Полный текст (4 103 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فإن أصر كفر (١) (وكذا تاركها تهاونا) أو كسلا (٢) لا جحودا (٣) (ودعاه إمام أو نائبه) لفعلها (فأصر (٤) وضاق وقت الثانية عنها) أي عن الثانية (٥) لحديث «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة» (٦) . الحواشي
(١) بإجماع المسلمين كأن يقول: تعمدت تركها ولا أريد فعلها.(٢) أي تثاقلا من غير استحقار، فإن كان فهو التهاون ويكفر فإن ترك الصلاة كسلا من غير جحود لها كفر مستقل، وهو الصواب الذي تدل عليه السنة، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، وقال أيوب السختياني، ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه، وحكى إسحاق إجماع أهل العلم عليه.(٣) فإن من جحد فرضا مجمعا عليه كفر ولو فعله وتقدم.(٤) يعني على الترك كفر، وأصر على الشيء أقام عليه وداوم.(٥) بأن يدعى إلى الظهر مثلا فيأبى حتى يتضايق وقت العصر عنها فيقتل كفرا، وفاقا لمالك والشافعي.(٦) رواه الطبراني عن شداد بن أوس، ولحديث جابر «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» ، رواه مسلم وحديث بريدة «من تركها فقد كفر» ، صححه الترمذي، وقال عبد الله بن شقيق، لم يكونوا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة وقال إسحاق صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وقال ابن القيم: تارك الصلاة قد شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة اهـ وعن أحمد: إذا أبى حتى تضايق وقت الأولى، اختاره صاحب المحرر وغيره، واستظهره في الفروع، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء، وظاهر إطلاق النصوص، بل الأدلة طافحة بذلك، والتقييد بالزيادة لا دليل عليه.стр. 422
قال أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء (١) فإن لم يدع لفعلها لم يحكم بكفره (٢) لاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها لمثله (٣) .
(ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا (٤) فيهما) أي فيما إذا جحد وجوبها، وفيما إذا تركها تهاونا (٥) . الحواشي
(١) وقال: كل شيء ذهب آخره فقد ذهب جميعه، فتمسكوا رحمكم الله بآخر دينكم، فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه، وليعلم المتهاون في صلاته أنه أذهب دينه فعظموا الصلاة وتمسكوا بها، واتقوا الله فيها خاصة، وفي أعمالكم عامة.(٢) وقضاها فيما بعد، أو كان في نفسه قضاها، قال الزركشي: لا نزاع في عدم تكفيره وقتله.(٣) أي العذر كمرض ونحوه، واللام بمعنى عن، ويهدد فيقال له: إن صليت وإلا قتلناك فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى» إلى قوله: «ويقيموا الصلاة» متفق عليه، قال الشيخ: وإذا تركها عمدا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه.(٤) أي حتى تطلب منه التوبة ثلاثة أيام بلياليها، كمرتد نصا، ويضيق عليه، ويدعى كل وقت إليها، وتوبته أن يصلي، بخلاف جاحدها فتوبته بإقراره بما جحده.(٥) لكن التارك جحودا لا بد فيه من الإقرار بالوجوب، فإن أجاب إلى فعل الصلاة ترك وأمر بها فإن قال: أصلي في منزلي وصدق وكل إلى أمانته، ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس صرح به في الأحكام السلطانية وقال ابن رجب
ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله: بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة وقوله: «فمن تركها فقد كفر» .стр. 423
فإن تابا وإلا ضربت عنقهما (١) والجمعة كغيرها (٢) وكذا ترك ركن أو شرط (٣) وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها حتى يصلي (٤) . الحواشي
(١) أي فإن تابا بفعلها زمن الاستتابة خلي سبيلهما وإن لم يتوبا ضربت أعناقهما بالسيف، لكفرهما وكونه بالسيف لقوله: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ، رواه مسلم، ومتى رجع إلى الإسلام قضي ما تركه مدة الاستتابة ولعله مرادهم.(٢) بل آكد، للأخبار الواردة فيها.(٣) أي وكترك الصلاة ترك ركن أو شرط مجمع عليه، لا مختلف فيه يعتقد وجوبه وهو ظاهر كلامهم، واختاره الشيخ: ولا يقتل بترك فائتة، ولا كفارة ونذر للاختلاف في وجوبها وقال الوزير في قول حذيفة وقد رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ﷺ فيه أن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة، حتى أن من أساء في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها، فإن حكمه حكم تاركها اهـ، وحيث كفر فإنه يقتل ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرق، ولا يسبى له أهل ولا مال ولا ولد.(٤) أي ينبغي الإذاعة والإشهار والإظهار بذلك عنه زجرا له ولغيره.стр. 424
ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته، قال الشيخ تقي الدين (١) ويصير مسلما بالصلاة (٢) ولا يكفر بترك غيرها من زكاة وصوم وحج تهاونا وبخلا (٣) . الحواشي
(١) رحمه الله تعالى في مواضع وذلك فيما إذا كان هجره أنفع له، كما هو معلوم من قواعده، وقال: يعفى عن النائم والناسي إن كان محافظا على الصلاة حال اليقظة والذكر وأما من لم يكن محافظا عوقب على الترك مطلقا.(٢) قال الشيخ الأصوب أنه يصير مسلما بالصلاة من غير إعادة الشهادتين وعن أحمد: توبته أن يصلي، وصوبه الشيخ، لأن كفره بالامتناع كإبليس، والمحافظة عليها أقرب إلى الرحمة ممن لا يصليها ولو فعل ما فعل.(٣) وفاقا، وتقدم قول عبد الله بن شقيق، لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.стр. 425
باب الأذان (١)
هو في اللغة الإعلام (٢) قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام (٣) وفي الشرع إعلام بدخول وقت الصلاة، أو قربه لفجر (٤) . الحواشي
(١) والإقامة وما يتعلق بهما من الأحكام، لما ذكر الصلاة ذكر الأذان بعده مقدما له على الوقت، لأنه إعلام بوقتها.(٢) مطلقا بأي شيء.(٣) وقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي أعلمهم به، يقال: أذن بالشيء يؤذن أذانا وتأذينا إذا علم به، فهو اسم مصدر، وأصله من الأذن بفتحتين وهو الاستمتاع لأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما إذا سمعوه علموا أنهم نودوا إلى الصلاة، وقال ابن قتيبة من الأذن بالضم، كأنه أودع ما علمه أذن صاحبه، ثم اشتهر في عرف الشرع بالإعلام بأوقات الصلاة، فاختص ببعض ذلك، وفي العرف: من التأذين كالسلام من التسليم، شرع في السنة الأولى عند قدوم النبي ﷺ والمسلمين المدينة وسبب مشروعيته لما عسر معرفة الأوقات عليهم تشاوروا في نصب علامة لها، فأريه عبد الله بن زيد في المنام، وأقره الوحي، ومؤذنوه ﷺ خمسة: بلال، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد القرظ، وأخو صداء، وجزم النووي أنه ﷺ أذن مرة.(٤) أي إعلام بدخوله في الغالب أو إعلام بقربه لصلاة الفجر ولو قال: إعلام مخصوص، يعني بالصلاة، ولم يقل: بدخول وقت الصلاة، لعم الفائتة وبين يدي الخطيب، قال الشيخ: والأذان إعلام بوقت الصلاة، ولهذا قلنا: يؤذن للفائتة كما أذن بلال، لأنه وقتها والأذان للوقت الذي يفعل فيه لا الوقت الذي وجب فيه.стр. 426
بذكر مخصوص (١) (والإقامة) في الأصل مصدر أقام (٢) وفي الشرع: إعلام بالقيام إلى الصلاة (٣) بذكر مخصوص (٤) وفي الحديث «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» رواه مسلم (٥) . الحواشي
(١) ويطلق أيضا على الألفاظ المخصوصة المعروفة، التي يحصل بها الإعلام على وجه مخصوص بألفاظ مخصوصة، من شخص مخصوص.(٢) وهو متعدي قام وأقام للصلاة إقامة نادى لها.(٣) وحقيقته إقامة القاعد والمضطجع فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين وأزالهم عن قعودهم.(٤) ويطلقان على لفظ الذكر المخصوص، وهما مشروعان بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وهما كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعه من السمعيات والعقليات، فأوله إثبات الذات، وما يستحقه سبحانه من الإجلال والتبجيل والتعظيم، ثم بإثبات الوحدانية لله، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه، ثم بإثبات الرسالة لنبينا محمد ﷺ ثم دعاهم إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام، والفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، ثم ذكر ذلك بإقامة الصلاة، للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، ليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه.(٥) وأحمد وابن ماجه وغيرهم، عن معاوية عن النبي ﷺ وهو حديث متواتر، والأحاديث في فضله شهيرة وأعناق بفتح الهمزة جمع
عنق، قيل: أطول رقابا متطلعون في البرزخ ليؤذن لهم في دخول الجنة، وقيل رؤساء سادة، ولابن حبان، يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة وعلى رواية كسر الهمزة فالمراد سرعة السير يوم القيامة، وقيل: أكثر أعمالا، وفيه أنه يستحب رفع الصوت بالأذان فهو أبلغ في الإعلام وأعظم للأجر، والأذان أفضل من الإقامة اتفاقا، وهو الإمامة أفضل منهما أو عكسه؟ صحح في الفروع الأول، وقال الشيخ: هذا أصح الروايتين واختيار أكثر الأصحاب.стр. 427
(هما فرض كفاية) (١) لحديث «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» متفق عليه (٢) . الحواشي
(١) أي الأذان والإقامة، قال الشيخ: هما فرض كفاية، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوهما، وقد أطلق طائفة من العلماء أن الأذان سنة، وكثير منهم يطلقون القول بالسنية على ما يثاب فاعله شرعا، ويعاقب تاركه شرعا، فالنزاع لفظي اهـ وفرض الكفاية ما يلزم جميع المسلمين إقامته، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وفرض العين ما يلزم كل واحد إقامته بعينه، ولا يسقط عن البعض، وفرض الكفاية أفضل من فرض العين، ومن حيث أن فاعله يسد مسد الأمة، ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه، ولم يقل: فرضا بالتثنية للتطابق، لأنه مصدر، أو لأنهما كالشيء الواحد، أو على تقدير مضاف مثني مضاف إلى متضمنه يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد.(٢) من حديث مالك بن الحويرث والأمر يقتضي الوجوب، وعن أبي الدرداء مرفوعا، «ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل الشاة القاصية» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، ولحديث عبد الله بن زيد وغيره، وقال ابن رشد: والأمر بالأذان منقول بالتواتر، والعلم به حاصل ضرورة، ولا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرضا كالجهاد.стр. 428
(على الرجال) الأحرار (١) (المقيمين) في القرى والأمصار (٢) لا على الرجل الواحد (٣) ولا على النساء (٤) ولا على العبيد ولا على المسافرين (٥) . الحواشي
(١) إذ فرض الكفاية لا يلزم رقيقا في الجملة.(٢) القرية الضيعة والمحلة والدار والمصر الجامع، أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وجمع الناس، وتقع على المدن وغيرها، والأمصار أكبر، وربما توسع فيها فأطلقت على المدينة وما يليها من البلاد.(٣) أي ليس الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجل، بل على اثنين فأكثر، والجمع في قول الماتن غير مقصود حقيقة، وهو كذلك جريا على أن أقل الجمع اثنان قال في الفروع: وهما أفضل لكل مصل، إلا لكل واحد ممن بالمسجد، فلا يشرع، بل حصل له الفضيلة كقراءة الإمام للمأموم.(٤) أي وليس الأذان والإقامة فرض كفاية على النساء، وكذا الخناثي لما روى البخاري عن أسماء بنت يزيد مرفوعا ليس على النساء أذان ولا إقامة وروي عن عمر وغيره، قال الشارح وغيره: لا نعلم عن غيرهم خلافهم، لأن الأذان شرع له رفع الصوت، ولا يشرع لهما، ولا يصحان منهن، وقال الوزير: اتفقوا على أنهما لا يشرعان لهن، ولا يسنان، إلا الشافعي في الإقامة فقال: تسن، لقصة عائشة، وعنه: يستحبان لهن، وعن الإقامة.(٥) أي وليس الأذان والإقامة فرضا على العبيد، يعني المماليك ولا على المسافرين وعنه فرض كفاية مطلقا كالجهاد لحديث مالك وغيره، واستظهره في المبدع وغيره ولأنه ﷺ لم يدعهما حضرا ولا سفرا ولأنهما من أعلام الدين الظاهرة، وهو ظاهر إطلاق طائفة من الأصحاب، وقال ابن المنذر: واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأمره ﵊ مالكا ومداومته ﷺ هو أصحابه وقال السامري: لا فرق بين المصر والقرى، والحاضرين والمسافرين والواحد والجماعة.стр. 429
(للصلوات) الخمس (المكتوبة) دون المنذورة، المؤداة دون المقضيات (١) والجمعة من الخمس (٢) ويسنان لمنفرد (٣) وسفرا (٤) . الحواشي
(١) فلا يشرع الأذان ولا الإقامة لمنذورة ولا مقضية، ولا نافلة ولا جنازة ولا عيد، لأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، على الأعيان، والقيام إليها، وقال النووي: لا يشرعان لغير المكتوبات الخمس، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، قال: ونقل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز أنهما قالاهما سنة في صلاة العيدين، وهذا إن صح محمول على أنه لم يبلغهما فيه السنة، وكيفما كان هو مذهب مردود، وقد ثبت أنه ﷺ صلى العيدين غير مرة ولا مرتين، بلا أذان ولا إقامة، من حديث جابر وغيره، قال الشيخ وغيره، لا ينادي للعيد والاستسقاء، وقاله طائفة من أصحابنا.(٢) إشارة إلى أنه لا اعتراض عليه في تقييده للصلوات الخمس، إذ هي خمس يومها وليس شرطا للصلاة فتصح بدونهما، قال علقمة، صلى بنا عبد الله بلا أذان ولا إقامة، قال الشارح: لا أعلم أحدا خالف إلا عطاء والأوزاعي، وعنه: واجبان للجمعة لاشتراط الجماعة لها.(٣) لخبر عقبة عجب ربك من راعي غنم يؤذن للصلاة ويصلي، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي الموطأ عن ابن المسيب من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام الصلاة صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال.(٤) بالنصب أي ويسنان سفرا، واستظهر غير واحد الفرضية لحديث مالك ابن الحويرث «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما» متفق عليه.стр. 430
ولمقضية (١) (يقاتل أهل بلد تركوهما) أي الأذان والإقامة (٢) فيقاتلهم الإمام أو نائبه، لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة (٣) . الحواشي
(١) لحديث عمرو بن أمية الضميري قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فنام عن الصبح، ثم أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة، رواه أبو داود وغيره، ولمسلم وغيره نحوه، إلا أنه لا يرفع صوته في القضاء إن خاف تلبيسا وكذا في غير وقت الأذان المعهود له عادة، وكذا في بيته البعيد عن المسجد، بل يكره لئلا يضيع من يقصد المسجد ويسنان لجماعة ثانية في غير الجوامع الكبار، وإن كان في بادية رفع صوته بالأذان لأمن من اللبس، ولما رواه البخاري وغيره إذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوتك جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة.(٢) إجماعا وإن قلنا إنهما سنة، واختاره الشيخ، وقال: النزاع لفظي، فإن كثيرا يطلق السنة على ما يعاقب تاركه، وأما من زعم أنهما سنة بمعنى أنه لا إثم على تاركهما ولا عقوبة فهذا خطأ فإن الأذان شعار دار الإسلام الذي استحل أهل الدار بتركه اهـ وظاهره أنهم لو تركوا أحدهما لا يقاتلون.(٣) فلا يجوز تعطيلهما فيقاتلون على تركهما حتى يفعلوهما، لما يلزم من الاجتماع على تركه من استخفافهم بالدين، يخفض أعلامه الظاهرة، وهكذا حكم شعائر الإسلام الظاهرة، وإن كانوا مستقيمين على دين الإسلام، فإن موجب القتال أعم من أن يكون لأجل الردة، قال الحجاوي: هو أولى من قول بعضهم، إن اتفق أهل بلد، لأن الحكم منوط بالترك لا بالاتفاق، وقال عثمان: إن كان مراده أنهم لا يقاتلون باتفاق لا ترك معه، كما لو اتفقوا قبل الزوال، فظاهره أنهم لا يقاتلون قبل الترك، لكن الظاهر أنه لا بد من ترك متفق عليه، فلا يكفي أحدهما في جواز المقاتلة لما ثبت في الصحيح وغيره أنه ﷺ كان يعلق استحلال الدار بتركه، فإنه إذا لم يسمع أذانا أغار عليهم والشعائر جمع شعار أو شعارة بفتح أوله أو كسره، أي علامات، الواحد شعيرة، والمراد هنا أنهما من أجل علامات الإسلام، وهو الصلاة بظهور أجل صفاتها الظاهرة وهو الاجتماع لها.стр. 431
وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبا أجزأ عن الكل (١) وإن كان واحدا وإلا زيد بقدر الحاجة كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد (٢) ويقيم أحدهم (٣) وإن تشاحوا أقرع (٤) وتصح الصلاة بدونهما، لكن يكره (٥) . الحواشي
(١) كسائر فروض الكفاية، ولا عبرة بما قل، لأنه قد يعرض ما لا يحصل معه ذلك كالريح.(٢) أي وإن كان من يحصل به الإعلام واحدا، وإلا يحصل الإعلام بواحد زيد بقدر الحاجة، ويكون كل واحد في جانب من البلد، أو دفعة من جماعة بقدر الحاجة في مكان واحد، لأن المقصود بالأذان الإعلام، قال الشيخ: وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة، بل ذلك بدعة منكرة اهـ ودفعة بالضم جمعها دفع، اسم لما يدفع بمرة.(٣) إن حصلت به الكفاية، وإلا أقام من يكفي ويقدم من أذن أولا إن كان.(٤) أي ضربت القرعة بينهما، والقرعة حيلة شرعية، يتعين بها سهم الإنسان ونصيبه والشح البخل مع حرص، و (تشاح الرجلان في الأمر) لئلا يفوتهما، و (عليه) أراد كل منهما أن يستأثر به.(٥) ظاهر الكراهة بتركهما معا، فلو ترك أحدهما انتفت والمنقول عنه ﷺ الجمع بينهما، أو الاقتصار على الإقامة، ونص أحمد: أو اقتصر مسافر أو منفرد على الإقامة، قال المجد: وإن اقتصر المسافر أو المنفرد على
الإقامة جاز من غير كراهة نص عليه، وجمعها أفضل اهـ أما الاقتصار على الأذان فلم ينقل عن أحد، وقيل: ينبغي التحريم كترك من وجب عليه الواجب، إذ لا فرق بين فرض الكفاية والعين قبل الفعل.стр. 432
(وتحرم أجرتهما) أي يحرم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، لأنهما قربة لفاعلهما (١) (لا) أخذ (رزق من بيت المال) من مال الفيء (لعدم متطوع) بالأذان والإقامة (٢) . الحواشي
(١) وكذا يحرم دفعها، وفاقا لأبي حنيفة لقوله ﵊ لعثمان ابن أبي العاص واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا، رواه أحمد والترمذي وحسنه وقال: العمل عليه عند أهل العلم اهـ فإن فعل فسق ولم يصح وقال مالك: يؤجر نفسه في سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل لله بإجارة، وقال بعضهم: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بالدين وقيل: يجوز مع الفقر لا مع الغنى، واختاره الشيخ: وقال: وكذا كل قربة، والأجر العوض المسمى في مقدار الإجارة.(٢) الرزق بفتح الراء وسكون الزاي العطاء، والجمع الأرزاق، وهو ما ينتفع به، ولو محرما، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم، أي لا أخذ رزق من بيت المال، لأنه المعد للمصالح، فلا يحرم الأخذ منه لمؤذن ومقيم، وكذا إمام ونحوه، لعدم متطوع أي متبرع بالأذان والإقامة ونحوهما، من (تطوع بالشيء) تبرع به وتنفل، قال في المغنى والشرح: لا نعلم خلافا في جواز أخذ الرزق عليه اهـ لأن بالمسلمين حاجة إليه، وقد أجرى السلف أرزاقهم من بيت المال من المؤذنين والأئمة والقضاة والعمال وغيرهم، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، وكان عمر وغيره يعطونهم منه، وجرت العادة أيضا بين المسلمين بجواز أخذ من يؤم ويؤذن وغيرهم من الأحباس الموقوفة على ذلك من غير اختلاف منهم.стр. 433
فلا يحرم كأرزاق القضاة والغزاة (١) .
(و) سن أن (يكون المؤذن صيتا) أي رفيع الصوت (٢) لأنه أبلغ في الإعلام (٣) زاد في المغنى وغيره: وأن يكون حسن الصوت، لأنه أرق لسامعه (٤) (أمينا) أي عدلا (٥) لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة وغيرها (٦) . الحواشي
(١) أي فلايحرم أخذ الرزق عليهما، كما لا تحرم أرزاق القضاة، وأرزاق الغزاة، بضم الغين جمع غاز، ولا يجوز بذل الرزق مع وجود المتطوع ويجوز أخذ الجعالة.(٢) والصوت مصدر من صات يصوت، وهو في العرف جرس الكلام، وجمعه أصوات، ويقال لقوي الصوت: صيت، بتشديد الياء وكسرها.(٣) المقصود بالأذان، ولقوله ﷺ لعبد الله بن زيد ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك، ولكونه أعظم للأجر، ففي الصحيح إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا يشهد له يوم القيامة وللخمسة إلا الترمذي المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وغير ذلك.(٤) لما روى ابن خزيمة وصححه عن أبي محذورة أن النبي ﷺ أعجبه صوته فعلمه الأذان.(٥) ظاهرا وباطنا، ولو عبدا، ويستأذن سيده، وأما مجرد العدالة الظاهرة فشرط وقال الوزير: تستحب حريته اتفاقا.(٦) كصيام وفطر، لما روى البيهقي من حديث أبي محذورة، أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون قال الشيخ: ويعمل بقول المؤذن في دخول
الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت به النصوص، وقال ابن القيم: أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت، وقال النووي: يجوز للأعمى والبصير في الصحو والغيم اعتماده، قال: وقال البندنيجي: ولعله إجماع المسلمين، ومؤتمن لأنه يؤذن على موضع عال، فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.стр. 434
(عالما بالوقت) ليتحراه فيؤذن في أوله (١) (فإن تشاح فيه اثنان) فأكثر (٢) (قدم أفضلهما فيه) أي فيما ذكر من الخصال (٣) (ثم) إن استووا فيها (٤) (قدم أفضلهما في دينه وعقله) لحديث ليؤذن لكم خياركم رواه أبو داود وغيره (٥) (ثم) إن استووا قدم (من يختاره) أكثر (الجيران) (٦) . الحواشي
(١) لأنه إذا لم يكن عارفا به لا يؤمن من الخطأ، وإن كان أعمى وله من يعلمه بالوقت لم يكره نص عليه، لفعل ابن أم مكتوم، وحديث مالك بن الحويرث يدل على أنه لا يشترط في المؤذن غير الإسلام لقوله: أحدكم.(٢) أي من اثنين في الأذان من الشح وهو البخل مع الحرص، كل واحد منهما يريد أن لا يفوته أو يريد أن يستأثر به.(٣) لأنه ﵊ قدم بلالا على عبد الله، لكونه أندى صوتا منه، وقيس بقية الخصال عليه.(٤) أي في الخصال المذكورة ونحوها.(٥) فرواه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس، وقوله: خياركم أي من هو أكثر صلاحا ليحفظ نظره عن العورات، ويبالغ في المحافظة على الأوقات.(٦) أن المصلون أو أكثرهم، الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلتهم، ويجمعهم مسجد المحلة، والجار عند الإطلاق إنما يتناول الملاصق.стр. 435
لأن الأذان لإعلامهم (١) (ثم) إن تساووا في الكل (٢) فـ (قرعة) فأيهم خرجت له القرعة قدم (٣) (وهو) أي الأذان المختار (خمس عشرة جملة) (٤) لأنه أذان بلال ﵁ (٥) . الحواشي
(١) فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته، ومن هو أعف عن النظر، وحكم الأكثر كالكل.(٢) أي في الصوت والأمانة والعلم بالوقت، والدين والعقل واختيار الجيران.(٣) لقوله ﵊ لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه متفق عليه، وتشاح الناس في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد، ولأنها تزيل الإبهام، وتجعل من خرجت له كالمستحق المتعين، والقرعة السهمة، نصبها الشارع معينة للمستحق، قاطعة للنزاع، كأن المقرع يقول: اللهم قد ضاق الحق عن الجميع، وهم عبيدك، فخص بها من تشاء منهم به، ثم تلقى فيسعد الله بها من يشاء، ويحكم بها على من يشاء، وهذا سرها في الشرع، وإن قدم أحدهم بعد الاستواء لكونه أعمر للمسجد، وأتم مراعاة له، أو لكونه أقدم تأذينا، أو أبوه فلا بأس، واتفقوا على أن البصير والحر والبالغ أولى من ضدهم.(٤) أي المختار عند أحمد، وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم خمس عشرة جملة أي كلمة، والجملة بالضم جماعة الشيء، وإنما اختيارهم له لأجل أنه الذي كان يفعل بحضرة رسول الله ﷺ دائما.(٥) ابن رباح الحبشي المؤذن المشهور، وهو بلال بن حمامة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر من المشركين لما كانوا يعذبونه فأعتقه، فلزم النبي ﷺ وأذن له، وشهد المشاهد كلها، مات بالشام سنة عشرين، وله ثلاث وستون أو سبعون.стр. 436
من غير ترجيع الشهادتين (١) فإن رجعهما فلا بأس (٢) (يرتلها) أي يستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان (٣) . الحواشي
(١) أي تكرير: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، بأن يخفض بهما صوته، ثم يعيدهما رافعا بهما صوته، سمي ترجيعا لرجوعه من السر إلى الجهر، والمراد بالخفض أن يسمع من بقربه، والأذان بغير الترجيع هو المشهور من حديث عبد الله بن زيد، قال: طاف بي وأنا نائم رجل، فقال: تقول الله أكبر، فذكر الأذان إلى آخره بتربيع التكبير بغير ترجيع، قال: وكان بلال يؤذن كذلك إلى أن مات، وعليه عمل أهل المدينة، وقال أحمد: هو آخر الأمرين.(٢) لأنه فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة، وقال الشيخ: كل منهما أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وكل واحد منهما سنة، سواء رجع أو لم يرجع، ومن قال: إن الترجيع واجب لا بد منه، أو إنه مكروه منهي عنه، فكلاهما مخطئ، واختيار أحدهما من مسائل الاجتهاد، والصواب تسويغ كل ما ثبت في ذلك، ومن تمام السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، فيجب مراعاة القواعد الكلية التي فيها الاعتصام بالكتاب والسنة والجماعة، وأصح الناس في ذلك طريقة هم علماء الحديث الذين عرفوا السنة واتبعوها، والإمام أحمد ﵀ له أصل مستمر في جميع صفات العبادات، أقوالها وأفعالها، ييستحب كل ما ثبت عن النبي ﷺ من غير كراهة لشيء منه، مع علمه بذلك واختياره للبعض، أو تسويته بين الجميع.(٣) بلا نزاع لحديث إذا أذنت فترسل، والمترسل الذي يتمهل في تأذينه ويبينه بيانا يفهمه من سمعه، من غير تمطيط ولا مد مفرط، وهو من قولهم: جاء فلان على رسله، أي على هيئته غير عجل ولا متعب لنفسه، ضد المسرع، ولأن الأذان إعلام للغائبين، فالتثبت فيه أبلغ في الإعلام.стр. 437
ويقف على كل جملة (١) وأن يكون قائما (٢) (على علو) كالمنارة (٣) لأنه أبلغ في الإعلام (٤) . الحواشي
(١) فيكون التكبير في أوله أربع جمل، والتكبير في آخره جملتين، فيقف على كل تكبيرة، لأن التكبيرة الثانية إنشاء ثان، لا توكيد فيقول: الله أكبر، ويقف وكذلك التكبيرات الباقية، قال النخعي: شيئان مجزومان لا يعربان الأذان والإقامة، وقال الشيخ: ومن الناس من يجعل التكبيرات الأربع جملتين، يعرب التكبيرة الأولى في الموضعين، وهو صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، سواء ربع في أوله أو ثناه، وقال: المراد الجملة النحوية المركبة من مبتدأ وخبر، فيكون التكبير في الأذان في أوله وآخره ست.(٢) أي يسن أن يؤذن قائما، وحكى ابن المنذر وغيره إجماع من يحفظ عنه أنه من السنة، ويكره من قاعد وماش لغير عذر، وميل الشيخ إلى عدم إجزاء أذان القاعد، والعلماء كافة على أنه لا يجوز قاعدا، ذكره القاضي عياض وغيره، وكرهه أهل العلم لمخالفة ما عليه السلف، ولا يكرهان لمسافر راكبا وماشيا، لأنه ﵊ أذن في السفر على راحلته، صححه الترمذي، ولا يشرع بغير العربية، لعدم وروده، قال في الإنصاف، مطلقا على الصحيح من المذهب.(٣) لما روى أبو داود أن بلالا يؤذن الفجر على بيت امرأة من بني النجار من أطول بيت حول المسجد، والعلو المرضع العالي، وعلو الشيء أرفعه والمنارة مفعلة بفتح الميم، والجمع المناور بالواو، ومن قال: مناير فقد شبه الأصلي بالزائد وهو شاذ، ويقال لها أيضا المئذنة وجوز إبدال الهمزة ياء، ولم تكن المنارة في زمنه ﷺ وقالت أم زيد بنت ثاتب: كان بيت أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه، من أول ما أذن إلى أن بنا رسول الله ﷺ مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره، وبنا سلمة المنابر للأذان بأمر معاوية ولم تكن قبل ذلك.(٤) ومن أذن لنفسه أو جماعة حاضرين لا يسن له المكان العالي لعدم الحاجة إليه.стр. 438
وأن يكون (متطهرا) من الحدث الأصغر والأكبر (١) ويكره أذان جنب (٢) وإقامة محدث (٣) وفي الرعاية: يسن أن يؤذنه متطهرا من نجاسة بدن وثوبه (٤) (مستقبل القبلة) (٥) لأنها أشرف الجهات (٦) (جاعلا إصبعيه) السبابتين (في أذنيه) (٧) . الحواشي
(١) أي يستحب كونه في الأذان والإقامة متطهرا من الحدثين إجماعا، لحديث أبي هريرة لا يؤذن إلا متوضئ رواه الترمذي وغيره، إلا أن الصحيح وقفه قال في الإنصاف وغيره: ولا تجب الطهارة الصغرى له بلا نزاع.(٢) قال الشيخ: للخلاف في صحته، ولو بمسجد لحصول المقصود، والتحريم بمعنى آخر، ولا يكره نص عليه، وفي الفروع، ويصح وفاقا على الأصح، ووجه أن الجنابة أحد الحدثين فلم تمنع صحته كالآخر.(٣) بلانزاع للفصل بين الإقامة والصلاة بالوضوء.(٤) قياسا على الطهارة من الحدثين.(٥) لأن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة قال ابن المنذر، أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان، فإن أخل كره وصح، ويستثنى المسافر الراكب أو الماشي فإلى جهة سيره.(٦) ولأن استقبالها هو المنقول سلفا وخلفا، ومستحب في كل طاعة إلا بدليل كالخطبة.(٧) وفاقا لحديث أبي جحيفة: أن بلالا وضع إصبعيه في أذنيه، رواه أحمد والترمذي وصححه، وقال: العمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وسميا سبابتين لتحريكهما وقت السب، وقيل: لا يتعينان وهما أولى.стр. 439
لأنه أرفع للصوت (١) (غير مستدير) (٢) فلا يزيل قدميه في منارة ولا غيرها (٣) (ملتفتا في الحيعلة يمينا وشمالا) (٤) أي يسن أن يلتفت يمينا حي على الصلاة، وشمالا حي على الفلاح (٥) . الحواشي
(١) فروى ابن ماجه أنه ﵊ أمر بلالا بذلك، وقال: إنه أرفع لصوتك.(٢) أي غير مول ظهره القبلة، سواء كان على ظهر الأرض، أو في منارة، من دار الشيء يدور دورا، تحرك وعاد على ما كان عليه.(٣) وعنه يزيل قدميه في منارة ونحوها مع كبر البلد للحاجة وفاقا، واختاره المجد وجمع، وصوبه في الإنصاف، وهو المعمول به في الأمصار، لأنه أبلغ في الأعلام.(٤) عبر بالحيعلة تبعا للجوهري وغيره، أخذوا الحاء والياء من حي، والعين واللام من علي.(٥) برأسه وعنقه وفاقا، وصدره حال ترسله، لحديث أبي جحيفة: وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يمينا وشمالا، حي على الصلاة، حي على الفلاح، متفق عليه ولأبي داود لوى عنقه يمينا وشمالا، حي على الصلاة، حي على الفلاح، لا يلتفت بصدره، وإنما اختصتا بذلك، لأن غيرهما ذكر وهما خطاب لآدمي كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون ما عداه، وقيل: وكذا الإقامة، وجزم الآجري وغيره بعدمه فيها، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، صححه ابن نصر الله، والمرداوي في تصحيح الفروع وغيرهما، وقال شيخ الإسلام: السنة في الإقامة أن يقولها وهو مستقبل القبلة، ولم يستثن العلماء إلا الحيعلة في الأذان وقوله حي أي هلم وأقبل إلى الصلاة، وإلى الفلاح وهو الفوز والبقاء والخلود في النعيم المقيم، ويقال للفائز مفلح، والمراد هلموا وعجلوا إلى طلب ذلك.стр. 440
ويرفع وجهه إلى السماء فيه كله (١) لأنه حقيقة التوحيد (٢) (قائلا بعدهما) أي يسن أن يقول بعد الحيعلتين (في أذان الصبح) ولو أذن قبل الفجر (الصلاة خير من النوم مرتين) (٣) لحديث أبي محذورة رواه أحمد وغيره (٤) . الحواشي
(١) أي في كل من الأذان والإقامة، قال في الإنصاف: يرفع وجهه إلى السماء في الأذان كله نص عليه، وجزم به في الفائق، واقتصر عليه الموفق والشارح، واختاره الشيخ.(٢) أي لأن التهليل والتكبير حقيقة التوحيد، وإعلان بذكر الله ، لا يصلح إلا لله وحده، نفقد بدئ بالتكبير لله، فالله أكبر من كل شيء، وأكبر من أن ينسب إليه تعالى ما لا يليق بجلاله، وثني بتوحيده الذي خلق الخليقة لأجله، ثم ختم بلا إله إلا الله، ولم يزد على مرة إشارة إلى وحدانيته تعالى، فاستحب الإشارة له، كما تستحب بالإصبع في التشهد والدعاء، وهذا بخلاف الصلاة، إذ المستحب فيها خفض الصوت.(٣) إجماعا مستقبلا القبلة كغيرها من كلمات الأذان، قال الشيخ: السنة أن يقولها مستقبل القبلة، وقوله: ولو أذن قبل الفجر، لقول بلال: أمرني رسول الله ﷺ أن أثوب بالفجر، رواه أحمد وغيره، وكان بلال يؤذن بليل.(٤) فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم، وصححه ابن خزيمة وغيره ولفظ أحمد فإذا كان أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، مرتين. وأخرج الترمذي حديث بلال لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر، وقال: وهو الذي اختاره أهل العلم، وصح عن أنس أنه قال: من السنة، واسم أبي محذورة أوس، وقيل سمرة بن معير بن سعد بن جمح، مؤذن رسول الله ﷺ بمكة أمره به منصرفة من حنين وتوفي سنة تسع وخمسين.стр. 441
ولأنه وقت ينام الناس فيه غالبا (١) ويكره في غير أذان الفجر (٢) وبين الأذان والإقامة (٣) (وهي) أي الإقامة (إحدى عشرة) جملة بلا تثنية (٤) . الحواشي
(١) فسن تنبيههم بقول (الصلاة خير من النوم) .(٢) لقول بلال: ونهاني أن أثوب في العشاء، رواه أحمد وغيره، وهو مذهب جمهور العلماء، وعمل المسلمين عليه، والعمدة ما في الصحيحين من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.(٣) لقول عمر لأبي محذورة: ويحك أمجنون؟ أما كان في دعائك الذي دعوتنا وكذا بالنداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، ومثل أن يقول: الصلاة أو الإقامة، قال الشيخ: هذا إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول، وإلا فلا ينبغي أن يكره، فإن تأخر الإمام أو أماثل الجيران فلا بأس أن يمضي إليه منبه يقول قد حضرت الصلاة ويكره قوله قبل الأذان (وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية، وكذا إن وصله بعده بذكر، لأنه محدث وكذلك قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك، وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد والدعاء مما يفعله بعض المؤذنين، يرفعون أصواتهم به ليس مسنونا عند أحد من العلماء، بل من البدع المكروهة.(٤) أي الإقامة المختارة لا تكرر ألفاظها مرتين مرتين، بخلاف الأذان لحديث عبد الله بن زيد وكان بلال يؤذن بذلك، ويقيم حضرا وسفرا، وعليه عمر أهل المدينة، وفي الصحيحين: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، قال الترمذي: وهو قول بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال البغوي: هو قول أكثر العلماء، وعن ابن عمر: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة وغيره، وشفع الأذان وإيتار الإقامة قد بلغ حد التواتر في الجملة، ولا يخفى أن كلمة التوحيد في آخر الأذان مفردة بالاتفاق، فهو خارج عن الحكم بشفع الأذان، والحكمة في تكرير الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير، كما شرع فيه رفع الصوت والمحل، بخلاف الإقامة فإنها لإعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى تكرار ألفاظها، وقوله: بلا تثنية يعني في الجملة وإلا فهو يثني قوله: قد قامت الصلاة، وقال غير واحد: الثانية منهما تأكيد للأولى.стр. 442
وتباح تثنيتها (١) (يحدرها) أي يسرع فيها (٢) ويقف عند كل جملة كالأذان (٣) . الحواشي
(١) لأنه فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة، وعن أبي محذورة أنه ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة صححه الترمذي، قال الشيخ: فسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن واتبع السنة وبأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام، ومن قال: إن إفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ، فقد أمر رسول الله ﷺ بلالا بإفراد الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، والضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبي ﷺ وأما اختيار أحدهما فمن مسائل الاجتهاد.(٢) بلا نزاع وأصل الحدر في الشيء الإسراع، قال الجوهري وغيره: حدر في أذانه يحدر حدرا إذا أسرع، وقد روى الترمذي عن بلال وإذا أقمت فاحدر ولأبي عبيدة عن عمر نحوه، ولأن الإقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة فيها إلى الترسل.(٣) أي كما يقف عند كل جملة منه، وتقدم قول النخعي: شيئان مجزومان، الأذان والإقامة.стр. 443
(ويقيم من أذن) استحبابا (١) فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة (٢) فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، قاله في المبدع (٣) (في مكانه) أي يسن أن يقيم في مكانه أذانه (إن سهل) (٤) لأنه أبلغ في الإعلام (٥) فإن شق كأن أذن في منارة أو مكان بعيد عن المسجد أقام في المسجد لئلا يفوته بعض الصلاة (٦) . الحواشي
(١) لقوله من أذن فهو يقيم رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال: وفيه ضعف، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، ولا يؤذن غير الراتب إلا بإذنه إلا إن خيف فوت وقت التأذين، كما أذن زياد حين غاب بلال فأما مع حضوره فلا يجوز فإن مؤذني رسول الله ﷺ لم يكن أحد ليسبقهم بالأذان كالإمام وجزم بتحريمه أبو المعالي، لأن الأذان منوط بنظر المؤذن.(٢) يعني لكان أولى، فروى عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة، فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام، رواه الأثرم وغيره، قال في الإنصاف: ومتى جاء وقد أذن قبله استحب أن يعيده.(٣) أي فإن أقام المؤذن من غير إعادة الأذان، لحديث عبد الله بن زيد لما أذن بلال قال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال: فأقم أنت فلا فرق بينه وبين غيره قال الوزير: واتفقوا في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز.(٤) أي يقيم الصلاة في الموضع الذي يؤذن فيه إن لم يشق عليه قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء.(٥) أي إعلام المصلين بالقيام إلى الصلاة.(٦) وقال في النصيحة، السنة أن يؤذن بالمنارة، ويقيم أسفل، قال في الإنصاف: وهو الصواب، والعمل عليه في جميع الأمصار والأعصار.стр. 444
لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام (١) (ولا يصح) الأذان (إلا مرتبا) كأركان الصلاة (٢) (متواليا) عرفا لأنه لا يمكن المقصود منه إلا بذلك (٣) فإن نكسه لم يعتد به (٤) ولا تعتبر الموالاة بين الإقامة والصلاة، إذا أقام عند إرادة الدخول فيها (٥) . الحواشي
(١) لما في الصحيحين أن المؤذن كان يأتي النبي ﷺ ولمسلم أن بلالا لا يقيم حتى يخرج إليه النبي ﷺ قال في المجمع: وينبغي للمؤذن أن لا يقيم حتى يحضر الإمام ويأذن له في الإقامة نص عليه، ولأن الإقامة منوط وقتها بنظر الإمام، لأنها للقيام إلى الصلاة، فلا تقام إلا بإشارته، فإن أقيمت بغير إشارة أجزأت لقوله: فلا تقوموا حتى تروني.(٢) أي كترتيب أركان الصلاة، وفاقا، لأنه ذكر معتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، ولأنه إذا نكسه لا يعلم السامع أن ذلك الأذان، ولا يصح إلا منويا وفاقا لمالك لحديث إنما الأعمال بالنيات.(٣) أي لا يحصل المقصود وهو الإعلام بدخول الوقت من الأذان إلا بالترتيب والتوالي، لأن مشروعيته كانت كذلك، قال في الإنصاف، و لا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا بلا نزاع.(٤) لعدم ترتيب الجمل بأن قدم بعضها على بعض، قال في الإنصاف: بغير خلاف نعلمه، وسمي بذلك لأنه نكس أي قلب عما هو السنة، قال الجوهري: نكسه بمعنى قلبه.(٥) لأنه ﵊ لما ذكر أنه جنب ذهب فاغتسل ولم يعدها، وظاهر طول الفصل، قال شيخنا: هذا والله أعلم ما لم يخرج من المسجد، أو يشتغل بغير الصلاة، ويستحب الإحرام بعد فراغه من الإقامة، كما كان حال النبي ﷺ وخلفائه من بعده، واستمر عمل المسلمين عليه.стр. 445
ويجوز الكلام بين الأذان وبعد الإقامة قبل الصلاة (١) ، ولا يصح الأذان إلا (من) واحد ذكر (عدل) ولو ظاهرا (٢) فلو أذن واحد بعضه وكمله آخر (٣) أو أذنت امرأة (٤) أو خنثى (٥) أو ظاهر الفسق لم يعتد به (٦) ويصح الأذان (ولو) كان (ملحنا) أي مطربا به (٧) . الحواشي
(١) لأنه روي عن عمر ﵁ أنه كان يكلم الرجل بعدما تقام الصلاة، وهو مذهب الشافعي، لكن الأولى تركه إلا لحاجة، ولو عبر بالفاء الدالة على التفريع لكان أصوب.(٢) فيصح أذان مستور الحال: قال في الشرح: بغير خلاف علمناه، وزاد في الإقناع، وتشترط ذكوريته وعقله وإسلامه.(٣) لم يعتد به، قال في الإنصاف: بغير خلاف أعلمه، ولو كان ذلك لعذر بأن مات أو جن ونحوه من شرع فيه فكمله الثاني.(٤) للرجال لم يصح ولم يعتد به، إجماعا، حكاه الوزير وغيره، للنهي عن رفع صوتها، فإن أذنت للنساء فلا بأس لقصة عائشة.(٥) مشكل لاحتمال أن يكون أنثى لم يعتد به، فإن اتضحت ذكوريته صح.(٦) قال الشيخ: وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان: أقواهما عدمه، لمخالفة أمر النبي ﷺ وأما نصب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي قولا واحدا.(٧) لحصول المقصود به، يقال: لحن في قراءته، إذا طرب وغرد، وفي التعريفات، اللحن في القرآن والأذان التطويل فيما يقصر، والتقصير فيما يطول اهـ، والتطريب تقطيع الصوت وترديده، وأصله خفة تصيب المرء من شدة الفرح، أو من شدة التحزين، من الإطراق أو الطربة.стр. 446
(أو) كان (ملحونا) لحنا لا يحيل المعنى (١) ويكرهان (٢) ومن ذي لثغة فاحشة (٣) وبطل إن أحيل المعنى (٤) (ويجزئ) أذان (من مميز) لصحة صلاته كالبالغ (٥) . الحواشي
(١) كرفع تاء الصلاة ونصبها، وحاء الفلاح، لأن ذلك لا يمنع إجزاء القراءة في الصلاة فهنا أولى: (ولحن القارئ في القراءة يلحن لحنا ولحونا ولحانة ولحانية ولحنا) أخطأ في الإعراب، وخالف وجه الصواب، فهو لاحن ولحان ولحانة.(٢) أي الملحن والملحون، قال أحمد: كل شيء محدث أكرهه، مثل التطريب، وسمع عبد الله بن عمر رجلا يطرب في أذانه، فقال: لو كان عمر حيا لفك لحييك، لأنه ينافي الخشوع والوقار، وينحو إلى الغناء، ويكره ما فيه غلظه وفضاضة، أو تكلف أو زيادة، قال عمر بن عبد العزيز، أذن أذان سمحا، وإلا فاعتزلنا.(٣) أي ويكرهان من صاحب لثغة وزن غرفة، حبسه في اللسان حتى تصبر الراء لاما أو غبنا، أو السين تاء ونحو ذلك، أو أن لا يتم رفع لسانه، وقال الأزهري: اللثغة أن يعدل بحرف وكذا اللكنة، (وفاحشة) أي مجاوزة الحد، فإن لم تكن اللثغة واللكنة فاحشتين لم يكره، فقد روي أن بلالا كان يبدل الشيء سينا، والفصيح أكمل، وعند المالكية والحنفية إن أدى إلى تغيير الكلمات حرم.(٤) أي بطل الأذان إن أحيل معناه باللحن أو اللثغة أو اللكنة، ومثال الأول مد همزة: الله أكبر أو بائه ومثال الثاني إبدال الكاف فاء أو همزة وفي المبدع: إن فتح لام رسول الله بطل، ومعناه في الشرح، لإيهامه البدلية فلا يتم الكلام.(٥) أي فيصح أذانه لصحة صلاته، كما تصح صلاة البالغ، لقول عبد الله بن أبي بكر بن أنس: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس ابن مالك شاهد لم ينكر ذلك، وهذا مما لا يخفى ولم ينكر فكان كالإجماع
وهو مذهب مالك وغيره، إذا اعتمد على بالغ، وحكى في كتاب (رحمة الأمة) الإجماع عليه، قال الشيخ: واختاره أكثر الأصحاب، وقال: والأشبه أن الأذان الذي يسقط به الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا، ولا يسقط ولا يعتمد في مواقيت الصلوات وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك ففيه روايتان، والصحيح جوازه، وفي الاختيارات: وأما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، وحكى الوزير وغيره الإجماع على استحباب أن يكون بالغا.стр. 447
(ويبطلهما) أي: الأذان والإقامة (فصل كثير) بسكوت (١) أو كلام ولو مباحا (٢) (و) كلام (يسير محرم) كقذف (٣) وكره اليسير غيره (٤) (ولا يجزئ) الأذان (قبل الوقت) (٥) لأنه شرع للإعلام بدخوله (٦) . الحواشي
(١) طويل للإخلال بالموالاة، وكذا إن أغمي عليه، أو نام طويلا.(٢) لفوات الموالاة.(٣) وغيبة، لأنه فعل محرما فيه، كما لو ارتد في أثنائه، وفاقا، وفي الفروع: وقيل لا يبطل يسير كلام محرم وفاقا.(٤) أي غير المحرم: زاد في الإقناع، بلا حاجة وصحح في الإنصاف جواز رد السلام بلا كراهة، ولا تبطل به عند جماهير العلماء كالخطبة.(٥) بإجماع المسلمين نقله ابن جرير والنووي وغيرهما، لحديث إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم متفق عليه.(٦) فلا يشرع قبل الوقت، لعدم حصول المقصود، بل وتغرير من يسمعه وتقدم قول الشيخ: إن الأذان إعلام بوقت الصلاة الذي تفعل فيه، لا الذي وجب فيه، ويظهر بوقت الظهر إذا أبرد بها وبالفائتة.стр. 448
ويسن في أوله (١) (إلا الفجر) فيصح (بعد نصف الليل) (٢) لحديث «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» متفق عليه (٣) ويستحب لمن أذن قبل الفجر أن يكون معه من يؤذن في الوقت (٤) . الحواشي
(١) لحديث كان بلال يؤذن إذا زالت رواه أحمد ومسلم وغيرهما، فدل على المحافظة على الأذان عند دخول الوقت، وعمل المسلمين عليه، وليتأهب الناس للصلاة ويجوز مطلقا لا بعده.(٢) يعني الأذان لها وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور السلف.(٣) من حديث عائشة وابن عمر ﵃، وفي الصحيح وغيره أحاديث كثيرة بمعناه وليتأهب جنب ونحوه ليدرك فضيلة الوقت، وفي الصحيح ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فهذا وجه مشروعيته، وقال الشيخ: الذي يعتبر نصفه ينبغي أن يكون أوله غروب الشمس وآخره طلوعها، كما كان النهار المعتبر نصفه أوله طلوع الشمس وآخره غروبها، وإن كان من غير التنصيف يكون آخر الليل طلوع الفجر وهو أول النهار، ولعل التنزل الإلهي في قوله ﷺ حين يبقى ثلث الليل، وفي الآخر، حين يمضي نصف الليل، كذلك تقريبا، واسم ابن أم مكتوم عمرو ويقال عبد الله بن قيس بن زائدة من عامر بن لؤي وأمه عاتكة بنت عبد الله بن عتكم المخزومية، قدم المدينة مع مصعب، واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة ثلاث عشر مرة، وشهد القادسية وقتل بها ﵁.(٤) كما كان بلال وابن أم مكتوم، ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالأذان.стр. 449
وأن يتخذ ذلك عادة، لئلا يغر الناس (١) ورفع الصوت بالأذان ركن (٢) ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه (٣) (ويسن جلوسه) أي: المؤذن (بعد أذان المغرب) (٤) وصلاة يسن تعجيلها قبل الإقامة (يسيرا) لأن الأذان شرع للإعلام، فسن تأخير الإقامة للإدراك (٥) . الحواشي
(١) بالتقدم أو التأخر، فلا يتقدم ولا يتأخر في الليالي كلها، وفي الكافي: ما يقتضي اشتراط ذلك، واشترطه طائفة من علماء الحديث، ويكره الأذان للفجر في رمضان قبل وقتها، إلا في حق من عرفت عادته في الأذان بالليل، قال في الإنصاف: وعليه عمل الناس من غير نكير.(٢) لقوله: فارفع صوتك بالنداء، وقوله: هو أندى منك صوتا، ليحصل السماع المقصود بالأذان، وكونه بقدر الطاقة مستحب وفي الإنصاف: يستحب رفع صوته بقدر طاقته ليحصل السماع، وتكره الزيادة فوق طاقته.(٣) يعني الحاضر، واحدا كان أو جماعة، وكذا لنفسه، فيسر إن خاف تلبيسا، ورفع الصوت ما لم يغرر به.(٤) قبل الإقامة جلسة خفيفة بقدر حاجته ووضوئه وصلاة ركعتين، صححه في تصحيح الفروع، وعليه أكثر الأصحاب.(٥) وليفرغ الآكل من أكله ونحوه، لحديث جابر قال لبلال اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته رواه أبو داود والترمذي، والمراد ما عدى العشاء، ويأتي، ولا يحرم إمام والمقيم في الإقامة، نص عليه، ويستحب عقيب فراغه منها.стр. 450
(ومن جمع) بين صلاتين لعذر، أذن للأولى وأقام لكل منهما (١) سواء كان جمع تقديم أو تأخير (٢) (أو قضى) فرائض (فوائت أذن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) من الأولى وما بعدها (٣) وإن كانت الفائتة واحدة أذن لها وأقام (٤) ثم إن خاف من رفع صوته تلبيسا أسر، وإلا جهر (٥) فلو ترك الأذان لها فلا بأس (٦) . الحواشي
(١) أي المجموعتين لعذر كسفر ومرض، لحديث جابر أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه مسلم.(٢) عند فعلها، لأن وقتها هو الذي تفعل فيه كما تقدم.(٣) قال النووي وغيره: بلا خلاف، لحديث الخندق، شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء، رواه أحمد والترمذي، وقال: ليس بإسناده بأس، والطحاوي بإسناد صحيح.(٤) لأمره ﵊ بلالا بالأذان والإقامة، رواه مسلم وغيره، وقال الشيخ: الأذان مشروع للفائتة عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس بواجب، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه.(٥) أي وإن لم يخف من رفع صوته تلبيسا أي تخليطا جهر لعموم الأخبار.(٦) لأنه للإعلام، ولا حاجة للإعلام هنا، لكن إن رجا اجتماع الناس فالأولى له أن يؤذن، وإن لم يرج اجتماعهم فلا بأس بتركه، ولا يسن لفاسدة # أعيدت في الوقت، ولا لظهر يوم الجمعة في مصر، ولا فيما يقضي من الفوائت في مسجد، لأنه فيه تشويشا وتغليظا، أما إن كان منفردا أو يؤذن بقدر ما يسمع نفسه فلا.стр. 451
(ويسن لسامعه) أي لسامع المؤذن (١) أو المقيم (٢) ولو أن السامع امرأة (٣) أو سمعه ثانيا وثالثا، حيث سن (٤) . الحواشي
(١) إجابته إجماعا، على أي حال كان، من طهارة وغيرها، ولو جنبا أو حائضا، إلا حال جماع وتخل لقوله: «إذا سمعتم النداء فقولا مثل ما يقول المؤذن» رواه الجماعة وقيل بالوجوب، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك، ما لم يطل الفصل، ويدل على الندب حديث عمر عند مسلم «إذا قال المؤذن الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر، إلى قوله: قال لا إله إلا الله دخل الجنة» وللبخاري نحوه من حديث معاوية.(٢) أي يستحب لسامع المقيم. صححه في الإنصاف، وهو قول جمهور أصحاب الأئمة الثلاثة، لما روى أبو داود عن أبي أمامة، وقال في سائر ألفاظ الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، لكن قال المنذري وغيره: في سنده مجهول وشهر، وهو متكلم فيه، وقال النووي: وكيف كان فهو حديث ضعيف منقطع قال ابن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى، وقال الحافظ: استدل به يعني قولوا إذا سمعتم المؤذن إلخ على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة اهـ وهل يعتبر فهم الصوت أولا؟ استظهر بعضهم أنه يعتبر فهمه، فإن سمع بعضه تابعه فيما سمع فقط لقوله: إذا سمعتم.(٣) لعموم الأخبار.(٤) أي حيث كان الأذان مشروعا، قال في المبدع: ظاهر كلامهم أنه يجيب ثانيا وثالثا حيث سن، واختاره الشيخ. لكن لو سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعته لم يجب الثاني، لأنه غير مدعو بهذا الأذان وإجابة الأول أفضل، إلا أذاني الفجر فهما سواء.стр. 452
(متابعته سرا) بمثل ما يقول (١) ولو في طواف أو قراءة (٢) ويقضيه المصلي والمتخلي (٣) (و) تسن (حوقلته في الحيعلة) (٤) . الحواشي
(١) أي قولا بمثل ما يقول المؤذن لما تقدم من قوله فقولا مثل ما يقول وفي حديث عمر، من قال مثل ما يقول صدقا من قلبه دخل الجنة، رواه مسلم، وله أيضا من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا عبده، ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا غفر له ذنبه.(٢) أو ذكر فيقطع القراءة والذكر ويجيبه، لعموم الأخبار، قال الشيخ: ولأن موافقة الأذان عبادة مؤقتة يفوت وقتها، وهذه الأذكار لا يفوت وقطع الموالاة فيها لسبب شرعي جائز بخلاف الصلاة.(٣) أي يقضي المصلي إذا فرغ من صلاته والمتخلي إذا خرج من الخلاء ما فاته من إجابة المؤذن حين سماعه، ولا يقضي إذا سمع البعض فقط، وإن أجابه المصلي بطلت بلفظ الحيعلة فقط، دون باقي ألفاظ الأذان لأنها أقوال مشروعة في الصلاة في الجملة، وكرهه مالك وغيره، وهل يجيب المستنجي في حال الاستنجاء أو بعده، ظاهر يجيب لتعميمهم غير المصلي والمتخلي.(٤) كلمة استعجال مولدة وهي حكاية قول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، كما تقدم أنهم أخذوا الحاء والياء من حي، والعين واللام من على، كما يقال الحوقلة لا حول ولا قوة إلا بالله، أخذوا الحاء والواو من حول، والقاف من قوة واللام من اسم الله تعالى، والحكمة في إبدال الحوقلة من الحيعلة، أن الحيعلة دعاء إلى الصلاة معناه هلموا، وإنما يحصل الأجر فيه بالإسماع، فأمر السامع بالحوقلة، لأن الأجر يحصل لقائلها، سواء أعلنها أوأخفاها، ولمناسبتها لقول المؤذن، وتكون جوابا له، بأن تبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته.стр. 453
أي أن يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله (١) إذا قال المؤذن أو المقيم: حي على الصلاة، حي على الفلاح (٢) وإذا قال: الصلاة خير من النوم، ويسمى التثويب (٣) قال السامع: صدقت وبررت (٤) . الحواشي
(١) تقدم معناه: وفي الصحيحين «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» ، أي أجر مدخر لقائلها، كما يدخر الكنز، وأخرج النسائي في اليوم والليلة وغيره: إن العبد إذا قالها قال الله: أسلم عبدي واستسلم.(٢) لحديث عمر عند مسلم ثم قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وللبخاري عن معاوية إذا قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما لم يتابعه لأن الحيعلة المقصود بها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة ثواب الحوقلة، ولأنها خطاب فإعادته عبث، بل سبيله الطاعة وسؤال الحول والقوة الدالين على الاعتراف بالعجز وطلب المعونة من الله في كل الأمور.(٣) أي إلى العود بالإعلام بعد الإعلام بإقام الصلاة، من ثاب إذا رجع، لأن المؤذن رجع إلى الدعاء للصلاة بعد أن دعا إليها بالحيعلة، وهو في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وهو مخصوص بأذان الفجر.(٤) أي صدقت في دعائك إلى الطاعة، وبررت بكسر الراء الأولى وسكون الثانية، ودعاء له أي بر عملك، أو صيرك الله دابر، أي خير كثير، وهذا استحسان من قائليه وإلا فليس فيه سنة تعتمد، ولا أصل له، لعدم وروده، والصواب ما ذهب إليه مالك وغيره أن يقول مثل ما يقول، لقوله: «قولوا كما يقول المؤذن» متفق عليه، زاد النسائي حتى ينتهي.стр. 454
وإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، قال السامع: أقامها الله وأدامها (١) وكذا يستحب للمؤذن والمقيم إجابة أنفسهما (٢) للجمع بين ثواب الأذان والإجابة (٣) .
(و) يسن (قوله) أي قول المؤذن وسامعه (بعد فارغه (٤) اللهم) أصله: يا الله، والميم بدل من يا (٥) قاله الخليل وسيبويه (٦) . الحواشي
(١) لما روى أبو داود عن أبي أمامة أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها وتقدم الكلام فيه والله أعلم.(٢) أي بعد كل كلمة كالسامع.(٣) صرح به جماعة وعنه لا يجيب نفسه، وقال ابن رجب: الأرجح أن المؤذن لا يجيب نفسه، وهو ظاهر كلام جماعة اهـ.
فالمقيم أولى للأمر بالإسراع فيها.(٤) أي يقول المؤذن بعد فراغه وكذا سامعه بعد فراغه من إجابته وبعد فراغه من الصلاة على النبي ﷺ لحديث عبد الله بن عمرو «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليها بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» رواه مسلم.(٥) أي حذف حرف النداء من قولك يا الله، وعوض عنه ميم مشددة في الأخر.(٦) أي الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي اليحمدي الأزدي الإمام في علم النحو، واستنبط علم العروض، ومن تأسيسه بناء كتاب العين، وكتاب العروض والشواهد وغيرها توفي سنة مائة وسبعين، وسيبويه بكسر السين وسكون الهاء أبو بكر عمرو بن عثمان بن قنبر، اشتهر بلقبه سيبويه، وهو لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح، صاحب الكتاب المشهور، جميع كتب الناس في النحو عيال عليه، خرج من بغداد لما تعصبوا عليه للكسائي، وتوفي بشيراز سنة مائة وثمانين وله نيف وأربعون.стр. 455
(رب هذه الدعوة) بفتح الدال (١) أي دعوة الأذان (التامة) أي الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها (٢) (والصلاة القائمة) أي التي ستقوم وتفعل بصفاتها (٣) (آت محمدا الوسيلة) (٤) منزلة في الجنة (٥) . الحواشي
(١) احتراز عن الدعوة بالكسر للنسب، وأما دعوة الوليمة فبالفتح: وقيل بالضم.(٢) لكمالها وعظم موقعها، والمراد دعوة التوحيد لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ وقيل لدعوة التوحيد تامة لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقال ابن التين: وصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله، ويدعى به إلى عبادته.(٣) والدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة، وإنها قائمة ما قامت السموات والأرض.(٤) أي أعط نبينا محمد ﷺ الوسيلة، من الإيتاء وهو الإعطاء، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، والوسيلة علم على أعلم منزلة في الجنة، وهي منزلة الله ﷺ وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.(٥) وقد فسرها به النبي ﷺ في الحديث المتقدم.стр. 456
والفضيلة (١) (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) (٢) أي الشفاعة العظمة في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون (٣) ثم يدعو (٤) . الحواشي
(١) الرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة، قال السخاوي: وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان فلم أره في شيء من الروايات.(٢) أي ابعثه يوم القيامة فأقمه المقام المحمود الذي وعدته وهو الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، ومن سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، زاد البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، والموصول إما بدل، وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول بفعل محذوف، وقيل: بدل على رواية النكير، نعت على رواية التعريف، ورواه النسائي وغيره بالتعريف بإسناد صحيح، ورواه البخاري وأكثر أهل الحديث بالتنكير، قال ابن القيم: وهو الصحيح من وجوه:
(أحدها) اتفاق أكثر الرواة عليه.
(والثاني) موافقته للفظ القرآن.
و (الثالث) لفط التنكير قد يقصد به التعظيم.
(والرابع) دخول اللام يعينه وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا.
و (الخامس) محافظته ﵊ على ألفاظ القرآن، وأراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .(٣) لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، ويحمده الخالق جل وعلا، وهذه الشفاعة مختصة به ﷺ يشفع في أهل الموقف، ليقضي بينهم، بعدما يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ فيقول: أنا لها، وله ﷺ ثلاث شفاعات.(٤) لحديث الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه، أي فادعوا قالوا: فما نقول؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا
والآخرة قال ابن القيم: حديث صحيح، ولحديث قل كما يقول فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أبو داود، ويستحب أن يقول: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، لحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم، وغيره، وتقدم ويقول عند أذان المغرب، «اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي» ، لحديث أم سلمة رواه أبو داود والترمذي.стр. 457
ويحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجد، بلا عذر (١) أو نية رجوع (٢) . الحواشي
(١) مع صحتها منه، لحديث «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة هو لا يريد الرجعة فهو منافق» ، رواه ابن ماجه، ولأحمد عن أبي هريرة: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم من المسجد حتى يصلي، ورأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فأتبعه بصره، وقال: إن هذا قد عصى أبا القاسم ﷺ وقاله ابن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة اهـ ولأن خروجه بعد الأذان من المسجد ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة قال الشيخ: وإن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكون الخروج، وأما خروجه لعذر فلا يحرم، كقضاء حاجة، ومثله لو خرج بعد الأذان ليصلي جماعة بمسجد آخر، لا سيما مع فضل إمامه.(٢) أي إلى المسجد قبل فوت الجماعة، ويستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلا لئلا يتشبه بالشيطان، ولو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأت بتحية المسجد لا بغيرها، بل يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية، والمراد غير أذان الخطبة، لأن استماع الخطبة أهم.стр. 458
باب شروط الصلاة (١)
الشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (٢) (شروطها) أي ما يجب لها (قبلها) أي تتقدم عليها وتسبقها، إلا النية فالأفضل مقارنتهما للتحريمة (٣) . الحواشي
(١) أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط لا تصح إلا بها، وهي التي تقدمها، ويأتي تفصيلها، والشروط جمع شرط، كفلوس جمع فلس، والشرائط جمع شريطة، كفرائض جمع فريضة، والأشراط واحدها شرط، وهو لغة العلامة، سمي شرطا، لأنه علامة على المشروط، ومنه (فقد جاء أشراطها) أي علاماتها.(٢) هذا هو المشهور فإذا عدمت الشروط أو بعضها عدمت الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ويقال: تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل، يعني إذا وجد الشرط صحت الصلاة، ويعبر عنه أيضا بإلزام الشيء والتزامه وهو عقلي كالحياة للعلم، ولغوي كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة مشروطة إن لم يكن عذر، كالطهارة للصلاة، ولا يدخل فيه ولا يؤثر فيه، ولا يوصل إليه في الجملة، والشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف، والشرط والفرض يشتركان في توقف الماهية عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهية، والفرض داخلها، وأيضا فالشرط يجب استصحابه في الماهية من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره، واعتبر ذلك بغسل الوجه ونحوه.(٣) قال المنقح ويأتي فلا يجب تقديمها على الصلاة بل ولا يستحب.стр. 459
ويجب استمرارها أي الشروط فيها (١) وبهذا المعنى فارقت الأركان (٢) (منها) أي من شروط الصلاة الإسلام والعقل والتمييز وهذه شروط في كل عبادة (٣) إلا التمييز في الحج ويأتي (٤) ولذلك لم يذكرها كثير من الأصحاب هنا (٥) ومنها (الوقت) (٦) . الحواشي
(١) أي في الصلاة إلى انقضائها، وتعبيره بـ (أي) ينبئ أن العبارة من المتن ولم أره فيه.(٢) أي بوجوب استمرار الشروط فيها فارقت الشروط الأركان، لأنه لا يجب استمرار الأركان فيها.(٣) من صلاة كما تقدم، وزكاة وصوم وحج وغير ذلك، فكملت الشروط تسعة، وزادها أتباع الأئمة وقسموها قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة.(٤) في كتاب المناسك، فإنه يصح ممن لم يميز ولو أنه ابن ساعة.(٥) فكذلك لم يذكرها الماتن تبعا للمقنع، ونظرا إلى أنها شروط للنية، فهي شروط للشرط لابتدائه.(٦) مأخوذ من التوقيت، وهو التحديد (ووقت الشيء يوقته ويقته) إذا بين حده، وكل شيء له حد وغاية، فهو موقت، ووقت الله الصلاة توقيتا حد لها وقتا من الزمان، قال في الإنصاف، واعلم أن الصلاة إنما تجب بدخول الوقت بالاتفاق، وإذا دخل وجبت، وإذا وجبت وجبت شروطها المتقدمة عليها، كالطهارة وغيرها اهـ والمراد الوقت للصلاة المكتوبة خاصة، فأما ما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت، ومنها ما لا يصح في أوقات كالنوافل المطلقة، ومنها ما هو موقت أيضا كالرواتب والضحى، ومنها ما يتعلق بأسباب كصلاة الكسوف، والاستسقاء ومعنى كون الوقت شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله.стр. 460
قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به (١) وهو حديث جبرئيل حين أم النبي ﷺ في الصلوات الخمس ثم قال: «يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك» (٢) . الحواشي
(١) وأجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *﴾ أي مفروضا في الأوقات، والمفروض هو المقدر المحدود، فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة، والمراد الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان، ويأتي في مواضعه.(٢) أي والوقت الذي أجمله عمر مفصل حديث جبرئيل، وقال بعضهم صوابه وهو ما في حديث جبريل، والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس: «أمني جبرئيل عند البيت مرتين» ، يعني في أول الوقت وفي آخره: «ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين» ، ولأحمد وغيره من حديث جابر قال قم فصل، فذكر نحوه، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت، قال البخاري والشيخ وغيرهما: هو أصح شيء في المواقيت، وسيأتي وأصله في الصحيحين أن جبرئيل نزل فصلى ثم صلى، الحديث ثم قال: بهذا أمرت، وبين ابن إسحاق وغيره أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلوات، وهي ليلة الإسراء وإمامة جبرئيل به ﷺ بلغت حد التواتر، قال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبرئيل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي ﷺ الصلاة ومواقيتها وهيئتها، وفي الباب أحاديث، منها حديث بريدة في الذي سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة، فصلى يومين أول الوقت وآخره ثم قال: «صلاتكم بين ما رأيتم» ، رواه مسلم، وله نحوه عن عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمر وغيرهما.следующие страницы →