Полный текст (4 103 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والفضيلة (١) (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) (٢) أي الشفاعة العظمة في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون (٣) ثم يدعو (٤) . الحواشي
(١) الرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة، قال السخاوي: وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان فلم أره في شيء من الروايات.(٢) أي ابعثه يوم القيامة فأقمه المقام المحمود الذي وعدته وهو الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، ومن سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، زاد البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، والموصول إما بدل، وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول بفعل محذوف، وقيل: بدل على رواية النكير، نعت على رواية التعريف، ورواه النسائي وغيره بالتعريف بإسناد صحيح، ورواه البخاري وأكثر أهل الحديث بالتنكير، قال ابن القيم: وهو الصحيح من وجوه:
(أحدها) اتفاق أكثر الرواة عليه.
(والثاني) موافقته للفظ القرآن.
و (الثالث) لفط التنكير قد يقصد به التعظيم.
(والرابع) دخول اللام يعينه وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا.
و (الخامس) محافظته ﵊ على ألفاظ القرآن، وأراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .(٣) لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، ويحمده الخالق جل وعلا، وهذه الشفاعة مختصة به ﷺ يشفع في أهل الموقف، ليقضي بينهم، بعدما يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ فيقول: أنا لها، وله ﷺ ثلاث شفاعات.(٤) لحديث الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه، أي فادعوا قالوا: فما نقول؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا
والآخرة قال ابن القيم: حديث صحيح، ولحديث قل كما يقول فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أبو داود، ويستحب أن يقول: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، لحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم، وغيره، وتقدم ويقول عند أذان المغرب، «اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي» ، لحديث أم سلمة رواه أبو داود والترمذي.стр. 457
ويحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجد، بلا عذر (١) أو نية رجوع (٢) . الحواشي
(١) مع صحتها منه، لحديث «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة هو لا يريد الرجعة فهو منافق» ، رواه ابن ماجه، ولأحمد عن أبي هريرة: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم من المسجد حتى يصلي، ورأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فأتبعه بصره، وقال: إن هذا قد عصى أبا القاسم ﷺ وقاله ابن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة اهـ ولأن خروجه بعد الأذان من المسجد ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة قال الشيخ: وإن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكون الخروج، وأما خروجه لعذر فلا يحرم، كقضاء حاجة، ومثله لو خرج بعد الأذان ليصلي جماعة بمسجد آخر، لا سيما مع فضل إمامه.(٢) أي إلى المسجد قبل فوت الجماعة، ويستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلا لئلا يتشبه بالشيطان، ولو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأت بتحية المسجد لا بغيرها، بل يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية، والمراد غير أذان الخطبة، لأن استماع الخطبة أهم.стр. 458
باب شروط الصلاة (١)
الشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (٢) (شروطها) أي ما يجب لها (قبلها) أي تتقدم عليها وتسبقها، إلا النية فالأفضل مقارنتهما للتحريمة (٣) . الحواشي
(١) أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط لا تصح إلا بها، وهي التي تقدمها، ويأتي تفصيلها، والشروط جمع شرط، كفلوس جمع فلس، والشرائط جمع شريطة، كفرائض جمع فريضة، والأشراط واحدها شرط، وهو لغة العلامة، سمي شرطا، لأنه علامة على المشروط، ومنه (فقد جاء أشراطها) أي علاماتها.(٢) هذا هو المشهور فإذا عدمت الشروط أو بعضها عدمت الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ويقال: تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل، يعني إذا وجد الشرط صحت الصلاة، ويعبر عنه أيضا بإلزام الشيء والتزامه وهو عقلي كالحياة للعلم، ولغوي كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة مشروطة إن لم يكن عذر، كالطهارة للصلاة، ولا يدخل فيه ولا يؤثر فيه، ولا يوصل إليه في الجملة، والشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف، والشرط والفرض يشتركان في توقف الماهية عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهية، والفرض داخلها، وأيضا فالشرط يجب استصحابه في الماهية من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره، واعتبر ذلك بغسل الوجه ونحوه.(٣) قال المنقح ويأتي فلا يجب تقديمها على الصلاة بل ولا يستحب.стр. 459
ويجب استمرارها أي الشروط فيها (١) وبهذا المعنى فارقت الأركان (٢) (منها) أي من شروط الصلاة الإسلام والعقل والتمييز وهذه شروط في كل عبادة (٣) إلا التمييز في الحج ويأتي (٤) ولذلك لم يذكرها كثير من الأصحاب هنا (٥) ومنها (الوقت) (٦) . الحواشي
(١) أي في الصلاة إلى انقضائها، وتعبيره بـ (أي) ينبئ أن العبارة من المتن ولم أره فيه.(٢) أي بوجوب استمرار الشروط فيها فارقت الشروط الأركان، لأنه لا يجب استمرار الأركان فيها.(٣) من صلاة كما تقدم، وزكاة وصوم وحج وغير ذلك، فكملت الشروط تسعة، وزادها أتباع الأئمة وقسموها قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة.(٤) في كتاب المناسك، فإنه يصح ممن لم يميز ولو أنه ابن ساعة.(٥) فكذلك لم يذكرها الماتن تبعا للمقنع، ونظرا إلى أنها شروط للنية، فهي شروط للشرط لابتدائه.(٦) مأخوذ من التوقيت، وهو التحديد (ووقت الشيء يوقته ويقته) إذا بين حده، وكل شيء له حد وغاية، فهو موقت، ووقت الله الصلاة توقيتا حد لها وقتا من الزمان، قال في الإنصاف، واعلم أن الصلاة إنما تجب بدخول الوقت بالاتفاق، وإذا دخل وجبت، وإذا وجبت وجبت شروطها المتقدمة عليها، كالطهارة وغيرها اهـ والمراد الوقت للصلاة المكتوبة خاصة، فأما ما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت، ومنها ما لا يصح في أوقات كالنوافل المطلقة، ومنها ما هو موقت أيضا كالرواتب والضحى، ومنها ما يتعلق بأسباب كصلاة الكسوف، والاستسقاء ومعنى كون الوقت شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله.стр. 460
قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به (١) وهو حديث جبرئيل حين أم النبي ﷺ في الصلوات الخمس ثم قال: «يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك» (٢) . الحواشي
(١) وأجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *﴾ أي مفروضا في الأوقات، والمفروض هو المقدر المحدود، فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة، والمراد الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان، ويأتي في مواضعه.(٢) أي والوقت الذي أجمله عمر مفصل حديث جبرئيل، وقال بعضهم صوابه وهو ما في حديث جبريل، والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس: «أمني جبرئيل عند البيت مرتين» ، يعني في أول الوقت وفي آخره: «ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين» ، ولأحمد وغيره من حديث جابر قال قم فصل، فذكر نحوه، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت، قال البخاري والشيخ وغيرهما: هو أصح شيء في المواقيت، وسيأتي وأصله في الصحيحين أن جبرئيل نزل فصلى ثم صلى، الحديث ثم قال: بهذا أمرت، وبين ابن إسحاق وغيره أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلوات، وهي ليلة الإسراء وإمامة جبرئيل به ﷺ بلغت حد التواتر، قال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبرئيل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي ﷺ الصلاة ومواقيتها وهيئتها، وفي الباب أحاديث، منها حديث بريدة في الذي سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة، فصلى يومين أول الوقت وآخره ثم قال: «صلاتكم بين ما رأيتم» ، رواه مسلم، وله نحوه عن عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمر وغيرهما.стр. 461
فالوقت سبب وجوب الصلاة (١) لأنها تضاف إليه (٢) . الحواشي
(١) أي سبب نفس الوجوب، إذ سبب وجوب الأداء الخطاب، والسبب الجزء المتصل بالأداء لا كله، وفي الإنصاف، السبب قد يجتمع مع الشرط، وإن كان ينفك عنه، فهو هنا سبب الوجوب، وشرط للصحة، بخلاف غيره من الشروط فإنها شروط للصحة فقط، وأجمعوا على أنها تجب بأول الوقت، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلا أبا حنيفة فقال: تجب بآخره، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر: كيف بك إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها أي أول وقتها، كما هو المنقول عن أولئك الأمراء، قال له: صل الصلاة لوقتها، أي لأول وقتها، وأجمعوا على فضيلة الإتيان بها أول الوقت في الجملة لهذه الآية وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وفي الصحيحين أنه ﷺ «سأل أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» ، وفي رواية لوقتها، ولأبي داود والترمذي والحاكم وصححاه، أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، وأصل طلب المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها قطعي، قال ابن بطال: البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي، لأنه شرط، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها قوله: أول الوقت رضوان الله، وقال الشيخ: الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، وهي أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها، ويأتي قوله ﵀: أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع، ولا ريب أن فعلها أوله هو اختيار النبي ﷺ وخلفائه، فكانوا يصلون في أول الوقت، ولم يكونوا يختارون إلا ما هو الأفضل، والترمذي وغيره: ما صلى ﷺ صلاة لوقتها إلا خير مرتين، حتى قبضه الله.(٢) أي لأن الصلاة تضاف إلى الوقت، فيقال: صلاة الظهر، وهي تدل على السببية.стр. 462
وتتكرر بتكرره (١) (و) منها (الطهارة من الحدث) (٢) لقوله ﷺ «لايقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه (٣) .
(و) الطهارة من (النجس) (٤) فلا تصح الصلاة مع نجاسة بدن المصلي أو ثوبه أو بقعته ويأتي (٥) والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة (٦) . الحواشي
(١) أي الصلاة تتكرر بتكرر الوقت، فكلما دخل الوقت وجبت الصلاة، وشرط للوجوب كالأداء وغيره، وبقية الشروط للأداء مع القدرة دون الوجوب.(٢) أي ومن شروط الصلاة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر وتقدم.(٣) من حديث أبي هريرة أي حتى يتوضأ بالماء، أو ما يقوم مقامه، ولمسلم من حديث ابن عمر: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» ، فلا تصح بدونه مع باقي الشروط، والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة، وهو الإجزاء وحقيقة القبول وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولم يصل ﷺ صلاة قط إلا متوضئا مع القدرة، وهذا مما لا يجهله عالم، ولا يسقط بجهل ولا نسيان، قال الشيخ: ومن نسي طهارة الحدث وصلى ناسيا فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا نزاع اهـ، وكذا حكى غير واحد إجماع الأمة على أن من صلى محدثا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة.(٤) تقدم أنه قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم والخمر.(٥) في الشرط السابع وهو اجتناب النجاسات.(٦) لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ولقوله تعالى لرسوله محمد ﷺ ليلة الإسراء خمس وهن خمسون ولقوله ﷺ خمس صلوات كتبهن الله، وفي حديث معاذ أخبرهم
أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، وغير ذلك، وأجمع المسلمون على أن الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، لا نزاع بينهم في ذلك، ولا ينكره إلا كافر.стр. 463
ولا يجب غيرها (١) إلا لعارض كالنذر (٢) (فوقت الظهر) وهي الأولى (٣) . الحواشي
(١) أي غير الصلوات الخمس، لما في الصحيحين أن رجلا سأل النبي ﷺ ما افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: «خمس صلوات» قال: هل على غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» ، فحلف الرجل لا يزيد عليها ولا ينقص، فقال ﷺ أفلح الرجل إن صدق.(٢) فيجب الوفاء به، وأما الوتر فسيأتي.(٣) واشتقاقها من الظهور، لأن وقتها أظهر الأوقات، لأنه يعرف بزيادة الظل، ولأنها ظاهرة في وسط النهار، وقيل لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، وقيل لأنها في وقت الظهيرة، أي شدة الحر، والظهر لغة الوقت بعد الزوال، وشرعا صلاة هذا الوقت، من تسمية الشيء باسم وقته، وهي الأولى، لقوله ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وتسمى الهجير، لأنها تصلي وقت الهاجرة، وهي شدة الحر، وعن أبي برزة، كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، أي حين تزول، ولبداءة جبرئيل بها، لما صلى بالنبي ﷺ ولبداءة النبي ﷺ لما علم أصحابه، فإن قيل: فرضت الصلاة ليلا، فلم لم يبدأ
بالفجر؟ قيل: يحتمل أن يكون قد وقع تصريح بأن أول وجوب الخمس من الظهر، ويحتمل أن الإتيان بها كان متوقفا على بيانها لأن الصلاة فرضت مجملة ولم تبين إلا عند الظهر لقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ولحديث جبرئيل فصلى الظهر حين زالت الشمس، ومن الأصحاب من بدأ بالفجر لأن الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي
الأولى ولقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ وغير ذلك، قال في الاختيارات، وهذا أجود، لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت صلاة الفجر الأولى.стр. 464
(من الزوال) أي ميل الشمس إلى المغرب (١) ويستمر (إلى مساواة الشيء) الشاخص (فيئه بعد فيء الزوال) (٢) أي بعد الظل الذي زالت عليه الشمس (٣) . الحواشي
(١) بإجماع المسلمين حكاه غير واحد، وقال النووي: حكاه خلائق ولما تقدم، وهو الدلوك الذي أراد الله بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وميل الشمس عن كبد السماء يعرف بزيادة الظل بعد تناهي قصره، وبتحول الشمس عن خط المسامتة، وبحدوث الظل بعد عدمه، وبمضي قدر نصف القوس متمكنا بعد الشروق، وأجمعوا أنها لا تصلي قبل الزوال.(٢) أي يمتد وقت الظهر إليه، وفاء الظل يفيء فيئا رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ولا يكون الفيء إلا بعد الزوال، لأنه ظل فاء من جانب المغرب، قال الجرجاني، الفيء ما ينسخ الشمس، وهو من الزوال إلى الغروب، كما أن الظل ما نسخته الشمس، وهو من الطلوع إلى الزوال، وكل إنسان بقدم نفسه ستة أقدم وثلثا قدم تقريبا.(٣) لقوله ﵊ وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله رواه مسلم، أي ويستمر وقت الظهر حتى يصير ظل كل رجل مثله، ولأن جبريل صلاها بالنبي ﷺ حين زالت الشمس في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين، فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل، ثم تنظر الزيادة عليه. فإذا بلغت قدر الشاخص فقد انتهى وقت الظهر، وفي صحيح مسلم ووقت الظهر
إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، وله من حديث أبي موسى في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني أخرها حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس.стр. 465
اعلم أن الشمس إذا طلعت رفع لكل شاخص ظل طويل من جانب المغرب، ثم ما دامت الشمس ترتفع فالظل ينقص، فإذا انتهت الشمس إلى وسط السماء وهي مسألة الاستواء انتهى نقصانه (١) فإذا زاد أدنى زيادة فهو الزوال (٢) ويقصر الظل في الصيف (٣) لارتفاعها إلى الجو (٤) ويطول في الشتاء (٥) . الحواشي
(١) أي الظل، والوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة وقوله: إعلم كلمة يؤتي بها للاعتناء بما بعدها.(٢) أي فإذا زاد الظل الذي فاء بعد قيام الشمس فهو الزوال، وهو وقت الظهر والظل أصله الستر، وظل الليل سواده، وظل الشمس ما ستر به الشخوص من مسقطها، وظل النهار لونه إذا غلبته الشمس، وقال: رؤبة كل موضع تكون في الشمس فتزول عنه فهو ظل وفيء، وقال ابن قتيبة: الظل يكون غدوة وعشية، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال.(٣) وأقصره في النصف من حزيران والصيف ثلاثة أشهر، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند العرب الربيع، والذي يليه القيظ، وقال بعضهم: هو القيظ، وعند العامة هو الصيف، ولعله المراد، فكلما طال النهار قصر الظل، وإذا قصر النهار طال الظل.(٤) أي كبد السماء، والجو ما بين السماء والأرض.(٥) لمسامتتها للمنتصب.стр. 466
ويختلف بالشهر والبلد (١) (وتعجيلها أفضل) (٢) وتحصل فضيلة التعجيل بالتأهب أول الوقت (٣) . الحواشي
(١) اختلافا كثيرا طولا وقصرا، وانعداما بالكلية، فيقصر الظل جدا في كل بلد تحت وسط الفلك، ويطول في ضد ذلك، وفاقد وقتها كبلغار مكلف بهما فيقدر لها كما يقدر في أيام الدجال، لما ثبت في صحيح مسلم قال: فاقدروا له، وأيام الدجال وأربعون يوما، يوم كسنة، فيصلي فيه صلاة سنة، ويوم كشهر، فيصلي فيه صلاة شهر، ويوم كجمعة فيصلي فيه صلاة جمعة، وباقي الأيام كأيامنا فيقدر في الثلاث الأول، مقدار الوقت، فكذا في بلغار ونحوها فإنه يطلع الفجر في بلغار قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء، وأفتى السرخسي والبلقاني بسقوطه عنهم، وأفتى غيرهما بوجوبه، وهو أوجه قياسا على أيام الدجال، قال الشيخ: والمواقيت التي علمها جبريل للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ للأمة، حين بين مواقيت الصلاة، وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم، هي في الأيام المعتادة، فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم كسنة قال: «اقدروا له قدره» ، فله حكم آخر، تكون فيه الصلاة بقدر الأيام المعتادة. لا ينظر فيه إلى حركة الشمس، لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا *﴾ أي على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، واليوم المراد به اليوم والليلة.(٢) لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ولحديث كان يصلي الهجير حين تدحض الشمس، وحديث يصلي الظهر بالهاجرة متفق عليهما فتعجيلها مستحب بغير خلاف، حكاه غير واحد، في غير شدة حر، وقال الترمذي: هو الذي اختاره أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.(٣) لها أو لغيرها مما يسن تعجيلها والتأهب الاشتغال بأسباب الصلاة، كطهر وأذان وستر ونحوه، من حين دخول الوقت، لأنه لا يعد إذا متوانيا.стр. 467
(إلا في شدة حر) فيستحب تأخيرها إلا أن ينكسر (١) لحديث «أبردوا بالظهر» (٢) (ولو صلى وحده) أو في بيته (٣) . الحواشي
(١) يعني الحر، ويتسع الظل في الحيطان، وقال ابن منجا: الأرجح أنه سنة وفي حديث أبي ذر قال: أبرد حتى رأينا في التلول وقال النووي وغيره: الإبراد أن يؤخر الصلاة قليلا بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشيء فيه القاصد إلى الصلاة فيصلي في آخر الوقت، ولا يجاوز بالإبراد نصف الوقت.(٢) رواه البخاري وغيره، من حديث أبي سعيد، ورواه الجماعة من حديث أبي هريرة «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ، وهو حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابيا، وأبردوا أي أخروها إلى أن يبرد الوقت، أي الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر، فيوجد فيه برودة، والباء للتعدية، أي أدخلوا صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدة الحر، ويقال: أبرد إذا دخل في البرد، أمر استحباب، وقيل إرشاد، وقيل: بل للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والجمهور على الاستحباب، وفيح جهنم شدة حرها، وغليانها، وانتشار لهبها، ووهجها نعوذ بالله منها، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وهو ظاهر، واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد، فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده وفي جماعة، ومنهم ن قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنه من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنهم من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، قال ابن رجب، هو المقدم وثبت من حديث أبي ذر الإبراد، وكانوا مجتمعين، قال الحافظ: والحكمة دفع المشقة، لكونها قد تسلب الخشوع، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب، فإنها تسجر فيها جهنم.(٣) هذا المذهب اختاره المصنف والشارح والخرقي، وهو مذهب أبي حنيفة
وابن المنذر وغيرهم، لظاهر الأخبار، قال الشيخ: أهل الحديث يستحبون تأخير الظهر مطلقا، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، وبذلك جاءت السنة الصحيحة التي لا دافع لها، وكل من الفقهاء يوافقهم أو الأغلب اهـ وليس المراد أن يترك الجماعة ويصلي وحده، إذ لا يترك واجب لمسنون، وإنما المراد المعذور لمرض ونحوه.стр. 468
(أو مع غيم لمن يصلي جماعة) أي ويستحب تأخيرها مع غيم إلى قرب وقت العصر لمن يصلي جماعة (١) لأنه وقت يخاف فيه المطر والريح: فطلب الأسهل بالخروج لهما معا (٢) وهذا في غير الجمعة فيسن تقديمها مطلقا (٣) (ويليه) أي يلي وقت الظهر (وقت العصر) المختار (٤) . الحواشي
(١) وعنه لا تؤخر لغيم، وفاقا لمالك والشافعي.(٢) كذا علله القاضي بذلك، وظاهر الخرقي وغيره سنية تعجيل الظهر في غير شدة الحر، إذا غلب على ظنه دخول الوقت، وقوفا مع النص، وما روي عن أحمد يحمل على أنه أراد بالتأخير ليتيقن دخول الوقت، ولا يصلي مع الشك، كما نقل عنه أبو طالب، قال: يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر.(٣) فلا يؤخرها في حر أو غيم إجماعا، لحديث ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة، وحديث: كنا نجمع إذا زالت الشمس متفق عليهما.(٤) وهو اللذي يجوز تأخير الصلاة إلى آخره من غير عذر، سمي بذلك لأرجحيته على ما بعده، أو لاختيار جبرئيل إياه أو لأن فعلها فيه موكول إلى اختيار المكلف، والعصر الزمان، أو الغداة، أو العشي، ومنه سميت صلاة العصر، أو لأنها تصلي عشية وقيل من طرف النهار، والعرب تسمي كل طرف من النهار عصرا، وقيل لانعصار النهار للفراغ، والشمس للغروب.стр. 469
من غير فصل بينهما (١) ويستمر (إلى مصير الفيء مثليه بعد في الزوال) أي بعد الظل الذي زالت عليه الشمس (٢) (و) وقت (الضرورة إلى غروبها) أي غروب الشمس فالصلاة فيه أداء (٣) . الحواشي
(١) ولا اشتراك وفاقا للشافعي، فلا يقال: وقت العصر لا يدخل إلا بعد زيادة يسيرة عن خروج وقت الظهر، ولا أن آخر وقت الظهر أول وقت العصر لما في صحيح مسلم ووقت الظهر ما لم تحضر العصر.(٢) أي يمتد الوقت المختار للعصر إلى ذلك، وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، لأن جبرئيل صلاها بالنبي ﷺ حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» ، وعنه إلى اصفرار الشمس، صححه الشارح وغيره، واختارها المجد، لحديث «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» ، رواه مسلم، وله من حديث أبي موسى وهو متأخر، والعمل بالمتأخر متعين قال: ثم أخر العصر يعني في اليوم الثاني حتى انصرف منها والقائل يقول قد احمرت الشمس، وفي حديث أبي هريرة «وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس» ، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلاها والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها، ثم يدخل وقت الضرورة قال شيخ الإسلام: وهو الصحيح، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة المدنية.(٣) وهو إنما يباح تأخير الصلاة إليه مع العذر، ومتى فعلها فيه فهو مدرك لها أداء في وقتها لعذر أو غيره، قال في المبدع وغيره، وعليه أكثر العلماء، لقوله: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» ، متفق عليه وحينئذ فلا فرق بين المعذور وغيره، إلا في الإثم وعدمه، ولا يختص بالعصر والصبح، بل الحكم كذلك في جميع الصلوات، لما في صحيح مسلم «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» .стр. 470
لكن يأثم بالتأخير إليه لغير عذر (١) (ويسن تعجيلها) مطلقا (٢) وهي الصلاة الوسطى (٣) . الحواشي
(١) أي إذا أخرها إلى وقت الضرورة أثم لغير عذر، ولعذر فلا إثم، وقال الشيخ: نقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار، من أن الوقت وقتان: وقت اختيار وهو خمس مواقيت، ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت اهـ وسمي بالضرورة لأنه مختص بأرباب الضرورات من غفلة أو نوم أو إغماء أو جنون أو حيض ونحو ذلك.(٢) مع حر وغيم وغيرهما لحديث ويصلي العصر فيرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية متفق عليه، ولهما عن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فننحر جزورا فنقسم عشر قسم، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس ولغيرهما من الأحاديث، وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين، ومالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء، ويأتي الأمر بالتبكير لها في الغيم، ففي الصحو أولى.(٣) يعني الفضلى، مؤنث الأوسط، والوسط الخيار، فالمعنى لثبوت الفضل فيها، ونص عليها تعالى بيانا لفضلها، وتأكيدا على الحض على المحافظة عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وثبت أنها العصر، ففي صحيح مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وللترمذي وصححه الصلاة الوسطى صلاة العصر، قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، قال في الإنصاف: بلا خلاف عن الإمام والأصحاب، وقال الشيخ: قد ثبت بالنصوص الصحيحة أنها العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة، ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم اهـ وقال ابن رشد: الأحاديث بذلك متواترة والعلم به حاصل ضرورة اهـ ويستحب جلوسه في مصلاه بعد العصر إلى غروب الشمس، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس، وهو أوكد لفعله ﷺ .стр. 471
(ويليه وقت المغرب) (١) وهي وتر النهار (٢) ويمتد (إلى مغيب الحمرة) أي الشفق الأحمر (٣) . الحواشي
(١) مصدر غربت الشمس غروبا، ويطلق على وقت الغروب ومكانه، فسميت هذه الصلاة باسم وقتها، وتسمى صلاة الشاهد، ولا يجوز فعلها قبل الغروب بحال، وأجمعت عليه الأمة، والمراد بالغروب غروب قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، لا من سهل ولا من جبل، ونقل ابن المنذر وخلائق الإجماع عليه، لما في الصحيحين وغيرهما إذا غربت وتوارت بالحجاب، ولغير من الأحاديث ويتحقق بإقبال ظلمة الليل من المشرق، لقوله ﷺ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم، وفي المبدع: ويعرف الغروب في العمران بزوال الشعاع من رءوس الجبال، وإقبال الظلام من المشرق.(٢) لاتصالها به، كأنها فعلت فيه، لحديث عقبة فإنها وتر النهار، رواه أحمد وغيره أي فرضت وترا للنهار، ثلاثا من أول الأمر، وهي ثلاث ركعات حضرا وسفرا بإجماع المسلمين.(٣) وفاقا لأبي حنيفة، والصحيح عند الشافعية، ورواية عن مالك، قال النووي وغيره، هذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوز غيره، وقول جمهور أهل العلم، وصححه ابن العربي وغيره، لحديث عبد الله بن عمرو ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، وفي رواية ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، رواه مسلم وفيه: ثم أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان في اليوم الثاني أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ، قبل أن يغيب الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين وفي لفظ إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق ولقوله: وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها، وإنما خص منه الفجر بالإجماع، فما عداها داخل في عمومه، وبه تضافرت السنة الصحيحة، وهو أصح
الأقوال لهذه الأخبار، وخبر أبي موسى وبريدة، فلها وقتان وقت اختيار، وهو إلى ظهور الأنجم، ووقت كراهة، وهو ما بعده إلى مغيب الحمرة، والحمرة لون الأحمر، وقد تطلق على ما لونه البياض كما يقال: امرأة حمراء، وقيدوه بالحمرة لقول ابن عمر وغيره: الشفق الحمرة، وقال: الزجاج وغيره: الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة، وذكر غير واحد أنه لم ينقل عن أئمة اللغة غيره، فالشفق بياض تخالطه حمرة، ثم تذهب ويبقى بياض خالص، بينهما زمن قليل، فيستدل بغيبة البياض على مغيب الحمرة، قال الشيخ وغيره، وما بين العشائين ثمن الليل، وما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس سبعه.стр. 472
(ويسن تعجيلها (١) إلا ليلة جمع) أي مزدلفة (٢) سميت جمعا لاجتماع الناس فيها (٣) فيسن (لمن) يباح له الجمع (٤) و (قصدها محرما) (٥) . الحواشي
(١) إلا لعذر قال الشيخ: باتفاق الأئمة وللترمذي وغيره وصححه عن سلمة أنه كان ﷺ يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب قال: وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.(٢) سميت بذلك لأنها يتقرب فيها إلى الله، أو لاقتراب الناس إلى منى من عرفات، أو لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أو لازدلاف آدم وحوى فيها، وهي ليلة النحر.(٣) أو لاجتماع آدم هناك بحوى، أو لأن الناس يجمعون بها بين صلاتي المغرب والعشاء، والأول أجود، لوجود اجتماع الناس بها قديما.(٤) بين المغرب والعشاء، لا من لا يباح له الجمع من مكي وغيره، عند بعضهم ويأتي ذكر ثبوت جمعهم خلفه ﷺ .(٥) أي قصد مزدلفة محرما، إن لم يوافقها وقت المغرب، فيصلي المغرب في وقتها، ولا يؤخرها لزوال العلة التي من أجلها جمع النبي ﷺ .стр. 473
تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء تأخيرا (١) قبل حط رحله (٢) (ويليه وقت العشاء إلى) طلوع (الفجر الثاني) (٣) وهو الصادق (٤) . الحواشي
(١) أي جمع تأخير إجماعا، لأنه ﷺ وخلفاءه كانوا يفعلون ذلك، قال الشيخ وغيره: بالاتفاق، وكذا في غيم، فيستحب تأخيرها حتى يتيقن دخول الوقت، قال أحمد: يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل.(٢) لفعله ﵊ بمزدلفة، بعد أن صلى المغرب أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء، متفق عليه.(٣) أي ويلي وقت المغرب الوقت المختار للعشاء بكسر العين والمد، اسم الأول الظلام سميت بذلك لأنها تفعل فيه، ويقال لها العشاء الآخرة، تسمى بالعتمة أي شدة الظلمة، لما في الصحيح عن عائشة كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، أو باسم عتمة الليل، وهو ظلمة أوله، ولا يكره تسميتها بالعتمة، قال الشيخ: الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم وأن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، وقيل: وكذا الفجر بصلاة الغداة، وأول وقتها مغيب الشفق، وهو الحمرة حكاه غير واحد، والأحاديث متضافرة على ذلك، ولا يلتفت إلى البياض بعدها، كما لا يلتفت في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر، قال ابن عمر: الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق فقد وجبت الصلاة، ولا نزاع في ذلك، وللترمذي وغيره عن النعمان أنه كان ﵊ يصليها لسقوط القمر لثالثة، وهو إنما يغاب لها عند غيوبه غالبا ويمتد وقت الضرورة من نصف الليل إلى طلوع الفجر، عند الأكثيرين، لقوله ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى رواه مسلم ويحرم إليه بلا عذر كما تقدم.(٤) أي الفجر الثاني هو الفجر الصادق، لأنه صدق عن الصبح.стр. 474
(وهو البياض المعترض) بالمشرق ولا ظلمة بعده (١) والأول مستطيل أزرق (٢) له شعاع ثم يظلم (٣) .
(وتأخيرها) إلى أن يصليها في آخر الوقت المختار وهو (ثلث الليل أفضل إن سهل) (٤) . الحواشي
(١) يطلع بعد مغيب الأول، يملأ الأفق بياضه، وهو عمود الصبح، وبطلوعه يدخل النهار، وذلك أن على قرض الشمس دائرتين حمراء، وقبلها بيضاء، أول ما يطلع البيضاء، ثم الحمراء، ثم القرص، والأحكام تتعلق بالبيضاء، وهي دائرة لكن لاتساعها تظهر كأنها خط مستقيم من الجنوب إلى الشمال، ويسمى الفجر المعترض، والصادق والمستطير، أي المنتشر الشائع، شبه بالطائر يفتح جناحيه.(٢) وهو الكاذب ولدقته يقال له ذنب السرحان، وهو المستطيل من المشرق إلى المغرب، يسمى كاذبا، لأنه يقل ويتلاشى، أو لأنه يغر من لا يعرفه.(٣) الشعاع المترقرق غير الضوء، وشعاع الشمس الذي تراه كأنه حبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضوئها.(٤) لقوله ﷺ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، صححه الترمذي، وقال: هذا الذي اختاره أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولأن جبرئيل صلاها بالنبي صلى الله عليه
وسلم في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين، ولحديث أبي موسى وهو متأخر، وعنه: يمتد إلى نصف الليل، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين للشافعي، لحديث ابن عمرو ووقت العشاء إلى نصف الليل، رواه مسلم، ولحديث أبي هريرة قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، وحديث أنس: أخرها إلى نصف الليل، ثم صلى وقال: إنكم في صلاة ما انتظرتموها متفق عليه، قال الشيخ: ولو قيل بتحديد
وقت العشاء إلى نصف الليل تارة، وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب يعني ثلث الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر، ونصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس لكان متوجها.стр. 475
فإن شق ولو على بعض المأمومين كره (١) ويكره النوم قبلها (٢) والحديث بعدها (٣) إلا يسيرا أو لشغل (٤) أو مع أهل ونحوه (٥) . الحواشي
(١) نص عليه، لأنه ﷺ ترك الأمر بتأخيرها، كراهية المشقة، وكان يأمر بالتخفيف رفقا بهم، ولأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ وخلفائه هي التقديم، فإذا تقدموا فالأفضل التقديم دفعا للمشقة، قاله الشيخ وغيره، وقال أحمد: تأخيرها بقدر أن لا يشق على المأمومين، وقد ترك النبي ﷺ تأخيرها مخافة المشقة.(٢) للخبر، ولئلا يستغرق النائم حتى تفوته، أو يفوته وقت اختيار وقتها أو يترخص الناس فينامون عن إقامتها جماعة.(٣) أي ويكره الحديث بعدها، يعني بعد العشاء الآخرة، لحديث كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها متفق عليه والمراد التحادث مع الناس، فيشتغل عن قيام آخر الليل، أو صلاة الصبح، أو لينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة فتكون خاتمة عمله.(٤) للأخبار ولأنه خير ناجز ومصلحة راجحة فلا يترك لتوهم مفسدة، وأخرج الضياء من حديث عائشة لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر، أو عروس.(٥) كضيف أو ما فيه مصلحة للمسلمين فلا يكره، لما في صحيح مسلم تحدث مع أهله ساعة ثم رقد ولحديث عمر: كان يسمر عند أبي بكر في الأمر من
أمور المسلمين وأنا معه، حسنه الترمذي أو السمر في علم قال الترمذي
رخص بعضهم إذا كان في معنى العلم، وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وقال النووي: اتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير اهـ والشغل يشمل العلم، بل هو من أهم ما يشتغل به.стр. 476
ويحرم تأخيرها بعد ثلث الليل بلا عذر (١) لأنه وقت ضرورة (٢) (ويليه وقت الفجر) (٣) من طلوعه (إلى طلوع الشمس (٤) الحواشي
(١) كحائض تطهر ومجنون يفيق أو غير ذلك.(٢) أي ما بعد ثلث الليل على ما ذكر، أو ما بعد نصفه على القول الراجح، ولا يجوز تأخير وقت صلاة لها وقت اختيار ووقت ضرورة أو بعضها إلى وقت الضرورة لغير عذر، وتقدم.(٣) الفجر مصدر وهو ضوء النهار، أو حمرة الشمس في سواد الليل، وهو في آخر الليل كالشفق في أوله، سمي به لانفجار الصبح، وقد أفجرنا من الفجر كما تقول أصبحنا من الصبح، أو لأنه انصداع ظلمة من نور، وبه سمي الوقت عند ظهوره، وتسمى الصبح، والصباح أول النهار، وقيل: مأخوذ من الحمرة التي فيها، كصباحة الوجه من الحمرة التي فيه، وتسمى صلاة الغداة، والغداة أول النهار، وهي ركعتان حضرا وسفرا إجماعا، ومن الصلوات النهار في قول العلماء كافة.(٤) أي وقت الفجر من طلوع الفجر، ويمتد إلى طلوع الشمس، لحديث جبرئيل، وحديث ابن عمر، وحديث أبي موسى، قال الشيخ: استعمل فقهاء الحديث في هذا الباب جميع النصوص الواردة في أوقات الجواز والاختيار، فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الظهر من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء إلى منتصف الليل، وهذا بعينه قول رسول
الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم، وليس حديث في المواقيت أصح منه، وكذا صح معناه من غير وجه من فعله ﷺ اهـ وقال الوزير وغيره، أجمعوا على أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني، وآخر وقتها المختار إلى أن يسفر، ووقت الضرورة إلى أن تطلع الشمس، ولفظ النووي وغيره: أجمعت الأمة، وفي المبدع: الفجر يتبع الليل فيكون في الشتاء أطول من الصيف، والعشاء على العكس، قال الشيخ: ومن زعم أن وقت العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء، والصيف فقد غلط غلطا بينا باتفاق الناس.стр. 477
وتعجيلها أفضل) مطلقا (١) ويجب التأخير لتعلم فاتحة أو ذكر واجب، إن أمكنه تعلمه في الوقت (٢) . الحواشي
(١) أي صيفا وشتاء إذا تيقنه أو غلب على ظنه، لحديث يشهدن صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، وحديث جابر: كان يصليها بغلس متفق عليهما، وأما حديث اسفروا بالفجر، فالمراد صلوا صلاة الفجر مسفرين، أي إسفارا يتيقن معه طلوع الفجر، جمعا بينه وبين مواظبته ﷺ على التغليس، أو أسفروا إلى أن يضيء الفجر، فلا يشك فيه، أو دوام الإسفار، لا ابتداؤه كما فعل النبي ﷺ قال ابن القيم: إنما المراد به الإسفار دواما لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا، ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله ﷺ وعن أبي مسعود الأنصاري أن النبي ﷺ غلس بالصبح ثم أسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار، حتى مات، رواه أبو داود وابن خزيمة وقال الخازمي: إسناده ثقات، فقوله ﷺ موافق لفعله، وكيف يظن به المواظبة على فعل أعظم الأجر في خلافه، قال ابن عبد البر وغيره: صح عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغسلون ومحال أن يتركوا الأفضل، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء.(٢) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يمكنه تعلمه في الوقت
ولو وقت الاختيار فلا، وكذا تأخير الكل مع أمن فوات لمصلي كسوف ونحوه وأمن حدوث مانع.стр. 478
وكذا لو أمره والده به ليصلي به (١) ويسن لحاقن ونحوه مع سعة الوقت (٢) (وتدرك الصلاة) أداء (بـ) إدراك تكبيرة (الإحرام في وقتها) (٣) . الحواشي
(١) أي كما يجب التأخير لتعلم الفاتحة يجب إذا أمره والده بتأخيرها ليصلي به، ولا كراهة في ذلك لأن طاعة الوالد ألزم من الصلاة أول الوقت، لأنه سنة وطاعة الوالد واجبة، وإن أمره بتأخير لغير ذلك لم يؤخر، قال الزركشي، لو تأخر الجيران كلهم فالأولى هنا التأخير بلا خلاف.(٢) أي ويسن تأخير الصلاة لحاقن أي محتبس البول، ونحو حاقن حاقب وتائق إلى طعام ونحوه، مع سعة الوقت، ليأتي بالصلاة على أكمل الأحوال، وإلا صلى على حسب حاله، ولا يأثم بتعجيل صلاة يستحب تأخيرها، ولا تأخير ما يستحب تعجيلها، إذا أخرها عازما على فعلها، ما لم يضيق الوقت عن فعل جميع العبادة، لصلاة جبرئيل بالنبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره وقوله «الوقت ما بين هذين الوقتين» ولأن الوجوب موسع فهو كالتكفير موسع في الأعيان، قال الشيخ في قوله ﷺ «أفضل الأعمال عند الله الصلاة في وقتها» ، الوقت يعم أول الوقت وآخره، والله يقبلها في جميع الوقت، لكن أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع، كالظهر في شدة الحر، وكالعشاء إذا لم يشق على المأمومين.(٣) أي وقت تلك المكتوبة هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، ولو آخر وقت ثانية في جمع، ومعنى إدراك الأداء بناء ما خرج منها عن الوقت على تحريمه الأداء في الوقت، ووقوعه موقعه في الصحة والإجزاء، سواء في ذلك المعذور وغيره.стр. 479
فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس أو غروبها كانت كلها أداء (١) حتى ولو كان التأخير لغير عذر، لكنه آثم (٢) وكذا وقت الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام ويأتي (٣) . الحواشي
(١) لما رواه مسلم من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك السجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأنه أدرك جزءا فاستوى فيه القليل والكثير، وعنه: لا تدرك بدون ركعة، اختارها جماعة، وهو ظاهر الخرقي ومذهب مالك واختيار الشيخ، لتخصيص الشارع الإدراك بالركعة، كما في الصحيحين من أدرك ركعة من الصبح، الحديث، وما استدلوا به تفسره الرواية الثانية لمسلم والسجدة إنما هي الركعة وقال الشيخ: تعليق الإدراك بسجدة مجردة لم يقل به أحد من العلماء وقال الحافظ في رواية من أدرك ركعة، لم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد اهـ فمن أدرك دونها لا يكون مدركا للصلاة، وهو الذي استقر عليه الاتفاق.(٢) أي في تأخيره بلا عذر، للخلاف في وقوعه أداء، لعموم جواز تأخير بعض الصلاة عن وقتها، وذكر الزركشي وغيره اختصاص الإدراك بمن له ضرورة كحائض طهرت وصبي بلغ، ومجنون أفاق، ونائم استيقظ ومريض برأ وذمي أسلم، وطبيب فصد، وعليه من لا عذر له لا يدركها بذلك، بل تفوته بفوات وقتها المختار، وتقع منه بعد ذلك قضاء، وهو قول بعض العلماء، وهو متوجه إذ قول جبرئيل وكذلك قول النبي ﷺ الوقت ما بين هذين الوقتين وقوله: ما لم تصفر الشمس، يقتضي أن ذلك ليس بوقت لها، وقوله: من أدرك ركعة، يحمل على من له عذر، ولذلك جعل الصلاة في ذلك الوقت صلاة المنافقين، وتقدم قول شيخ الإسلام والله أعلم.(٣) أي وكما تدرك الصلاة بالإحرام في وقتها، كذلك وقت الجمعة يدرك به، وأفردها بالذكر لئلا يتوهم أن أداءها كجمعتها لا يدرك إلا بركعة، ويأتي في الجمعة.стр. 480
(ولا يصلي) من جهل الوقت (١) ولم تمكنه مشاهدة الدلائل (٢) (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها (٣) إما باجتهاد) ونظر في الأدلة (٤) أوله صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة (٥) أو جرت عادته بقراءة شيء مقدر (٦) ويستحب له التأخير حتى يتيقن (٧) . الحواشي
(١) فلا يدري أدخل الوقت أو لا؟(٢) التي يعرف بها الوقت، كالزوال ونحوه، لعمى أو مانع ما، ولا مخبر عن يقين.(٣) لأن الأصل عدم دخوله، فإن صلى مع الشك فعليه الإعادة إجماعا وإن وافق الوقت، وأجمعوا على أن العلم بدخول الوقت أو غلبة الظن على دخوله شرط في صحة الصلاة، كمن اشتبهت عليه القلة فصلى من غير اجتهاد.(٤) الاجتهاد بذل الوسع في المجهود، وقيل: الاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس بالعجز عن مزيد الطلب، لأن الصحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظن، فلا يصلي قبل بذل الوسع، والنظر في الأدلة على دخول الوقت، كالزوال واصفرار الشمس.(٥) كالصنائع الراتبة.(٦) إلى وقت الصلاة، جاز له أن يصلي، أو صوت ديك مجرب جرت إصابته في صياحة للوقت، فيجوز اعتماده في دخول الوقت، أو ساعة، ونحو ذلك، وإن أمكنه بمشاهدة الدلائل، أو مخبر عن يقين عمل به دونه ظنه.(٧) يعني دخول الوقت، ويزول الشك، إلا أن يخشى خروج الوقت، أو تكون صلاة العصر في يوم غيم فيستحب التبكير لحديث بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله، رواه أحمد وابن ماجه، قال الموفق وغيره: إذا حل فعلها بيقين أو غلبة ظن.стр. 481
(أو بخبر) ثقة (متيقن) كأن يقول: رأيت الفجر طالعا، أو الشفق غائبا ونحوه (١) فإن أخبره عن ظن لم يعمل بخبره (٢) ويعمل بأذان ثقة عارف (٣) . الحواشي
(١) كأن يقول: رأيت الشمس زالت، أو اصفرت، ويجب قبول قول الواحد، لأنه خبر ديني، فقبل فيه قول الواحد كالرواية.(٢) لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه، وتحصيل مثل ظنه، فإن تعذر عليه الاجتهاد عمل بقول المخبر عن اجتهاد، كالأذان في الغيم، وإذا اختلف اثنان في دخول الوقت كان الأولى التأخير حتى يتفقا، أو يتيقن دخوله، لأنه قبل ذلك لا يعمل بقول من قال بدخوله، لأنه عن ظن فلا يعمل بظن غيره، فغاية ذلك أن يفيده ظنا، وقد علمت أنه مع الظن يستحب التأخير، حتى ولو قيل إن خبر المثبت مقدم فالتأخير لليقين أولى، ذكره عثمان، وذكر أنه عرضه على منصور فارتضاه.(٣) أي يلزمه العمل بأذان ثقة عارف بأوقات الصلاة، بالزوال والتسير والساعات وغير ذلك، أو يقلد ثقة عارفا، لقوله ﷺ المؤذن مؤتمن ولأن الأذان شرع للإعلام بحصول الوقت، فلو لم يجز العمل به لم تحصل فائدته ولا الحكمة التي لأجلها شرع الأذان، ولم يزل الناس يعملون به فيجتمعون للصلاة في مساجدهم فإذا سمعوا الأذان قاموا إلى الصلاة بناء على قول المؤذن، من غير مشاهدة للوقت، ولا اجتهاد فيه، من غير نكير فكان إجماعا، وكذا يعمل بأذان الثقة في الغيم وغيره، إذا كان يعرف الأوقات بالساعات أو غيرها، أو يقلد عارفا وقال الشيخ: يعمل بقول المؤذن في الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهذا مذهب أحمد والشافعي وسائر العلماء المعتبرين كما شهدت به النصوص، خلافا لبعض أصحابنا، وقال: قال بعض أصحابنا: لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان العلم بالوقت، وهو خلاف مذهب أحمد، وخلاف ما شهدت به النصوص، وفي المبدع: يعمل بالأذان في دارنا، وكذا في دار الحرب.стр. 482
(فإن أحرم باجتهاد) بأن غلب على ظنه دخول الوقت لدليل مما تقدم (١) (فبان) إحرامه (قبله فـ) صلاته (نفل) لأنها لم تجب (٢) ويعيد فرضه (٣) (وإلا) يتبين له الحال (٤) أو ظهر أنه في الوقت (فـ) صلاته (فرض) ولا إعادة عليه، لأن الأصل براءة ذمته (٥) ويعيد الأعمى العاجز مطلقا، إن لم يجد من يقلده (٦) . الحواشي
(١) من نظر في الأدلة، أو تقدير الزمن بالصنعة، أو القراءة أو نحو ذلك.(٢) أي قيل دخول الوقت، لأن المكلف إنما يخاطب بالصلاة عند دخول وقتها ولم يوجد.(٣) إجماعا إذا دخل وقتها، لبقاء فرضه عليه.(٤) أي أنه أحرم في الوقت أو قبله ففرض، لدخوله فيها على غالب ظنه.(٥) ولأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه في وقته المشروط له.(٦) في دخول الوقت أخطأ أو أصاب، لأن فرضه التقليد ولم يوجد، لا القادر على الاستدلال كما يستدل البصير في الغيم لأنه يساويه في الدلالة، وهو مرور الزمان وقراءة القرآن، والصنائع الراتبة ونحو ذلك، فإذا غلب على ظنه دخول الوقت جاز له أن يصلي ولا إعادة عليه، ما لم يتبين له الخطأ، وفارق الاستقبال لأنه ليس معه الأدلة التي يدرك بها جهة القبلة، وهي البصر وقال أبو بكر: يصلي على حسب حاله كالقادر على معرفة الوقت.стр. 483
(وإن أدرك مكلف من وقتها) أي وقت فريضة (قدر التحريمة) أي تكبيرة الإحرام (١) (ثم زال تكليفه) بنحو جنون (٢) (أو) أدركت طاهرة من الوقت قدر التحريمة ثم (حاضت) أو نفست (٣) (ثم كلف) الذي زال تكليفه (٤) (وطهرت) الحائض أو النفساء (قضوها) أي قضوا تلك الفريضة التي أدركوا من وقتها قدر التحريمة قبل (٥) لأنها وجبت بدخول وقتها واستقرت (٦) فلا تسقط بوجود المانع (٧) . الحواشي
(١) على القول بكون الوجوب يتعلق بقدرها، والمراد المكلف الذي لا مانع به.(٢) كما لو زالت الشمس ثم بعد مضي قدر تكبيرة فأكثر طرأ مانع للصلاة كزوال عقل.(٣) أي أو أدركت طاهرة من حيض أو نفاس من الوقت قدر التحريمة، ثم طرأ عليها العذر من حيض أو نفاس.(٤) بنحو جنون، قضى تلك الصلاة التي أدرك قدر التكبيرة من وقتها، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت، والوجوب يتعلق بقدر التكبيرة من الوقت، لأنه جزء منه استوى فيه القليل والكثير، لما رواه مسلم، وتقدم ويأتي قول الشيخ الفاصل في المسألة.(٥) أي قبل زوال التكليف بطروء المانع من جنون أو حيض ونحوهما وقال الشافعي: بمضي زمن يمكن فعلها فيه، و (قبل) يبنى على الضم كبعد وتقدم.(٦) أي على مكلف أدرك جزءا من وقتها لم يقم به مانع.(٧) ويجب قضاؤها عند زوال المانع، قولا واحدا، ولا يلزمه غير التي دخل
وقتها قبل طروء المانع فلا يقضي المجموعة إليها بعدها، لأنه لم يدرك جزءا من وقتها، بخلاف عكسها الآتي، وقال الشيخ: و من دخل عليه الوقت ثم طرأ مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه ، وقال: الأظهر في الدليل، قول مالك ورواية عن أبي حنيفة، أنها لا يلزمها شيء، لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيرا جائزا، فهي غير مفرطة، وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها، وذكر أنهما ليسا كالنائم والناسي، فإن وقتهما إذا ذكرا، وفي الاختيارات لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت ثم يوجد المانع.стр. 484
(ومن صار أهلا لوجوبها) بأن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون (١) أو طهرت حائض أو نفساء (قبل خروج وقتها) أي وقت الصلاة، بأن وجد ذلك قبل الغروب مثلا ولو بقدر تكبيرة (٢) (لزمته) أي العصر (وما يجمع إليها قبلها) وهي الظهر وكذا لو كان ذلك قبل الفجر لزمته العشاء والمغرب (٣) لأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور فكأنه أدرك وقتها (٤) . الحواشي
(١) من جنون أو مغمى عليه من إغماء قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها على ما يأتي تفصيله.(٢) تقدم أنها لا تدرك إلا بركعة، لما في الصحيح «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ، قال شيخ الإسلام: وهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أو إدراك وقت.(٣) وفاقا لمالك والشافعي.(٤) فلزمه قضاؤها، كما يلزمه فرض الثانية، ولأن أحد هؤلاء أدرك جزءا
من آخر وقت الصلاة، ووجبت عليه، فلزمه قضاؤها، كما لو أدرك وقتا يتسع لها، قال الشارح، لا نعلم فيه خلافا، وفي الإنصاف بلا نزاع، وفي وقت صلاة لا تجمع لزمته فقط، وروى ابن المنذر وغيره عن ابن عباس وغيره، أنهم قالوا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء فإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا، قال في المبدع: ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، وقال أحمد: وهو قول عامة التابعين إلا الحسن، وإن كان قبل طلوع الشمس لزمه قضاء الصبح فقط، لأن التي قبلها لا تجمع إليها، وقال أيضا شيخ الإسلام، لا تجب إلا بأن يدرك زمنا يتسع لفعلها، قال: وهو أصح.стр. 485
(ويجب فورا) ما لم يتضرر في بدنه (١) أو معيشة يحتاجها (٢) أو يحضر لصلاة عيد (٣) (قضاء الفوائت) (٤) . الحواشي
(١) أي يجب قضاء الفوائت فورا، والفور مصدر مأخوذ من فور القدر، وذلك ما لم يتضرر في بدنه، والتضرر أن يلحقه مشقة، أو نقص في بدنه بضعف أو خوف أو مرض أو نصب أو إعياء، وهو أقل من النصب لأن النصب هو التعب، فتسقط عنه الفورية إلى القدرة بلا ضرر، والمريض يقضيها وإن كان جالسا، ما لم يتضرر ولا يؤخرها ليصلي قائما.(٢) كفوات شيء من ماله، أو ضرر فيه، أو قطع عن معيشته، نص أحمد على نحو هذا، فيسقط الفور، ويقضيها بحيث لا يتضرر لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .(٣) لما سيأتي من كراهة القضاء بموضع العيد قبل صلاته لئلا يقتدى به.(٤) أي يجب في أول الإمكان بحيث يلحقه الإثم بالتأخير عنه قضاء الفرائض الفوائت ما لم يلحقه ضرر، لقوله ﷺ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه، ولغيره من الأحاديث المستفيضة في الأمر بالصلاة عند الذكر والأمر يقتضي الوجوب، فتجب المبادرة إلى فعلها على الفور وهو قول جمهور الفقهاء، منهم إبراهيم والزهري وربيعة، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد وأصحابهم، واختاره الشيخ وغيره. وحجة من رأى التأخير أن النبي ﷺ يصلها في المكان الذي ناموا فيه، وهو لا يدل إلا على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضًا عن القضاء، بل يفعله لتكميل الصلاة، ومن اختيار بقعة، ويأتي، وأجمع أهل العلم على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان، واستنادهم إلى السنة المستفيضة، ومن تركها جهلاً بوجوبها، مثل من أسلم في دار الحرب، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، فثقيل يعيد مطلقًا، وقيل بدار إسلام، وقيل لا يعيد مطلقًا، قال الشيخ: والصحيح عدم وجوب الإعادة، لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان، وقال ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ فمن لم يبلغه أمر الرسول ﷺ في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه بخلاف العامد لأنه لا يسقط عنه الإثم، فلا يشرع له قضاء، ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع، واختاره هو وابن رجب وغيرهما، وحكمته التغليظ عليه، وذكر بعض المتقدمين كالجوزجاني والبربهاري وابن بطة: أنه لا يجزئ فعلها مطلقًا إذا تركها عمدًا. وحكى النووي إجماع من يعتد بهم على لزوم القضاء، ورد على ابن حزم استدلاله على عدم القضاء، وقاس وجوب القضاء على قضاء المجامع في نهار رمضان، فالله أعلم، والقضاء عرفًا إيقاع الصلاة خارج وقتها.стр. 486
الحواشي
(١) لأنها صلوات واجبة تفعل في وقت يتسع لها، فوجب فيها الترتيب. قال الشارح: وهذا الترتيب شرط لصحة الصلاة، فلو أخل به لم تصح، لحديث جابر يوم الخندق «فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» متفق عليه، ولأحمد: عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام الصلاةن فصلى العصر، ثم أعاد المغرب. ولترتيبه الأربع صلوات. وروى عن ابن عمر ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وجوب الترتيب، وعنه: لا يجب وفاقًا. وقال في المبهج: مستحب واختاره في الفائق، قال ابن رجب، وجزم به بعض الأصحاب ومال إلى ذلك، وقال: إيجاب ترتيب قضاء الصلوات سنين عديدة ببقاء صلاة واحدة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي اهـ وقال النووي: المعتمد في المسألة أنها ديون عليه، فلا يجب ترتيبها إلا بدليل ظاهر، وليس لهم دليل ظاهر، ولأن من صلاهن بغير ترتيب فقد فعل الصلاة التي أمر بها، فلا يلزمه وصف زائد بغير دليل.стр. 487
ويسن صلاتها جماعة (١) (ويسقط الترتيب بنسيانه) للعذر (٢) فإن نسي الترتيب بين الفوائت (٣) أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة صحت (٤) . الحواشي
(١) صلاته ﷺ بهم الفجر يوم نومهم، ويوم الخندق جماعة، كما كان يصليها في وقتها، وحكى القاضي عياض وغيره، أنه لا خلاف بين العلماء في جواز الجماعة في القضاء، إلا ما حكي عن الليث، وإن صح فمردود بالأحاديث الصحيحة، وإجماع من قبله.(٢) لأنه لا أمارة على المنسية تعلم بها ولقوله ﷺ «عفى عن أمتي الخطأ والنسيان» ، قال القاضي: رواية واحدة، وقال الشيخ: عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد.(٣) كأن ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيتهما الأولى تحرى وصحت وإن استويا بدأ بما شاء منهما، وفي المطلع: ونسي الترتيب أي نسي أن يقضي الصلاة مرتبة حال قضائها، لا أنه نسي كيف فاتته، فإن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح.(٤) وإن ذكر وهو فيها والوقت متسع أتمها وقضى الفائتة ثم أعاد التي كان يها، وحديث صلاته ﷺ عام الأحزاب يحتمل أنه ذكرها في الصلاة، وقال الشيخ: متى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكرها قبل الشروع فيها، فإنه إذا حضرت الجماعة يصلي الحاضرة معهم ثم يصلي الفائتة وهل يعيد الحاضرة؟ فيه للصحابة والعلماء قولان، أحدهما يعيد، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور في مذهب أحمد، والثاني لا يعيد، وهو قول ابن عباس ومذهب الشافعي واختيار جدي، وتقدم قوله: إن الله لم يوجب صلاة مرتين إلا لترك واجب كطمأنينة أووضوء ونحو ذلك.стр. 488
ولا يسقط بالجهل (١) (و) يسقط الترتيب أيضا (بخشية خروج وقت اختيار الحاضرة) (٢) فإن خشي خروج الوقت قدم الحاضرة لأنها آكد (٣) ولا يجوز تأخيرها عن وقت الجواز (٤) ويجوز التأخير لغرض صحيح، كانتظار رفقة أو جماعة لها (٥) . الحواشي
(١) للقدرة على التعلم، وإن ترك الترتيب بلا عذر لم يصح، لأنه شرط كترتيب الركوع والسجود، وقيل يسقط الترتيب بجهل وجوبه، اختاره الآمدي والشيخ وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم.(٢) لئلا يصيرا فائتتين ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الوقت، قال في الإنصاف، خشية خروج وقت الاختيار كخشية خروج الوقت بالكلية، فإذا خشي الإصفرار صلى الحاضرة، قاله الزركشي والمجد وغيرهما.(٣) وذلك مثل أن يشرع في صلاة حاضرة والوقت ضيق، أو لم يكن في صلاة، لكن لم يبق من وقت الحاضرة ما يتسع لهما جميعا قدم الحاضرة، لأنها صلاة ضاق وقتها عن آكد منها، فلم يجز تأخيرها، ولأن الصلاة ركن من أركان الإسلام يقتل بتركها، ويحرم عليه تأخيرها، فلم يجز تقديم فائتة على حاضرة عند خوف فوتها، فسقط الترتيب، قال القاضي: رواية واحدة، ولا يسقط الترتيب بخشية فوت الجماعة على الأصح، وقال في المبدع: وعنه يسقط اختاره جمع.(٤) وتصح البداءة بغير الحاضرة مع ضيق الوقت إجماعا، ولا نافلة إذا.(٥) وكاختيار بقعة على بقعة، كما فعل ﷺ ونحو ذلك
مما هو من مصالحها، ولتكميلها وتكثير أجرها، إذا كان التأخير لقضاء الفائتة يسيرا عرفا، قال ابن القيم: ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصلي إذا زال عذره، ولا يجوز له تأخيرها إلى وقت آخر بالاتفاق، بل هو من الكبائر العظام.стр. 489
ومن شك فيما عليه من الصلوات، وتيقن سبق الوجوب أبرأ ذمته يقينا (١) وإن لم يعلم وقت الوجوب فما تيقن وجوبه (٢) (ومنها) أي من شروط الصلاة (ستر العورة) (٣) قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا (٤) . الحواشي
(١) أي وتيقن سبق زمن الوجوب، وهو زمن التكليف، بأن علم بأنه بلغ من سنة كذا، وصلى البعض، وترك البعض، قضى ما يتيقن به براءة ذمته من الفوائت لأنها اشتغلت بيقين، فلا تبرأ إلا بمثله، وكذا من قال: لم أصل منذ بلغت، فإنه تيقن سبق الوجوب، فيقضي حتى يعلم براءة ذمته، وعبارة المبدع: فإن شك في زمن الوجوب قضى ما يعلم وجوبه، وإن شك في الصلاة بعد الوجوب قضى ما يعلم به براءة ذمته، نص عليه، والمراد باليقين هنا غلبة الظن، وإلا فاليقين هنا على حقيقته متعذر.(٢) أي وإن لم يدر متى بلغ مثلا، ولا ما مصلى بعد بلوغه، لزمه أن يقضي من الفرض الذي تيقن وجوبه، كمن شك هل كان وقت الظهر بالأمس بالغا؟ فإنه لا يلزمه قضاء الظهر، لشكه في وجوبه، ويلزمه إبراء ذمته مما تيقن وجوبه بعد الظهر، كالعصر والمغرب إن شك هل صلاهما أم لا؟ لأن الأصل عدم صلاته لهما، قال الشيخ: إن عجز فمات بعد التوبة غفر له، قال: ولا تسقط بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك إجماعا.(٣) أي تغطيته ما يقبح ظهوره ويستحي منه.(٤) وحكاه غيره، ولا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة
الناس، وفي الخلوة على الصحيح، إلا لغرض صحيح قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، وإن كانت نزلت بسبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وحكى ابن حزم الاتفاق على أن المراد ستر العورة، وقال غير واحد، هو ما يواري السوءة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، وقال ﷺ لا يقبل الله صلاة حائض، أي بالغ: إلا بخمار رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ونهى عن الطواف عريانا فالصلاة أولى، وقال في المبدع: والأحسن في الاستدلال أن يقال: انعقد الإجماع على الأمر به في الصلاة، والأمر بالشيء نهى عن ضده، فيكون منهيا عن الصلاة مع كشف العورة، والنهي في العبادات، يدل على الفساد اهـ والثوب اللباس، وهو ما يلبسه الناس من كتان وحرير وخز وصوف وقطن وفرو ونحو ذلك وتقدم.стр. 490
والستر بفتح السين التغطية، وبكسرها ما يستر به (١) والعورة لغة النقصان والشيء المستقبح (٢) ومنه كلمة عوراء أي قبيحة (٣) وفي الشرع القبل والدبر (٤) . الحواشي
(١) كائنا ما كان، جمعه ستائر.(٢) مأخوذ من العور، وهو النقص والعيب.(٣) ومنه عور العين، وأعور الشيء ظهر وبدت عورته، وهي موضع المخافة وعورة الإنسان السوءة، سميت عورة لقبح النظر إليها، أو لقبح ظهورها، أو لغض الأبصار عنها، أو لأن كشفها يسوء صاحبها، وعري يعرى من باب تعب.(٤) وهما العورة المغلظة ويقال لهما السوءتان قال تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ سميا بذلك لأن كشفها يسوء صاحبها، وهما من المقدم الذكر والأنثيان ومن المؤخر ما بين الأليتين.стр. 491
وكل ما يستحي منه على ما يأتي تفصيله (١) (فيجب) سترها حتى عن نفسه (٢) وخلوة (٣) وفي ظلمة وخارج الصلاة (٤) (بما لا يصف بشرتها) أي لون بشرة العورة من بياض وسواد (٥) لأن الستر إنما يحصل بذلك (٦) . الحواشي
(١) أي العورة في الشرع تطلق على كل ما يستحي من كشفه، على ما يأتي تفصيله، في حق ذكر أو أنثى أو أمة أو من دون التمييز.(٢) أي فيجب ستر العورة في الصلاة عن النظر حتى عن نفسه، فلو كان عليه قميص واسع الجيب، إذا ركع أو سجد رأى عورته لم تصح، وإن لم يرها.(٣) أي ويجب ستر العورة حتى في خلوة، كما يجب لو كان بين الناس، وكصلاة العريان خاليا.(٤) قال في الإنصاف، الصحيح من المذهب أنه يحرم خارج الصلاة من غير حاجة، يعني في حال الخلوة، جزم به في التلخيص، وقال في المستوعب: ستر العورة واجب في الصلاة وغيرها، وصححه المجد وغيره، لحديث بهز بن حكيم: ما نأتي منها وما نذر، قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحي منه رواه أبو داود وغيره، وكذا نظرها قال في الفروع: لأنه يحرم كشفها خلوة بلا حاجة فيحرم نظرها، لأنه استدامة لكشفها المحرم، ولم أجد تصريحا بخلاف هذا إلا أنه لا يحرم حيث جاز كشفها.(٥) لا حجم العضو، لأنه لا يمكن التحرز منه ويأتي.(٦) لأن ما وصف سواد الجلد أو بياضه ليس بساتر له، وإن وصف الحجم فلا بأس لأن البشرة مستور والحصير البارية جمعه حصر مثل بريد وبرد، المنسوج من خوص ونحوه، ثم يفرش سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض.стр. 492
ولا يعتبر أن لا يصف حجم العضو (١) لأنه لا يمكن التحرز عنه (٢) ويكفي الستر بغير منسوج، كورق وجلد ونبات (٣) ولا يجب ببارية وحصير (٤) . الحواشي
(١) أي مقداره وفاقًا. قال الأصحاب: لا يضر إذا وصف التقاطيع، ولا بأس بذلك، نصف عليه؛ لأن البشرة مستورة، وأما عند المالكية، ففيه تفصيل، وتقدم أن حجم الشيء جيده وملمسه الناتئ.(٢) أي عن ستر حجم العضو، وقال الشيخ: الثياب التي تبدي مقاطع خلقها، والثوب الرقيق الذي لا يستر البشرة وغير ذلك، فإن المرأة تنهى عنه، وعلى وليها كأبيها وزوجها أن ينهياها عن ذلك، وقال في الإنصاف: وأما لبسها ما يصف اللين والخشونة والحجم فيكره.(٣) نسجه حاكه، وأصل النسج ضم الشيء إلى الشيء، والورق بالفتح من الشجر، الواحدة ورقة، وبها سمي. قال في الإنصاف والإقناع وغيرهما: ورق شجر وحشيش ونحوهما اهـ، وكليف، وأما الكاغد فقال بعضهم: لم يوجد في الكلام القديم. بل الورق اسم لجلود رقاق يكتب فيها، وهي مستعارة من ورق الشجر، والجلد معروف، والنبات المراد من حشيش ونحوه. يقال: نبت الشيء ينبت نباتًا، قال الفراء: النبات اسم يقوم مقام المصدر، وقال الليث: كل ما أنبت الله في الأرض فهو نبت، والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، وكذا مظفور من جلود وشعر ونحوها.(٤) ونحوهما مما يضره كالشريحة، ولو لم يجد غيرها؛ لأن الضرر مطلوب زواله شرعًا، وربما لا يتمكن المصلي في تلك من جميع أفعال الصلاة، أي فلا يجب مع وجود تلك ستر عورته لعدم سواها، والبارية ما يصنع على هيئة الحصر من القصب الفارسي، وهو المعروف في الاستعمال، وفي القاموس وغيره: هي الحصير اهـ.
والحصير البارية جمعه حصر، مثل بريد وبرد، المنسوج من خوص ونحوه، ثم يفرش، سمي بذلك؛ لأنه يلي وجه الأرض.стр. 493
وحفيرة وطين، وماء كدر لعدم (١) لأنه ليس بسترة (٢) ويباح كشفها لتداو، وتخل ونحوهما (٣) ولزوج وسيد وزوجة وأمة (٤) (وعورة رجل) ومن بلغ عشرًا (٥) . الحواشي
(١) أي لا يجب ستر العورة لعدم بذلك نص عليه، وقال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به، لما فيه من الحرج والضرر، وعدم الثبات، وعدم جري العادة بالستر به، والحفيرة ما يحفر في الأرض، فعليه بمعنى مفعولة والكدر ضد العافي.(٢) ولكن يستحب أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إن أمكن.(٣) كختان وحلق عانة ممن لا يحسنه، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب وولادة ونحو ذلك، وكاستنجاء وغسل ونحوهما، ويباح كشفها لنظر الغير إليها لضرورة أو حاجة، قال في المبدع: حيث جاز كشفها فإنه لا يحرم هو ولا لمسها اتفاقا.(٤) مباحة لقوله احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك فيباح كشف العورة ونظرها لمن ذكر، والنساء مع النساء كالرجال مع الرجال، فللمرأة أن ترى من المرأة ما يراه الرجل من الرجل.(٥) أي وعورة ذكر بالغ ولو عبدا، وكذا عورة من بلغ عشر سنين حرا كان أو عبدا ما بين السرة والركبة، لحديث علي لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت، رواه أبو داود وابن ماجه، ولحديث جرهد الأسلمي غط فخذك فإن الفخذ عورة، رواه مالك وأحمد والترمذي وحسنه، وفيه أحاديث أخر، قال الطحاوي: قد جاءت عن النبي ﷺ آثار متواترة فيها أن الفخذ عورة،
وهو قول الجمهور، وقيل سماه عورة لتأكد استحباب ستره، لما جاء عنه من حديث أنس وغيره في انحسار إزاره ﷺ عن فخذه، والأمر بستره أحوط.стр. 494
(وأمه وأم ولد) ومكاتبة ومدبرة (ومعتق بعضها) (١) وحرة مميزة ومراهقة (من السرة إلى الركبة) (٢) . الحواشي
(١) أي وعورة أمة ما بين السرة إلى الركبة وفاقا، وقال المجد وغيره: إجماعا، وقال الشيخ: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة، قال: وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط، كالرواية في عورة الرجل، قال: وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا، وعلى الشريعة عموما، وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول اهـ وزاد أبو حنيفة وظهرها وبطنها عورة، لحديث عمرو بن شعيب، إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت سرته إلى ركبته عورة، رواه أحمد وأبو داود، والمراد أمته، وكان عمر ينهي الأمة عن التقنع واشتهر فكان الإجماع، والأمة خلاف الحرة، والجمع إماء وآم كقاض، ويجمع على إموان كإسلام، وكذا أم الولد، وهي من ولدت من مالكها أو أبيه، والمكاتبة وهي من باعها سيدها على مال منجم، والمدبرة وهي من علق عتقها بالموت، وكذا معلق عتقها على صفة فعورتهن ما بين السرة إلى الركبة، لبقاء الرق فيهن، ومعتق بعضها كذلك استظهره جمع وصوبه في الإنصاف، دون الحرة فلم تلحق بالرجل، والمقتضي بالإجماع هو الحرية الكاملة، فلم توجد فيهن، وقال أبو حامد وغيره: أجمع العلماء على أن رأس الأمة ليس بعورة، مزوجة كانت أو غير مزوجة.(٢) أي وعورة حرة مميزة وهي من لها سبع سنين، ويفهم منه أن الأمة المميزة ليست كذلك، بل هي كالذكر، وعورة مراهقة بكسر الهاء أي مقاربة البلوغ، من السرة إلى الركبة بلا خلاف، إلا ما روي عن أبي حنيفة في الركبة، ويستحب استتارهن كالحرة البالغة احتياطا ويأتي.стр. 495
وليسا من العورة (١) وابن سبع إلى عشر الفرجان (٢) (وكل الحرة) البالغة (عورة (٣) إلا وجهها) فليس عورة في الصلاة (٤) الحواشي
(١) أي ليست السرة والركبة من العورة، واستثناهما لإيهام دخول الغاية، ولو عبر بـ (ـما بين) لكان أظهر، لأن العورة ما بينهما، لحديث عمرو وتقدم، وحديث أبي أيوب أسفل السرة وفوق الركبة، وحديث ما بين السرة والركبة، وفي الصحيح أنه كان ﷺ قاعدا فكشف عن ركبته، قال الوزير: اتفقوا على أن السرة من الرجل ليست عورة، وقال مالك والشافعي وأحمد في الركبة: ليست من العورة.(٢) الدبر والقبل فقط، لأنه دون البلوغ، وكذا خنثى له سبع سنين، وعلم منه أن من ليس له إلا دون سبع لا حكم لعورته، لأن حكم الطفولية منجر عليه إلى التمييز وتقدم أنه يشترط لصحة صلاته ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة.(٣) لقوله ﵊ المرأة عورة صححه الترمذي من حديث بن مسعود، ولحديث أم سلمة: أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها، رواه أبو داود، والصحيح وقفه ولأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف لا تجوز صلاتها.(٤) قال الشارح: بلا خلاف نعلمه، وقال القاضي: إجماعا والمراد حيث لا يراها أجنبي وقال جمع: وكفيها، وهو مذهب مالك والشافعي: لقوله تعالى: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قاله ابن عباس وغيره: وجهها وكفيها، واختار المجد والشيخ وغيرهما وقدميها، وجزم به في العمدة، وهو مذهب أبي حنيفة، وصوبه في الإنصاف، وما عدا ذلك عورة بالإجماع، وأما خارج الصلاة فعورة باعتبار النظر كبقية بدنها، وهو مذهب مالك والشافعي للخبر، قال الشيخ: والتحقيق أن الوجه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه، وصوبه في الإنصاف.следующие страницы →