Полный текст (4 103 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أو تحت كعبه بلا حاجة (١) وللمرأة زيادة إلى ذراع (٢) ويكره لبس الثوب الذي يصف البشرة للرجل والمرأة (٣) وثوب الشهرة وهو ما يشتهر به عند الناس، ويشار إليه بالأصابع (٤) . الحواشي
(١) لما جاء من النهي عن ذلك، والحاجة كستر ساق قبيح وتقدم.(٢) لحديث أم سلمة يرخبن شبرا، قالت: إذا تنكشف؟ قال: يرخين ذراعا، لا يزدن عليه رواه أحمد والترمذي وحسنه، والمراد ذراع اليد، وقال جماعة: ذيل نساء المدن في البيت كرجل.(٣) أي تظهر معه حال الجلد، وتبين هيئته من بشرة الرجل أو المرأة للخبر، وتقدم ولأنه لا يسمى ساترا.(٤) الشهرة اسم من الاشتهار، وظهور الشيء في شنعة، حتى يشتهر للناس ويفتضح ومنه الحديث: نهى عن الشهرتين، وهي الفاخر من اللباس المرتفع في الغاية أو الرذل في الغاية، ولأبي داود من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة، قال شيخ الإسلام: يحرم لبس الشهرة، وهو ما قصد به الارتفاع عند الناس، وإظهار الترفع، أو إظهار التواضع والزهد، لكراهة السلف لذلك، وقال غير واحد من السلف، لباس الشهرة مما يزري بصاحبه، ويسقط مروءته ولبس الدني يذم في موضع ويمدح في موضع، فيذم إذا كان شهرة، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن لس الرفيع من الثياب يذم إذا كان تكبرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله، ولبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة النفس من المقاصد الصحيحة، قال: وقد يستحب ترقيع الرجل ثوبه
للحاجة كما رقع عمر وعائشة وغيرهما من السلف، وكما يلبس قوم الصوف للحاجة ويلبس أيضا المتواضع والمسكنة مع القدرة على غيره، كما جاء في الحديث من ترك جيد اللباس وهو يقدر عليه تواضعا لله كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة فأما تقطيع الثوب وترقيعه ففيه إفساد وشهرة، أو المغالاة في الصوف الرفيع ونحو ذلك مما فيه إفساد المال، أو إظهار التشبه بلباس أهل التواضع مع ارتفاع قيمته فهذا من النفاق والتلبس، فهذان النوعان فيهما إرادة العلو في الأرض أو الفساد، والدار الآخرة ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ وقال ابن القيم: يكره لبس زي الأعاجم كعمامة صماء ونعل صرارة لزينة، ولبس ثوب مقلوب كفعل بعض أهل السخافة، فإن قصد إظهار التواضع حرم، لأنه رياء، وكان هديه ﷺ في اللباس مما يسره الله ببلده، فكان يلبس القميص والعمامة والإزار والرداء الجبة والفرج، ويلبس من القطن والصوف وغير ذلك، ويلبس مما يجلب من اليمن وغيرها، فسنته تقتضي أن يلبس الرجل مما يسره الله ببلده، وإن كان نفسيا، لأن النفاسة بالصنعة لا في الجنس، بخلاف الحرير، وهذا أمر مجمع عليه، وقال ابن عقيل: لا ينبغي الخروج عن عادات الناس إلا في الحرام اهـ ولئلا يحملهم على غيبته، وفي الغنية: الشهرة كالخروج عن عادة أهل بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يشار إليه بالأصابع، قال الشيخ: ويحرم الإسراف في المباح.стр. 527
(ومنها) أي من شروط الصلاة (اجتناب النجاسة) (١) . الحواشي
(١) وهي لغة ضد الطهارة، وشرعا قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة، كالميتة والدم والخمر والبول، ولا يجب في غير الصلاة في الأصح، وقال الشيخ: النجاسة أعيان مستخبثة في الشرع، يمنع المصلي من استصحابها اهـ والاجتناب معناه التباعد، فكأنه قال: تباعد النجاسة، بمعنى إبعادها عن بدن المصلي وثوبه وبقعته شرط، ومن شروط الصلاة المجمع عليها الوقوف على بقعة طاهرة.стр. 528
حيث لم يعف عنها ببدن المصلي وثوبه (١) وبقعتهما (٢) وعدم حملها (٣) لحديث «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبل منه» (٤) وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٥) (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها) (٦) . الحواشي
(١) بإجماع السلف والخلف، إلا قولا لمالك ﵀، وقال الوزير: أجمعوا على أن طهارة البدن من النجس شرط في صحة الصلاة للقادر عليها، وأجمعوا على أن طهارة ثوب المصلي شرط في صحة الصلاة.(٢) أي موضع البدن والثوب الذي يقعان عليه شرط وفاقا، كطهارة الحدث إجماعا.(٣) أي ومن شروط الصلاة عدم حمل النجاسة، معطوف على اجتناب مرفوع، فإن عفي عنها كأثر استجمار ونحوه فلا يشترط.(٤) رواه الدارقطني وغيره عن أبي هريرة، وصحح الحافظ إسناده وأعله أبو حاتم، وللحاكم أكثر عذاب القبر من البول، وفي الصحيحين أنه مر على قبرين يعذبان وفيه: كان أحدهما لا يستتر من البول، وحديث أسماء في الحيض ثم تغسله وغيرها كأحاديث الاستنجاء وذلك النعلين بالتراب ثم الصلاة فيهما وقوله ﷺ إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة وأمره بصب الماء على البول، وغير ذلك من الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة، والتنزه البعد، والمراد: اطلبوا النزاهة وعامة الشيء معظمة والمراد أكثر أسبابه.(٥) قال ابن سيرين: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: أمره الله أن يطهر الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها، وذلك أن المشركين كانوا لا يطهرون ثيابهم، والأمر بالشيء نهى عن ضده، والنهي في العبادة يقتضي الفساد، وقال بعضهم" طهر أعمالك من الشرك، واختار الأول ابن جرير، والآية تشمل ذلك كله، والأولى حمل اللفظ على حقيقته فيكون شرطا، واحتج الآية على أن اجتناب النجاسة شرط جمع منهم ابن عقيل والشيخ وغيرهما.(٦) لم تصح صلاته كما لو كانت على بدنه أو ثوبه.стр. 529
ولو بقارورة لم تصح صلاته (١) فإن كان معفو عنها كمن حمل مستجمرا (٢) أو حيوانا طاهرا صحت صلاته (٣) (أولاقاها) أي لاقى نجاسة لا يعفى عنها (بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته) لعدم اجتنابه النجاسة (٤) وإن مس ثوبه ثوبا (٥) . الحواشي
(١) أي ولو كانت النجاسة مسدودة في القارورة، وهي ما يقر فيها الشراب ونحوه، أو يختص بالزجاج، فإذا حمل نجاسة بقارورة لم تصح صلاته، لحمله النجاسة في غير معدنها، أشبه ما لو حملها في كمه، أو حمل آجره باطنها نجس أو بيضة فيها فرخ ميت، أو بيضة مذرة، أو عنقودا من عنب حباته مستحيلة خمرا، لم تصح صلاته، وصوبه في تصحيح الفروع، وقيل: تصح وفاقا، للعفو عن نجاسة الباطن.(٢) صحت وفاقا: لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله، لأن ما في بطن الآدمي من نجاسة في معدنها، ونجاسة العين ليس اجتنابها شرطا لصحة الصلاة.(٣) وفاقا لحمله أمامة وهو يصلي، متفق عليه ومراده حيوانا غير مأكول، لأن ما في بطنه نجس، لكن يعفى عنه كالنجاسة في جوف المصلي، وأما المأكول فلا نجاسة في بطنه.(٤) زاد في المحرر أو حمل ما يلاقيها إلا أن يكون يسيرا، واللقاء وصول أحد الجسمين إلى الآخر، فإن كان بالتمام فيسمى مداخلة، وإلا فمماسة، وقال في المبدع: متى باشرها بشيء من بدنه أو ثوبه لم تصح، ذكره معظم الأصحاب، وفي التلخيص: أنه الأظهر إلا أن يكون يسيرا اهـ وإذا أصاب بدنه أو ثوبه نجاسة يابسة فنفضها ولم يبق شيء منها وصلى صحت صلاته، قال النووي وغيره: بالإجماع.(٥) أي نجسا أو بدنه بدنا نجسا صحت وفاقا.стр. 530
أو حائطا نجسًا لم يستند إليه (١) أو قابلها راكعا أو ساجدا ولم يلاقها صحت (٢) (وإن طين أرضا نجسة (٣) أو فرشها طاهرا) صفيقا (٤) أو بسطه على حيوان نجس (٥) أو صلى على بساط باطنه فقط الحواشي
(١) صحت صلاته وفاقا، لأنه ليس محلا لثوبه، ولا بدنه، فإن استند إليه حال قيامه أو ركوعه أو سجوده لم تصح صلاته، لأنه يصير كالبقعة له.(٢) صلاته وفاقا، وذلك بحيث لم يلتصق بها شيء من بدنه، ولا أعظائه، جزم به في المغني وغيره، لأنه ليس بموضع صلاته، ولا النجاسة محمولة فيها، وكذا لو كانت بين رجليه، ولم يلاقها صحت، لأنه لم يباشر النجاسة، فإن لاقاها بطلت صلاته.(٣) أي طلاها بالطين وصلى عليها صحت وفاقا، وكره له ذلك، وعنه: لا تصح لاعتماده عليها، أشبه ملاقاتها، فينبغي ذلك احتياطا وقال ابن أبي موسى: إن كانت رطبة لم تصح، وذكر الشارح أن الآجر المعجون بالنجاسة لا تطهره النار، لكن إذا غسل طهر ظاهره كالأرض النجسة.(٤) بين الصفاقة أي متينا جيد النسج، لا خفيفا أو مهلهلا، ولو ربطه بحيث لا ينفذ النجس الرطب إلى ظاهره، أو غسل وجه آخر نجس وصلى عليه صحت وفاقا، كسرير تحته نجس، أو سفل علوه غصب وكره قال في الفروع: على الأصح.(٥) أي نشر طاهرا صفيقا على حيوان نجس كبغل أو حمار أو بسطه على حرير يحرم جلوسه عليه صحت مع الكراهة.стр. 531
نجس (كره) له ذلك لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه (وصحت) (١) .
لأنه ليس حاملا للنجاسة، ولا مباشرا لها (٢) (وإن كانت) النجاسة (بطرف مصلى متصل به (٣) صحت) الصلاة على الطاهر ولو تحرك النجس بحركته (٤) وكذا لو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه منه طاهر (٥) (إن لم) يكن متعلقا به بيده أو وسطه بحيث (ينجر) معه (بمشيه) فلا تصح، لأنه مستتبع لها، فهو كحاملها (٦) . الحواشي
(١) أي مع طهارة ظاهره الذي صلى عليه، وإلا فلا وبساط كفعال بمعنى
مفعول أي مبسوط وفي الصحاح: ما يبسط معروف، أو ضرب من الطنافس قليل العرض وكذا مثله لو تنجس أحد وجهي الجلد ونحوه وقلبه وصلى على الوجه الذي لم تصبه نجاسة كره وصحت مفعول أي مبسوط وفي الصحاح: ما يبسط معروف، أو ضرب من الطنافس قليل العرض، وكذا مثله أو تنجس أحد وجهي الجلد ونحوه وقلبه وصلى على الوجه الذي لم تصبه نجاسة كره وصحت.(٢) فصحت صلاته فيما تقدم، وإن سقطت عليه نجاسة فأزالها، أو زالت سريعا بحيث لم يطل الزمن صحت صلاته وفاقا، لحديث خلعه النعلين حين أخبره جبرئيل أن بهما قذرا، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.(٣) أي بطرف مصلى طاهر من بساط أو حصير ونحوهما، متصل بالمصلى.(٤) وفاقا، لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها، وإنما اتصل مصلاه بها، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة.(٥) صحت صلاته، لأنه ليس بمصل على النجاسة، ولو تحرك الحبل ونحوه بحركته.(٦) فلا تصح صلاته، ولا يعتبر الإنجرار بالفعل، وعلم منه أنه لو كان متعلقا به حيوان صغير نجس ينجر يجره عادة لو فرض أنه جره فلم ينجر أن صلاته باطلة، أو أن ما لا يمكن جره لو استعصى لو فرض أنه جره فانجر أنها باطلة، فما يمكن انجراره عادة يبطلها التعلق به، انجر بالفعل أم لا، وكذا ما لا يمكن في العادة لو فرض أنه انجر بالفعل أبطل على كلام صاحب الفروع قال الخلوتي: وهو حسن وإن أمسك حبلا أو غيره ملقي على نجاسة يابسة فظاهر كلام الموفق الصحة، لأنه ليس بمستتبع للنجاسة، كما لو سقط طرف ثوبه على نجاسة يابسة، ومقتضي كلام الشيخ الصحة.стр. 532
وإن كانت سفينة كبيرة أو حيوانا كبيرا لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت، لأنه ليس بمستتبع لها (١) (ومن) رأى عليه نجاسة بعد صلاته (٢) وجهل كونها أي النجاسة (فيها) أي في الصلاة (لم يعد) ها لاحتمال حدوثها بعدها، فلا تبطل بالشك (٣) (وإن علم الحواشي
(١) أشبه ما لو أمسك غصنا من شجرة على بعضها نجاسة لم تلاق يده، جزم به في الفصول، واختاره الشيخ وغيره، وتجوز الصلاة في ثوب بعضه على حائض للخيبر.(٢) أي رآها على بدنه أو ثوبه أو بقعته.(٣) ولأن الأصل عدم كونها في الصلاة,.стр. 533
أنها) أي النجاسة (كانت فيها) أي في الصلاة (لكن جهلها (١) أو نسيها أعاد) (٢) . الحواشي
(١) أي جهل عينها بأن أصابه شيء لا يعلم أطاهر أم نجس؟ ثم علم نجاسته بعد صلاته، أعاد أو جهل حكمها بأن إزالتها شرط لصحة الصلاة، أو جهل أنها كانت في الصلاة ثم علم، أو علم أن كان ملاقيها ولم يكن يعلم ذلك في صلاته، ثم علم بعد صلاته أعاد، هذا المذهب.(٢) أي علم النجاسة لكن نسيها ثم علم بعد صلاته أنها كانت عليه فيها أعاد لأنه ترك شرطا للصلاة لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان وعنه: تصح صلاته إذا نسي أو جهل أو عجز، وهو قول ابن عمر وابن المنذر وغيرهما، واختاره المجد والشيخ وتلميذه والموفق والشارح وغيرهم، وصححه غير واحد، وأفتى به البغوي وتبعوه قال النووي: وهو مذهب ربيعة ومالك، وهو قوي في الدليل وهو المختار، وقال في الإنصاف والإقناع، هو الصحيح عند أكثر المتأخرين لحديث النعلين فلو بطلت لاستأنفها ﷺ وإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير كخلع النعل والعمامة ونحوهما أزالها وبنى، وإلا بطلت.стр. 534
كما لو صلى محدثا ناسيا (١) (ومن جبر عظمه بـ) عظم (نجس) (٢) أو خيط جرحه بخيط نجس وصح (لم يجب قلعه مع الضرر) بفوات نفس أو عضو أو مرض (٣) ولا يتيمم له إن غطاه اللحم (٤) .
وإن لم يخف ضررا لزمه قلعه (٥) (وما سقط منه) أي من آدمي الحواشي
(١) أي فلا تصح كما أنها لا تصح لو صلى محدثا ناسيا، وتقدم رجحان أنها تصح، فإنها تفارق طهارة الحدث لكونها من قسيم التروك، ولأن الطهارة آكد، لكونها لا يعفى عن يسيرها، وتكلم معاوية بن الحكم في الصلاة ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، واشباه ذلك كثير، وقال في الاختيارات، ومن صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فلا إعادة عليه، وقاله طائفة من العلماء، لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد مخطئا أو ناسيا لا يبطل العبادة.(٢) أي وضعت على ساقه أو ذراعه أو غيرهما جبيرة، وهي عظام توضع على الموضع من الجسد ينجبر بها، وكانت نجسة وصح العظم لم يجب قلع ذلك العظم مع الضرر وفاقا، وتقدم رجحان طهارة العظام، وجبر يستعمل لازما ومتعديا يقال: جبرت العظم، وجبر هو نفسه، جبورا أي انجبر حكاه الجوهري.(٣) خيط أي ضم بعض أجزاء جرحه إلى بعض بخيط نجس، وصح الجرح، لم يجب قلع الخيط النجس مع الضرر وفاقا، وصحت صلاته، لأن حراسة النفس وأطرافها واجب، وهو أهم من رعاية شروط الصلاة.(٤) أي ولا يتيمم الخيط النجس، أو العظم النجس إن غطاه اللحم، لتمكنه
من غسل محل النجاسة بالماء، قالوا: وإن لم يغطه اللحم تيمم له، لعدم إمكان غسله، بناء على مشروعية التيمم من النجاسة على البدن وتقدم.(٥) فإن صلى معه لم تصح صلاته، لأنه صلى مع النجاسة وهو قادر على إزالتها من غير ضرر.стр. 535
(من عضو أو سن فـ) هو (طاهر) أعاده أو لم يعده (١) لأن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة (٢) وإن جعل موضع سنه سن شاة مذكاة (٣) فصلاته معه صحيحة ثبتت أو لم تثبت (٤) ووصل المرأة شعرها بشعر حرام (٥) ولا بأس بوصله بقرامل وهي الأعقصة (٦) . الحواشي
(١) أي العضو الساقط منه أو السن في موضعه فتصح صلاته به لطهارته.(٢) كما تقدم في باب الآنية وإزالة النجاسة، فحكم أبعاضه حكم جملته، سواء انفصلت في حياته أو بعد موته.(٣) احتراز من الميتة، أو المبان من الحية، وتقدم الكلام في طهارة العظام.(٤) أي السن، وهي مؤنثة كما ذكره علماء اللغة.(٥) إجماعا، لها أو لغيرها لما في الصحيحين «لعن الله الواصلة والمستوصلة» ولما فيه من صورة الزور، ووصله لأمه به من وصل الشيء بالشيء: ضد فصله.(٦) وأصل العقص اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله، وعقص الشعر ضفره وليه على الرأس، فالقرامل هي ما تشده المرأة في شعرها من حرير وصوف، وفي التاج وغيره: هي ضفائر من شعر وصوف وإبريسم، قال أبو عبيد: قد رخص
الفقهاء في القرامل، وكل شيء وصل به الشعر ما لم يكن الوصل شعرا قال أبو داود وإليه ذهب أحمد، وعنه: لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف لنهي النبي ﷺ المتفق عليه عن الوصل، وكل شيء يصل فهو وصل، وروى أحمد عن جابر مرفوعا، لا تصل المرأة برأسها، ورواه مسلم وغيره قال غير واحد: وهو مذهب الجمهور.стр. 536
وتركها أفضل (١) ولا تصح الصلاة إن كان الشعر نجسا (٢) (ولا تصح الصلاة) بلا عذر، فرضا كانت أو نفلا غير صلاة جنازة (في مقبرة) بتثليث الباء (٣) . الحواشي
(١) خروجا من خلاف من حرمه، وقد اتفق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف، حكاه الشيخ وغيره، بل تركه واجب لثبوت النهي عنه، وأطلق أهل اللغة أنه ما تشد المرأة في شعرها.(٢) لحمله النجاسة غير المعفو عنها.(٣) وهي مدفن الموتى لقوله ﵊ «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وقال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه الجماعة إلا البخاري، وقال: فلا تتخذوا القبور مساجد، قال ابن حزم وغير واحد: أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة متواترة لا يسع أحدا تركها، وقال الشيخ بعد أن ذكر أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد: فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة، وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا، وقال الشافعي: أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة على من بعده من الناس، وذكر معناه الأثرم وغيره عن سائر العلماء، وجزم غير واحد من أهل التحقيق أن العلة سد الذريعة عن عبادة أربابها، واستثنى صلاة الجنازة بالمقبرة، لفعله ﷺ فحص من النهي، ولا يضر ما أعد للدفن ولم يدفن فيه، أو دفن ونبش، لنبشه ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، متفق عليه.стр. 537
ولا يضر قبران (١) ولا ما دفن بداره (٢) (و) لا في (حش) بضم الحاء وفتحها (٣) وهو المرحاض (٤) . الحواشي
(١) بناء منهم على أنه لا يتناولها اسم المقبرة، وأن العلة لا تعقل، وتقدم أن العلة خوف الشرك بها، كما قال الشيخ وغيره: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك وقال: بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، ولا ريب أن المنع متناول لحرمة القبر المفرد وفنائه المضاف إليه.(٢) قال الشيخ: وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه فرق، وكل ما دخل في اسم المقبرة، أو حدثت المقبرة بعده حوله أو في قبلته فكصلاته إليها، ولو وضع القبر والمسجد معا لم يجز، ولم تصح الصلاة فيه، وقال: المسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر غير، إما بتسوية القبر، أو نبشه إن كان جديدا وإن كان القبر قبله، فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر.(٣) قاله الشيخ وتكسر، وهو ما أعد لقضاء الحاجة، وكان في الأصل البستان، فكني به عن المستراح، لأنهم كانوا يتغوطون في البساتين، فلما اتخذوا الكنف أطلقوا عليها ذلك الاسم، ومنه قيل للمخرج الحش، ويقال المحشة الدبر، والمحش المخرج، أي مخرج الغائط، فيكون حقيقة، وجمعه حشوش، وقال النووي: الحشوش مواضع العذرة والبول المتخذة لها.(٤) وهو المغتسل ويكنى به عن موضع العذرة والمستراح، فيمنع من الصلاة داخل بابه، ولو غير موضع الكنيف، لكونه معدا للنجاسة، ومقصودا بها، ولمنع الشرع من الكلام وذكر الله فيه فالصلاة أولى، قال الشيخ: ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه، وهو
المنصوص عن أحمد والمأثور عن السلف، وذكر موضع الأجسام الخبيثة، ثم قال: ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين، والنهي عن الصلاة فيها أولى من النهي عن الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل، والصلاة على الأرض النجسة ولم يرد في الحشوش نص خاص، لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى بيان، ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش، ولا يصلي فيها، وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام وأعطان الإبل علموا أن النهي عن الصلاة في الحشوش أولى وأحرى.стр. 538
(و) لا في (حمام) (١) داخله وخارجه، وجميع ما يتبعه في البيع (٢) (وأعطان إبل) واحدها عطن بفتح الطاء، وهي المعاطن جمع معطن بكسر الطاء، وهي ما تقيم فيها وتأوي إليها (٣) . الحواشي
(١) وهو المغتسل المعروف لقوله ﵊ «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، وروي عنه «الحمام بيت الشيطان» ، وعن ابن عباس: لا يصلين إلى حش ولا في حمام، ولا في مقبرة، قال ابن حزم: لا نعلم لابن عباس مخالفا من الصحابة.(٢) لتناوله اسمه فلا فرق بين مكان نزع الثياب وموقد النار، وكل ما يغلق عليه باب الحمام، وفي المغني: لا فرق بين مكان الغسل وصب الماء، وبين بيت المسلخ الذي تنزع فيه الثياب والأتون، وكل ما يغلق عليه باب الحمام.(٣) أي تجتمع إليها وتسكن فيها، قال أحمد، وقيل: ما تقف فيه لترد الماء، ومباركها عنده، قال بعض أهل اللغة، لا تكون إلا عند الماء، أما في البرية وعند الحي فالمأوى قال الشيخ وغيره: والأول أجود ومعاطن الإبل في الأصل وطنها، ثم غلب على مبركها حول الماء، والأولى الإطلاق، كما هو ظاهر الحديث ولا فرق بين أن تكون طاهرة أو نجسة، ولا أن تكون فيها إبل حال الصلاة أو لا، لعموم حديث لا تصلوا في أعطان إبل، صححه أحمد والترمذي وغيرهما، وحديث
لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين، وقال: جن خلقت من جن، فعلل الأماكن بالأرواح الخبيثة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، قال: والفقهاء الذين لم ينهوا عنها، إما أنهم لم يسمعوا النصوص، أو لم يعرفوا العلة، والسنة في ذلك قوية نصا وقياسا، وقال: نهي عن الصلاة في أعطانها لأنها مأوى الشياطين، كما نهى عن الصلاة في الحمام، لأنه مأوى الشياطين، فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه، وفي موضع الأجسام الخبيثة، بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة، وقال ابن عبد البر: النهي عن الصلاة في معاطن الإبل جاء معناه من وجوه كثيرة، بأسانيد حسان، وأكثرها متواتر اهـ وأما ما تبيت فيه في مسيرها أو تناخ فيه لعلفها أو سقيها فلا يمنع من الصلاة فيه، لأنه لا يدخل في اسم الأعطان.стр. 539
الحواشي
(١) أي ولا تصح الصلاة في موضع مغصوب، أي مأخوذ ظلما، من أرض وحيوان وغيرهما، وسواء كان الظلم للرقبة أو المنافع نص عليه، وقال النووي وغيره: الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع غير مقبولة، فلا ثواب فيها اهـ وعنه تصح مع الكراهة وفاقا لمالك والشافعي وأبي حنيفة وجماهير العلماء، واختاره ابن عقيل والخلال والطوفي وغيرهم، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحتها، وعليه أكثر الأصحاب، ولحصول الثواب على الفعل، فيكون مثابا على فعله، عاصيا بالمقام في المغصوب، ونقل أصحاب الشافعي الإجماع على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، قبل مخالفة الإمام أحمد، وقال الغزالي، هذه المسألة قطعية لأن من صححها أخذه من الإجماع وهو قطعي اهـ وتصح في أرض غيره بلا ضرر ولا غصب ولا حائل ولا حائط وإلا فلا، والمعتبر عرف الناس بالرضى وعدمه، وتصح على مصلاه بغير إذنه بلا غصب، وإن منع المسجد غيره وصلى هو فيه، أو زحمه وصلى مكانه حرم وصحت، وقال الشيخ: الأقوى البطلان.стр. 540
ومجزرة (١) ومزبلة (٢) وقارعة طريق (٣) (و) لا في (أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع (٤) وسطح نهر (٥) . الحواشي
(١) أي ولا تصح في مجزرة وهو الموضع الذي تجزر فيه الإبل، وتذبح فيه البقر والغنم، لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح، فتحرم الصلاة فيها وفاقا، وتصح في المدبغة، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وصححه في الإنصاف.(٢) بفتح الباء، وضمها موضع السرجين، ولو كان المرمي من الكناسة والزبالة طاهرا فتحرم الصلاة فيها وفاقا، ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها، مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة.(٣) أي محل قرع الأقدام من الطريق، وهو ما كثر سلوك السابلة فيها، سواء كان فيها سالك أو لا، بخلاف طريق الأبيات القليلة، وما علا من الطريق، يمنة ويسرة، والزوايا التي لا يكثر سلوكها، والمدار على كثرة المرور، لاشتغال القلب بمرور الناس فيه، وقطع الخشوع، وعنه تصح، وهو مذهب الجمهور لكن مع الكراهة.(٤) المنهي عن الصلاة فيها، لأن الهواء تابع للقرار، وسطح كل شيء أعلاه، وسطح البيت ظهره، وقال الموفق وغيره: الصحيح قصر النهي على ما تناوله النص وأن الحكم لا يتعدى إلى غيره، وما علل بمظنة النجاسة ونحوها لا يتخيل في أسطحتها، وهذا فيما إذا كان السطح حادثا، فإن كان المسجد سابقا لم تمنع بغير خلاف، أما إن بني في مقبرة، أو على قبر فحكمه حكمها لأنه لا يخرج بذلك عنه، ويجب هدمه.(٥) لأن الماء لا يصلي عليه، قال أبو الوفاء، واختار أبو المعالي وصاحب الإقناع وغيرهما الصحة كالسفينة، لأنا إنما منعناه من الصلاة على الماء لعدم إمكان الاستقرار عليه، وسطحه ليس كذلك.стр. 541
والمنع في ذلك تعبدي (١) لما روى ابن ماجه والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي في سبع مواطن (٢) المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (٣) . الحواشي
(١) قال الشيخ: والصحيح أن عللها مختلفة، بأن تكون العلة مشابهة أهل الشرك، كالصلاة عند القبور، وتارة لكونها مأوى الشياطين كأعطان الإبل، تارة لغير ذلك.(٢) أي مواضع، والموطن الوطن، وكل ما أقام به الإنسان، ومنه مربط البقر والغنم، ومواطن مكة أي مرافقها.(٣) وقال الموفق وغيره: والصحيح جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، ولابن المنذر وغيره بسند صحيح «جعلت لي كل ارض طيبة» يعني طاهرة مسجدا واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صححية، ففيما عداها يبقى على العموم، وحديث ابن عمر يرويه العمري، وقد تكلم فيه، فلا يترك به الحديث الصحيح اهـ، ولو غيرت مواضع النهي بما يزيل اسمها، كجعل الحمام دارا، أو نبشت المقبرة، ونحوه ذلك صحت كما تقدم، وتكره في المكان الذي ناموا فيه لقوله: «إنه مكان حضرنا فيه الشيطان» علله ﷺ بالأرواح الخبيثة، وتكره في الكنيسة المصورة، والبيعة وقال الشيخ: وإنها كالمسجد على القبر، وكل مكان فيه تصاوير، وذكر ابن القيم دخوله ﷺ البيت، وصلاته فيه، وأنه لم يدخله حتى محيت الصور منه، قال: وفيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور، وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام، لأن كراهة الصلاة في الحمام، إما لكون مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشياطين، وهو الصحيح، وأما محل الصور فمظنة الشرك
وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، وتقدم قول الشيخ، ولا تصح في أرض الخسف وأرض بابل نص عليه، وقال الشيخ: هو قوي، وتكره في الرحى، وعلله الشيخ بما يلهي المصلي من الصوت ويشغله، وقال النووي: الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر والحانة، ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس والبيع والحشوش ونحو ذلك، لقوله: فإن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان، ويستحب أن لا يصلي في موضع حضره فيه الشيطان لهذا الحديث.стр. 542
(وتصح) الصلاة (إليها) أي إلى تلك الأماكن، مع الكراهة إن لم يكن حائل (١) وتصح صلاة الجنازة والجمعة والعيد ونحوها (٢) بطريق لضرورة (٣) وغصب (٤) . الحواشي
(١) أي بين المصلي وبين تلك الأماكن المنهي عن الصلاة فيها، لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، وعنه: لا تصح إلى المقبرة، لحديث «لا تصلوا إلى القبور» متفق عليه، وهو أصل شرك العالم، واختاره ابن حامد والمجد والشيخ وغيرهم، وتحريمه ظاهر، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد، وتقدم قول الشيخ: ولا تصح إلى الحش، اختاره ابن حامد والشيخ وغيرهما، وتقدم قول ابن عباس: لا يصلين إلى حش، وأنه لا يعلم له مخالف وقال الشيخ: وكره عامة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش، وفي الإقناع: ولا يكفي حائط المسجد ولسريان النجاسة.(٢) كصلاة كسوف واستسقاء.(٣) بأن ضاق المسجد أو المصلى واضطر للصلاة في الطريق للحاجة.(٤) أي وتصح بمغصوب صلاة جمعة وعيد وجنازة ونحوها، لدعاء الحاجة إليه، وظاهر عبارته أنها تصح في الغصب ولو بلا ضرورة، وهو غير ظاهر على المذهب.стр. 543
وتصح الصلاة على راحلة بطريق (١) وفي سفينة ويأتي (٢) (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها) (٣) والحجر منها (٤) . الحواشي
(١) لصلاته ﵊ على البعير، ويأتي.(٢) في الشرط الذي يليه.(٣) لقوله: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ومن صلى فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها، وعنه: تصح وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك، واختاره الآجري وصاحب الفائق وغيرهما، لأنها مسجد ولأنها محل للنفل، ورجح الأول بأن النبي ﷺ إنما صلى النافلة، وقال عقب الصلاة خارج البيت هذه القبلة، لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها، لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض، لأنه صلى التطوع فيها، وغلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة، فلا بد أن يكون لهذا الكلام من فائدة، وعلم شيء قد يخفى، ويقع في محل الشبهة، وابن عباس روي الحديث وفهم منه هذا المعنى، وهو أعلم بمعنى ما سمع، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن السلف أنه صلى الفرض فيها، وفي الإنصاف وغيره: لو وقف على منتهى البيت بحيث أنه لم يبق وراءه منه شيء، أو صلى خارجه لكن سجد فيه صحت.(٤) أي فتصح إليه لا فيه، كما لو صلى إلى أحد أركانها، وظاهر كلامه كله، وليس منه إلا ستة أذرع، كما في الحديث، وقال الشيخ: ستة أذرع وشيء، فيصح التوجه إلى ذلك القدر منه، لأنه من البيت إذا وقف على منتهاه، بحيث لا يبقى وراءه شيء منه، أو خارجه وسجد فيه، قال: وهذا قياس المذهب، لأنه من البيت بالسنة الثابتة المستفيضة، وبعيان من شاهده من الخلق، لما نقضه ابن الزبير وقال: وليس جميعه، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاه البتة، ونص أحمد أنه لا يصلي الفرض
في الحجر وقال ابن حامد وابن عقيل وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح، لأنه في المشاهدة ليس من الكعبة، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من البيت، فعمل بها في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة، احتياطا للعبادتين.стр. 544
وإن وقف على منتهاها، بحيث لم يبق وراءه شيء منها (١) أو وقف خارجها وسجد فيها صحت (٢) لأنه غير مستدبر لشيء منها (٣) (وتصح النافلة) (٤) والمنذورة فيها وعليها (باستقبال شاخص منها) أي مع استقبال شاخص من الكعبة (٥) . الحواشي
(١) صحت صلاته، لاستقباله لها.(٢) صلاته فرضا كانت أو نفلا.(٣) فصحت صلاته، كما لو صلى إلى أحد أركانها.(٤) في الكعبة وعليها، باستقبال شاخص منها إجماعا، لصلاته ﷺ فيها متفق عليه.(٥) إجماعا كالنافلة، سواء كان ما بين يديه متصلا بها، كالبناء والباب ولو مفتوحا، أو العتبة المرتفعة، لا المعبإ من غير بناء، ولا الخشب غير المسمور، وقال الشيخ: يتوجه أن يكتفى بذلك ما يكون سترة في الصلاة، لأنه شيء شاخص اهـ وسواء كان نذره مطلقا أو مقيدا بفعلها فيها أو عليها، بلا نزاع يعتد به، ويمكن حمله على ما في الاختيارات قال فيها: وإن نذر الصلاة في الكعبة صح فعلها فيها، وإن نذرها مطلقا اعتبر شروط الفريضة، لأن النذر المطلق يحذي به حذو الفرائض وتقدم في حديث ابن عمر النهي عن الصلاة فوق ظهر بيت الله، لإخلال الاستعلاء عليه بتعظيمه، وتخصيصه بالفرض مشكل، لأن الأصل المساواة ما لم يقم دليل التخصيص.стр. 545
فلو صلى إلى جهة الباب أو على ظهرها ولا شاخص متصل بها لم تصح، ذكره في المغني والشرح عن الأصحاب، لأنه غير مستقبل لشيء منها، وقال في التنقيح: اختاره الأكثر (١) وقال في المغني: الأولى أنه لا يشترط، لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها (٢) ولهذا تصح على جبل أبي قبيس وهو أعلى منها (٣) وقدمه في التنقيح، وصححه في تصحيح الفروع (٤) قال في الإنصاف: وهو المذهب على ما اصطلحناه (٥) . الحواشي
(١) واستقر عليه الأمر زمن ابن الزبير كما سيأتي.(٢) أي هوائها المسامت لها، الخالي من شاخص منها إذا صلى على عال منها أو نازل عن مسامته بنيانها، لأن المقصود البقعة لا الجدار بدليل ما لو انهدمت والعياذ بالله، وإن لم يبق بين يديه شيء من البيت لم تصح، قال الآمدي: إجماعا.(٣) أي من الكعبة المشرفة، والجبل مشهور مشرف على البيت المعظم من جهة الشرق، وأسفله الصفا، وأعلى من الجبل جبال الحجاز، وأنزل من الكعبة ما تباعد مسافات من سائر الجهات عنها.(٤) واختاره المجد وابن تميم وصاحب الحاوي والفائق وغيرهم، وقطع به في المنتهى وغيره.(٥) لفظه في الإنصاف: ما أسلفناه، والمعنى صحيح على كلا اللفظين، واصطلاحه في خطبة الإنصاف أن الاعتماد في معرفة المذهب على ما قاله المصنف والمجد والشارح وصاحب الفروع والقواعد والوجيز والرعايتين والنظر والخلاصة
والشيخ تقي الدين وأشباههم فإن اختلفوا فالمذهب ما قدمه صاحب الفروع، فإن اختلف فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان المصنف والمجد ووافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه، وهذا في الغالب، فإن اختلفا فالمذهب مع من وافقه صاحب القواعد، أو الشيخ تقي الدين، وإلا فالمصنف، ولا سيما في الكافي ثم المجد اهـ.
وقال شيخ الإسلام: الواجب استقبال البنيان، وأما العرصة والهواء فليس بكعبة ولا ببناء، وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه، فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفعة، وإن لم تكن مسامته، فإن المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الإئتمام بالإمام، وأما إذا زال بناء الكعبة فنقول بموجبه، وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئا يصلي إليه، لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنه جعل القبلة الشيء الشاخص، وكذا قال الآمدي وذكر قوله ثم قال: ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت، فعلم أن مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها، ويصلون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها، ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئا منصوبا شاخصا، وأن العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أن أحدا من السلف خالف في ذلك، ولا أنكره، نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقيتين فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطا إذا لم يجد سترة، فإن قواعد إبراهيم كالخط.стр. 546
ويستحب نفله في الكعبة بين الأسطوانتين وجاهه، إذا دخل لفعله ﵇ (١) . الحواشي
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر: صلى في الكعبة ركعتين بين الساريتين
إذا دخلت لكن إن كانت النافلة مما تشرع لها لجماعة وتفوت داخلها كانت خارجها أفضل، لأن المحافظة على فضيلة متعلقة بنفس العبادة أولى من مكانها كالرمل مع البعد عن الكعبة، والاسطوانة بضم الهمزة والطاء العمود، والسارية والجمع أساطين وأسطوانات.стр. 547
(ومنها) أي من شروط الصلاة (استقبال القبلة) أي الكعبة أو وجهتها لمن بعد (١) سميت قبلة لإقبال الناس عليها (٢) قال تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (٣) . الحواشي
(١) إجماعا، لقوله ﷺ «ما بين المشرق والمغرب قبلة» صححه الترمذي، وروي عن غير واحد من الصحابة، وقال شيخنا، استقبال القبلة من العلم العام عند كل أحد شرعيته، وأنه من شرائط صحة الصلاة اهـ، فالواجب استقبال الجهة لا العين في حق من تعذرت عليه، وهذا بالنسبة إلى المدينة، وما وافق قبلتها، ولسائر البلدان من السعة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك، وقاله ابن عبد البر: وهذا صحيح لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل العلم، قال أحمد: هذا في كل البلدان، إلا بمكة عند البيت، فإنه إذا زال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة، وبين القاضي وغيره أنما وقع عليه اسم مشرق ومغرب فالقبلة ما بينهما، وينبغي أن يتحرى وسط ذلك، لا يتيامن ولا يتياسر، ويعفى عنه في الجهة.(٢) ولأن المصلي يقابلها، وكل شيء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته، وأصلها الحالة التي يقابلها الشيء غيره عليها، إلا أنها صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي، وأصل الجهة الوجهة، والوجه اسم للمتوجه إليه، وسميت الكعبة كعبة لتكعبها أي تربعها، أو استدارتها وارتفاعها.(٣) أي حول وجهك نحوه، وقبله، والشطر الناحية والمراد به الكعبة، والحرام أي المحرم، والتوجه لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها.стр. 548
(فلا تصح) الصلاة (بدونه) أي بدون الاستقبال (١) (إلا لعاجز) كالمربوط لغير القبلة (٢) والمصلوب (٣) . الحواشي
(١) مع القدرة إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ أي في بر أو بحر أو مشرق أو مغرب ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وفي حديث المسيء «ثم استقبل القبلة فكبر» وقصة أهل قباء: إنه أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وكان ﷺ قد صلى ستة عشر شهرا بالمدينة إلى بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، فوجه إليه. وأول صلاة صلاها قبل البيت صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، والقصة في الصحيحين، ولأحمد كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة، قال ابن كثير: الحكمة في تحويلها ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني أهل الكتاب، فإنهم قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني قريشا وهي أنهم قالوا إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم فلم رجع عنه ويجاب بأن الله اختار له التوجه إلى بيت المقدس، لما في ذلك من الحكمة ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة بجميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *﴾ إلى ما ضل عنه الأمم، وقال ابن رشد: ما نقل بالتواتر كاستقبال القبلة وأنها الكعبة لا يرده إلا كافر.(٢) أي إلا لعاجز عن استقبال القبلة فلم يقدر عليه، كالمربوط أي المشدود الموثق لغير جهتها، فتصح بدونه، للعجز عنه إجماعا.(٣) أي المعلق على صليب ونحوه مما يتخذ على هيئة عود يصلب عليه اللص ونحوه إلى غير القبلة فتصح بدونه.стр. 549
وعند اشتداد الحرب (١) (و) إلا لـ (متنقل راكب سائر) (٢) لا نازل (في سفر) مباح (٣) طويل أو قصير (٤) إذا كان يقصد جهة معينة (٥) وله أن يتطوع على راحلته حيثما توجهت به (٦) . الحواشي
(١) كحال الطعن والكر والفر، وكهروب من سيل أو نار أو سبع، ولو نادرا كمريض عجز عن الاستقبال، فتصح صلاتهم إلى غير القبلة إجماعا لأنه شرط عجز عنه فسقط، كستر العورة لقوله إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وسيأتي حديث ابن عمر في شدة الخوف مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه.(٢) فلا يجب عليه الاستقبال.(٣) أي غير مكروه ولا محرم، لأن نفله ذلك رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي، والسفر قطع المسافة إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى، سمي بذلك لما فيه من الذهاب والمجيء، أو لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ويأتي.(٤) أي دون فرسخ للعموم، قال البغوي: يجوز أداء النافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير جميعا، عند أكثر أهل العلم، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي اهـ وأجمعوا على أنه لا يجوز للمقيم في بلد، التطوع إلى غير القبلة لا ماشيا ولا راكبا.(٥) بخلاف راكب تعاسيف وهو ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب، فلا يسقط عنه الاستقبال، ذكره في الرعاية والفروع وغيرهما.(٦) إجماعا لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قال ابن عمر: نزلت في التطوع خاصة، ولحديث ابن عمر: كان يسبح على راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، متفق عليه، ولأن إباحته تخفيف لئلا يؤدي إلى تقليله، أو قطعه
وتطوع بالشيء تبرع به وتنفل ومفهومه أنه لا يصح الفرض إلا بالاستقبال وهو كذلك لقوله: ولم يكن يصنع ذلك في المكتوبة متفق عليه.стр. 550
(ويلزمه افتتاح الصلاة) بالإحرام إن أمكنه (إليها) أي إلى القبلة، بالدابة أو بنفسه (١) ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة (٢) وإلا فإلى جهة سيره (٣) ويومئ بهما (٤) ويجعل سجوده أخفض (٥) . الحواشي
(١) بأن يدير الدابة إلى القبلة إن أمكنه، أو يدور هو بنفسه، لحديث أنس، كان إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة، ثم خلى عنها رواه أحمد وأبو داود وأصله في الصحيحين، وعنه لا يلزمه وفاقا لمالك وأبي حنيفة لإطلاقه في الأحاديث الصحيحة ولأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه بقيتها ويحمل حديث أنس على الفضيلة، وقال ابن القيم: فيه نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته، أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها اهـ قال في الإنصاف: مفهوم كلام المصنف أنه إذا لم يمكنه الافتتاح إلى القبلة لا يلزمه قولا واحدا، وهو الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب.(٢) إلى جهة القبلة، كراكب محفة واسعة، وراحلة واقفة، وهو مذهب الجمهور، لأنه في عدم المشقة كالمقيم، وقيل لا يلزمه، للتساوي في الرخصة العامة.(٣) أي وإلا يمكنه كراكب بعير مقطور، وتعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو دابته حرون تصعب إدارتها عليه فإلى جهة سيره.(٤) أي بالركوع والسجود إلى جهة سيره.(٥) أي من ركوعه إن قدر وجوبا وفاقا، لحديث جابر والسجود أخفض
من الركوع، وقيل لا يلزمه لأن الرخصة العامة يسوى فيها بين ما وجدت فيه المشقة وغيره، وإن عجز سقط بلا نزاع.стр. 551
وراكب المحفة الواسعة (١) والسفينة (٢) والراحلة الواقفة يلزمه الاستقبال في كل صلاته (٣) (و) إلا لمسافر (ماش) قياسا على الراكب (٤) (ويلزمه) أي الماشي (الافتتاح) إليها (٥) (والركوع والسجود إليها) أي إلى القبلة، لتيسر ذلك عليه (٦) . الحواشي
(١) يلزمه الاستقبال في كل صلاته، والمحفة بكسر الميم مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب قديما، سميت بذلك لأن الخشب يحيط بالقاعد فيها من جميع جوانبه، وكعمارية وهودج، لقدرته عليه بلا مشقة.(٢) وكذا العمارية، يلزمه الاستقبال، إلا ملاحا فلا يلزمه استقبال القبلة، وفاقا، لانفراده بتدبيرها.(٣) في الاستفتاح والركوع والسجود إن أمكنه بلا مشقة، وإن أمكنه الافتتاح إلى القبلة دون ركوع وسجود، أو بالعكس أتى بما قدر عليه.(٤) لمساواته له في الانقطاع عن القافلة في السفر، فيصح نفله بدون الاستقبال.(٥) قال في الإنصاف: يفتتح الصلاة إلى القبلة، بلا خلاف أعلمه.(٦) ويركع ويسجد بالأرض، ويفعل الباقي من الصلاة إلى جهة سيره، والوجه الثاني يومئ إلى جهة سيره كالراكب، صححه المجد وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، قال الآمدي وغيره، يومئ بالركوع والسجود كالراكب قياسا عليه، قال الشيخ: هو الأظهر لأن الركوع والسجود وما بينهما يتكرر في كل ركعة، ففي الوقوف له وفعله بالأرض قطع لمسيره، فأشبه الوقوف في حال القيام اهـ، وأبيح للراكب كيلا ينقطع عن القافلة، وهو موجود في الماشي.стр. 552
وإن داس النجاسة عمدا بطلت (١) وإن داسها مركوبه فلا (٢) وإن لم يعذر من عدلت به دابته (٣) أو عدل إلى غير القبلة عن جهة سيره مع علمه (٤) أو عذر وطال عدوله عرفا بطلت (٥) (وفرض من قرب من القبلة) أي الكعبة وهو من أمكنه معاينتها (٦) . الحواشي
(١) لما تقدم أنه يشترط طهارة بقعته.(٢) ولو عمدا لأنه عفي عن المركوب إذا كان نجسا مع طهارة محل المصلي من نحو سرج وبرذعة فإذا وطئها فمن باب أولى، ويعتبر طهارة ما تحت راكب من نحو برذعة وإن كان المركوب نجس العين، ولمسلم أنه ﷺ يصلي على حمار في النفل، قال المجد وغيره: ولا كراهة في ذلك لفعله ﷺ ، ومسيس الحاجة إليه.(٣) بأن قدر على ردها ولم يفعل، وكان عالما بالعدول بطلت صلاته.(٤) بطلت لأنه ترك قبلته عمدا، سواء طال العدول أو لا، وإن كان العدول إلى القبلة، فهو الأصل، فإذا حصل فهو المطلوب.(٥) أي عذر من عدلت به دابته لعجزه عنها، أو عذر من عدل إلى غير القبلة لغفلة أو نوم أو جهل وطال عدوله عن جهتها عرفا، بطلت صلاته، لأنه بمنزلة العمل الكثير من غير جنس الصلاة، فإن عذر ولم يطل لم تبطل، لأنه بمنزلة العمل اليسير، والوتر وغيره من النوافل سواء، لأنه ﵊ يوتر على دابته، متفق عليه.(٦) أي سهل عليه ولا حائل بينه وبين إصابة عينها وفاقا، وفي الإنصاف وغيره: بلا نزاع، كمن بالمسجد الحرام أو كان خارجه لكن يمكنه النظر إليها، كأن كان على جبل أبي قبيس، أو مرتفع بحيث يعاينها.стр. 553
أو الخبر عن يقين (إصابة عينها) (١) ببدنه كله بحيث لا يخرج شيء منه عن الكعبة (٢) ولا يضر علو ولا نزول (٣) (و) فرض (من بعد) عن الكعبة استقبال (جهتها) (٤) فلا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران عرفا (٥) . الحواشي
(١) أي وفرض من قرب من القبلة ولم يمكنه معاينتها، وأمكنه الخبر عن يقين من عالم به، إصابة عينها، أي استقبال نفس الكعبة وفاقا، فإن من نشأ بمكة أو أقام بها كثيرا يمكنه اليقين في ذلك، ولو مع حائل حادث كالأبنية.(٢) لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا، فلم يجز العدول عنه، وإن تعذرت إصابة العين بحائل اجتهد إلى عينها، ولا يكلف المعاينة بصعود حائل أو دخول مسجد للمشقة، وذكر جماعة من الأصحاب وغيرهم: إن تعذر إصابة العين للقريب فحكمه حكم البعيد.(٣) أي عن الكعبة كالمصلي على أبي قبيس، أو في حفيرة في الأرض ونزل بها عن مسامتتها لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفة، وإن لم تكن مسامتة، فإن المسامتة لا تشترط كما تقدم.(٤) لحديث ما بين المشرق والمغرب قبلة، وغيره وتقدم، ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، والصف الطويل مستويا ولان التكليف بحسب الوسع، قال في الإنصاف والمبدع وغيرهما: البعد هنا هو بحيث لا يقدر على المعاينة، ولا عن من يخبره بعلم، وقال غير واحد من الأصحاب: ليس المراد بالبعد مسافة القصر، ولا بالقرب دونها، والجهة الناحية كالوجه وأصلها وجهة قال الواحدي: الوجهة اسم للمتوجه إليه والوجه مستقبل كل شيء.(٥) بحيث لا يخرج عن الجهة، لأن إصابة العين بالاجتهاد متعذرة فسقطت، وأقيمت الجهة مقامها للضرورة.стр. 554
إلا من كان بمسجده ﷺ لأن قبلته متيقنة (١) (فإن أخبره) بالقبلة مكلف (ثقة) (٢) عدل ظاهر وباطنا (بيقين) عمل به، حرا كان أو عبدا، رجلا كان أو امرأة (٣) .
(أووجد محاريب إسلامية عمل بها) (٤) لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها، حيث علمها للمسلمين ولا ينحرف (٥) . الحواشي
(١) أو قريبا منه قاله جماعة، فيشترط إصابة العين ببدنه، لأن قبلته متيقنة الصحة، قال الشارح وغيره: لكن إنما الواجب عليه ﷺ استقبال الجهة وقد فعله، وقيل: رفعت له الكعبة حين بنى مسجده ﷺ فالله أعلم.(٢) فلا يعمل بخبر صغير ولا فاسق، وقال ابن تميم: يصح التوجه إلى قبلته في بيته، وجزم به في المبدع.(٣) ولو أخبره بالمشرق أو المغرب أو نجم فأخذ القبلة منه لزمه العمل به، وإن أخبره عن اجتهاد لم يجز تقليده وفاقا، وقيل يجوز تقليده إن ضاق الوقت وإلا فلا، وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد، واختاره جماعة من الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين، وعدالة الظاهر بأن يكون مستور الحال، والباطن بأن يختبر بالأمانة ونحوها.(٤) عدولا كانوا أو فساقا، والمحاريب جمع محراب، وهو صدر المجلس، ومنه محراب المسجد وهو مقام الإمام منه.(٥) أي عن التوجه عن تلك الجهة، لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب كالقطع، ونقل إجماع العلماء عليه صاحب الشامل وغيره، لأنها لا تنصب إلا بحضرة جماعة من أهل المعرفة بالأدلة فإن لم يعلم أنها لهم فلا التفات إليها قال الموفق والشارح: إذا علم قبلتهم كالنصارى في كنائسهم على أنها مستقبلة للشرق أي يستدل بها على القبلة.стр. 555
(ويستدل عليها في السفر بالقطب) وهو أثبت أدلتها، لأنه لا يزول عن مكانه إلا قليلا (١) وهو نجم خفي شمالي (٢) وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى (٣) في أحد طرفيه الجدي (٤) والآخر الفرقدان (٥) يكون وراء ظهر المصلي بالشام (٦) . الحواشي
(١) لا يؤثر والاستدلال بالنجوم أصح أدلتها قال تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ وقال: ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ والقطب بثليث القاف حكاه ابن سيده وغيره.(٢) لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، لكن يستدل عليه بالجدي والفرقدين.(٣) أي فراشة الطاحون الذي يديره الماء أو غيره، فيدير هو الرحى فتدور هذه الفراشة حول القطب، دوران فراشة الرحى حول سفودها، في كل يوم وليلة دورة، فيكون الفرقدان، عند طلوع الشمس مثلا في مكان جهته عند غروبها، والقطب في مكانه، لا يبرح مكانه وقيل قليلا.(٤) نجم نير وهو غير جدي البرج، ويعرف بجدي القطب وجدي الفرقدين تعرف به القبلة.(٥) وبين الجدي والفرقدين أنجم صغار منقوشة، ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، تدور أيضا دوران فراشة الرحى حول سفودها، كل يوم وليلة دورة، والفرقدان جاء مثنى ومفردا لقرب اتصالهما، وعلى القطب تدور بنات نعش وغيرها من الأنجم الشمالية.(٦) والعراق وسائر الجزيرة، وما حاذى ذلك، وذكره في الحاوي وغيره
فلا تتفاوت إلا يسيرا معفوا عنه، وقال الشيخ: إذا جعل الشامي القطب بين أذنه اليسرى ونقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب، والعراقي إذا جعل القطب بين أذنه اليمنى ونقرة القفا فقد استقبل قبلته اهـ وقيل: ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلا، وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر، وينحرف بالعراق وما قاربها إلى المغرب قليلا، وكلما قرب إلى المشرق كان انحرافه أكثر، وكذا في سائر الجهات.стр. 556
وعلى عاتقه الأيسر بمصر (١) (و) يستدل عليها بـ (الشمس والقمر ومنازلهما) أي منازل الشمس والقمر (٢) تطلع من الشرق (٣) وتغرب من المغرب (٤) . الحواشي
(١) وما والاها قال بعضهم:
من واجه القطب بأرض اليمن ... وعكسه الشام وخلف الأذن
بمنى عراق ثم يسرى مصر ... قد صححوا استقبالها في العمر(٢) وما يقترن بمنازل الشمس والقمر، أو ما يقاربها، والشمس تقارب الجنوب شتاء، والشمال صيفا، والقمر كل شهر.(٣) على يسرة المصلي في البلاد الشمالية، ويمنته في البلاد الجنوبية.(٤) على اليمنة في الشامية، واليسرة في اليمنية لكن الشمس تختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها، فتطلع قرب الجنوب شتاء، وقرب الصبا صيفا، والقمر يبدو أول ليلة هلالا في المغرب، عن يمين
المصلي من أهل المشرق، ثم يتأخر كل ليلة منزلة حتى يكون في السابع وقت المغرب في قبلة المصلي منهم، مائلا عنها قليلا إلى المغرب، ثم يطلع ليلة الأربع عشرة من المشرق قبل غروب الشمس بدرا، وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي من أهل المشرق، أو قريبا منها وقت
الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق
وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله، ومنازله ثمانية وعشرون، أربعة عشر شامية، وأربعة عشر يمانية، فالشامية، الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء،
السماك، واليمانية، الغفر، الزبانا، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ المؤخر، بطن الحوت، فالقمر ينزل في كل ليلة واحدا منها، والشمس ثلاثة عشر يوما.стр. 557
ويستحب تعلم أدلة القبلة والوقت (١) فإن دخل الوقت وخفيت عليه لزمه (٢) ويقلد إن ضاق الوقت (٣) (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر) وإن كان أعلم منه (٤) . الحواشي
(١) وذهب إلى وجوبه على المسافر طائفة، قال في شرح الهداية: وهو متجه، ويحتمل أن لا يجب فإن التباس جهة القبلة مما يندر، والمكلف إنما يتعين عليه ما يعم مسيس الحاجة إليه، لا ما يندر.(٢) أي تعلم أدلة القبلة، لأن الواجب لا يتم إلا به مع قصر زمنه، قال في شرح الهداية، إذا أمكنه وجب، قولا واحدا، وقاله الزركشي، وغيره لقصر زمنه، وهو فرض عين لسفر، فكل فرد مخاطب بالتعلم حيث كان أهلا له.(٣) عن تعلم أدلة القبلة، لأن القبلة يجوز تركها للضرورة إلا مع سعته وفاقا، وإلا فلا، اختاره جمع من الأصحاب وغيرهم، منهم الشيخ تقي الدين، وأصل التقليد في اللغة وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، وسمي ذلك قلادة وهو في عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير حجة، أخذا من هذا المعنى.(٤) أي وإن اجتهد مجتهدان في جهة القبلة، فاختلفا جهة بأن ظهرت لأحدهما جهة غير الجهة التي ظهرت للآخر لم يتبع مجتهد ظهرت له جهة القبلة مجتهدا آخر ظهر له أن جهة القبلة إلى غير جهة صاحبه، إن كان أعلم منه بحيث ينحرف إلى جهته لأن كلا منهما يعتقد خطأ الآخر، كالعالمين يختلفان في حادثة، والمجتهد هنا هو العالم بأدلة القبلة، وإن جهل أحكام الشرع، لأن كل من علم أدلة شيء كان مجتهدا فيه، لأنه يتمكن من استقبالها بدليله.стр. 558
ولا يقتدي به (١) لأن كلا منهما يعتقد خطأ الآخر (٢) (ويتبع المقلد) لجهل أو عمى (أوثقهما) أي أعلمهما وأصدقهما وأشدهما تحريا لدينه (عنده) (٣) لأن الصواب إليه أقرب، فإن تساويا خير (٤) . الحواشي
(١) وفاقا أي لا يأتم مجتهد بمجتهد خالفه جهة، كما لو خرج ريح من اثنين واعتقد كل منهما أنها من الآخر وتقدم، فإن مال أحدهما يمينا والآخر شمالا مع اتفاقهما في الجهة صح ائتمام أحدهما بالآخر، قولا واحدا.(٢) في القبلة فلم يجز الائتمام به، وذلك فيما إذا كان اختلافهما في جهتين قال في المغني: وقياس المذهب جواز ذلك، وذكره الشيخ: وصححه الشارح وحكاه في الفائق قولا.(٣) أي أعلمهما عند المقلد في أدلة القبلة بالدلائل، وإن كان جاهلا في الأحكام، والمقلد هنا من لا تمكنه الصلاة باجتهاد نفسه، لعدم بصره أو بصيرته، قال ابن القيم: يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة، وقال في الروضة: يأخذ بالأفضل في دينه وعلمه، وفي الفروع وغيره: لا يجب على جاهل وأعمى تقليد الأوثق، وقدمه في التبصرة وفاقا، كعامي في القياس على الأصح وفاقا.(٤) فيتبع أيهما شاء، جزم به الشيخ، وذكره القاضي محل وفاق، وصححه غير واحد، وفي الإنصاف، إن كان في جهة خير، وفي جهتين فالصحيح يخير، وعليه الجمهور، وإن أمكن أعمى اجتهاد بنهر كبير أو ريح أو جبل لزمه ولم يقلد.стр. 559
وإن قلد اثنين لم يرجع برجوع أحدهما (١) (ومن صلى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه (٢) (ولا تقليد) إن لم يحسن الاجتهاد (قضى) ولو أصاب (إن وجد من يقلده) (٣) فإن لم يجد أعمى أو جاهل من يقلده فتحريا وصليا فلا إعادة (٤) وإن صلى بصير حضرا فأخطأ أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراب أو نحوه (٥) أو خبر ثقة أعادا (٦) . الحواشي
(١) لأنه دخل فيها على ظاهر فلا يزول إلا بمثله.(٢) قضى لأنه قدر على شرط من شروط الصلاة فلم تصح بدونه.(٣) أو ظن جهة باجتهاده قضى، وفاقا لمالك والشافعي، وإن صلى باجتهاد أو تقليد فبان أنه أخطأ فلا إعادة عليه إجماعا، لحديث عامر بن ربيعة وغيره، وقصة أهل قباء، إلا في أحد قولي الشافعي، والحاصل أن المراتب أربع: الأولى المعاينة، والثانية المخبر عن علم، والثالثة الاجتهاد، والرابعة التقليد، فلا ينتقل للمتأخرة حتى يعجز عن التي قبلها.(٤) ولو أخطآ لأنهما أتيا بما أمرا به على وجهه.(٥) مما يدل على القبلة، كأن يعلم أن باب المسجد إلى الشمال.(٦) أي البصير المخطئ ولو اجتهد، والأعمى، لأنه كالبصير في الحضر لقدرته على الاستدلال ولو لم يخطئ القبلة، لأن الحضر ليس بمحل للاجتهاد، لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولأنه يجد من يخبره عن يقين غالبا، وعنه لا يعيد البصير إن كان عن اجتهاد، واحتج أحمد بقصة أهل قباء، وكذا الأعمى، لكن يلزمه التحري، فإن لم يجتهد البصير ولم يتحر الأعمى وصليا أعادا إن أخطآ قولا واحدا، حكاه في الإنصاف وغيره.стр. 560
(ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة) (١) لأنها واقعة متجددة فتستدعي طلبا جديدا (٢) (ويصلي بـ) الاجتهاد (الثاني) لأنه ترجح في ظنه، ولو كان في صلاته ويبني (٣) (ولا يقضي ما صلى بـ) الاجتهاد (الأول) (٤) لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد (٥) . الحواشي
(١) كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها.(٢) أي لأن كل صلاة واقعة أي حاصلة متجددة بدخول وقتها، فتستدعي أي تستلزم طلبا أي اجتهادا جديدا مرة بعد أخرى(٣) فيستدير إلى الجهة التي ظهرت له، ويبني على ما مضى من الصلاة، نقله الجماعة، وفاقا لأبي حنيفة، وهو الأصح عند الشافعية، كأهل قباء لما أخبروا بتحويل القبلة استداروا إليها وبنوا، وإن شك لم يزل عن جهته.(٤) قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، فلو صلى الأربع الركعات إلى أربع جهات كلما بدا له جهة توجه إليها صحت صلاته، وليس هذا نقضا للاجتهاد وإنما هو عمل بكل من الاجتهادين، فلذلك بنى على صلاته ولم يعد ما فعله بالاجتهاد الأول، ولقضية عمر في مسألة المشركة، وقال: تلك على ما قضينا، ولم يعلم له مخالف.(٥) قال عثمان: وجملة ذلك أنه إذا دخل في الصلاة باجتهاد فإما أن يستمر اجتهاده إلى فراغها، أو يعرض له شك، ويستمر الشك إلى فراغها، أو يزول الشك ويبقى ظن الصواب، أو بالعكس، بأن يظن الخطأ ويظهر له جهة أخرى فينتقل إليها، ويبني فصلاته صحيحة في الصور الأربع كلها، وإما أن يظن الخطأ من غير أن يظهر له جهة يتوجه إليها فتبطل صلاته.стр. 561
ومن أخبر فيها بالخطأ يقينا لزمه قبوله (١) وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر صلى على حسب حاله (٢) .
(ومنها) أي من شروط الصلاة (النية) (٣) وبها تمت الشروط (٤) وهي لغة القصد (٥) وهو عزم القلب على الشيء (٦) وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى (٧) . الحواشي
(١) أي أخبره ثقة بالخطأ كأن يقول: رأيت الشمس ونحوها، وتيقنت خطأك، لزمه قبول خبره، ويترك الاجتهاد أو التقليد، كما لو أخبره قبلهما، وإن لم يكن عن يقين لم يجز قبوله.(٢) بفتح السين أي على قدر طاقته، وذلك بأن تعادلت عنده الأمارات، أو منع من الاجتهاد، ونحو ذلك، أو تعذر عليه الاجتهاد، لرمد ونحوه، ولا إعادة عليه، لأنه أتى بما أمر به وتحرى، فأجزأته وإن لم يصب وفاقا.(٣) إجماعا حكاه جماعات من أهل العلم، ولا تسقط بحال، فهي شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان، لأن محلها القلب فلا يتأتى العجز عنها، قال عبد القادر: النية قبل الصلاة شرط، وفيها ركن، وفي الإنصاف رواية أنها فرض.(٤) أي التسعة للصلاة.(٥) يقال: نواك الله بخير أي قصدك به.(٦) من عبادة وغيرها، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وضمير الإنسان قلبه وباطنه.(٧) بأن لا يشرك في العبادة غير الله تعالى فلو ألجئ إليها بيمين أو غيره أو تصنع لمخلوق ففعل ولم ينو قربه لم تصح لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله الله وحده وهو محض النية الصالحة، وذكر الموفق وغيره أن المكره إذا كان إقدامه على العبادة للخلاص من الإكراه لم تكن طاعة، ولا مجيبا لداعي الشرع.стр. 562
ومحلها القلب (١) والتلفظ بها ليس بشرط (٢) إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى (٣) . الحواشي
(١) إجماعا فلا يحتاج إلى التلفظ بها، وزمنها هو أول العبادة ولو حكما كما لو نوى الصلاة في بيته ثم حضر المسجد وافتتح الصلاة بتلك النية من غير فاصل يمنع المراد، ويجب استصحاب حكمها في جميعها.(٢) أي فيستحب والمنصوص عن أحمد وغيره، خلافه، بل ذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولم ينقل عنه مسلم ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لا سيما إذا آذى به أو كرره، والجهر بها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء وإن اعتقده دينا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، وبعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي، وغلطه جماهير أصحاب الشافعي، قال الشافعي: إن الصلاة لا بد من النطق في أولها، فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية، وإنما أراد التكبير، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ هو ولا أصحابه يقولون: نويت إلى آخره: ولم يرد عنهم حرف واحد في ذلك، وفي الإقناع والتلفظ بها بدعة.(٣) وحده دون من سواه، والرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض صلاة وصوم كما ذكره ابن رجب وغيره، وقد يصدر في نحو صدقة وحج، وهذا لا يشك مسلم أنه حابط، وإن شارك العمل الرياء فإن كان من أصله فالنصوص طافحة ببطلانه، وإن كان العمل لله ثم طرأ عليه خاطر الرياء ودفعه لم يضره بلا خلاف، وإن استرسل معه فخلاف رجح أحمد وغيره أنه لا يبطل بذلك وذكره غيره: لا إثم بمشوب برياء إذا غلب مقصد الطاعة، وعكسه يأثم، وإن تساوى الباعثان فلا له ولا عليه، وقال الشيخ: المراءاة في العبادات المختصة من أعظم الذنوب فأما المرائي بالفرائض فكل يعلم قبحه، وأما بالنوافل فلا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله، لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب، ولا يترك عبادة خوف رياء.стр. 563
وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم يضر (١) (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) (٢) فرضا كانت كالظهر والعصر (٣) أو نفلا كالوتر (٤) والسنة الراتبة (٥) لحديث إنما الأعمال بالنيات (٦) . الحواشي
(١) أي من أراد أن يصلي الظهر مثلا فسبق لسانه بنية العصر لم يضر، لأن محل النية القلب، ولو نوى بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد بالإجماع.(٢) إن كانت وإلا أجزأته نية صلاة مطلقة إجماعا، كصلاة الليل، لعدم التعيين فيها.(٣) والمغرب والعشاء والصبح، وكذا منذورة وفاقا لمالك والشافعي والجماهير.(٤) والتراويح والكسوف والاستسقاء فلا تصح واحدة منها إلا بنية صلاة بعينها.(٥) والضحى والاستخارة وتحية المسجد ونحو ذلك، فلا بد من التعيين، لتتميز تلك الصلاة عن غيرها، كما لو كان عليه صلوات وصلى أربع ركعات لم ينوبها مما عليه لم تجز إجماعا، ومن لم يميز فرائض صلاته من سننها تصح بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، ولو غفل عن التفصيل، فنية الجملة في الابتداء كافية، قال النووي وغيره: وهو الذي يقتضيه ظاهر أحوال الصحابة فمن بعدهم.(٦) أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وتقدم.стр. 564
(ولا يشترط في الفرض) أن ينويه فرضا، فتكفي نية الظهر ونحوه (١) (و) لا في (الأداء و) لا في (القضاء) نيتهما (٢) لأن التعيين يغني عن ذلك (٣) ويصح قضاء بنية أداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه (٤) . الحواشي
(١) كالعصر والمغرب والعشاء والفجر والمنذورة وعليه أكثر الأصحاب، وصححه في التصحيح والإنصاف وغيرهما واختاره ابن عبدوس وغيره، وجزم به في الوجيز وغيره.(٢) أي لا تشترط نية الأداء والقضاء قضاء، لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلاها ينويها أداء فبان وقتها قد خرج صحت قضاء، وبالعكس والأداء عندهم فعله في وقته، والقضاء فعله بعد خروج وقته المعين له شرعا.(٣) أي لأن تخصيص المصلي بقلبه تلك الصلاة كاف، فلا يحتاج أن ينويها فرضا أو أداء أو قضاء، ولأن أصل وضعها الشرعي كاف، وفي نيته الأولى ما يكفي.(٤) كما لو أحرم بصبح أداء ظانا أن الشمس لم تطلع فبان طلوعها صحت قضاء، وعكسه أداء بنية قضاء، بأن نوى عصرا قضاء يظن غروب الشمس فتبين أنها لم تغرب صحت أداء قال الشيخ: وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء ثم تبين أنه ﷺ بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه، فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته اهـ فإن علم بقاء الوقت أو خروجه ونوى خلافه، لم يصح بلا خلاف، لأنه متلاعب، والقضاء في الأصل هو الأداء، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي أديتموها، وإكمال الشيء وإتمامه لقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ أي أكملهن وأتمهن، وإنما استعمل الفقهاء (القضاء) في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود لها شرعا، و (الأداء) إذا فعلت في الوقت المحدود اصطلاحا منهم، للتمييز بين الوقتين.стр. 565
(و) لا يشترط في (النفل والإعادة) أي الصلاة المعادة (نيتهن) فلا يعتبر أن ينوي الصبي الظهر نفلا (١) ولا أن ينوي الظهر من أعادها معادة، كما لا تعتبر نية الفرض وأولى (٢) ولا تعتبر إضافة الفعل إلى الله تعالى فيها (٣) ولا في باقي العبادات (٤) ولا عدد الركعات (٥) ومن عليها ظهران عين السابقة، لأجل الترتيب (٦) ولا يمنع صحتها قصد تعليمها ونحوه (٧) . الحواشي
(١) ولا غير الصبي الوتر والرواتب والتراويح نفلا، كما لا تعتبر نية الفرض بل يكفيه نية وتر، وراتبة وتراويح ومطلق نفل.(٢) الإعادة فعل الشيء مرة بعد أخرى، أي كما لا تشترط نية الفرض، فالنفل والمعادة أولى في عدم الاشتراط، لكن لو ظن أن عليه ظهرا فائتة فقضاها في وقت ظهر حاضرة، ثم بان أن لا قضاء عليه لم تجزئه عن الحاضرة، لأنه لم ينوها، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم تجزئ عنها.(٣) بأن ينوي الصلاة لله تعالى، لأن العبادة لا تكون إلا لله، وجزم في الفائق باشتراط إضافة الفعل إلى الله تعالى.(٤) كالصوم والحج وغيرهما.(٥) أي ولا يشترط أن ينوي تعيين عدد الركعات، ولا أن ينوي الاستقبال.(٦) بين الفوائت بخلاف المنذورتين.(٧) كقصد خلاص من خصم، أو إدمان سهر بعد إتيانه بالنية المعتبرة، لفعله ﷺ على المنبر وغيره في صلاته، وذكره ابن الجوزي فيما ينقص الأجر، وفي الفروع، لأنه ينقص ثوابه اهـ وأما ما قصد به العبادة والتعليم فينجبر بالتعليم.следующие страницы →