطلقا،
والإعدام ظاهر، والإعجاز مثل الأموال التي قبضها الملوك، كالمكوس وغيرها من أصحابها، فهذان قياسان قطعيان من السنة، والدليل الثاني، القياس،
وهو إما أن تحبس إلى أن تتلف، وإتلافها حرام، وحبسها أشد فتعين إنفاقها.
وليس لها مصرف معين، فتصرف في جميع جهات البر، والثواب الذي يتقرب به إلى الله، فتصرف في سبيل الله.
قال: والغنيمة والخراج لمصالح المملكة، فيفتقر إلى اجتهاد الإمام، لعدم تعيين مصرفه، ولأن به يجتمع الجند على باب السلطان، فينفذ أحكام الشرع، ويحمي البيضة، ويمنع القوي من ظلم الضعيف، ويوصل كل ذي حق حقه، فلو فرقه غيره تفرقوا عنه، وزالت حشمته وهيبته وطمع فيه، فجر ذلك إلى الفساد، قال: وبيت المال ملك للمسلمين، يضمنه متلفه، ويحرم الأخذ منه إلا بإذن الإمام، ولا يجوز الصدقة به، ويسلمه إلى الإمام.
قال: ولا تتم رعاية الخلق إلا بالحق الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك، ولذلك من لم يقم بها سلب الأمر ونقل إلى غيره، وذكر آيات في الإنفاق والشجاعة، ثم قال: فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال الذي هو الشجاعة،، وأن هذا مما اتفق عليه أهل الأرض.
وذكر أنه افترق الناس أربع فرق، فريق صاروا نهابين، وهابين، وفريق عندهم خوف ودين، يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا، لكن لا يعتقدون أن السياسة لا تتم بما يفعله أولئك من الحرام، فينهون أحيانا عن ترك واجب يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، والفريق الثالث الأمة الوسط، دين محمد ﷺ وخلفائه، وهو إنفاق المال في المنافع للناس، فإن كانوا رؤساء فبحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، وإقامة الدنيا والدين ولا يأخذون ما لا يستحقونه، فيجمعون بين التقوى والإحسان، ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، والفريق الرابع يأخذ ولا يعطي غيره، فلا يصلح به دين ولا دنيا.стр. 1985
.......................................................
стр. 1986
ولا يختص بالمقاتلة، ويبدأ بالأهم فالأهم (١) . الحواشي
(١) قاله الشيخ وغيره، وقال: يبدأ بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، المقاتلة الذين هم للنصرة والجهاد، وهم أولى الناس بالفيء لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى قيل: إن مال الفييء مختص بهم، ولا يجب عطاء إلا لبالغ، عاقل، حر، صحيح يطيق القتال، ومن مات بعد حلوله، دفع لورثته حقه، وصغار أولاده كفايتهم، فإذا بلغ ذكرهم أهلا فرض له إن طلب، وإلا ترك، قال عمرك ما أحد منا بأحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله، الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه، والرجل وحاجته.
قال الشيخ: «بلاؤه» هو الذي يجتهد في قتال الأعداء، «وغناؤه» هو الذي يغني عن المسلمين في مصالحهم، كولاة أمورهم، ومعلميهم، وأمثال هؤلاء، والرجل وسابقته، وهو من كان من السابقين الأولين، فإنه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم، والرجل وفاقته، فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء، وذكر نحوه ثم قال: وإذا عرفت أن العطاء بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في حال المصالح، وفي الصدقات أيضا، علمت أنه يبدأ بالأهم فالأهم.
قال: فإنه مع وجود المحتاجين، كيف يحرم بعضهم، ويعطي لغني لا حاجة له، ولا منفعة به، لا سيَّما إذا ضاقت أموال بيت المال عن إعطاء كل المسلمين، غنيهم وفقيرهم فكيف يعطى الغني الذي ليس فيه نفع عام، ويحرم الفقير المحتاج، بل الفقير النافع أولى.
قال: ولا يجوز لولي الأمر أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه، لهوى نفسه، من قرابة، أو مودة أو نحو ذلك، وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء، ونواب، ووكلاء، ونص العلماء أنه يجب أن يقدم في مال الفيء والمصالح أهل المنفعة العامة، وإذا كان العطاء لمنفعة
المسلمين لم ينظر إلى الآخذ، هل هو صالح النية أو فاسدها؟ وإنما العطاء بحسب مصلحة دين الله.
قال: فأقوام من ذوي الحاجات، والدين، والعلم، لا يعطى أحدهم كفايته، ويتمزق جوعًا، وهو لا يسأل، ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه، وأقوام يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وأقوام لهم رواتب فوق حاجاتهم، وقوم لهم رواتب مع غناهم، وعدم حاجتهم، ولا يستريب مسلم أن السعي في تمييز الحق من غيره، والعدل بين الناس بحسب الإمكان، من أفضل أعمال ولاة الأمور، بل ومن أوجبها عليهم.стр. 1987
من سد بثق (١) وتعزيل نهر (٢) وعمل قنطرة (٣) ورزق نحو قضاة (٤) و يقسم فاضل بين أحرار المسلمين ، غنيهم وفقيرهم (٥) . الحواشي
(١) وهو الخرق في أحد حافتي النهر، وقدم في الإقناع، من سد ثغر، وكفاية أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين.(٢) أي تنحية ترابه، وإفرازه عنه إلى جانبيه.(٣) أي جسر وهو آزج يبنى بالآجر ونحوه، أو بالحجارة وغيرها، على الماء يعبر عليه.(٤) كمفتين، وفقهاء، ومؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه للمسلمين.(٥) أي يقسم فاضل بيت المال عمن ذكر بين أحرار المسلمين، دون رقيقهم، قال عمر: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد وقرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فقال: هذه استوعبت
المسلمين عامة، غنيهم وفقيرهم، وقال: والله لئن بقيت لهم لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه، وقال مالك وأحمد: لاحظ للرافضة فيه، واختاره الشيخ، وقال: ليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه فوق الحاجة، كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، وقال: لو قدر أنه لم يحصل للفقراء من الزكاة ما يكفيهم، وأموال بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة، كان إعطاء العاجز منهم عن الكسب فرض كفاية، فعلى المسلمين جميعًا أن يطعموا الجائع، ويكسوا العاري ولا يدعوه بينهم محتاجًا.стр. 1988
.........................................................
стр. 1989
فصل (١)
ويصح الأمان من مسلم، عاقل، مختار (٢) ، غير سكران (٣) ولو قنا أو أنثى (٤) . الحواشي
(١) أي في الأمان ضد الخوف، ذكره الشارح، والأصل في الأمان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة، فمن طلب أمان ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته، ثم يرد إلى مأمنه، وفي الصحيحين: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» .(٢) أي يشترط أن يكون الأمان من مسلم، فلا يصح من كافر ولو ذميا، للخبر، عاقل، لا طفل ولا مجنون، فإن كلامه غير مفيد، مختار، فلا يصح، من مكره عليه، ويصح من أسير غير مكره، للعموم، ويصح من هرم، وسفيه، لعموم ما سبق، ولا ينقض الإمام أمان المسلم، إلا أن يخاف خيانة من أعطيه.(٣) لأنه لا يعرف المصلحة.(٤) أي ولو كان الأمان من قن، فإذا أمن العبد المسلم شخصًا أو مدينة يمضي أمانه، وهو مذهب مالك والشافعي، سواء أذن له سيده في القتال، أو لم يأذن قال عمر: العبد المسلم رجل من المسلمين، يجوز أمانه، رواه سعيد، وللخبر المتقدم، ولأنه مسلم عاقل، أشبه الحر، وكذا لو كان الأمان من أنثى، لما في الصحيحين «قد أجرنا من أجرت، يا أم هانئ» ولقصة زينب، وذكر الإجماع على صحة أمانها غير واحد.стр. 1990
بلا ضرر (١) في عشر سنين فأقل (٢) منجزًا ومعلقًا (٣) . الحواشي
(١) أي علينا من تأمين الكفار.(٢) أي لا أزيد، قال الوزير: اتفقوا على أن الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها، وقال الشيخ وابن القيم: تجوز ما شئنا لقوله: «نقركم ما أقركم الله» واختار الشيخ صحته، وقال ابن القيم: في غزوة الحديبية جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، ويجوز فوقها، للحاجة، والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف، وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام، وأخذ ابن القيم من قوله: «نقركم ما شئنا» جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام، إذا استغني عنهم، كما أجلاهم عمر بعد موت النبي ﷺ وأنه قول قوي، يجوز للمصلحة، وفي قصة هوازن دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز.(٣) أي يصح الأمان منجزًا، بغير تعليق، كقوله: أنت آمن، ويصح معلقًا بشرط، نحو إن فعلت كذا أو: من فعل كذا فهو آمن، لقوله ﷺ «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ويصح بكل ما يدل عليه من قول، كـ لا «بأس عليك» أو «أجرتك» أو «لا تخف» ونحو ذلك، وبرسالة، وكتاب وبإشارة مفهومة، قال عمر: «لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله، لقتلت به» رواه سعيد، وقال أحمد: إذا أشير إليه بشيء غير الأمان، فظنه أمانًا، فهو أمان، وكل شيء يرى العدو أنه أمان فهو أمان، ويصح لرسول ومستأمن، لقوله: «لو كنت قاتلاً أحدًا، لقتلتكما» فمضت السنة أن لا تقتل الرسل
ومن جاء بلا أمان، وادعى أنه رسول، أو تاجر وصدقته عادة قبل،
وإلا فكأسير، وإن أسر مسلم فأطلق بشرط أن يقيم عندهم، لزمه الوفاء إلا
المرأة، وبلا شرط، وكونه رقيقا، فإن أمنوه فله الهرب، وإلا فيقتل ويسرق، قال الشيخ: لو سرق أولادهم، وخرج بهم إلى بلاد المسلمين ملكهم، ويجوز عقد الأمان للرسول، والمستأمن، ويقيمون مدة الهدنة بلا جزية، وعند أبي الخطاب: لا يجوز سنة فصاعدا إلا بجزية، واختاره الشيخ.стр. 1991
من إمام لجميع المشركين (١) ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم (٢) ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفا (٣) ويحرم به قتل، ورق، وأسر (٤) . الحواشي
(١) ولبعضهم، ولأهل جهة، ومحلة وعدد، وفرد، رجل، أو امرأة لأن ولايته عامة، ويصح من إمام وأمير لأسير كافر، بعد الاستيلاء عليه، وليس ذلك لآحاد الرعية إلا أن يجيزه الإمام، وعنه: يصح لآحادهم قطع به في المنتهى لقصة زينب.(٢) لعموم ولايته وقتالهم، وفي حق غيرهم هو كآحاد الرعية.(٣) أي يصح أمان كل واحد من آحاد الرعية لقافلة صغيرة، وحصن صغير عرفًا، وقدره بعضهم مائة فأقل، لأن عمر أجاز أمان العبد لأهل الحصن، ولا يصح لأهل بلدة كبيرة كرستاق، ولا جمع كبير، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد، والإفتيات على الإمام.(٤) وكذا أخذ مال، أو التعرض لهم، لعصمتهم بالأمان، وإذا أودع المستأمن ماله مسلمًا، أو أقرضه إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، بقي الأمان في ماله، ويبعث به إليه إن طلبه، وإن مات بعث به إلى ورثته، ومن دخل منا دارهم بأمان، حرمت عليه خيانتهم، ومعاملتهم بالربا، فإن خانهم، أو سرق منهم أو اقترض شيئا، وجب رده إلى أربابه.стр. 1992
ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله (١) ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته (٢) ثم يرد إلى مأمنه (٣) والهدنة عقد الإمام أو نائبه (٤) على ترك القتال مدة معلومة (٥) ولو طالت، بقدر الحاجة (٦) وهي لازمة (٧) . الحواشي
(١) لزمت إجابته لقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ الآية، وتقدم قول الأوزاعي هي إلى يوم القيامة.(٢) ليعلم أمر الدين، وما له من الثواب إن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر.(٣) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي إلى الموضع الذي يأمن فيه، وهو دار قومه.(٤) وهي في اللغة الدعة والسكون، وتسمى مهادنة، وموادعة ومعاهدة، ومسالمة، ولا يعقدها إلا الإمام الذي بيده الحل والعقد، أو نائبه، لأنها تتعلق بنظرهما واجتهادهما، وليس غيرهما محلا لذلك، لعدم ولايته، وصلاحيته لترك القتال، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ .(٥) والجمهور: ومجهولة. لفعله ﷺ ذلك في صلح الحديبية كما في الصحيحين وغيرهما، من غير ذكر مدة.(٦) فإن زادت على عشر عندهم بطل الزائد فقط.(٧) قال الشيخ: ويجوز عقدها مطلقا وموقتا، والموقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به، ما لم ينقضه العدو، ولا ينقض بمجرد الخيانة، في أظهر قولي العلماء، وأما المطلق فهو عقد جائز، يعمل الإمام فيه بالمصلحة ومتى مات الإمام، أو عزل لزم من بعده الوفاء بعقده.стр. 1993
يجوز عقدها لمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد، لنحو ضعف بالمسلمين (١) ولو بمال منا ضرورة (٢) ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة (٣) وأمره سرا بقتالهم، والفرار منهم (٤) ولو هرب قن فأسلم لم يرد، وهو حر (٥) ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقود، وحد (٦) . الحواشي
(١) أي عن القتال، أو لمشقة الغزو، أو مانع بالطريق، ونحو ذلك، أو في أداء الجزية، فإن لم تكن حاجة، كظهور المسلمين وقوتهم، لم يصح ذلك.(٢) لدعاء المصلحة لها، ولا تصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة.(٣) مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك، أو الأسر، وكذا بمال منهم، وبغير عوض، بحسب المصلحة، لفعله ﷺ .(٤) لأنه ﷺ فعل ذلك في صلح الحديبية، ولا يمنعهم الإمام أخذه، ولا يجبره على العود معهم، لقصة أبي بصير، ولأنه رجوع إلى الباطل، فكان له الأمر بعدمه، وله لمن أسلم معه أن يتحيزوا ناحية، ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذوا أموالهم، ولا يدخلون في الصلح، وإذا عقدها من غير شرط، لم يجز رد من جاء مسلما أو بأمان.(٥) لأنه لم يدخل في الصلح، ولأنه ملك نفسه بإسلامه لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً *﴾ وكلمة «هو حر» جملة مستأنفة سيقت لبيان حكم لا حالية.(٦) أي حد قذف مسلم، وحد سرقة، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من المسلمين، في النفس، والمال، والعرض، ولا يحدون لحق الله، لأنهم لم يلتزموا حكمنا.стр. 1994
ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا (١) وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم (٢) . الحواشي
(١) على الأصح، جزم به في الإقناع، والمنتهى، وغيرهما.(٢) والقتال، فيقول: قد نبذت عهدكم، وصرتم حربا، ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا عوهد المشركون عهدا وفي لهم به، إلا أبا حنيفة، فشرط بقاء المصلحة، واتفقوا على أنه لا يجوز نقضه إلا بعد نبذه في مدة العهد، ولا يصح نقضه إلا من إمام، ومتى حارب أهل العهد من هم في ذمة الإمام أو جواره وعهده، صاروا حربا له بذلك، وله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، كما في قصة الفتح، وإنما الإعلام إذا خاف منهم خيانة، فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده، وأما الذمة فليس له نبذها، لأنها مؤبدة.стр. 1995
باب عقد الذمة وأحكامها (١)
الذمة لغة العهد، والضمان، والأمان (٢) ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية (٣) والتزام أحكام الملة (٤) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥) . الحواشي
(١) وما يتعلق بذلك، وصيغة عقدها: أقررتكم بالجزية، والاستسلام، أو يبذلون ذلك فيقول لهم: أقررتكم على ذلك، أو نحوهما.(٢) فعله من: أذم يذم، إذا جعل له عهدا، قال ﷺ «يسعى بذمتهم أدناهم» والفرق بين المعاهد، والمستأمن، والذمي، أن المعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية.(٣) بدلا عن قتلهم، وإقامتهم بديارنا، كما يأتي، لا إقرارا منا لهم على دينهم الباطل، وقال الشيخ: وجبت عقوبة وعوضا عن حقن الدم، عند أكثر العلماء، وليس للإمام نقض عهدهم، وتجديد الجزية عليهم، لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقده عمر معهم.(٤) من إقامة الحد عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزنا، لا السرقة، وأخذهم بالقصاص من قتل نفس، أو أخذ مال أو غيره.(٥) أي يؤدوا الخراج المضروب عليهم إن لم يسلموا، على وجه الصغار كل عام، أو جزاء على أماننا لهم، لأخذها منهم رفقا، واختاره الشيخ، ويأتي ما في
الصحيح أنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وصالح أكيدر دومة على الجزية، رواه أبو داود وغيره، وبعث معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دنيارا، رواه الخمسة.стр. 1996
(لا يعقد) أي لا يصح عقد الذمة (لغير المجوس) (١) لأنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فصارت لهم بذلك شبهة (٢) ولأنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف (٣) (وأهل الكتابين) اليهود والنصارى، على اختلاف طوائفهم (٤) . الحواشي
(١) هذا المذهب، وقول بعض العلماء، وكانوا عربا، فاعتنقوا المجوسية لمجاورتهم فارس.(٢) قال الشيخ: إنما وقعت الشبهة فيهم لما اعتقد بعض أهل العلم أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، وقد أخذت منهم بالنص والإجماع، قال: وإذا كان أهل الكتاب لا تجوز مهادنتهم إلا مع الجزية والصغار، فغيرهم أولى بذلك.(٣) ورواه الترمذي وغيره عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر، وعن المغيرة أنه قال لعامل كسرى، أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، ورواه البخاري، وقال ابن رشد: اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس، لقوله ﷺ «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» .(٤) كما أخبر ﷺ أن اليهود إحدى وسبعون فرقة والنصارى
اثنتان وسبعون فرقة، واليهود: قيل لأنهم هادوا عن عبادة العجل، أي تابوا أو نسبة إلى يهوذا، بالمعجمة، ثم عرب بالمهملة وقيل غير ذلك، والنصارى نسبة إلى قرية بالشام يقال لها ناصرة.стр. 1997
(ومن تبعهم) فتدين بأحد الدينين (١) كالسامرة والفرنج والصابئين (٢) لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣) . الحواشي
(١) أي دين اليهودية أو النصرانية.(٢) التابعين لليهودية أو النصرانية، فالسامرة: قبيلة من قبائل بني إسرائيل وهم طائفة من اليهود، إليهم نسب السامري، ويقال لهم: «السمرة» والفرنج: هم الروم، ويقال لهم «بنو الأصفر» والأشبه أنها مولدة، ولعل ذلك نسبة إلى فرنجة، بضم أوله وثانيه، وسكون ثالثه، جزيرة من جزائر البحر، والنسبة إليها فرنجي ثم حذفت الياء، والصائبين جمع صابئ، وهم الخارجون من دين إلى غيره، وأصل الصبو الخروج، فيعقد لهؤلاء، وقاله شيخ الإسلام وغيره، وتنوخ وبهرا، وبنو تغلب، نصارى، لمجاورتهم للروم، وقبائل من اليمن تهودوا لمجاورتهم ليهود اليمن، قال ابن القيم: فأجرى الجزية ولم يعتبر آباءهم ولا متى دخلو في دين أهل الكتاب.(٣) فشملت الآية من تدين باليهودية أو النصرانية، فمن اختار اليهودية أو النصرانية من هؤلاء أو غيرهم، أقر وعقدت له، قال الوزير وابن رشد وغيرهما: اتفقوا على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وكذلك اتفقوا على ضربها على المجوس، واختلفوا فيمن لا كتاب له ولا شبهة، فقال مالك: تؤخذ من كل كافر، عربيا كان أو عجميا، إلا من مشركي قريش، وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا من العجم، وهو رواية عن أحمد، واختار أبو العباس أخذ الجزية من جميع الكفار ، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد، بل كانوا قد أسلموا.
وقال: ومذهب الأكثرين: أنه يجوز مهادنة جميع الكفار، بالجزية والصغار، قال: وإذا عرفت حقيقة السنة، تبين أن رسول الله ﷺ لم يفرق بين عربي وغيره، وأن أخذ الجزية، كان أمرا ظاهرا مشهورا، وقدوم أبي عبيدة بمال البحرين معروف، والنبي ﷺ لم يخص العرب بحكم في الدين، لا بمنع الجزية ولا منع الاسترقاق، ولا تقديمهم في الإمامة، ولا بجعل غيرهم ليس كفوا لهم في النكاح، ولا بحل ما استطابوه دون ما استطابه غيرهم، بل إنما علق الأحكام، بالأسماء المذكورة في القرآن، كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر.стр. 1998
(ولا يعقدها) أي لا يصح عقد الذمة (إلا) من (إمام أو نائبه) (١) لأنه عقد مؤبد فلا يفتات على الإمام فيه (٢) ويجب إذا اجتمعت شروطه (٣) (ولا جزية) وهي مال يؤخذ منهم، على وجه الصغار، كل عام (٤) . الحواشي
(١) ويحرم عقدها من غيرهما ولا يصح.(٢) ولأن ذلك يتعلق بنظر الإمام، وما يراه من المصلحة.(٣) وهي بذل الجزية والتزام أحكامنا، قالوا: وكون المعقود له كتابيا، وتقدم اختيار أخذها، من جميع الكفار، وأما نصارى العرب، ويهودهم ومجوسهم، من بني تغلب وغيرهم، فلا جزية عليهم، ولو بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتان من أموالهم مما فيه الزكاة لأن عمر أضعفها عليهم، وقاله الشيخ وغيره، وإذا عقدها كتب أسماءهم وأسماء آبائهم، وخلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفا يكشف حال من تغير حاله.(٤) أي كل سنة هلالية، وتجب بآخره، تتكرر بتكرر السنين، فإن انقضت سنون استوفيت كلها، وإن مات في أثناء السنة فقال مالك، والشافعي وأحمد:
تؤخذ جزية ما مضى، وإن لم يؤدها حتى أسلم، سقطت، والصغار بالفتح: الذل والهوان.стр. 1999
بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا (١) (على صبي، ولا امرأة) ومجنون (٢) وزمن وأعمى، وشيخ فان (٣) وخنثى مشكل (٤) (ولا عبد، ولا فقير يعجز عنها) (٥) . الحواشي
(١) فإن لم يبذلوها لم يكف عنهم.(٢) لأنهم ليسوا من أهلها، لما رواه الخمسة وغيرهم، وصححه ابن حبان والحاكم، أن النبي ﷺ أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينار أي بالغ، ومفهومه: أنها لا تؤخذ من غير بالغ.(٣) ولا أهل الصوامع، قال الشيخ: إلا من يخالط الناس، ويتخذ المتاجر، فكالنصارى بالاتفاق، و «فان» بالفاء والنون، أي ضعيف، لأنهم لا يقتلون قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الجزية، لا تضرب على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم حتى يبلغوا، ولا على عبيدهم، ولا على مجنون، ولا ضرير، ولا شيخ فان، ولا أهل الصوامع، وقال الشيخ: تؤخذ من راهب بصومعة ما زاد على بلغته، ويؤخذ منهم ما لنا كالرزق للديورة، والمزارع إجماعا، قال: والرهبان الذين يخالطون الناس، ويتخذون المتاجر والمزارع، فكسائر النصارى، تؤخذ منهم الجزية باتفاق المسلمين.(٤) لأن الأصل براءته منها، لكونه لا يعلم أنه رجل.(٥) لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ .стр. 2000
وتجب على عتيق ولو لمسلم (١) (ومن صار أهلا لها) أي للجزية (٢) (أخذت منه في آخر الحول) بالحساب (٣) (ومتى بذلوا الواجب عليهم) من الجزية (وجب قبوله) منهم (٤) (وحرم قتالهم) وأخذ مالهم (٥) ووجب دفع من قصدهم بأذى (٦) ما لم يكونوا بدار حرب (٧) . الحواشي
(١) أي ولو أعتقه المسلم، لأنه حر، مكلف، موسر، من أهل القتال، فلم يقر بدارنا بلا جزية، كحر الأصل، وتجب على مبعض بحسابه.(٢) كتابيا كان أو مجوسيا، واختار الشيخ وغيره، أخذها من كل كافر، كما تقدم.(٣) أي بمقدار ما بقي من الحول، إن نصفا فنصف، أو ربعا فربع، ونحو ذلك، ولا يترك حتى يتم له حول، لئلا يحتاج إلى إفراده بحول، ولا يصح شرط تعجيلها، ولا يقتضيه الإطلاق.(٤) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فجعل إعطاء الجزية غاية لكف القتال عنهم ولقوله ﷺ في حديث بريدة «فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم» .(٥) أي بعد إعطاء الجزية، لأن الله تعالى جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم، وأمر رسول الله ﷺ بالكف عنهم بعد إجابتهم، فحرم قتالهم، وأخذ مالهم، بعد بذلهم ما وجب عليهم.(٦) ولو انفردوا ببلد، ولو شرطنا أن لا نذب عنهم لم يصح.(٧) أي فلا يجب الدفع عنهم، لبقائهم بدار الحرب، فحكمهم حكمهم.следующие страницы →