Полный текст (4 103 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
(أو تنجس دهن مائع) (١) أو عجين (٢) . الحواشي
(١) لم يطهر بالغسل ولو كثر، وحد المائع بحيث يسيل لو فتح فم الزق، وقيل: بحيث لا تسري فيه النجاسة، وعنه: أن المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير، قال الشيخ: بل أولى بعدم التنجيس من الماء، وهو الأظهر في الأدلة الشرعية بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجيس الأشربة والأطعمة، ولذا لم يأمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الأطعمة والأشربة، وفي تنجيسها من الحرج والضيق ما لا يخفى، والفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، وإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير، فكذلك الصواب في المائعات، ومن تدبر الأصول المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة، وقال وبالجملة فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم يتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله ، وقال ابن القيم: إذا لم تتغير بالنجاسة لم تنجس، وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول، فإن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث، والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم، وخلفه ضده، فهذا هو محض القياس والمعقول، فإذا زال التغير عاد طيبا، والدليل على أنه طيب الحس والشرع.(٢) أي أو تنجس عجين لم يطهر بالغسل، لأنه لا يمكن غسله، والعجين ما يعجن من الدقيق بالماء، فعيل بمعنى مفعول، من: عجن الدقيق ونحوه يعجنه عجنا
اعتمد عليه بجميع كفه يغمزه، وقال الشيخ وغيره: يطهر السمن الجامد والعجين بقلع وجهه، والتمر بالغسل، وذكر أن طائفة من أصحاب الأئمة رأوا غسل الدهن النجس، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة.стр. 352
أو باطن حب (١) أو إناء تشرب النجاسة (٢) أو سكين سقيتها (لم يطهر) (٣) لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه (٤) .
وإن كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر (٥) . الحواشي
(١) أي أو تنجس باطن حب تشرب نجاسة من أي أنواع الحبوب لم يطهر بالغسل، لأنه لا يستأصل أجزاء النجاسة مما ذكر، وما لم يتشرب النجاسة يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله.(٢) أي أو تنجس إناء تشرب النجاسة لم يطهر بالغسل.(٣) أي أو تنجست سكين سقيت النجاسة وهو بأن تعالج بأدوية وتغمس في الماء النجس وأما إحماؤها في النار، ثم غمسها في ماء نجس ونحوه فإطفاء لها، فتطهر بالغسل، فإن غمست أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما ولم يحتج إلى غسل السكين وإغلاء اللحم مع عصره، وقال الشيخ في سكين القصاب: لا تحتاج إلى غسل، فإن غسل التي يذبح بها بدعة.(٤) أي أجزاء ما تنجس مما ذكر.(٥) لحديث أبي هريرة ألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعا فلا تقربوه، رواه أبو داود، والجامد هو القائم اليابس ضد الذائب، أو هو الذي إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي، ما يملأ محلها عن قرب، والمائع بخلافه، قال شيخ الإسلام: عمل بهذا اللفظ بعض العلماء لظنهم صحته، وهو باطل، ولو اطلع الإمام أحمد على العلة القادحة فيه لم يقل به لأنه من رواية معمر، وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم وقوله: «فلا تقربوه» متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين: وقال البخاري وغيره: خطأ وقال ابن القيم: غلط من معمر من عدة وجوه: ويكفي أن الزهري قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر، وسأل عن هذه المسألة فأفتى بأنها يلقى ما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدل بالحديث، فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه، فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما سواه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده اهـ وفي الصحيح وغيره عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوه، قال شيخ الإسلام: إذا وقعت فأرة في دهن مائع ولم يتغير بها ألقيت وما قرب منها، ويؤكل ويباع في أظهر قولي العلماء.стр. 353
فإن اختلط ولم ينضبط حرم (١) .
(وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة (٢) وأراد الصلاة (غسل) وجوبا (٣) (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن، فلا يزول إلا بيقين الطهارة (٤) . الحواشي
(١) أي فإن اختلط النجس بالطاهر، ولم ينضبط النجس حرم الأكل، تغليبا لجانب الحظر، وإن وقع في مائع سنور أو فأرة ونحوهما مما ينضم دبره إذا وقع فخرج حيا فطاهر، وكذا في جامد، وإن مات فيه، أو حصلت منه رطوبة ألقي وما حوله.(٢) كمصلى صغير أو بيت صغير.(٣) يعني ما احتمل أن النجاسة أصابته.(٤) ولأنه اشتبه الطاهر بالنجس فوجب عليه اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة
بالغسل ولا يكفي الظن، وعند الشيخ يكفي الظن في غسل المذي وغيره من سائر النجاسات، وفي القواعد الأصولية: يحتمل أن تخرج رواية في بقية النجاسات، من الرواية التي في المذي، وفي النكت: وعنه ما يدل على جواز التحري في غير صحراء.стр. 354
فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله، وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما (١) ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحر (٢) (ويطهر بول) وقيء (غلام لم يأكل الطعام) لشهوة (بنضحه) أي غمره بالماء (٣) . الحواشي
(١) أو علمها في أحدهما ونسيه غسلهما، وإن علمها فيما يدركه بصره من بدنه أو ثوبه غسل ما يدركه منها، وما لا يدركها أي لا يشاهدها بالعين لقلتها بحيث لو كانت مخالفة للون ثوب ونحوه، ووقعت عليه لم تر لقلتها، وتعبير بعضهم بما لا يدركه الطرف فيه نظر، والأحاديث الصحيحة صريحة فيما يظهر من القذر، واختار ابن عقيل وابن المنا وصاحب الفائق والشيخ وغيرهم أنه لا ينجس.(٢) ولا غسل كصحراء وحوش واسع خفي موضع النجاسة فيه، لأنه يفضي إلى الحرج والمشقة، ولحديث كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ وتقدم.(٣) قال صاحب الإنصاف وغيره: بلا نزاع، وإن لم يقطر منه شيء، والنضح في الأصل الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره وفي الكافي: أن يغمره بالماء وإن لم ينزل عنه، وهو نجس، صرح به الجمهور، هذا إذا لم يأكل الطعام لشهوة أو اختيار، فإنه قد يلعق العسل ساعة يولد ويناول السفوف ونحوه، والنبي ﷺ حنك بالتمر، قال شيخنا وغيره: ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان
يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيع أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق
عليه أنه يأكل الطعام اهـ فإن أكله لشهوة واختيار غسل والغلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه، وفي لفظ بول الغلام الرضيع.стр. 355
ولا يحتاج لمرس وعصر (١) فإن أكل الطعام غسل كغائطه وكبول الأنثى والخنثى، فيغسل كسائر النجاسات (٢) قال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما وذكر بعضهم أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية أصلها من اللحم والدم.
وقد أفاده ابن ماجه، وهو غريب قاله في المبدع (٣) ولعابهما طاهر (٤) (ويعفى في غير مائع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) (٥) . الحواشي
(١) لحديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله متفق عليه، ونضح بول الغلام، وغسل بول الجارية متواتر لا شيء يدفعه.(٢) لقول علي يرفعه: يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر، قال قتادة: إذا لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا.(٣) والحكمة والله أعلم أن بول الغلام يخرج بقوة فينتشر أو أنه يكثر حمله فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فبولها أنتن وأخبث لرطوبتها، فتكون هذه المعاني مؤثرة في الفرق.(٤) أي لعاب الذكر والأنثى طاهر ولو بعد قيء.(٥) من حيوان طاهر في الحياة، وفاقا، واليسير ما لا ينقض الوضوء خروج قدره من البدن، وظاهره أنه لا يعفى عنه في المائع والمطعوم ولو كثر وهو
المذهب ومذهب مالك والشافعي، وعنه: يعفى عنه وفاقا لأبي حنيفة وغيره من السلف، وهو نص القرآن واختاره الناظم والشيخ وغيرهما، واختار العفو عن يسير النجاسات مطلقا في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وقال: إذا استهلكت فيه واستحالت فلا وجه لإفساده، ولا دليل على نجاسته، لا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله ﷺ وفي مجمع البحرين: الأولى العفو عنه لعظم المشقة ولا يرتاب ذو عقل في عموم البلوى به، والدم مخفف الميم على اللغة الفصيحة المشهورة، وتشدد في لغية وأصله دمي، وجمعه دماء ودمي، وقيل أصله دمو أو دمو بالتحريك.стр. 356
ولو حيضا أو نفاسا (١) أو استحاضة (٢) وعن يسير قيح وصديد من حيوان طاهر لا نجس (٣) . الحواشي
(١) لحديث أسماء قال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه، متفق عليه، قال المجد: فيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره وإن قل للعموم، والأكثر على أنه يعفى عنه، جزم به الموفق والشيخ وغيرهما، وصوبه في تصحيح الفروع، وقال الشارح وغيره، أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف، وكذا غيرهم وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي.(٢) لأنه يشق التحرز منه.(٣) القيح مادة بيضاء غليظة لم يخالطها دم، والصديد ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدة، فيعفى عن يسيرهما من طاهر لتولدهما من الدم، فهما أولى بالعفو، ولو أصابه من غيره، ولا يعفى عنهما من حيوان نجس كالكلب والحمار، فإن العفو مختص باليسير من دم الطاهر، وأما الدم الكثير منه فلا نزاع في نجاسته حكاه الزركشي وغيره.
وقال النووي: الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين، وقال: القيح نجس بلا خلاف، وكذا ماء القروح نجس
بالاتفاق، وقال الشيخ: ولا يجب غسل الثوب من المدة والقيح
والصديد ولم يقم الدليل على نجاسته، وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته، قال في الإنصاف في ماء القروح: هي أقرب إلى الطهارة من القيح والصديد.стр. 357
ولا إن كان من سبيل قبل أو دبر (١) واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه (٢) ويضم متفرق بثوب لا أكثر (٣) ودم السمك (٤) وما لا نفس له سائلة كالبق (٥) والقمل (٦) . الحواشي
(١) أي القيح والصديد، لأن حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن شيء منه.(٢) وقدر في الإنصاف وغيره بما ينقض الوضوء، والمعفو عنه من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم إذا كان من حيوان طاهر.(٣) أي يضم متفرق من دم ونحوه من ثوب ونحوه، فإن فحش لم يعف عنه ولا يضم متفرق بأكثر من ثوب، بل يعتبر ما في كل ثوب على حدته لأن أحدهما لا يتبع الآخر.(٤) طاهر: لأنه لو كان نجسا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، وقيل: نجس وصححه الموفق وغيره، لأنه دم أشبه سائر الدماء، ولأن الشرع لم يرد فيها بطهارة فيدخل في عموم الآية، وهو حيوان خلقه الله في الماء، وهو أنواع كثيرة، ومنه ما يكبر حتى يكون كسفينة كبيرة، ومنه ما هو صغير حتى لا يدركه البصر.(٥) أي البعوض دود معروف، واحدته بقة في غاية الصغر، دمه طاهر وسائلة بالنصب والرفع إتباعا لمحل اسم لا، ولـ لا مع اسمها أي لا دم له سائل.(٦) أي ودم القمل طاهر، والقمل يتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان تحت الشعر أو الثوب، يتغذى بدمه، وكذا دم القراد والحمنانة والحلمة إن لم تكن مخلوقة من حيوان نجس، وهو ظاهر الغاية، وكذا دم البراغيث والذباب ونحوهما مما لا نفس له سائلة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والراجح من مذهب الشافعي.стр. 358
ودم الشهيد عليه (١) وما يبقى في اللحم وعروقه (٢) ولو ظهرت حمرته طاهر (٣) (و) يعفى (عن أثر استجمار) بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد (٤) (ولا ينجس الآدمي بالموت) لحديث المؤمن «لا ينجس» متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) طاهر ولو كثر، فإن انفصل فنجس كغيره.(٢) أي عروق لحم مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلاله.(٣) لم يحرمه الله ، نص عليه لأنه لا يمكن التحرز منه، ولأن لله إنما حرم الدم المسفوح، والمسفوح هو الذي يسيل فالذي ليس بمسفوح ليس بحرام، وحله يدل على طهارته، وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم في القدر فيبقى الدم في الماء خطوطا قال الشيخ الإسلام: لا أعلم بين العلماء خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم فلا فرق بين أن يكون الدم في مرق القدر، أو مائع آخر، أو على سكين ونحوها، فعلى هذا: النجس من الدم هو المسفوح، والمسفوح هو السائل.(٤) ثلاث فأكثر، كما مر في الاستنجاء، قال الشارح: بغير خلاف نعلمه، والإنقاء التنظيف ولو بقي لزوجة لا يزيلها إلا الماء، قال أحمد في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، وعلم منه أنه إن كان تعدى إلى الثوب أو البدن أو غيرهما لم يعف عنه، واتفقوا على أنه لا يلزم نضح ما شك في نجاسته.(٥) وقال البخاري عن ابن عباس: لا ينجس المسلم حيا ولا ميتا، قال الشيخ: وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي، وأصح القولين في مذهب مالك، وخصه في شرح العمدة بالمسلم، وقاله المجد في الهداية، وقال الشيخ: عظم الآدمي طاهر إذ لا موجب لتنجيسه، وكذا عظم الميتة لأن المقتضى للتنجيس الدم في العظام، وهو مذهب أبي حنيفة، واختاره هو وابن القيم وغيرهما.стр. 359
(وما لا نفس) أي دم (له سائلة) (١) كالبق والعقرب (٢) وهو (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت بريا كان أو بحريا (٣) فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه (٤) (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه) طاهر (٥) . الحواشي
(١) من حيوان البر والبحر، يقال: سالت نفسه أي دمه، وإنما سمي الدم نفسا لأن النفس التي هي اسم لجلمة الحيوان قوامها بالدم.(٢) لا ينجس بالموت، والعقرب معروفة ذات سم، وأنواعها كثيرة، وكذا ذباب وزنبور ودود ونمل وخنافس وصراصر وبراغيث ونحوها.(٣) بلا نزاع فإن كان متولدا من نجاسة كصراصر حش ودود جرح، أو
خارج من الدبر فنجس حيا وميتا، لأن استحالته غير مطهرة، وتقدم قول شيخ الإسلام.(٤) أي موت البق والعقرب ونحوهما في الماء اليسير، في قول عامة الفقهاء قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافا، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي وروي في الحديث ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه ونحوه للدارقطني وغيره، وفي الصحيح إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، قال ابن القيم: وفيه دلالة ظاهرة على أنه إذا مات في ماء أو مائع لا ينجسه، وهذا قول جمهورالعلماء، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك، وعدي هذا الحكم إلى كل ما نفس له سائلة اهـ، وقد يموت ولو نجس الطعام لأفسده وكذا بوله وروثه، ولا يكره ما مات فيه، بخلاف الوزغ ونحوه، فإن نفسه سائلة، نص عليه كالحية والضفدع والفأرة، فينجس بالموت، وينجس الماء اليسير ونحوه بموتها فيه، وتقدم.(٥) وقال الشيخ: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته بل القول
بنجاسته محدث، لا سلف له من الصحابة اهـ وكذا ريقه ومخاطه ودمعه كبوله وأولى وسؤر المأكول كله طاهر في الجملة، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعا ولبنه طاهر بلا نزاع.стр. 360
لأنه ﷺ أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها (١) والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (٢) (ومني الآدمي) طاهر (٣) . الحواشي
(١) متفق عليه، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، ولا دليل على نجاسة ذلك بحال، وفي الصحيح أنه ﷺ يصلي في مرابض الغنم، وأمر بالصلاة فيها، متفق عليه، وهي لا شك تبول فيها، قال النووي: والألبان أربعة أقسام: لبن مأكول اللحم، طاهر بنص القرآن والسنة والإجماع، ولبن الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما نجس بالاتفاق، ولبن الآدمي طاهر، وحكى أبو حامد إجماع المسلمين على طهارته ولبن سائر الحيوانات الطاهرة غير ما تقدم المنصوص نجاستها، وهو مذهب مالك وأحمد، وقيل طاهرة وهو مذهب أبي حنيفة، والعرنيون قبيلة من العرب في بجيلة من كهلان، وهم من ولد عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن عمرو بن الغوث.(٢) فدل على طهارته، وذكر شيخ الإسلام على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه بضعة عشر حجة من النص والإجماع والاعتبار والعقل، وقال: الأصل في الأرواث الطهارة إلا ما استثني.(٣) من ذكر أو أنثى، عن احتلام أو جماع أو غيرهما، ولو خرج بعد استجمار، صرح به في الإقناع، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، ومقتضى إطلاق الأخبار، وقال في الإنصاف، ومني الآدمي طاهر هذا المذهب مطلقا
وفي المبدع إن كان على المخرج نجاسة فالمني نجس لا يعفى عن شيء منه اهـ وقال شيخ الإسلام ﵀: سواء كان مستنجيا أو مستجمرا فإن منيه طاهر، ومن قال إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف، فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا قليل جدا، ومع هذا فلم يأمر ﷺ أحدا منهم بغسل مني ولا فركه اهـ والمذي نجس إجماعا، ولا يطهر بنضحه وفاقا، وعنه يجزئ فيه النضح، وقواه الشيخ، وجزم في العمدة بالعفو عن يسيره، وصححه الناظم والشيخ وغيرهما، وخصوصا في حق الشباب، لكثرة خروجه منهم، فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم، قال الشيخ: وهو أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الحذاء اهـ وأما الودي فنجس إجماعا.стр. 361
لقول عائشة: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه) متفق عليه (١) فعلى هذا يستحب فرك يابسه وغسل رطبه (٢) . الحواشي
(١) ولابن خزيمة: كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه، وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، والفرك الدلك والحت من باب قتل، وهو أن تحكه بيدك حتى يتفتت ويتقشر.(٢) قال شيخ الإسلام: وأما كون عائشة تغسله تارة من ثوب رسول الله ﷺ وتفركه تارة، فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهذا قول غير واحد من الصحابة ابن عباس وغيره، قال: وروى أحمد بإسناد صحيح عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه.стр. 362
(ورطوبة فرج المرأة) وهو مسلك الذكر طاهر (١) كالعرق والريق والمخاط (٢) والبلغم ولو أزرق (٣) وما سال من الفم وقت النوم (٤) (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) غير مكروه (٥) . الحواشي
(١) للحكم بطهارة منيها مطلقا، وهو قول للشافعي، وتقدم قول الشيخ، وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع نجس، لأنه لا يسلم من المذي قال في المبدع: وهو ممنوع، فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني وحده.(٢) وهو ما يخرج من الأنف، وهو أخلاط من أخلاط البدن.(٣) بتشديد القاف، سواء كان من الرأس أو الصدر أو المعدة، لحديث أبي هريرة إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض، رواه مسلم وغيره، ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، والبزاق إذا اختلط بالدم لا يخلو إما أن يكون الدم غالبا أو مغلوبا أو مساويا فإن احمر البزاق بسبب الدم صار الدم غالبا أو مساويا وضر، وإن اصفر البزاق بالدم صار مغلوبا فلا يضر.(٤) طاهر بالاتفاق، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة بالاتفاق، وقال الزركشي: فالخارج من الإنسان على ثلاثة أقسام: طاهر بلا نزاع، وهو الدمع والعرق والريق والمخاط والبصاق، ونجس بلا نزاع وهو البول والودي والدم، وما في معناه، ومختلف فيه، وهو المني وتقدم وسبب الاختلاف فيه هو تردده في مجرى البول، وبلغم المعدة لتردده بين القيء وبين نخامة الرأس.(٥) بلا نزاع، إلا ما روي من كراهته عن أبي حنيفة، وكذا فضلاته لحديث أبي قتادة في الهر إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه الترمذي وغيره وصححه شبهها بالمماليك من خدم البيت، الذين يطوفون على أهله للخدمة، ولعدم إمكان التحرز منها، سوى منيه فنجس قاله الزركشي
وغيره، وفي الاختيارات: وقول الأصحاب: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، يعني أن جنسه طاهر، وقد يعرض له ما يكون نجس العين كالدود المتولد من العذرة، فإنه نجس ذكره القاضي، ويخرج طهارته بناء على أن الاستحالة إذا كانت بفعل الله طهرت، ولا بد أن يلحظ طهارة ظاهره من العذرة بأن يغمس في ماء ونحوه، إلا أن يقال: إنه لا يكون على بدنه شيء منها اهـ وما دونها أي من طير وغيره خلقة ألحق بها بجامع الطواف.стр. 363
غير دجاجة مخلاة (١) والسؤر بضم السين مهموز بقية طعام الحيوان وشرابه (٢) والهر القط (٣) . الحواشي
(١) بالتشديد أي غير محفوظة فيكره سؤرها احتياطا لأن الظاهر نجاسته.(٢) هذا ظاهر القاموس أنه حقيقة في مطلق البقية، وقال بعض اللغويين، هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو الحوض، ثم استعير لبقية الطعام وغيره، والجمع الأسآر والفعل أسأر أي بقى مما شرب، ويكره سؤر الفأر، لأنه يورث النسيان، وقيل ست تورث النسيان: سؤر الفأرة وإلقاء القملة، والبول في الماء الراكد وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح، ومنهم من ذكره حديثا، لكن قال ابن الجوزي: إنه موضوع، وزيد العصيان، والهموم، والأحزان بسبب الدنيا، وكثرة الاشتغال بها، وأكل الكزبرة الرطبة، والنظر إلى المصلوب، والحجم في نقرة القفاء، واللحم الملح، والخبز الحامي، وكثرة المزح، والضحك بين المقابر، واللعب بالمذاكير، أو الذكر حتى ينزل، والنظر إليه، والبول في الطريق، أو الرماد والنظر إلى الفرج وغير ذلك.(٣) بالكسر يعني السنور، جمعه هررة كقردة وهرة بالكسر جمعها هرر كقرب، وقال ابن الأنباري: الهر يقع على الذكر والأنثى اهـ وهو ظاهر لفظ الحديث السابق.стр. 364
وإن أكل هو أو طفل ونحوهما نجاسة ثم شرب، ولو قبل أن يغيب من مائع لم يؤثر لعموم البلوى (١) لا عن نجاسة بيدها أو رجلها (٢) ولو وقع ما ينضم دبره في مائع ثم خرج حيا لم يؤثر (٣) (وسباغ البهائم (٤) و) سباع (الطير) (٥) التي هي أكبر من الهر خلقه (٦) . الحواشي
(١) ولأن الشارع عفا عنها مطلقا، لمشقة التحرز، ولاحتمال أنه شرب من ماء آخر، وقال ابن تميم: فيكون الريق مطهرا لها، وقال الشيخ: إن طال الفصل كان طاهرا، جعلا لريقها مطهرا لفمها، لأجل الحاجة وهو أقوى الأقوال وقوله: ونحوهما أي من طير وبهيمة.(٢) فإنه يؤثر نص عليه.(٣) لعدم وصول النجاسة إليه، وكذا لو وقع في جامد وخرج حيا، وما ينضم دبره كالضفدع والسحبلة والسعودة والوزغ والضب والجرذ والفأر، وقيل: كل حيوان ينضم دبره، إلا البعير، وهو معلوم الطهارة.(٤) كالفيل والفهد والأسد والنمر والذئب نجسة، والكلب والخنزير منها فالسبع ما يفترس من الحيوان مطلقا، وأما الثعلب والضبع فلا وإن كان له ناب.(٥) ما يصيد منها من كل ما لا يؤكل نجسة كالعقاب والصقر والحدأة والبومة ويقال لهن الجوارح، وهن الكواسب من الطير، وعنه في الطير لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره الشيخ ومال إليه.(٦) لا كالهر أو دونه كالنمس والنسناس وابن عرس والفأرة والقنفذ فطاهر حيا، ولو أعقب ذلك بسباع البهائم لكان أولى.стр. 365
(والحمار الأهلي والبغل منه) أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) (١) وكذا جميع أجزائها وفضلاتها (٢) لأنه ﵇ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: «إذاكان الماء قلتين لم ينجسه شيء» ، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما (٣) وقال في الحمر يوم خيبر، «إنها رجس» ، متفق عليه (٤) . الحواشي
(١) وأما الحمار الوحشي والبغل منه فطاهر مأكول.(٢) كريقها وعرقها نجسة، وكذا سؤرها، وعن أحمد طهارة الحمار الأهلي والبغل، اختاره الموفق والشيخ وجماعة، وهو مذهب مالك والشافعي، قال في الإنصاف: وهو الأصح وأقوى دليلا، لأنه ﵊ يركبها ويركبان في زمانه، وفي عصر الصحابة، فلو كانا نجسين لبين النبي ﷺ ذلك وعليه فسؤرهما وفضلاتهما طاهرة، وتعليله ﵊ طهارة سؤر الهرة وطهارة ريق الكلب على الصيد يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجج من يقول بطهارة سؤر البغل والحمار، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، وحديث «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور» ، ولفظ الموطأ وغيره، ولنا ما بقي طهور وشراب، وحديث: «أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم» وبما أفضلت السباع قواه البيهقي وله طرق.(٣) فوجه الدلالة منه أن السباع والدواب نجسة، لنجاسة الماء بما ينوبه منها إذا لم يبلغهما، وتقدم كلام الشيخ على الحديث.(٤) أي حرام، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي في قدورهم فإنه رجس وذبح ما لا يحل أكله لا يطهره، قال ابن القيم: ودليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة، فإنه لم يقم على تنجيس سؤرها دليل، وغاية ما احتج به لذلك قول النبي
ﷺ «إنها رجس» والرجس هو النجس، وهذا لا دليل فيه، لأنه إنما نهاهم عن لحومها، وقال: إنها رجس ولا ريب أن لحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيها، فهي رجس، ولكن من أين أن تكون في حال حياتها؟ حتى يكون سؤرها نجسا.стр. 366
الحواشي
(١) بالفتح وبالكسر وبالتحريك ضد الطاهر، وتقدم وعند أهل اللغة: القذر، وما كان نجسا في الحياة فموته لا يزيده إلا خبثا.стр. 367
باب الحيض (١)
أصله لغة السيلان (٢) من قولهم: حاض الوادي: إذا سال (٣) . الحواشي
(١) والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بها من الأحكام، وعنون بالحيض لأصالته، وقال أحمد: كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته، ومن أسمائه الطمث، والطمس، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاث، والدراس، والعراك، والفراك، ونظمها بعضهم فقال:
حيض نفاث دراس طمس إعصار ... ضحك عراك فراك طمث إكبار
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية والسنة مستفيضة، وكذا الإجماع، وقال أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة، وفي رواية: وأم سلمة بدل أم حبيبة.(٢) سال يسيل سيلا وسيلانا، جرى.(٣) وحيضان السيول ما سال منها، ومنه حاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم وهو الصمغ الأحمر، ودم الحيض سمي حيضا لسيلانه من رحم المرأة في أوقاته المعادة، ويقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض وحائضة إذا جرى دمها، وتحيضت أي قعدت أيام حيضها، واستحيضت استمر بها الدم بعد أيامها على سبيل النزف، وقال بعض أهل اللغة: الحيض دم يخرج في أوقاته بعد بلوغها، والاستحاضة دم يخرج في غير أوقاته، فدم الحيض يخرج من قعر الرحم أسود محتدم، أي حار كأنه محترق، وأما دم الاستحاضة فهو من مرض وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل، وأما النفاس فهو الدم الخارج بعد فراغ الرحم.стр. 368
وهو شرعا: دم طبيعة وجبلة (١) يخرج من قعر الرحم (٢) في أوقات معلومة (٣) خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته (٤) . الحواشي
(١) أي سجية وخلقة، وقيل: العطف للتفسير، ومعناه دم الحيض المعتاد الذي يكون في حال السلامة، جبل الله بنات آدم عليه، وليس هو دم فساد، قيل: سببه ابتداء ابتلاء الله لحواء لأكل الشجرة فبقي في بناتها إلى يوم القيامة ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» ، وذكر النووي أنه عام في جميع بنات آدم.(٢) بكسر الحاء مخففة وبسكونها مع فتح الراء وكسرها في لغة: أي موضع تكوين الولد، ووعاؤه، عند البلوغ وبعده مع الصحة، بخلاف الاستحاضة.(٣) أي يعتاد أنثى بلغت في أوقات معلومة، على صفة معلومة، وذكروا أنه يحيض من الحيوانات أربع: المرأة والضبع، والأرنب والخفاش.
زاد بعضهم وقال:
إن اللواتي يحضن الكل قد جمعت ... في ضمن بيت فكن ممن لهن يعي
امرأة ناقة مع أرنب وزغ ... وكلبة فرس خفاش مع ضبع(٤) لافتقاره إلى الغذاء، فلو شاركها في غذائها لضعفت قواها، ولكن جعل الله له فضلة من فضلاتها، مخلوقة من مائها، فإذا حملت انصرفت تلك بإذن الله إلى غذائه، فلذلك قيل إن الحامل لا تحيض، وقد تحيض لاحتباس البعض وخروج البقية، فإذا وضعت قلبه الله لبنا يتغذى به الولد، ولذلك قل أن تحيض المرضع، فإذا خلت من حمل ورضاع بقي لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقل، ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما يركبه الله في الطباع، قال النووي: والنساء على أربعة أضرب: طاهر وهي ذات النقاء، وحائض وهي من ترى الحيض في زمنه بشرطه ومستحاضة
وهي من ترى الدم على أثر الحيض، على صفة لا يكون حيضا، وذات الفساد وهي من يبتدئها دم لا يكون حيضا.стр. 369
(لا حيض قبل تسع سنين) (١) فإن رأت دما لدون ذلك فليس بحيض (٢) لأنه لم يثبت في الوجود (٣) وبعدها إن صلح فحيض (٤) قال الشافعي: رأيت جدة لها إحدة وعشرين سنة (٥) . الحواشي
(١) هلالية وفاقا تحديدا، صرح به الأكثر، وقيل تقريبا، استظهره في تصحيح الفروع.(٢) أي دون تسع سنين هلالية.(٣) أي لأن الحيض إنما خلق لحكمة تربية الولد، وهذه لا تصلح للحمل، فلا توجد فيها حكمته ولم يوجد لأنثى حيض قبل استكمال هذا السن، ولا عادة تقتضيها فما رأته فليس بحيض، وعنه لا حد لأقله وما رأته مما يصلح أن يكون حيضا فهو حيض، تجب به أحكام الحيض واختاره الشيخ وغيره، وقال الدارمي: المرجع إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان وجب جعله حيضا، وما سوى هذا القول خطأ.(٤) أي وبعد التسع إن صلح بأن لا ينقص عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يوما، فحيض تثبت به أحكام الحيض كلها، قالت عائشة: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) ، وروي مرفوعا عن ابن عمر.(٥) نقله عنه جماعة من أصحابه، وقيل: إنه رآها بصنعاء، قالوا: وهذا رآه واقعا اهـ فدل على أنها حملت لدون عشر، وكذا بنتها، ويتصور جدة بنت تسع عشرة سنة ولحظة فتحمل لتسع وتضع لستة أشهر بينا، وتحمل تلك البنت لتسع سنين وتضع لستة أشهر.стр. 370
(ولا) حيض (بعد خمسين) سنة (١) لقول عائشة: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض) ، ذكره أحمد (٢) ولا فرق بين نساء العرب وغيرهن (٣) (ولا) حيض (مع حمل) قال أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (٤) . الحواشي
(١) أي فلا تجلس بل تصوم وتصلي.(٢) وقالت: (لن ترى في بطنها ولدا بعد الخمسين) .(٣) يعني فمتى بلغت المرأة خمسين فليس بحيض فلا تجلسه، وعنه: لاحد لأكثره وفاقا لأبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وصححه في الكافي، وصوبه في الإنصاف، وقال مالك والشافعي: ليس له حد، وإنما الرجوع فيه إلى العادات في البلدان اهـ فتجلس عادة جلوسها في عادة حيضها، ولا تسمى آيسة حتى ينقطع لكبر أو تغير لقوله: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ﴾ الآية وهو أحوط وعليه العمل.(٤) يعني فالحمل علم على عدم الحيض، لقوله ﵊ «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» رواه أحمد وأبو داود، وعنه أن الحامل تحيض، وفاقا لمالك والشافعي، واختاره الشيخ، وصاحب الفائق، قال في الفروع: وهو أظهر، وصوبه في الإنصاف، وقال: وقد وجد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك، ويتكرر في كل شهر، على صفة حيضها وقال الحافظ: هو دم بصفات دم الحيض، وفي زمان إمكان فله حكم دم الحيض، فمن ادعى خلافه فعليه البيان اهـ وفي الموطأ عن عائشة قالت في المرأة الحامل ترى الدم، (إنها تدع الصلاة) ولم ينكر، قال: وذلك الأمر عندنا، ولأنه دم لا يمنعه الرضاع، فلا يمنعه الحمل، كالنفاس، ولأنه دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمكانه، ولأنه متردد بين كونه فسادا لعلة، ومحيضا، والأصل السلامة من العلة، ولا مانع من كونه حيضا، إذا كان في وقته وعلى صفته
لأنه الأصل وإن كان مصرفه غذاء الولد فقد يبقى بعده بقية، فلا تصلي فيه ولا توطأ، وروي الحاكم أن أحمد رجع لما ناظره إسحق في هذه المسألة، قال النووي في التنبيه: وفي الدم الذي تراه الحامل قولان: أصحهما أنه حيض، وقال: فإن قيل: فإذا كانت الحامل تحيض، لم يحصل الوثوق ببراءة الرحم في العدة والاستبراء، ولا خلاف أنه يحل نكاحها بعد انقضاء العدة بالأقراء، ويحل وطء الأمة بعد الاستبراء، فالجواب أن الحيض أمارة ظاهرة على عدم الحمل، ولهذا لا تحيض الحامل غالبا، فاكتفينا به في العدة والاستبراء، لأنه يفيد الظن في براءة الرحم، وإن كان لا يفيد القطع، وأكثر الأحكام مبنية على غلبة الظن.стр. 371
فإن رأت دما فهو دم فساد (١) لا تترك له العبادة (٢) ولا يمنع زوجها من وطئها (٣) ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه (٤) إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة مع أمارة فنفاس (٥) . الحواشي
(١) لا حيض ولا تثبت له أحكام الحيض، إن لم يكن عادة لها بلا خلاف، فإن كان عادة ويأتيها في عادة الحيض، وتطهر في عادة الطهر، فحيض عند الجمهور، واختاره الشيخ وغيره، وهو قليل الوقوع، بخلاف من لم يكن عادة لها، ويضطرب عليها الدم.(٢) كالصلاة والصوم والاعتكاف والطواف ونحوها.(٣) وفاقا، وظاهره ولو لم يخف العنت.(٤) أي الدم زمن حملها نص عليه احتياطا، وخروجًا من الخلاف، وهذا تفريع على المذهب، وعلى ما اختار الجمهور أنه حيض له حكم الحيض.(٥) أي علامة على الولادة، كالتألم بفتح الهمزة، فنفاس له أحكام النفاس، قالوا: وإن تبين خلاف ذلك أعادت ما تركته، ولا تترك الصيام، ولا الصلاة بلا أمارة على قربه، عملا بالأصل.стр. 372
ولا تنقض به مدته (١) (وأقله) أي أقل الحيض (٢) (يوم وليلة) (٣) لقول علي ﵁ (٤) (وأكثره) أي أكثر الحيض (خمسة عشر يوما) بلياليها لقول عطاء: (رأيت من تحيض خمسة عشر يوما) (٥) . الحواشي
(١) أي مدة النفاس عن أربعين يوما.(٢) يعني أقل زمنه، وكذا قوله: أكثره، المراد أكثر زمنه.(٣) أي قدرها وهو أربع وعشرون ساعة.(٤) الآتي: (إن امرأة جاءته) إلخ، واختار الشيخ أنه لا يتقدر أقل الحيض، بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص عن يوم فإن الأصل في ذلك عدم التقدير من الشارع، قال ﷺ «إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي» ، ولم يقيد ذلك بقدر، بل وكله إلى ما تعرفه من عادتها ومذهب مالك ولو دفعه فقط.(٥) عطاء هو ابن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المكي روي عن ابن عباس وغيره، فقيه فاضل، مات سنة مائة وأربع عشرة، ولقول علي: ما زاد على الخمسة عشر استحاضة واستفاض عن كثير من السلف أنهم وجدوه عيانا، وعنه: لا حد لأكثره وفاقا لمالك والشافعي: واختاره الشيخ، وقال: لا يتقدر أكثره بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، ولو زاد على السبعة عشر، واللذين يقولون أكثره خمسة عشر وأقله يوم وليلة كالشافعي وأحمد، أو لا حد له كمالك، فهم يقولون: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة، وقال الشيخ أيضا: ما أطلقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده، فلا حد لأقل الحيض ولا أكثره، ما لم تصر مستحاضة، ولا لأقل سن ولا أكثره، واختاره كثير من الأصحاب وكثير من أهل العلم، وصوبه في الإنصاف، وقال مالك والدارمي وطوائف من المحققين: إذا وجد ولو أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوما فالأوجه الاعتماد على الوجود وقد حصل.стр. 373
(وغالبه) أي غالب الحيض (ست) ليال بأيامها.
(أو سبع) ليال بأيامها (أو سبع) ليال بأيامها (١) (وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوما) احتج أحمد بما روي عن علي (أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض.
فقال علي لشريح: قل فيها فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها، ممن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة) (٢) . الحواشي
(١) وفاقا لقول ﷺ لحمنة بنت جحش «تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها فإن ذلك يجزئك» رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه ولمعرفة ذلك بالاستقراء والتتبع وقوله «ستة أو سبعة» للتنويع يعني من النساء من تكون غالب عادتها ستة، ومنهن من تكون سبعة.(٢) شريح هو ابن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر الكندي، أبو أمية الكوفي. أدرك النبي ﷺ ولم يلقه، استقضاه عمر وعثمان وعلي، وأقام على القضاء ستين سنة، ثم استعفى من الحجاج، وله مائة وعشرون سنة، ثم عاش سنة، ومات ﵁، وبطانة أهل المرأة خواصها العارفون بواطن أمورها، وبطانة الرجل أهله وخاصته الذين يعرفون سره، شبه ببطانة الثوب ضد الظهارة، والحاصل أن أحمد ﵁ احتج بهذا الخبر، أنه لا يقبل قول المرأة في زائد إلا ببينة، وليس شرطا عند الأصحاب إلا في العدة، وكلام أحمد لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر، إذا قامت به البينة
وإن ادعت أنها حاضت ثلاثا في أكثر من شهر لم يحتج لبينة، ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أن الثلاثة عشرة طهر صحيح يقينا، وإن لم تشهد البطانة أنها حاضت في شهر ثلاث حيض فهي كاذبة، وهذا توقيفي، واشتهر ولم يعلم خلافه، وعنه: لا حد لأقله، رواها الجماعة، وصوبه في الإنصاف، واختاره الشيخ، وقال: وقد يكون أقل إذا كان عادة فلو رأت الطهر ساعة ثم عاودها الدم؟ فإن كانت في العادة جلسته ولو صفرة أو كدرة، وبعدها فلا، لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) .стр. 374
فقال علي: (قالون) أي جيد بالرومية (١) (ولا حد لأكثره) أي أكثر الطهر بين الحيضتين (٢) لأنه قد وجد من لا تحيض أصلا (٣) لكن غالبه بقية الشهر (٤) . الحواشي
(١) يعني أصبت، والرومية اليونانية، والروم جيل من ولد روم بن عيص بن إسحاق.(٢) حكاه الحافظ والنووي وغيرهما إجماعا، قال: ودليله في الإجماع ومن الاستقراء أن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه عن امرأة أنها تحيض في كل سنة يوما وليلة حكاه أبو الطيب وغيره.(٣) وقد روي أن امرأة ولدت على عهد النبي ﷺ فلم تر دما فسميت ذات الجفوف.(٤) أي غالب الطهر بين الحيضتين بقية الشهر الهلالي بعدما حاضته منه، إذ الغالب أن المرأة تحيض في كل شهر ستا أو سبعا، فالغالب أن يكون الطهر أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين، لما تقدم في حديث حمنة، وقال المجد: يحدد أكثر عند الضرورة في حق من استمر بها الدم، ولا عادة لها ولا تمييز ببقية الشهر بعد القدر الذي تجلسه.стр. 375
والطهر زمن حيض خلوص النقاء (١) بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها (٢) ولا يكره وطؤها زمنه إن اغتسلت (٣) (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة) إجماعا (٤) (ولا يصحان) أي الصوم والصلاة (منها) أي من الحائض (٥) . الحواشي
(١) أي الطهر في أثناء الحيض فراغ الدم، و (خلوص) مصدر خلص بمعنى فرغ أو انتهى، وكل شيء يتصور أن يشوبه غيره إذا صفى من شوبه وخلص عنه يسمى خالصا.(٢) طال الزمن أو قصر، تغتسل منه وتصلي، وتفعل ما تفعله الطاهرات.(٣) أي لا يكره وطء من انقطع دمها في أثناء عادتها واغتسلت زمن الطهر في أثناء حيضها قل أو كثر، لأن الله وصف الحيض بكونه أذى، فإذا انقطع واغتسلت فقد زال الأذى، وهذا مذهب الجمهور مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم، إذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيممت، وهو معنى ما روي عن بضعة عشر من الصحابة، منهم الخلفاء والقرآن يدل على ذلك قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني اغتسلن بالماء، قال الشيخ: وهو الصواب، بخلاف النفاس فيأتي أنه يكره.(٤) فلا تقضيها الحائض، وكذا حكى ابن المنذر والوزير والنووي وغيرهم إجماع أهل العلم على وجوب قضاء الصوم على الحائض، وسقوط فرض الصلاة عنها في أيام حيضها، لقوله ﷺ لبنت أبي حبيش، «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» ، ولقول عائشة (كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) ، متفق عليهما، والفرق أن الصلاة تتكرر، فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام.(٥) للنهي عن ذلك، ومنه «فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة» ، والنهي يقتضي عدم الصحة.стр. 376
(بل يحرمان) عليها (١) كالطواف وقراءة القرآن (٢) واللبث في المسجد (٣) لا المرور به إن أمنت تلويثه (٤) (ويحرم وطؤها في الفرج) (٥) . الحواشي
(١) إجماعا لما تقدم من النهي، وفي الصحيح «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» ، وهل تثاب على الترك كالمريض؟ قال في الفروع، ويتوجه أن وصفه لها ﵊ بنقصان الدين بترك الصلاة زمن الحيض يقتضي أن لا تثاب عليه، ولأن نيتها تركها زمن الحيض اهـ، وفي معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر كما تحرم صلاة الجنازة.(٢) أي كما يحرم الطواف إجماعا حكاه ابن جرير وغيره، وعند الشيخ وغيره: بلا عذر، ويأتي وكما تحرم قراءة القرآن، واختار الشيخ جواز قراءة القرآن، وهي حائض.
وقال: إذ الحيض قد يمتد، فلو منعت فاتت عليها مصلحتها، وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها، وهو مذهب مالك وأحد قولي الشافعي، والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن» لم يصح فإنه معلول باتفاق أهل العلم بالحديث.(٣) أي وكذا يحرم اللبث في المسجد إجماعا، ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، ولو عبر بـ (كذا) بدل كاف التشبيه لكان أولى، لأن القاعدة أن المشبه دون المشبه به.(٤) أي فلا يحرم، فإن خافت حرم، وذكر صاحب المنتهى أن الحيض يمنع اثنى عشر الغسل له، والوضوء ووجوب الصلاة، وفعلها وفعل طواف وصوم، ومس مصحف، وقراءة القرآن، ولبثا بمسجد، ووطء في فرج وسنة الطلاق، واعتدادا بأشهر، قال عثمان: وهذا المنع يقتضي التحريم، كما استظهره ابن نصر الله، لأن الإتيان بالعبادة مع مانع من صحتها تلاعب.(٥) إجماعا حتى ينقطع حيضها، وتغتسل إلا أبا حنيفة فيما إذا رأت
الطهر لأكثره ولم تغتسل ومستند الجمهور ظاهر القرآن والآثار وحكى النووي وغيره إجماع المسلمين على تحريمه، للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة، ومنها: «فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ » ومستحله كافر، والنفاس كالحيض فيما يمنعه ويوجبه، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه.стр. 377
إلا لمن به شبق بشرطه (١) قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢) .
(فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاعه من يجامع مثله حشفته ولو بحائل (٣) . الحواشي
(١) الشبق شدة الشهوة، وبابه تعب، أي إلا لمن هاجت به شهوة النكاح فيباح له الوطء بشرطه، وشرطه أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، وأن يخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وأن لا يجد مباحة غير الحائض، وأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمة، وقيل: بل يلزمه النكاح أو التسري، ولو زاد على مهر أو ثمن المثل، زيادة كثيرة، لكن لا تجحف بماله، لأن ظاهر كلامهم أن ما لا يتكرر لا يكون مانعا، وقيل: ويتجه أو خوف عنت منه أو منها، ولا تندفع شهوتهما بدون إيلاج.(٢) أراد بالاعتزال ترك الوطء لقوله ﷺ «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه الجماعة إلا البخاري، وفي لفظ إلا الجماع، وهو ظاهر الدلالة وقال الشيخ: المراد اعتزال ما يراد منهن في الغالب، وهو الوطء في الفرج لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء، فدل على أن الوصف هو العلة، لا سيما وهو مناسب للحكم، كآية السرقة، فأمر بالاعتزال في الدم للضرر والنجس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحل سببه، وقال ابن قتيبة: المحيض الحيض نفسه.(٣) أي أولج من يجامع بكسر الميم مثله، وهو ابن عشر فأكثر، حشفته
أو قدرها إن كان مقطوعها قبل انقطاع الحيض ولو كان الإيلاج بحائل لفه على ذكره ويجد معه حرارة الفرج فعليه الكفارة، وأما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحرم ولا كفارة.стр. 378
أو مكرها أو ناسيا أو جاهلا (١) (فعليه دينار أو نصفه) على التخيير (كفارة) (٢) لحديث ابن عباس يتصدق بدينار أو نصفه كفارة، رواه أحمد والترمذي وأبو داود (٣) . الحواشي
(١) لعموم الخبر وقياسا على الوطء في الإحرام، ولهم وجهان في الناسي ونحوه وعنه لا يأثم ولا كفارة وفاقا لقوله عفي عن أمتي الخطأ والنسيان لقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ فوضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه كما أرشدنا أن نقول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقال قد فعلت، وقال الشاطبي وغيره: الخطأ والنسيان متفق على عدم المؤاخذة بهما، فكل فعل صدر عن غافل أو ناس أو مخطئ فهو مما عفي عنه ومن شرط المؤاخذة بالأمر والنهي الذكر والقدرة على الامتثال، وذلك في المخطئ والناسي محال.(٢) سواء وطئها في أول الحيض أو آخره، أسود كان الدم أو أحمر؟ نقله الجماعة واختاره الشيخ، وقال: هو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به، فكيف وقد جاءت به مرفوعا وموقوفا، وقال: كل ما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش لم يشرع له كفارة، بل فيما كان مباحا في الأصل وحرم لعارض، كالوطء في الصيام والحيض، وهو الصحيح اهـ وعنه لا كفارة عليه وفاقا للأئمة الثلاثة وجمهور الأمة، واختاره أبو بكر وابن عبدوس وغيرهما، ومال إليه الموفق والشارح، وجزم به في الوجيز وغيره، وأن من تعمد ذلك أثم، وليس عليه إلا التوبة، قال الترمذي: وهو قول علماء الأمصار، وقوله: (أو نصفه) على التخيير، وعنه: في إدباره أو صفرة، يعني نصف الدينار.(٣) ومداره على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الخطاب قيل لأحمد
في نفسك منه شيء؟ قال: نعم لأنه من حديث فلان، وقال: لو صح كنا نرى عليه الكفارة، وقال الخطابي: لا يصح متصلا مرفوعا، وقال هو وابن كثير وغيرهما: قال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله، والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، والأثر قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه فالله أعلم.стр. 379
وقال: هكذا الرواية الصحيحة (١) والمراد بالدينار، مثقال من الذهب مضروبا كان أو غيره (٢) أو قيمته من الفضة فقط (٣) ويجزئ لواحد (٤) وتسقط بعجزه (٥) وامرأة مطاوعة كرجل (٦) . الحواشي
(١) أي في التخيير بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام.(٢) أي فالدينار زنة مثقال، وهو ضرب من المعاملات القديمة وأصله دنار ووزنه حدى وسبعون شعيرة، وزنته بالدراهم درهم وثلاثة أسباع درهم، وإذا أخرج عنه مثقالا من الذهب خاليا من الغش أجزأ سواء كان مضروبا أو غير مضروب، أو نصفه على ما تقدم، والمضورب المطبوع، والنصف أحد شقي الشيء كله، واختار الشيخ: لا يجزئ إلا المضروب، لأن الدينار اسم للمضروب واستظهره في الفروع.(٣) أي فلا يجزئ إخراج القيمة كسائر الكفارات، إلا من الفضة لإجزاء أحدهما عن الآخر في الزكاة.(٤) أي لمسكين واحد، لعموم الخبر، وكنذر مطلق، وذكر الشيخ وجها أنه يجوز صرفها إلى من له أخذ الزكاة للحاجة.(٥) أي عن الكفارة ككفارة الوطء في نهار رمضان.(٦) في التحريم والكفارة، إلا أن تكون ناسية أو مكرهة أو جاهلة فلا كفارة عليها، صرح به في المغني والمبدع وغيرهما، والفرق بينهما على القول بالوجوب حيث عذرت بذلك ولم يعذر هو لأن المجامعة لا تكون غالبا إلا منه، فهي أحق بالعفو، وهل تلزم الصبي؟ صوب ابن نصر الله وصاحب الإنصاف أنها لا تلزمه.стр. 380
(و) يجوز أن (يستمتع منها) أي من الحائض (بما دونه) أي دون الفرج، من القبلة، واللمس والوطء دون الفرج (١) لأن المحيض اسم لمكان الحيض (٢) قال ابن عباس: فاعتزلوا نكاح فروجهن (٣) ويسن ستر فرجها عند مباشرة غيره (٤) . الحواشي
(١) والاستمناء بيدها ونحو ذلك، والوطء دون الفرج إذا كان يملك نفسه عن الفرج إما لشدة ورع أو لضعف شهوة، للأخبار الصحيحة، قال ابن كثير وغيره: هو قول أكثر العلماء، لما تقدم من الآية والأخبار، وإلا فلا وفاقا، وصوبه في الإنصاف لقوله: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ، ويعضده الأمر بالإتزار، وقال ابن القيم: حديث أنس ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة، وهو النكاح، وأباح كل ما دونه، وأحاديث الإتزار لا تناقضه، لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى، وقرر الشيخ قاعدة: وهي أن ما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، ودار التحريم عليه، فأما الاستمتاع بما فوق السرة، وتحت الركبة فلا نزاع فيه، وقد حكى إجماع المسلمين عليه غير واحد، والقبلة بضم القاف اللثمة من التقبيل وقبلها تقبيلا لثمها.(٢) صرح به ابن قتيبة وغيره، والجمع المحايض، ومصدر كالمقيل والمبيت فيختص التحريم بمكان الحيض.(٣) رواه عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عنه ﵁، في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ .(٤) لما روى أبو داود (أنه ﷺ إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا) ، ويشهد له حديث الأمر بالإتزار، وأوجبه ابن حامد، والمراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين على أي وجه كان.стр. 381
وإذا أراد وطأها فادعت حيضا ممكنا قبل (١) (وإذا انقطع الدم) أي دم الحيض أو النفاس (ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) (٢) فإن عدمت الماء تيممت وحل وطؤها (٣) وتغسل المسلمة الممتنعة قهرا، ولا نية هنا كالكافرة للعذر (٤) ولا تصلي به (٥) وينوى عن مجنونة غسلت كميت (٦) . الحواشي
(١) وذلك بأن تكون في سن من يطرقها الحيض، وهي ابنة تسع نص عليه، وقال ابن حزم وغيره، اتفقوا على تصديق قول المرأة: هي حائض، وقد طهرت وبدن الحائض وعرقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها ونحو ذلك ذكره ابن جرير وغيره إجماعا وقال النووي وغيره: لا خلاف فيه بين العلماء.(٢) لأن وجوب الغسل لا يمنع فعل الصيام كالجنب، ولا يمنع الطلاق أيضا لأن تحريمه لتطويل العدة، وقد زال قال ابن المنذر: هو كالإجماع، وحكاه إسحاق إجماع التابعين، وما روي عن أبي حنيفة من حل الوطء إذا انقطع الدم لأكثر الحيض مردود بالآية والأخبار، وقال شيخ الإسلام: قول الجمهور هو الصواب، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن والآثار، وإذا انقطع ولم تغتسل فكالجنب فيما يجب ويحرم إلا في الوطء، فيتوقف على الاغتسال، لأن حدثها لا يزول إلا بالغسل، واستثنى بعضهم نقض الشعر، ولا حاجة إليه، وقوله: انقطع أي انقضى وفرغ.(٣) لأن التيمم بدل مشروع بالإجماع لكل ما يفعل بالماء، وهل يكره لمن لم يخف العنت؟ الصحيح لا يكره، واختاره الشيخ وغيره.(٤) أي ولا نية لها هنا معتبرة، كما لا نية للكافرة للعذر وهو الامتناع.(٥) لخلوه عن النية، ولا تطوف ولا تفعل كل ما يشترط له الغسل.(٦) أي ينوي عن مجنونة من يغسلها، إذ لا اعتبار بنيتها، لعدم شرطها، وظاهره لا تعيده إذا أفاقت، لقيام نية الغاسل مقام نيتها، كما تقوم نيته عن ميت.стр. 382
(والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضا (١) وهي التي رأت الدم ولم تكن حاضت (٢) (تجلس) أي تدع الصلاة والصيام ونحوهما (٣) بمجرد رؤيته ولو حمرة أو صفرة أو كدرة (٤) (أقله) أي أقل الحيض يوما وليلة (ثم تغتسل) (٥) لأنه آخر حيضها حكما (٦) (وتصلي) وتصوم (٧) . الحواشي
(١) بعد تسع سنين فأكثر على القول به، سواء ابتدئت بدم أسود أو أحمر أو صفرة أو كدرة وفاقا، وابتداء الشيء أول وقت ظهوره.(٢) يعني قبل رؤية الدم، بل هو أول دم طرقها.(٣) كالطواف والاعتكاف الواجبين وكذا القراءة.(٤) على الأصح وفاقا لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والأصل عدمه.(٥) أي تغتسل بعد مضي الأقل، وإن كان مع سيلان الدم.(٦) لا حسا، وإنما أمرناها بالعبادة احتياطا، لبراءة ذمتها، لأن الظاهر أنه حيض، هذا المذهب وعنه: تجلس أكثره وفاقا، واختاره الموفق وغيره، فلا تغتسل قبل الخمسة عشر يوما، ما لم ينقطع، وهو أظهر مما قدمه، وأظهر منه جلوسها ما لم تصر مستحاضة، لعدم وجود التحديد الشرعي، واختاره الشيخ، وهو رواية عن أحمد، وحكاه في الفروع وفاقا، وقالوا: وإن انقطع قبل مضي الأقل لم يجب له غسل، لأنه لا يصلح حيضا، وقضت واجب صلاة ونحوها، وتقدم اختيار الشيخ وغيره أنه لا يتقدر الحيض، وإن انقطع لأقله اغتسلت لأنه آخر حيضها، وإن عاد فكما لو لم ينقطع، وتغتسل عند انقطاعه غسلا ثانيا.(٧) وحكمها حكم الطاهرات، هذا المذهب لأن ما زاد على أقله يحتمل
الاستحاضة فلا تترك الواجب للشك، وتقدم أن استمرار الدم حيض، ما لم تصر مستحاضة وأنه لا يسع النساء العمل بغيره.стр. 383
ولا توطأ (١) (فإن انقطع) دمها (لأكثره) أي أكثر الحيض خمسة عشر يوما (فما دون) بضم النون لقطعه عن الإضافة (٢) (اغتسلت عند انقطاعه) أيضا وجوبا لصلاحية أن يكون حيضا (٣) وتفعل كذلك في الشهر الثاني والثالث (٤) (فإن تكرر) الدم (ثلاثا) أي في ثلاثة أشهر ولم يختلف (٥) . الحواشي
(١) أي يحرم، لأن الظاهر أنه حيض، ولا كفارة ما لم يثبت أنه حيض بل هو حيض، وقالوا: إنما أمرت بالعبادة فيه احتياطا فيجب ترك وطئها احتياطا ولا كفارة فيه حتى يتكرر، ولم يجدوا حجة على ذلك، ولو طردوا أصلهم أنه جبلة وعادة، وأن دم الاستحاضة عارض حتى تصير مستحاضة لكان أصوب.(٢) أي دون الخمسة عشر، ودون: نقيض فوق، وهو ما قصر عن الغاية.(٣) وحكمها حكم الطاهرات في الصلاة وغيرها، لقول ابن عباس: (أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل) ، ويباح وطؤها لأنها رأت النقاء الخالص صححه في الإنصاف.(٤) يعني تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع لأكثره فما دون تغتسل عند انقطاعه ويكون حكمها حكم الطاهرات.(٥) بأن كان مقداره في الثلاثة واحدا، ولو لم يتوال، وإلا فالعادة الأقل، لأنه المتكرر فإن اختلف فما تكرر صار عادة كخمسة في أول الشهر وستة في ثان وسبعة في ثالث، فتجلس الخمسة، أو غير مرتب، كأن ترى في الأول خمسة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث ستة، فتجلس الأربعة لتكررها.стр. 384
(فـ) هو كله (حيض) وثبتت عادتها (١) فتجلسه في الشهر الرابع (٢) ولا تثبت بدون ثلاث (٣) (وتقضي ما وجب فيه) أي ما صامت فيه من واجب وكذا ما طافته أو اعتكفت فيه (٤) . الحواشي
(١) لقوله ﵊ «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وهي جمع وأقله ثلاث فلا تثبت العادة بدونها، لأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء والشهور في عدة الحرة.(٢) لأنه صار عادة لها.(٣) لما تقدم ولا يشترط فيها التوالي، وعنه تثبت بدون ثلاث، واختار الشيخ وغيره أن المبتدأة تجلس في الثاني ولا تعيد.(٤) يعني الوقت المجاوز لأقل الحيض من واجب منهما، وكذا قراءة لتبين أنها فعلته في زمن الحيض، وتقدم أن مذهب جمهور العلماء واختيار الشيخ وغيره جلوس ما رأته ما لم تصر مستحاضة، و قال الشيخ: الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام: دم مقطوع بأنه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه، ودم مقطوع بأنه استحاضة كدم صفرة، ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنه حيض، وهو دم المعتادة والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنه حيض ودم يحتمل الأمرين، والأظهر أنه دم فساد، وهو الدم الذي يحكم بأنه استحاضة من دماء هؤلاء، ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين، ويقول به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم، والصواب أن هذا القول باطل لوجوه: منها أن الله بين لنا ما نتقيه، فكيف يقال إن الشريعة فيها شك؟ ولا يقولون نحن شككنا، فإن الشاك لا علم عنده، فلا يجزم، وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم، والثاني أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط والصواب ما عليه جمهور المسلمين، أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه.стр. 385
وإن ارتفع حيضها ولم يعد (١) أو أيست قبل التكرار لم تقض (٢) (وإن عبر) أي جاوز الدم (أكثره) أي أكثر الحيض (٣) فـ (هي) (مستحاضة) (٤) والاستحاضة سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل (٥) . الحواشي
(١) أي ثم لم تحض ثلاثا لم تقض، يقال: رفعت الناقة لبنها إذا لم تدر.(٢) أي بلغت سن الإياس قبل التكرار ثلاثا لم تقض ما وجب فيه، لأنا لم نتحقق كونه حيضا والأصل براءتها.(٣) يعني تعدي خمسة عشر يوما.(٤) لقول النبي ﷺ «إنما ذلك عرق وليس بحيض» ، متفق عليه قال ابن رشد: إنما أجمعوا في الجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة أكثر الحيض أنه استحاضة، لقول رسول الله ﷺ الثابت لبنت أبي حبيش «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي اهـ» ، وعلم منه أن المستحاضة هي التي جاوز دمها أكثر الحيض، تبع في ذلك المنتهى والإنصاف، وفي الإقناع المستحاضة هي التي ترى دما لا يصلح أن يكون حيضا، ولا نفاسا، تبع صاحبي الشرح والمبدع، فعلى الأول ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل لا قرب الولادة، وماتراه قبل تسع سنين دم فساد لا يثبت له أحكام الاستحاضة، وعلى كلام الإقناع يكون ذلك داخلا في الاستحاضة، فتثبت له أحكامه، ولها من حيث هي سبعة أحوال تعرف بالاستقراء.(٥) العذل الملامة، وربما قيل عاذر بالراء، قيل: سمي بذلك لأن المرأة تستليم إلى زوجها، فجعل العذر للعرق لكونه سببا له.стр. 386
من أدنى الرحم دون قعره (١) (فإن كان) لها تمييز (٢) بأن كان (بعض دمها أحمر وبعضه أسود (٣) ولم يعبر) أي يجاوز الأسود (أكثره) أي أكثر الحيض (ولم ينقص عن أقله فهو) أي الأسود (حيضها) (٤) وكذا إذا كان بعضه ثخينا أو منتنا وصلح حيضا (٥) . الحواشي
(١) إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالأليتين منه الاستحاضة.(٢) مصدر ميز، بمعنى ماز الشيء، عزله وفرزه عن غيره، من باب باع، والتثقيل مبالغة، ويكون في المشتبهات، وتميز انفصل، وانعزل، أي فإن كان للمستحاضة المبتدأة تمييز.(٣) فإن اجتمعت صفات متعارضة فذكر بعض الشافعية أنه يترجح بالكثرة، فإن استوت رجح بالسبق، قاله في المبدع، قال منصور: وكان محله إذا لم يمكن جعل الأسود والثخين والمنتن كله حيضا بأن زاد مجموعه على خمسة عشر.(٤) تدع زمنه الصلاة والصوم ونحوهما، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: (يا رسول الله إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ) ، متفق عليه ولأبي داود، «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة» ، فلو رأت دما أسود ثم أحمر، وعبر أكثر الحيض، فحيضها زمن الدم الأسود، وما عداه استحاضة.(٥) أي وكذا إذا كان لها تمييز بأن كان بعضه ثخينا وبعضه رقيقا، أو بعضه منتنا وبعضه غير منتن، والمنتن هو كريه الرائحة، يقال نتن الشيء ونتن بفتح التاء وضمها وأنتن فهو منتن بضم الميم وكسرها لغة، وصلح بفتح اللام وضمها أي صلح الثخين والمنتن أن يكون حيضا، وذلك بأن ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره فلو رأت خمسة أسود، ثم خمسة أحمر، ثم أطبقت الشقرة، فالأولى هي الأقوى، ومحله إذا لم يمكن جعل الجميع حيضا، بأن زاد مجموعه على خمسة عشر.стр. 387
(تجلسه في الشهر الثاني) ولو لم يتكرر أو يتوال (١) (والأحمر) والرقيق وغير المنتن (استحاضة) تصوم فيه وتصلي (٢) (وإن لم يكن دمها متميزا (٣) جلست) عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر (٤) . الحواشي
(١) أي تدع زمنه الصلاة والصوم ونحوهما مما تشترط له الطهارة، ولو لم يتكرر ما صلح أن يكون حيضا، ولم يتوال أي يتتابع، ومن صور عدم التكرار أن ترى في الشهر الأول عشرة أيام أسود، وفي الثاني سبعة، وفي الثالث ثمانية، فتجلس الأسود كله من كل شهر، والتوالي بأن كانت ترى يوما أسود ويوما أحمر إلى خمسة عشر يوما فما دون، ثم أطبق الأحمر، فتضم الأسود بعضه إلى بعض وتجلسه، وما عداه استحاضة، والحاصل أنها تجلس زمن الأسود الصالح، في أول شهر وما بعد، ولا تتوقف على تكراره، وتجلسه أيضا ولو انتفى التوالي، لأن التمييز أمارة في نفسه، فلا تحتاج إلى ضم غيره إليه، وتثبت العادة بالتمييز إذا تكرر ثلاثة أشهر أو أقل على ما تقدم، وإن لم يكن متميزا.(٢) لأنه لا يصلح حيضا.(٣) بأن كان كله على صفة واحدة، أو الأسود منه ونحوه دون اليوم والليلة أو جاوز الخمسة عشر.(٤) أي تدع الصلاة والصيام والطواف والقراءة ونحو ذلك يوما وليلة من كل شهر هلالي لأن العادة لا تثبت بدون ذلك.стр. 388
حتى يتكرر ثلاث فتجلس (غالب الحيض) ستا أو سبعا بتحر (١) (من كل شهر) من أول وقت ابتدائها إن علمته (٢) وإلا فمن أول كل هلالي (٣) (والمستحاضة المعتادة) أي التي تعرف شهرها، ووقت حيضها وطهرها منه (٤) (ولو) كانت (مميزة تجلس عادتها) (٥) . الحواشي
(١) لا للتخيير بل بالاجتهاد في حال الدم، وعادة أقاربها من النساء فيما يغلب على ظنها أنه أقرب عادتها وعادة نسائها، لحديث حمنة قالت: (يا رسول الله إني استحاض حيضة شديدة كبيرة منعتني الصوم والصلاة فقال: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي» ) ، رواه أحمد وغيره، وعملا بالغالب.(٢) أي علمت ابتداءها بالدم جلسته من أول ابتدائها من كل شهر، والمراد شهر المرأة وهو ما يجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان لا الشهر الهلالي.(٣) أي وإن لم تعلم وقت ابتدائها فتجلس من أول كل شهر هلالي ستا أو سبعا بتحر، والحاصل أن للمبتدأة ثلاثة أحوال: إما أن لا يجاوز دمها أكثر الحيض، أو يجاوز والثانية هي المستحاضة، وهي قسمان: مميزة وغير مميزة، ففي الأولى والأخيرة تجلس الأقل حتى يتكرر، ثم تنتقل إلى المتكرر في الأولى، والغالب في الآخرة وفي الوسطى تجلس المميزة التمييز الصالح من غير تكرار وتقدم أنها تجلس ما تراه ما لم تكن مستحاضة.(٤) لما أنهى الكلام على المستحاضة المبتدأة شرع في أقسام المستحاضة المعتادة وسميت معتادة لأنها تعرف أنها تحيض خمسة مثلا من ابتدائه وتطهر في باقيه، ويتكرر حيضها ثلاثة أشهر، وإلا فلا تسمى معتادة وشهرها هو ما اجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان كما تقدم سواء كان شهرا هلاليا أو أقل أو أكثر.(٥) يعني المستحاضة المعتادة وفاقا لأبي حنيفة، قال الزركشي: هو اختيار
الجمهور وجزم به وصححه غير واحد، وقال الشيخ: هي أظهر الروايتين عن أحمد، وهو ظاهر الحديث اهـ ولا تجلس ما نقصته عن عادتها قبل استحاضتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فصارت أربعة ثم استحيضت جلست الأربع فقط، وإن لم يتكرر النقص، وإن كانت مختلفة.стр. 389
ثم تغتسل بعدها وتصلي (١) (وإن نسيتها) أي نسيت عادتها (عملت بالتمييز الصالح) (٢) بأن لا ينقص الدم الأسود ونحوه عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر، ولو تنقل، أو لم يتكرر (٣) . الحواشي
(١) لعموم قوله ﷺ لأم حبيبة «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» رواه مسلم ولأن العادة أقوى، لكونها لا تبطل دلالتها بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته ولا فرق بين أن تكون العادة متفقة أو مختلفة.(٢) للحيض قال في الإنصاف: بلا نزاع، لحديث بنت أبي حبيش «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئ وصلي، فإنما هو عرق» ولأنها مستحاضة لا تعلم عادتها فلزمها العمل بالتمييز كالمبتدأة وقد تبين أن شرط عمل المستحاضة به أن لا تكون عالمة العادة.(٣) تنقله بأن يكون تارة في أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، وتكرره يعني ثلاثا كما تقدم في المبتدأة، ونحو الأسود الثخين والمنتن، ولا تبطل دلالة التمييز الصالح بزيادة الدمين، وهما الأسود والأحمر، والثخين والرقيق، والمنتن وغيره على شهر، نحو أن ترى عشرة أسود وثلاثين فأكثر أحمر، فتجلس الأسود والأحمر بمنزلة الطهر، ولا حد لأكثره ولا تلتفت لتمييز إلا مع استحاضة، فتجلس جميع دم لا يجاوز أكثر الحيض، لأنه يصلح كله حيضا، وإن اتفقت العادة والتمييز جلستها بلا نزاع.стр. 390
(فإن لم يكن لها تمييز) صالح (١) ونسيت عدده ووقته (٢) (فغالب الحيض) تجلسه من أول كل مدة علم الحيض فيها وضاع موضعه (٣) وإلا فمن أول كل هلالي (٤) (كالعالمة بموضعه) أي موضع الحيض (الناسية لعدده) (٥) فتجلس غالب الحيض في موضعه (٦) . الحواشي
(١) وذلك بأن كان الدم على نسق واحد، والصالح أن لا ينقص عن يوم وليلة، وأن لا يجاوز الخمسة عشر.(٢) أي نسيت المستحاضة غير المميزة عدد أيام الحيض ووقته لنحو غفلة أو علة عارضة وهو القسم الرابع من أقسام المستحاضة، وهي الناسية، ولها ثلاثة أحوال: أحدها أن تكون ناسية لوقتها وعددها، ويسمونها المتحيرة، لأنها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز، قال النووي وغيره: لا تطلق المتحيرة إلا على من نسيت عادتها قدرا ووقتا ولا تمييز لها.(٣) أي فتجلس الناسية لعدد الحيض ووقته غالبه من أول كل مدة علم الحيض فيها، إناطة للحكم بالأكثر كأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول العشر الأوسط من الشهر، أو أول النصف الأخير منه، وضاع موضع الحيض كنصف الشهر الثاني أو الأول أو العشر الأوسط منه.(٤) أي وإن لم تعلم مدة الحيض وموضعه فتجلس من أول كل شهر هلالي غالب الحيض، كمبتدأة، لقوله: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا» .(٥) بأن علمت بأنها تحيض في العشر الأوسط مثلا ونسيت عدد أيام الحيض وهي الحالة الثانية للناسية.(٦) أي موضع حيضها من أوله، لحديث حمنة وهي امرأة كبيرة لم يسألها عن تمييزها ولا عادتها فلم يبق إلا أن تكون ناسية، فإن لم تعلم إلا شهرها ففيه
إن اتسع له، كأن يكون شهرها عشرين، فتجلس ستا أو سبعا بالتحري، وتغتسل وتصلي بقية العشرين، ثم تعود إلى فعلها ذلك أبدا، وإلا يتسع جلست الفاضل بعد أقل الطهر.следующие страницы →