Полный текст (4 103 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ومن أخبر فيها بالخطأ يقينا لزمه قبوله (١) وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر صلى على حسب حاله (٢) .
(ومنها) أي من شروط الصلاة (النية) (٣) وبها تمت الشروط (٤) وهي لغة القصد (٥) وهو عزم القلب على الشيء (٦) وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى (٧) . الحواشي
(١) أي أخبره ثقة بالخطأ كأن يقول: رأيت الشمس ونحوها، وتيقنت خطأك، لزمه قبول خبره، ويترك الاجتهاد أو التقليد، كما لو أخبره قبلهما، وإن لم يكن عن يقين لم يجز قبوله.(٢) بفتح السين أي على قدر طاقته، وذلك بأن تعادلت عنده الأمارات، أو منع من الاجتهاد، ونحو ذلك، أو تعذر عليه الاجتهاد، لرمد ونحوه، ولا إعادة عليه، لأنه أتى بما أمر به وتحرى، فأجزأته وإن لم يصب وفاقا.(٣) إجماعا حكاه جماعات من أهل العلم، ولا تسقط بحال، فهي شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان، لأن محلها القلب فلا يتأتى العجز عنها، قال عبد القادر: النية قبل الصلاة شرط، وفيها ركن، وفي الإنصاف رواية أنها فرض.(٤) أي التسعة للصلاة.(٥) يقال: نواك الله بخير أي قصدك به.(٦) من عبادة وغيرها، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وضمير الإنسان قلبه وباطنه.(٧) بأن لا يشرك في العبادة غير الله تعالى فلو ألجئ إليها بيمين أو غيره أو تصنع لمخلوق ففعل ولم ينو قربه لم تصح لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله الله وحده وهو محض النية الصالحة، وذكر الموفق وغيره أن المكره إذا كان إقدامه على العبادة للخلاص من الإكراه لم تكن طاعة، ولا مجيبا لداعي الشرع.стр. 562
ومحلها القلب (١) والتلفظ بها ليس بشرط (٢) إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى (٣) . الحواشي
(١) إجماعا فلا يحتاج إلى التلفظ بها، وزمنها هو أول العبادة ولو حكما كما لو نوى الصلاة في بيته ثم حضر المسجد وافتتح الصلاة بتلك النية من غير فاصل يمنع المراد، ويجب استصحاب حكمها في جميعها.(٢) أي فيستحب والمنصوص عن أحمد وغيره، خلافه، بل ذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولم ينقل عنه مسلم ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لا سيما إذا آذى به أو كرره، والجهر بها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء وإن اعتقده دينا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، وبعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي، وغلطه جماهير أصحاب الشافعي، قال الشافعي: إن الصلاة لا بد من النطق في أولها، فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية، وإنما أراد التكبير، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ هو ولا أصحابه يقولون: نويت إلى آخره: ولم يرد عنهم حرف واحد في ذلك، وفي الإقناع والتلفظ بها بدعة.(٣) وحده دون من سواه، والرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض صلاة وصوم كما ذكره ابن رجب وغيره، وقد يصدر في نحو صدقة وحج، وهذا لا يشك مسلم أنه حابط، وإن شارك العمل الرياء فإن كان من أصله فالنصوص طافحة ببطلانه، وإن كان العمل لله ثم طرأ عليه خاطر الرياء ودفعه لم يضره بلا خلاف، وإن استرسل معه فخلاف رجح أحمد وغيره أنه لا يبطل بذلك وذكره غيره: لا إثم بمشوب برياء إذا غلب مقصد الطاعة، وعكسه يأثم، وإن تساوى الباعثان فلا له ولا عليه، وقال الشيخ: المراءاة في العبادات المختصة من أعظم الذنوب فأما المرائي بالفرائض فكل يعلم قبحه، وأما بالنوافل فلا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله، لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب، ولا يترك عبادة خوف رياء.стр. 563
وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم يضر (١) (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) (٢) فرضا كانت كالظهر والعصر (٣) أو نفلا كالوتر (٤) والسنة الراتبة (٥) لحديث إنما الأعمال بالنيات (٦) . الحواشي
(١) أي من أراد أن يصلي الظهر مثلا فسبق لسانه بنية العصر لم يضر، لأن محل النية القلب، ولو نوى بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد بالإجماع.(٢) إن كانت وإلا أجزأته نية صلاة مطلقة إجماعا، كصلاة الليل، لعدم التعيين فيها.(٣) والمغرب والعشاء والصبح، وكذا منذورة وفاقا لمالك والشافعي والجماهير.(٤) والتراويح والكسوف والاستسقاء فلا تصح واحدة منها إلا بنية صلاة بعينها.(٥) والضحى والاستخارة وتحية المسجد ونحو ذلك، فلا بد من التعيين، لتتميز تلك الصلاة عن غيرها، كما لو كان عليه صلوات وصلى أربع ركعات لم ينوبها مما عليه لم تجز إجماعا، ومن لم يميز فرائض صلاته من سننها تصح بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، ولو غفل عن التفصيل، فنية الجملة في الابتداء كافية، قال النووي وغيره: وهو الذي يقتضيه ظاهر أحوال الصحابة فمن بعدهم.(٦) أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وتقدم.стр. 564
(ولا يشترط في الفرض) أن ينويه فرضا، فتكفي نية الظهر ونحوه (١) (و) لا في (الأداء و) لا في (القضاء) نيتهما (٢) لأن التعيين يغني عن ذلك (٣) ويصح قضاء بنية أداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه (٤) . الحواشي
(١) كالعصر والمغرب والعشاء والفجر والمنذورة وعليه أكثر الأصحاب، وصححه في التصحيح والإنصاف وغيرهما واختاره ابن عبدوس وغيره، وجزم به في الوجيز وغيره.(٢) أي لا تشترط نية الأداء والقضاء قضاء، لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلاها ينويها أداء فبان وقتها قد خرج صحت قضاء، وبالعكس والأداء عندهم فعله في وقته، والقضاء فعله بعد خروج وقته المعين له شرعا.(٣) أي لأن تخصيص المصلي بقلبه تلك الصلاة كاف، فلا يحتاج أن ينويها فرضا أو أداء أو قضاء، ولأن أصل وضعها الشرعي كاف، وفي نيته الأولى ما يكفي.(٤) كما لو أحرم بصبح أداء ظانا أن الشمس لم تطلع فبان طلوعها صحت قضاء، وعكسه أداء بنية قضاء، بأن نوى عصرا قضاء يظن غروب الشمس فتبين أنها لم تغرب صحت أداء قال الشيخ: وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء ثم تبين أنه ﷺ بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه، فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته اهـ فإن علم بقاء الوقت أو خروجه ونوى خلافه، لم يصح بلا خلاف، لأنه متلاعب، والقضاء في الأصل هو الأداء، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي أديتموها، وإكمال الشيء وإتمامه لقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ أي أكملهن وأتمهن، وإنما استعمل الفقهاء (القضاء) في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود لها شرعا، و (الأداء) إذا فعلت في الوقت المحدود اصطلاحا منهم، للتمييز بين الوقتين.стр. 565
(و) لا يشترط في (النفل والإعادة) أي الصلاة المعادة (نيتهن) فلا يعتبر أن ينوي الصبي الظهر نفلا (١) ولا أن ينوي الظهر من أعادها معادة، كما لا تعتبر نية الفرض وأولى (٢) ولا تعتبر إضافة الفعل إلى الله تعالى فيها (٣) ولا في باقي العبادات (٤) ولا عدد الركعات (٥) ومن عليها ظهران عين السابقة، لأجل الترتيب (٦) ولا يمنع صحتها قصد تعليمها ونحوه (٧) . الحواشي
(١) ولا غير الصبي الوتر والرواتب والتراويح نفلا، كما لا تعتبر نية الفرض بل يكفيه نية وتر، وراتبة وتراويح ومطلق نفل.(٢) الإعادة فعل الشيء مرة بعد أخرى، أي كما لا تشترط نية الفرض، فالنفل والمعادة أولى في عدم الاشتراط، لكن لو ظن أن عليه ظهرا فائتة فقضاها في وقت ظهر حاضرة، ثم بان أن لا قضاء عليه لم تجزئه عن الحاضرة، لأنه لم ينوها، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم تجزئ عنها.(٣) بأن ينوي الصلاة لله تعالى، لأن العبادة لا تكون إلا لله، وجزم في الفائق باشتراط إضافة الفعل إلى الله تعالى.(٤) كالصوم والحج وغيرهما.(٥) أي ولا يشترط أن ينوي تعيين عدد الركعات، ولا أن ينوي الاستقبال.(٦) بين الفوائت بخلاف المنذورتين.(٧) كقصد خلاص من خصم، أو إدمان سهر بعد إتيانه بالنية المعتبرة، لفعله ﷺ على المنبر وغيره في صلاته، وذكره ابن الجوزي فيما ينقص الأجر، وفي الفروع، لأنه ينقص ثوابه اهـ وأما ما قصد به العبادة والتعليم فينجبر بالتعليم.стр. 566
(وينوي مع التحريمة) لتكون النية مقارنة للعبادة (١) (وله تقديمها) أي النية (عليها) أي على تكبيرة الإحرام (بزمن يسير) عرفا (٢) إن وجدت النية (في الوقت) أي وقت المؤداة والراتبة (٣) ما لم يفسخها (٤) . الحواشي
(١) خروجا من الخلاف فعند بعض الشافعية قرنها بالتكبير، وصفة قرونها به أن يأتي بالتكبيرة عقب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، وعامة الناس إنما يصلون هكذا، لأن المقارنة انبساط أجزاء النية على أجزاء التكبير، فإنه يعسر، ويشغل عن استحضار المنوي، وينبغي له أن يكون قلبه مشغولا بتدبر التكبير، واستحضار عظمة من يقف بين يديه ليخشع له ﵎، وذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى الاكتفاء بوجودها قبل التكبير، واختار جمع منهم النووي والغزالي الاكتفاء بالاستحضار العرفي، بحيث لا يعد غافلا عن الصلاة، اقتداء بالأولين في تساهلهم.(٢) كبقية الشروط، وظاهره ولو أتى بشيء من المبطلات للصلاة غير ما ذكره، كالكلام واستدبار القبلة، والعرف هو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، وقيل: يجوز بزمن كثير ما لم يفسخ النية، اختاره الآمدي والشيخ وغيرهما، ونقل أبو طالب وغيره: إذا خرج من بيته يريد الصلاة فهو نية، أتراه كبر وهو لا ينوي الصلاة؟ واحتج به الشيخ وغيره، على أن النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله قصده ضرورة.(٣) اشترطه الخرقي وغيره، وأطلقه أكثر الأصحاب، وظاهره لو تقدمت ولو بزمن يسير لم يعتد بها، للخلاف في كونها ركنا وهو لا يتقدم، وتقدم تمام الكلام في ذلك.(٤) أي النية مع بقاء إسلامه كالصوم، وأن لا يشتغل بعمل كثير، وذلك مثل عمل من نسي سجود السهو على ما يأتي، أو أعرض عنها بما يلهيه، أو تعمد حدثا، لأن تقدم النية على الفعل لا يخرجه عن كونه منويا.стр. 567
(فإن قطعها في أثناء الصلاة (١) أو تردد) في فسخها (بطلت) (٢) لأن استدامة النية شرط (٣) ومع الفسخ أو التردد لا يبقى مستديما (٤) وكذا لو علقه على شرط (٥) لا إن عزم على فعل محظور قبل فعله (٦) (وإذا شك فيها) أي في النية أو التحريمة (استأنفها) (٧) . الحواشي
(١) بطلت لأن النية شرط في جميعها، صححه في التصحيح وغيره، أشبه ما لو سلم أو عزم على قطعها فبطلت لأن النية عزم جازم، ومع العزم على قطعها لا جزم فلا نية.(٢) لأنه لم يبق جازما بالنية، صححه في التصحيح وغيره، واختاره القاضي وغيره وقال ابن حامد وغيره، لا تبطل لأنه دخل بنية متيقنة فلا تزول بالشك كسائر العبادات، وصححه في الرعاية ويأتي قول الشيخ ﵀، وتردد في الأمر اشتبه فيه فلم يثبت.(٣) فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.(٤) لذهاب الشرط.(٥) كأن ينوي إن طرق عليه الباب قطعها بطلت، لمنافاة ذلك جزمه بها.(٦) بأن عزم على كلام ولم يتكلم أو فعل حدث ونحوه ولم يفعله لم تبطل وفاقا، لعدم منافاته، الجزم المتقدم لأنه قد يفعل المحظور وقد لا يفعله، ولا مناقض في الحال للنية المتقدمة، فتستمر إلى أن يوجد مناقض، وذكر الحافظ وغيره أن في حديث ذي اليدين دليلا على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذاكان بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها ولو سلم، وكذا كلام من ظن التمام، وأنه قول جمهور العلماء من السلف والخلف وعامة أهل الحديث، وأن الإبطال بغير دليل ممنوع.(٧) أي شك هل نوى الصلاة أو عين ظهرا أو عصرا أو أحرم أو لا، استأنف
الصلاة لأن الأصل عدم النية والتحريمة، وهذا مذهب الشافعي، وقال ابن حامد وغيره: لا تبطل ويبنى لأن الشك لا يزيل حكم النية، وقال الشيخ: يحرم عليه خروجه لشكه في النية، للعلم أنه ما دخل إلا بالنية، وقال شيخنا، إذا اهتم الإنسان للصلاة وقام في الصف وفي ظنه أنه كبر تكبيرة الإحرام لكن اعتراه شك هل كبر أولا؟ فهذا يستأنف تكبيرة الإحرام إلا أن يكثر فيصير كوسواس فيطرحه ويبني على غالب ظنه.стр. 568
وإن ذكر قبل قطعها (١) فإن لم يكن أتى بشيء من أعمال الصلاة بنى (٢) وإن عمل مع الشك عملا استأنف (٣) وبعد الفراغ لا أثر للشك (٤) (وإن قلب منفرد) أو مأموم (فرضه نفلا في وقته المتسع جاز) (٥) . الحواشي
(١) أي ذكر أنه كان قد نوى أو عين أو كبر.(٢) لأنه لم يوجد مبطل لها، كما لو نوى قطع القراءة ولم يقطعها، قولا
واحدا.(٣) أي وإن عمل مع الشك في النية عملا من أعمال الصلاة قولية كقراءة أو فعلية كركوع أو سجود استأنف الصلاة، لأن هذا العمل عري عن النية، وقال المجد: الأقوى إن كان العمل قولا لم تبطل، كتعمد زيادته، ولا يعتد به، وإن كان فعلا بطلت لعدم جوازه، كتعمده في غير موضعه، قال ابن تميم: وهذا أحسن، وتقدم إطراح الشك وأنه لا يزيل حكم النية، وإن شك هل نوى فرضا أو نفلا أتمها نفلا، لأن الأصل عدم نية الفرضية.(٤) يعني في النية للعلم أنه ما دخل إلا بها وفرغ منها من غير شك، ولا أثر للشك بعد الفراغ إجماعا وقال الناظم:
ولا الشك من بعد الفراغ بمبطل ... يقاس على هذا جميع التعبد(٥) بأن فسخ نية الفرضية دون نية الصلاة ولفظ المنتهى: صح مطلقاً قال في حاشيته: سواء صلى الأكثر كثلاث من أربع أو ركعتين من المغرب، خلافا لأبي حنيفة ومالك، قالوا: لأن للأكثر حكم الكل، أي فمن صلى الأكثر لم يجز أن يقلبه نفلا.стр. 569
لأنه إكمال في المعنى كنقص المسجد للإصلاح (١) لكن يكره لغير غرض صحيح (٢) مثل أن يحرم منفردا فيريد الصلاة في جماعة (٣) ونص أحمد فيمن صلى ركعة من فريضة منفردا ثم حضر الإمام وأقيمت الصلاة، يقطع صلاته ويدخل معهم (٤) فيتخرج منه قطع النافلة بحضور الجماعة بطريق الأولى (٥) . الحواشي
(١) فكذا هنا، ولأن النفل يدخل في نية الفرض أشبه ما لو أحرم بفرض فبان قبل وقته.(٢) أي يكره قلب فرضه نفلا، لغير غرض صحيح، لكونه أبطل عمله، ويصح، صححه في تصحيح الفروع، وعنه يحرم قال القاضي: رواية واحدة، لقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ .(٣) أي فإن كان لغرض صحيح مثل أن يحرم إلخ، ونحوه لم يكره أن يقلبه نفلا ليصلي معهم، بل هو أفضل، قال في الإنصاف وتصحيح الفروع: وهو الصواب إن كان الغرض صلاة الجماعة، بل لو قيل بوجوب ذلك لكان حسنا، قال شيخنا: لكنه لم يقل بالوجوب أحد.(٤) بلفظ الأمر، وعنه يقلبها نفلا، وفاقا، ويتمها خفيفة، ثم يدخل معهم، وهي الرواية المشهورة.(٥) وأولى منه ما يتخرج من الرواية المشهورة أن يتمها خفيفة لقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ .стр. 570
(وإن انتقل بنية) من غير تحريمة (من فرض إلى فرض) آخر (بطلا) (١) لأنه قطع نية الأول ولم ينو الثاني من أوله (٢) وإن نوى الثاني من أوله بتكبيرة إحرام صح (٣) وينقلب نفلا ما بان عدمه (٤) كفائتة فلم تكن (٥) وفرض لم يدخل وقته (٦) (ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة) (٧) . الحواشي
(١) كأن أحرم بالظهر مثلا، وانتقل إلى العصر بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام للفرض الثاني بطلا، يعني الأول والثاني، وفيه تساهل إذا الثاني لم يدخل فيه حتى يقال بطل، بل لم ينعقد بالكلية، ولو قال لم يصح لكان أولى.(٢) أي قطع نية الأول الذي انتقل عنه، ولم ينو الثاني من أوله بتكبيرة الإحرام فلم ينعقد لخلو أوله عن النية، ويصح نفلا إن استمر على نية الصلاة، لأنه قطع نية الفرضية بنية انتقاله عن الفرض الذي نواه أولا دون نية الصلاة فيصير نفلا، لأنه بقي جنس الصلاة في حقه فصحت نفلا، ما لم يقطعها.(٣) وفاقا، كما لو لم يتقدمه إحرام بغيره.(٤) أي وينقلب فرضه نفلا إذا تبين عدم الفرض، لأن نية الفرض تشمل نية النفل، فإذا بطلت نية الفرض بقيت نية مطلق الصلاة، وقال الخلوتي: لعل محله ما لم يكن إماما، أو يضق الوقت.(٥) أي كما لو أحرم بفائتة يظنها عليه، فتبين أنه لم يكن عليه فائتة، فانقلبت نفلا.(٦) أي وكما ينقلب فرض لم يدخل وقته نفلا، لأن الفرض لم يصح، ولم يوجد.(٧) على الأصح عند الأصحاب كالجمعة وفاقا، فينوي الإمام أنه مقتدي به
وعنه: لا تجب نية الإمام وفاقا في غير الجمعة، لحديث ابن عباس، وحديث أنس، وأبي سعيد وغيرهم، كما يأتي فإنها تحصل الجماعة للمأموم وإن لم ينو الإمام الإمامة لأن الغرض حصول الجماعة وقد حصلت بواسطة الاقتداء لأن صلاته حينئذ وقعت جماعة.стр. 571
(و) نية المأموم (الائتمام) (١) لأن الجماعة يتعلق بها أحكام (٢) وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطا (٣) رجلا كان المأموم أو امرأة (٤) وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه فسدت صلاتهما (٥) كما لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمه (٦) . الحواشي
(١) أي يجب أن ينوي المأموم أنه مقتد وفاقا، وفي الإنصاف: يشترط أن ينوي حاله بلا نزاع، ولا يتصور أن المأموم لا ينوي أنه مؤتم، فإن من وجد إماما يصلي أو شخصا يصلي فإن نوى أنه يقتدي به فهو مأموم وقد حصلت له نية الاقتداء، وإن نوى أن يصلي لنفسه، ولم ينو أنه مقتد بذلك الإمام فهو منفرد، أما إذا أحرم بالصلاة منفردا ثم في أثناء الصلاة نوى أن يقتدي بشخص آخر فيأتي.(٢) كوجوب الاتباع وسقوط الفاتحة، والسهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه.(٣) أي إنما تميز الجماعة وغير الجماعة بنية الإمام الإمامة، ونية المأموم الإئتمام فكانت النية في حقهما شرطا ليتميز الإمام عن المأموم، ولأن الجماعة إنما تنعقد بالنية فاعتبرت منهما قياسا لأحدهما على الآخر.(٤) لا فرق نص عليهما.(٥) وعنه أنها صحيحة ويصليان فرادى.(٦) كأمي نوى أن يؤم قارئا وفاسق نوى أن يؤم عدلا وائتم بمن ليس
بإمام وأم من لم يأتم به، وامرأة نوت أن تؤم رجلا، لم تصح صلاة الإمام قال في الفروع: في الأشهر، خلافا للأئمة الثلاثة.стр. 572
أوشك في كونه إماما أو مأموما (١) ولا يشترط تعيين الإمام ولا المأموم (٢) ولا يضر جهل المأموم ما قرأ إمامه (٣) وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو ولم ينو عمرو الإمامة صحت صلاة عمرو وحده (٤) وتصح نية الإمامة ظانا حضور مأموم لا شاكا (٥) (وإن نوى المنفرد الإئتمام) في أثناء الصلاة (لم يصح) (٦) . الحواشي
(١) لم تصح في الأشهر.(٢) لأنه إذا صلى خلف من يصلي بالناس صح، وكذا الإمام بطريق الأولى، وإن عين إماما أو مأموما فأخطأ لم تصح، وقيل: تصح كانصراف الحاضر بعد دخوله، وكذا إن عين جنازة فأخطأ وقال الشيخ: إن عين وقصده: خلف من حضر، وعلى من حضر صح، لأن ﵊ أحرم وحده فجاء جابر وجبار فصلى بهما، رواه مسلم، وصلى في العشر الأخير فصلى بصلاته ناس في المسجد، فدل على جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، قال النووي: وهو صحيح على المشهور من مذاهب أهل العلم.(٣) ولا يخل بصحتها، وقيل: يخل لأنه لا يدري أقرأ الفاتحة أم لا، والمراد: ولا مانع من السماع، لتركه الإنصات الواجب.(٤) مراد هم ولم ينو عمرو من أول الصلاة.(٥) فلا، ولو دخل معه، وإن ظنه لم يحضر، أو حضر ولم يدخل معه لم تصح.(٦) قال في الفروع: على الأصح، وفاقا لأبي حنيفة ورواية عن مالك، ولم تبطل صلاته، ولم يصر إماما كما سيأتي.стр. 573
لأنه لم ينو الإئتمام في ابتداء الصلاة (١) سواء صلى وحده ركعة أو لا، فرضا كانت الصلاة أو نفلا (٢) (كـ) ما لا تصح (نية إمامته) في أثناء الصلاة إن كانت (فرضا) لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة (٣) ومقتضاه أنه يصح في النفل، وقدمه في المقنع والمحرر وغيرهما (٤) . الحواشي
(١) ولتغير نيته الأولى، وعنه يصح للأحاديث الآتية وغيرها، قال في الإنصاف وغيره: إن سبق اثنان فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما جاز، وهو المذهب سواء نوياه حال دخولهما أو لا.(٢) لا حاجة إليه لما يأتي.(٣) وعنه تصح في الفرض وفاقا، وقال غير واحد: هو قول أكثر أهل العلم، واختاره الموفق والشيخ وغيرهما، قال: لو أحرم منفردا ثم نوى الإمامة صحت صلاته فرضا أو نفلا، وهو رواية عن أحمد، اختارها أبو محمد وغيره، لأنه ثبت في النفل من حديث ابن عباس الآتي، والأصل المساواة، والحاجة داعية إلى ذلك، فصح كحالة الاستخلاف، ويؤيده حديث جابر وجبار في الفرض، رواه مسلم، وله من حديث المغيرة في صلاة عبد الرحمن بن عوف، وصلى معه النبي ﷺ ركعة فلما سلم قام النبي ﷺ وقام معه المغيرة فركعا الركعة التي سبقا بها، وحديث عائشة الآتي، وحديث أبي سعيد عند أبي داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وغيره، أنه ﷺ رأى رجلا يصلي وحده وقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه.(٤) قال في الفروع: وهو المنصوص، وفي المقنع: وإن نوى الإمامة صح في النفل، ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح، وهو أصح عندي، قال الشارح: لأنه ثبت في النفل بحديث ابن عباس، والأصل المساواة، ومما يقويه حديث جابر وجبار.стр. 574
لأنه ﷺ قام يتهجد وحده (١) فجاء ابن عباس فأحرم معه، فصلى به النبي ﷺ متفق عليه (٢) واختار الأكثر: لا يصح في فرض ولا نفل (٣) لأنه لم ينو الإمامة في الابتداء، وقدمه في التنقيح وقطع به في المنتهى (٤) (وإن انفرد) أي نوى الانفراد (مؤتم بلا عذر) (٥) كمرض وغلبة نعاس وتطويل إمام (٦) (بطلت) صلاته لتركه متابعة إمامه (٧) . الحواشي
(١) أي يصلي من الليل منفردا، في بيت ميمونة خالة ابن عباس ﵃.(٢) ولمسلم معناه من حديث أنس وجابر، وعن عائشة كان يصلي من الليل وجدار الحجر قصير فرأى الناس شخصه فقاموا يصلون بصلاته، ولحديث جابر وجبار ولدعاء الحاجة إليه كالاستخلاف، فإن الصديق لما جاء النبي ﷺ وهو إمام تأخر واقتدى به ﷺ .(٣) أي اختاره أكثر الأصحاب، لكن القول بصحته فيهما أسعد بالدليل.(٤) وقال في الإقناع: والمنصوص صحة الإمامة في النفل، وهو الصحيح اهـ، وقد تقدم أنه الصحيح أيضا في الفرض، فالنفل أولى، وقال الشافعي وغيره: من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائنا من كان.(٥) بأن أحرم مأوما ثم نوى الإنفراد لغير عذر يبيح ترك الجماعة.(٦) أو شيء يفسد صلاته، أو خوف على أهل أو مال، أو فوت رفقة ونحوه من الأعذار، ويخشى من الإطالة.(٧) بغير عذر، وعنه يجوز، ومال إليها الشارح وغيره.стр. 575
ولعذر صحت (١) فإن فارقه في ثانية جمعه لعذر أتمها جمعة (٢) (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه) لعذر أو غيره (٣) (فلا استخلاف) أي فليس للإمام أن يستخلف من يتم بها، إن سبقه الحدث (٤) . الحواشي
(١) صلاته بلا نزاع ويتمها لحديث جابر قال: صلى معاذ فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت. قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أفتان أنت يا معاذ، مرتين متفق عليه، ومحل إباحة المفارقة لعذر إن استفاد بمفارقته تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه. فإن كان إمامه يعجل ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل لم يجز الانفراد، لعدم الفائدة فيه، ذكره ابن عقيل، قال في الفروع، ولم أجد خلافه ومن عذره الخروج من الصف فله المفارقة مطلقا، وإذا زال عذر مأموم بعد المفارقة لم يلزمه الدخول معه، وله ذلك، وعدم الرجوع أولى، لأنه قد فارق إمامه بوجه شرعي، فيبقى على مفارقته.(٢) إذا كان أدرك الأولى معه، لأن الجمعة تدرك بركعة ويأتي.(٣) لارتباطها بها، فأما لعذر فكأن سبقه الحدث، ولغير عذر كأن تعمد الحدث أو غيره من المبطلات، لقوله: إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة، رواه أبو داود بإسناد جيد، وعنه: لا تبطل ويتمونها فرادى، قدمه في الفروع، وقال: والأشهر جماعة.(٤) أي غلبة الحدث، وعنه لا تبطل صلاة مأموم، وفاقا لمالك والشافعي، ويتمونها جماعة بغيره أو فرادى، كما تقدم، واحتج أحمد بأن معاوية لما طعن صلوا وحدانا قال المجد: لا تختلف الرواية، وفي الإنصاف وغيره: حيث قلنا بصحة صلاة المأموم فله أن يستخلف على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور وفي الصحيح أن عمر أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف لما طعن، فقدمه فأتم بهم الصلاة اهـ قال الشارح: فما عاب عائب ولا أنكر منكر، فكان كالإجماع وقال النووي وغيره: جاء الاستخلاف عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة، ولم يحك ابن المنذر منعه عن أحد، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال الموفق وغيره: وتبطل بترك ركن من الإمام أو شرط أو تعمد المفسد وإلا فلا، وفاقا لمالك، واختاره هو والشيخ وغيرهم وقال في الفروع: على الأصح.стр. 576
ولا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة مأموم (١) ويتمها منفردا (٢) (وإن أحرم إمام الحي) أي الراتب (٣) (وبمن) أي بمأمومين (أحرم بهم نائبه) لغيبته وبنى على صلاة نائبه (وعاد) الإمام (النائب مؤتما صح) (٤) لأن أبا بكر صلى، فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، وتقدم فصلى بهم، متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) بأن سبق المأموم الحدث، أو فسدت صلاته لعذر أو غيره، لأنها غير متعلقة بها.(٢) وإن لم يستدم نية الإمامة، لأنها ليست ضمنا لها، ولا متعلقة بها.(٣) سواء كان الإمام الأعظم أو غيره، والحي القبيلة من العرب.(٤) أي أحرم نائب إمام الحي لغيبة إمام الحي، أو لإذنه ثم حضر في أثنائها إمام الحي، فأحرم بهم، وبني إمام الحي على صلاة نائبه، وعاد الإمام النائب الذي أحرم بالمأمومين أولا مؤتما صح ائتمامه، وائتمام المأمومين.(٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي، والأصل عدم الخصوصية.стр. 577
وإن سبق اثنان فأكثر ببعض الصلاة، فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما (١) أو ائتم مقيم بمثله إذا سلم إمام مسافر صح (٢) .
آخر المجلد الأول من حاشية الروض المربع ويليه المجلد الثاني
وأوله: باب صفة الصلاة. الحواشي
(١) بعد سلام الإمام صح الائتمام، ولا بد أن يكون المؤتم بصاحبه فاته مثل ما فاته، فلو ائتم من فاته ركعتان بمن فاته ركعة أو بالعكس لم يصح الاقتداء.(٢) أي الائتمام، لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة أخرى لعذر، فجاز كاللاستخلاف، وظاهر إطلاقه عدم اشتراط الائتمام حال دخولهما مع الإمام، ومن خرج من صلاته يظن أنه أحدث فيها فتبين له أنه لم يكن أحدث بطلت صلاته، لفسخه نية الصلاة بخروجه منها.стр. 578
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب صفة الصلاة (١)
يسن الخروج إليها بسكينة ووقار (٢) . الحواشي
(١) أي كيفيتها، وهي الهيئة الحاصلة للصلاة، وبيان ما يكره فيها، وأركانها وواجباتها وسننها، وما يتعلق بذلك، إذ الشيء لا يعرف إلا ببيان حقيقته، ولا يوجد إلا بركنه، وعند شرطه، ولا يفعل إلا لحكمه، وحكمها سقوط الواجب عن ذمته في الدنيا، والثواب في الآخرة، إذ حكم الشيء هو ما يفعل لحكمة، والصفة لغة المصدر، يقال وصف الشيء يصفه صفة نعته بما فيه، من: وصف الثوب الجسم إذ أظهر حاله وبين هيئته، والصفة الأمارة القائمة بذات الشيء الموصوف، كالعلم والسواء.(٢) وخوف وخشوع، والسكينة السكون والمهابة، والطمأنينة، والتأني في الخروج، واجتناب العبث، والوقار بفتح الواو: الرزانة والحلم والعظمة بغض الطرف وخفض الصوت، وقلة الإلتفات، وقد وقر يقر وقارا ووقر فهو وقور. وقال القرطبي: الوقار بمعنى السكينة، ذكره على سبيل التأكيد.
وقال النووي: بينهما فرق. فالسكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت، لما في الصحيحين «إذا أتيتم الصلاة» وفي لفظ: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» .
ولمسلم: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» وقال ابن القيم: السكينة هي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف، وجمعية القلب على الله، بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها،
وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب، وسببها مراقبة العبد لربه حتى كأنه يراه اهـ.
وينبغي ألا يتكلم بمستهجن ولا يتعاطى ما يكره، للخبر، وقوله ﴿فاسعوا﴾ أي اقصدوا واهتموا، ليس المراد السعي السريع، وإنما هو الاهتمام بها. وقال أحمد: فإن طمع أن يدرك التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع، ما لم تكن عجلة تقبح. وقال الشيخ: إن خشي فات الجمعة أو الجماعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع، لأن ذلك لا ينجبر إذا فات اهـ. ويسن كونه متطهرا، لقوله ﵊ «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة» رواه أبو داود وغيره، ويستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام، بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة، وقد جاء في فضل إدراكها آثار كثيرة، وأصح ما قيل تدرك به بأن يحضر تكبيرة الإحرام.стр. 579
ويقارب خطاه (١) وإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، واليسرى إذا خرج (٢) . الحواشي
(١) أي يسن ذلك، لتكثر حسناته. لحديث زيد بن ثابت: فقارب في الخطا، ثم قال «لتكثر خطاي في طلب الصلاة» وفي الصحيحين «إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة» ولحديث «دياركم تكتب آثاركم» رواه مسلم ويسن أن يقول إذا خرج من بيته، ولو لغير الصلاة: ما رواه الترمذي وغيره. وصححه «بسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» وما رواه مسلم «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، واعطني نورا» وغير ذلك مما ورد.(٢) أي يسن تقديم رجله اليمنى عند دخول المسجد، لما تقدم أنه صلى الله عليه
وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله، ويأمر به، وكذا يسن تقديم اليسرى عند الخروج من المسجد، فإن قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر.стр. 580
ويقول ما ورد (١) ولا يشبك أصابعه (٢) . الحواشي
(١) أي ويسن أن يقول ما ورد عند دخوله، ومنه «بسم الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج قال «وافتح لي أبواب فضلك» وهذا الدعاء ثابت في بعض الأصول، والفرق بين المحلين أن المساجد محل تنزل الرحمة، وخارج المسجد محل طلب الرزق، وهو فضل من الله وإحسان، فناسب في كل مكان طلب ما يليق به، وفي جامع المسانيد لابن كثير «وأغلق عني أبواب سخطك وغضبك، واصرف عني الشيطان ووسوسته» و «إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» متفق عليه.(٢) لحديث أبي سعيد «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان» رواه أحمد، ولحديث كعب، رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج بين أصابعه رواه الترمذي. وقال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم، وما ورد من تشبيكه ﷺ فليس بينه وبين ما جاء من النهي عنه معارضة، لأن النهي إنما جاء عن فعله في الصلاة، أو المضي إليها. وفعله ﷺ ليس في الصلاة ولا في المضي إليها وقال النووي وغيره: اتفق أهل العلم على كراهة تشبيكه الأصابع في طريقه إلى المسجد، وفي المسجد يوم الجمعة وغيره، وسائر أنواع العبث ما دام قاصدا الصلاة، أو منتظرها. لحديث كعب وغيره، ولا يخالف ما ثبت أنه شبك أصابعه في المسجد بعدما سلم من الصلاة، لأن النهي في حق المصلي وقاصد الصلاة، بخلاف من قام إلى ناحية المسجد يعتقد أنه ليس في صلاة اهـ. وإذا كان ينتظر الصلاة فلا يشبك، جمعا بين الأخبار، وكذلك لا يفرقع أصابعه لأنه من العبث.стр. 581
ولا يخوض في حديث الدنيا (١) ويجلس مستقبل القبلة (٢) (ويسن) للإمام فالمأموم (القيام عند) قول المقيم: (قد من إقامتها) أي من قد قامت الصلاة (٣) لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، رواه ابن أبي أوفى (٤) . الحواشي
(١) أي لا يفيض، من خاض في الماء: دخل فيه، وفي الحديث «فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وفي الحديث أيضا «سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة» وفي لفظ «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم، فلا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة» .(٢) لأنه خير المجالس للخبر، وتقدم استحباب استقبالها في كل طاعة إلا لدليل.(٣) هذا المذهب، وهو من المفردات، والمراد قيام غير مقيم إلى الصلاة، لأنه يأتي بها قائما، وقال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل الحرمين، ولأنه خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا. قال في المبدع: والمراد بالقيام إليها هو التوجه إليها، ليشمل العاجز عنه.(٤) ... وكان ابن عمر لايقوم حتى يسمع " قد قامت الصلاة " وعن أنس نحوه، وفي صحيح مسلم: كانت الصلاة تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه.
وفي رواية: كان لا يقيم حتى يخرج، فأول ما يراه يشرع في الإقامة، فإذا رأوه قاموا. وعن سعيد ابن المسيب: إذا قال المؤذن «الله أكبر» ، وجب القيام، وروى عبد الرازق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الناس كانوا
ساعة يقول المؤذن: «الله أكبر» ، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي صلى
الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف. وقال مالك: لم أسمع في
قيام الناس إلى الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس،
فإن فيهم الثقيل والخفيف. وذكر القاضي عياض عن مالك وعامة العلماء: يقومون بشروعه في الإقامة، فإن بلالا لا يقيم إلا إذا رآه، ثم إذا رأوه قاموا، وتقدم، وهذا مذهب أحمد وإسحاق وغيرهما. وكان عمر بن عبد العزيز وغيره يقومون في أول بدئه في الإقامة. قال بعض الأصحاب: وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم جلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد لأن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، لما روى الخلال عن ابن أبي ليلى أنه ﵊ جاء وبلال في الإقامة فقعد.
وروي عن أحمد، والأولى للداخل عند الإقامة أو قربها أن يستمر قائما، لتحريم الجلوس من غير صلاة من غير وجه، ولم يثبت خلافه، وغلط النووي وغيره من قال يجلس، وابن أبي أوفى هو عبد الله بن أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي شهد الحديبية، وعمر دهرا، ومات بالكوفة سنة سبع وثمانين.стр. 582
وهذا إن رأى المأموم الإمام (١) وإلا قام عند رؤيته (٢) ولا يحرم الإمام حتى تفرغ الإقامة (٣) . الحواشي
(١) أو علم قربه، لقوله «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت» متفق عليه. وأشار الشارح إلى أن كلام الماتن جار على غير الصحيح من المذهب، وهو كذلك، جزم به في الإنصاف وغيره، وصححه المجد وغيره، وشاهده الخبر، وما مشى عليه الماتن هو رواية عن أحمد، وهو ظاهر المقنع والوجيز وغيرهما.(٢) أي وإلا يرى المأموم والإمام عند قول المؤذن: «قد قامت الصلاة» . قام عند رؤية إمامه، للخبر المتقدم.(٣) أي لا يكبر الإمام تكبيرة الإحرام حتى يفرغ المقيم من الإقامة، لأنه ﵊ يسوي الصفوف بعد الإقامة. رواه البخاري. وفرغ من باب قعد، ومن باب تعب لغة لبني تميم.стр. 583
(و) تسن (تسوية الصف) بالمناكب والأكعب (١) فيلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم الله. وعن يساره كذلك (٢) ويكمل الأول فالأول (٣) . الحواشي
(١) عند الإقامة وبعدها. لحديث «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه. ولهما «لتسون صفوفكم أو ليخالفكن الله بين وجوهكم» وذلك بعدما كاد أن يكبر. وفي الصحيحين «أقيموا صفوفكم» الحديث. قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه. ولأحمد «سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم» ولغيرها من الأحاديث والآثار، وظاهر كلام الشيخ وجوب التسوية، للخبرين وغيرهما. والأمر بتعديل الصفوف متواتر لا خلاف فيه. وقال: من ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه، لا نفي وجوبه، والمناكب مجتمع رأس الكتف والعضد، واحدها منكب بفتح الميم وكسر الكاف، والأكعب المفاصل بين الساق والقدم، والتسوية المسنونة محاذاتها دون أطراف الأصابع.(٢) أي يقول: استووا. وفي الرعاية: اعتدلوا. لحديث أبي مسعود: كان يمسح مناكبنا في الصلاة. ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» رواه مسلم. ولقوله «اعتدلوا وسووا صفوفكم» رواه أبو داود. ولحديث أنس: كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا وهكذا. عن يمينه وعن شماله «استووا وتعادلوا» وكذا خلفاؤه. وكان عثمان وعلي يتعاهدان ذلك، ويقولان: استووا.
وكان علي يقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، والأولى ترك زيادة: رحمكم الله، لعدم ورودها.(٣) أي ويسن أن يكمل المأمومون الصف الأول فالأول الذي يليه وهكذا، حتى ينتهوا، فلو ترك القادر الأول فالأول كره، للأخبار، إلا مع البعد، فسماع الإمام ورؤية أفعاله أفضل ممن بالأول أو اليمين، لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أفضل من المتعلقة بمكانها.стр. 584
ويتراصون (١) وميمنة والصف الأول للرجال أفضل (٢) . الحواشي
(١) أي يسن تراص المأمومين في الصف، لقوله: «سووا صفوفكم وتراصوا» رواه البخاري. وفيه أيضا «رصوا صفوفكم» أي لاصقوها، حتى لا يكون بينكم فرج. وفيهما «أقيموا صفوفكم وتراصوا» ولأبي داود وغيره «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق» فالمراصة التصاق بعض المأمومين ببعض، وأصله تراصصوا من: رص الشيء يرصه رصا ألزق بعضه ببعض، وقال الخطابي وغيره: تراصوا تضاموا وتدانوا، ليتصل ما بينكم، وكذا يسن سد خلل الصفوف.
لحديث «سووا صفوفكم، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطعه قطعه الله» رواه أبو داود بسند صحيح، ولأحمد نحوه، ولغير ذلك من الأحاديث.(٢) أي يمين الإمام أفضل من يساره. لحديث عائشة «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» رواه أبو داود، ويمين الإمام يصدق على الملاصق، وعلى من وراءه من يمين كل صف. قال في الفروع: ويتوجه احتمال أن بعد يمينه ليس أفضل من قرب يساره، ولعله مرادهم، ومن قرب من الإمام من أيسر الصف فنحو ثلاثة أفضل من الأيمن نحو عشرة، والصف الأول للرجال أفضل من الذي خلفه، ولو قطع الأول المنبر، لقوله ﷺ «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه.
وقوله: «خير صفوف الرجال أولها» رواه مسلم. أي أكثرها أجرا، وقوله «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصف الأول» قالوا: وعلى الثاني؟ قال في الرابعة «وعلى الثاني» رواه أحمد. وقوله «لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار» رواه أبو داود. وقد تواترت به الآثار. قال في الفروع: وظاهر كلامهم يحافظ عليه، وإن فاتته الركعة. قال: ويتوجه المحافظة على الركعة من نصه على التكبيرة الأولى اهـ. ولأن إدراك الركعة أفضل، فإن نفس العبادة أولى من مكانها.стр. 585
وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتصلت الصفوف (١) وكلما قرب منه فهو أفضل (٢) والصف الأخير للنساء أفضل (٣) (ويقول) قائما في فرض مع القدرة (الله أكبر) (٤) . الحواشي
(١) لاقتدائهم به. قاله الوزير وغيره. وقوله: ما اتصلت، أي مدة دوامها متصلة، فـ (ما) هنا مصدرية ظرفية، أي فيكون كل إنسان في الأول له ثوابه وثواب الذي يليه، والثاني له ثواب الثالث وما بعده، ومن وقف وراء الإمام فهو أفضل، ولو كان في آخر الصف ممن هو على يمين الإمام ملتصقا به، لأن العبرة بما خلف الإمام، ومن تقدم على الإمام إلى الكعبة في غير جهته فصلاته صحيحة بلا خلاف. ولكن منزلته في الفضيلة كمن وقف بجانب الإمام.(٢) لقوله ﵊ «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» رواه مسلم. وقال الشيخ: وقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام، لأن الأول صفة في نفس العبادة فهي أفضل من مكانها.(٣) لقوله «وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» أي أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها عن مطلوب الشرع، فيسن تأخيرهن. وروي «أخروهن حيث أخرهن الله» والمراد صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، أما إذا صلين متميزات عن الرجال، فهن كالرجال.
وليس بين الإقامة والتكبير دعاء مسنون، قيل لأحمد: تقول قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا. إذ لم ينقل عن النبي ﷺ ولا على أحدٍ من الصحابة.(٤) أي يقول الإمام ثم المأموم، وكذا المنفرد، قائما منتصبا بين يدي الرب ﵎. مستقبل القبلة، مستشعرا حضور المتوجه إليه، شاهدا بقلبه قيوميته وكبريائه، متخليا عن الشواغل، متهيئا للدخول على الله، دخول العبد على الملك
بالتعظيم والإجلال: الله أكبر. والراء ساكنة، والقيام مع القدرة ركن في الفرض بإجماع المسلمين، لا تصح إلا به. قال النووي وغيره: من استحله، أو قال ليس بفرض يكفر انتهى، وليس ركنا في النفل إجماعا، والله أكبر من كل شيء أي: أعظم، أو أكبر: كبير، أو الكبير على خلقه، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بوحدانيته، والكبير العظيم المتعالي، و (أكبر) أفعل تفضيل، وهو لا يستعمل مجردا من الألف واللام إلا مضافا، أو موصولا بمن لفظا أو تقديرا، وتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، وأكبر من أن يذكر بغير المدح والتمجيد والإثناء الحسن، وحكمة الاستفتاح بها ليستحضر عظمة من يقف بين يديه، وأنه أكبر شيء يخطر بباله، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل قلبه بغيره، ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه. وروى ابن ماجه عن حذيفة مرفوعا «إن الرجل إذا دخل في صلاة أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء» وفي الأثر «لو يعلم من يناجي ما انفتل» ولابن خزيمة «إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه؟» ونظائره كثيرة، ومناجاة الرب تعالى أرفع وأشرف درجات العبد، وعن أنس مرفوعا «اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكره حري أن يحسنها، وصل صلاة من يظن أن لا صلاة غيرها» حسنه الحافظ، وعن أم سلمة، قال: «فليصل صلاة مودع» ولمسلم «ألا ينظر المصلي كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه» وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرغ قلبه لها، ويشتغل بها عما عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال ﷺ : «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وقال لبلال «أرحنا بالصلاة» .стр. 586
فلا تنعقد إلا بها نطقا (١) لحديث: «تحريمها التكبير» (٢) رواه أحمد وغيره (٣) . الحواشي
(١) أي لا تنعقد الصلاة إلا بقول مصل: الله أكبر. إذا قدر عليها، لما فيها من التعظيم والتخصيص، وغيرها لا يقوم مقامها، بل ولا يؤدي معناها. كما قال ابن القيم وغيره، فلا تنعقد الصلاة إلا بها، ولا يجزئه غيرها، وعليه عوام أهل العلم، مالك والشافعي وجمهور السلف والخلف، لنقلهم ذلك نقلا مشهورا، أنه لا يدخل في الصلاة إلا بقوله: الله أكبر. ولما نقل عن بعضهم أنه سنة أو أنه يكفي مجرد النية. قال النووي: لا يصح عنهم مع هذه الأحاديث، ولا تجزئ بغير العربية إجماعا.(٢) أي تحريم ما كان حلالا قبلها كالأكل والكلام ونحو ذلك حاصل بالتكبير، وقد جعل الله لكل عبادة تحريما يدخل منه إليها، فكأن المصلي إذا كبر ودخل في الصلاة كان ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير تحريم، لمنعه المصلي من ذلك. قال الجوهري: وأحرم الرجل دخل في حرمة لا تنتهك، وسميت تكبيرة الإحرام أي الإحرام بالصلاة.(٣) فرواه أبو داود والترمذي وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب، والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ولقوله «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» وقوله «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، ويستقبل القبلة ويقول: ألله أكبر» وحديث: «كان إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال: ألله أكبر ولم ينقل أنه كان يستفتح الصلاة بغير لفظ " ألله أكبر"» وقال شيخ الإسلام: ثبت بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين أن النبي ﷺ والصحابة كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير. قال ابن القيم: يتعين ألله أكبر. وذكر الأخبار ثم قال: ولو انعقدت بغيره لفعلها في عمره ولو مرة واحدة.стр. 587
فلا تصح إن نكسه (١) . أو قال: الله الأكبر أو الجليل ونحوه (٢) أو مد همزة ألله أو أكبر (٣) أو قال: إكبار (٤) وإن مططه كره مع بقاء المعنى (٥) فإن أتى بالتحريمة أو ابتدأها (٦) . الحواشي
(١) بأن قال: أكبر الله، لأنه لا يكون تكبيرا.(٢) كالكبير والعظيم، أو ألله، أو أكبر، فقط، فإن زاد على التكبير كالله أكبر كبيرا أو ألله أكبر وأعظم، أو أجل، ونحوه كره لأنه محدث.(٣) لم تنعقد وفاقا، لأنه يصير استفهاما، أو زاد بين الكلمتين واوا ساكنة، أو متحركة.(٤) لم تنعقد وفاقا، لأنه جمع كبر بفتح الكاف وهو الطبل.(٥) جزم به في الفروع، ومططه مدده، من مط الشيء يمطه مطا مده، شدد للمبالغة، والمط والمطو والمد واحد، فإن تغير المعنى بأن مد في غير موضع المد لم يجز إجماعا، ويلزم جاهلا تعلمها. قال في الإنصاف: بلا نزاع من حيث الجملة. فإن عجز أو ضاق الوقت كبر بلغته، لقوله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويحرم أخرس ونحوه بقلبه، ولا يحرك لسانه. اختاره الشيخ. وقال: لو قيل ببطلان صلاته بذلك لكان أقرب اهـ. وكذا حكم القرآن، وباقي الأذكار، وإن أحسن البعض أتى به، لقوله «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وقيل: المسائل التي يعرف بها فقه الإمام ثلاث: أحدها أن يخفف إحرامه وسلامه، أي يسرع فيهما، لئلا يشاركه المأموم فيهما فتبطل صلاته، وتقصير الوسطى، ودخول المحراب بعد الإقامة.(٦) يعني غير قائم. بأن قال- وهو قاعد في فرض أو راكع ونحوه-: ألله أكبر.
أو ابتدأها قاعدا ثم أتمها قائما، صحت نفلا إن اتسع الوقت.стр. 588
أو أتمها غير قائم صحت نفلا إن اتسع الوقت (١) ويكون حال التحريمة (رافعا يديه) ندبا (٢) فإن عجز عن رفع إحداهما رفع الأخرى (٣) مع ابتداء التكبير وينهيه معه (٤) . الحواشي
(١) لإتمام النفل والفرض كله قبل خروج الوقت، إلا استأنف الفرض قائما.(٢) أي ويكون المصلي من إمام ومأموم ومنفرد حال التحريمة في فرض أو نفل رافعا يديه معا مع القدرة ندبا بغير خلاف. وقال ابن المنذر: لا يختلف أهل العلم في أن النبي ﷺ يرفع يديه، وليس بواجب وفاقا. وقال ابن عمر: زينة الصلاة. وقال الشافعي وغيره: تعظيم لله تعالى واتباع لسنة نبيه ﷺ ، واليدان هنا الكفان، فإن اليد إذا أطلقت اقتضت الكف، أومأ إليه أحمد، فلو قطعت يده من الكوع رفع الساعد، أو من المرفق رفع العضد، والمندوب في اللغة المدعو إليه، والندب هو الدعاء، وعند الفقهاء ما تعلق الثواب بفعله، ولا يتعلق العقاب بتركه. وقيل: كل ما لا لوم على تركه.(٣) لقوله «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استعطتم» .(٤) أي يبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير، وينهيه مع إنهائه، لأن الرفع للتكبير، فكان معه، هذا المذهب، وروى أحمد وأبو داود من حديث وائل بن حجر: كان يرفع يديه مع التكبير، وقضيته المعينة أنه ينتهي بانتهائه، وصححه في شرح المهذب، وهو المرجح عند المالكية، وفي الصحيحين عن ابن عمر: كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر، فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا استصحاب في انتهائه، وصححه النووي في شرح الروضة ومسلم، لأنه لا حد لانتهائه، وقال: لا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو العكس تمم الباقي اهـ. ويرفعهما قبله ثم يكبر نص عليه، لخبر ابن عمر الآتي وغيره، وثبت تقديم التكبير على الرفع، لكن قال حافظ وغيره: لم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع.стр. 589
(مضمومتي الأصابع ممدودة) الأصابع (١) مستقبلا ببطونها القبلة (٢) (حذو) أي مقابل (منكبيه) (٣) لقول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر. متفق عليه (٤) . الحواشي
(١) لقول أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مدا.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد حسن.(٢) وفاقا للشافعي. وقيل: قائمة حال الرفع والحط، وهو رواية عن مالك.(٣) وإبهاميه عند شحمتي اذنيه جمعًا بين الاخبار وفقًا للجمهور مالك والشافعي وغيرهما. وقال النووي: مذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه، شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه. وبهذا جمع الشافعي وغيره بين روايات الأحاديث، واستحسنه الناس منه. أو إلى فروع أذنيه، وحذاء أي إزاء، من حذوته أحذوه حذوا، وحاذيته محاذاة، من باب قاتل، وهي الموازاة، وعنه يخير وهي أشهر، قال ابن القيم: وكان يرفع يديه مع التكبير ممدودة الأصابع مستقبلا بها القبلة إلى فروع أذنيه، وروي إلى منكبيه، ولم يختلف عنه في محل هذا الرفع.(٤) ولحديث وائل وابن عمر المتقدمين. ولحديث علي: إذا قام إلى الصلاة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه. صححه الترمذي. ولحديث مالك: كبر ورفع يديه. وحديث أبي حميد وغيرهم في خمسين صحابيا منهم العشرة ﵃. قال الحاكم: لا نعلم سنة اتفقوا على روايتها غير هذه، واستدلال الشارح بخبر ابن عمر صريح في أن التكبير إنما هو بعد رفع اليدين، كما هو معلوم من أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، وذكره في المتفق عليه، وكذا صاحب المنتقى، وهذا لفظ مسلم والسنن.стр. 590
فإن لم يقدر على الرفع المسنون رفع حسب إمكانه (١) ويسقط بفراغ التكبير كله (٢) وكشف يديه هنا وفي الدعاء أفضل (٣) ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه (٤) (كالسجود) يعني أنه يسن في السجود وضع يديه بالأرض حذو منكبيه (٥) .
(ويسمع الإمام) استحبابا بالتكبير كله (من خلفه) من المأمومين ليتابعوه (٦) وكذا يجهر بـ «سمع الله لمن حمده» (٧) . الحواشي
(١) أو لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما، لإتيانه بالسنة وزيادة هو مغلوب عليها، أو كانا في ثوبه رفعهما حيث يمكن.
لحديث وائل: أتيت النبي ﷺ في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم، رواه أبو داود.
وفي رواية: فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تتحرك أيديهم تحت الثياب.(٢) يعني رفع اليدين، لأنه سنة فات محلها، ثم يحطهما من غير ذكر.(٣) لأن كشفهما أدل على المقصود، وأظهر في الخشوع.(٤) ذكره ابن شهاب، أو ليستقبل بجميع بدنه، وفي التمهيد وغيره: ورفعهما عند أهل العلم تعظيم لله تعالى، وابتهال إليه، واستسلام له، وخضوع للموقوف بين يديه، واتباع لسنة رسول الله ﷺ .(٥) لحديث أبي حميد الآتي وغيره.(٦) فيه لقوله: «إذا كبر فكبروا» و «يسمع» من سمعه بالتشديد، أو أسمعه أي جعله يسمعه.(٧) أي وكذا يستحب لإمام أن يجهر بقول: سمع الله لمن حمده، ليحمد
المأمومون عقبه، لقوله ﵊ «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» ولا يسن جهره بالتحميد، بل يقوله سرا، و (يجهر) بفتح الياء، ويجوز ضمها، يقال جهر بالقراءة ونحوها، وأجهر إذا أعلنها.стр. 591
والتسليمة الأولى (١) فإن لم يمكن إسماع جميعهم جهر به بعض المأمومين (٢) لفعل أبي بكر معه ﷺ متفق عليه (٣) (كقراءاته) أي كما يسن لإمام أن يسمع قراءته من خلفه (٤) (في أولتي غير الظهرين) أي الظهر والعصر (٥) . الحواشي
(١) أي يسن للإمام الجهر بالتسليمة الأولى، ليتابعه المأمومون في السلام، وكذا بالثانية، اختاره ابن حامد وغيره، لئلا يسابق المأموم الإمام، ولا يقوم قبل تمام الصلاة.(٢) ليسمع من لا يسمع الإمام، لنحو بعد أو كثرة.(٣) من حديث أنس وعائشة وجابر وغيرهم. قال جابر: صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ خلفه فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر ليسمعنا، ولا تبطل به الصلاة، وإن قصد الإعلام، وذكر البرزلي وغيره أن مذهب الجمهور جواز صلاة المسمع، والاقتداء به، وأنه جرى عليه العمل في الأعصار، والعلماء متوافرون. قالوا: وبالجملة فما عليه السلف والخلف من جواز هذا القول حجة بالغة على من خالفهم. وقال الشيخ: إذا كان الإمام يبلغ صوته المأمومين كلهم لم يستحب لأحد المأمومين التبليغ باتفاق المسلمين، لعدم الحاجة إليه.(٤) ليتابعوه، وليحصل لهم استماع قراءته.(٥) غلب أحد الاسمين على الآخر، كالعمرين والقمرين.стр. 592
فيجهر في أولتي المغرب والعشاء والصبح والجمعة والعيدين والكسوف والإستسقاء والتراويح والوتر بقدر ما يسمع المأمومين (١) (وغيره) أي غير الإمام وهو المأموم والمنفرد ليس بذلك كله (٢) . الحواشي
(١) إجماعا في غير كسوف، وفيه عند الجمهور، لفعله ﵊، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، والإسرار فيما عدا ذلك ثبت بإجماع المسلمين، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك، والحكمة في الجهر- والله أعلم- ما ذكره ابن القيم وغيره أن الليل مظنة هدوء الأصوات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم، ومحل مواطأة القلب اللسان، ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر، لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل، فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله تمكن فيه، ولما كان النهار بضد ذلك، كان الأصل في القراءة فيه الإسرار إلا لعارض راجح، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والإستسقاء والكسوف، فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم، وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة.(٢) أي التكبير والتسميع، والسلام والقراءة، لأنه لا حاجة إليه، وربما لبس على المأمومين إلا أنه يخير منفرد، وقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه بين جهره بالقراءة وإخفائه بها، وفي الإنصاف: لو قضى صلاة سر، لم يجهر فيها، سواء قضاها ليلا أو نهارا، لا أعلم فيه خلافا، وحكاه الشارح وغيره، وإن قضى صلاة جهر ليلاً جهر فيها ولا أعلم فيها خلافًا ونهارا لم يجهر على الصحيح من المذهب، وقال النووي: يسن للمنفرد كالإمام، وهو مذهب مالك والشافعي.
قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة، فجهر المنفرد عنده وإسراره سواء. والمرأة إذا صلت بالنساء جهرت بالقراءة، وإلا فلا تجهر إذا صلت وحدها، ويجوز إن لم يسمعها أجنبي.стр. 593
لكن ينطق به بحيث يسمع (نفسه) وجوبا في كل واجب (١) لأنه لا يكون كلاما بدون الصوت، وهو ما يتأتى سماعه (٢) حيث لا مانع، فإن كان، فبحيث يحصل السماع مع عدمه (٣) (ثم) إذا فرغ من التكبيرة (يقبض كوع يسراه) بيمينه (٤) . الحواشي
(١) وكذا يجب على كل مصل نطق بكل ركن، كتكبيرة إحرام وتشهد أخير وسلام، وواجب كتسميع وتحميد، وباقي تكبير وتشهد أول.(٢) أي الصوت، وأقرب السامعين إليه نفسه، فيجب بقدر ما يسمعها، واختار الشيخ الاكتفاء بالحروف، وإن لم يسمعها، وهو وجه في المذهب، وقدمه في الفروع، ومال إليه في الإنصاف، واختاره الكرخي وغيره. قال الشيخ: يجب أن يحرك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة ونحوها مع القدرة. ومن قال: إنها تصح بدونه. يستتاب.(٣) أي حيث لا مانع من السماع كصمم، فإن كان ثم مانع فإنه يجب الجهر بالركن والواجب بحيث يحصل السماع مع عدم المانع، وكذا الأخرس ونحوه كمقطوع اللسان يحرم ونحوه بقلبه، ولا يحرك لسانه حركة مجردة، ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب، لأنه عبث ينافي الخشوع، وزيادة على المشروع.(٤) لحديث وائل: وضع يده اليمنى على اليسرى. رواه مسلم وغيره. ولأحمد وأبي داود بسند صحيح: ثم وضع كفه اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد. ونحوه عن ابن مسعود، وفي الصحيح عن سهل: كانوا يأمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، وفي الترمذي وحسنه: كان يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. وقال ابن الزبير: وضع اليد على اليد من السنة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى متواتر عن النبي ﷺ . قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم.
وقال الوزير: وأجمعوا على أنه يسن وضع اليمين على الشمال في الصلاة، إلا في إحدى الروايتين عن مالك، فقال مباح، والأخرى مسنون.
وقال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك وغيره اهـ.
وإذا أرسلها أرسلها إرسالا خفيفا، ثم يضع اليمنى على اليسرى، وصححه النووي وغيره، وقيل يرسلهما ثم يرفعهما، فيضع اليمنى على اليسرى، والكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام، من باب باع، وجمعه أكواع، والزند زندان الكوع والكرسوع، قال بعضهم:
وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصر كرسوع والرسغ ما وسط
وعظم يلي إبهام رجل ملقب ... ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلطстр. 594
ويجعلها (تحت سرته) استحبابا (١) لقول علي: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة. رواه أحمد وأبو داود (٢) . الحواشي
(١) ذلا بين يدي ربه ، والسرة هي الموضع الذي في وسط البطن يقطع منه السر بعد الولادة.
وحكى النووي وغيره عن العلماء أن الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع.(٢) تقدم أن قول الصحابي: من السنة، له حكم الرفع، لكن قال النووي هذا الأثر اتفقوا على ضعفه، وعنه: على صدره، وفاقا لمالك والشافعي، لحديث وائل: رأيت رسول الله ﷺ يصلي فوضع يديه على صدره إحداهما على الأخرى، صححه ابن خزيمة وغيره، وحديث هلب وفيه: ورأيته يضع هذه على صدره، رواه أحمد.
قال النووي: ورواتهما كلهم ثقات، ولم يثبت عن النبي ﷺ فوق السرة أو تحتها شيء، وصحح عن علي ﵁ من فعله فوق السرة.
ويعضده ما رواه أبو داود في المراسيل عن طاوس وقال
ابن القيم في كتاب الصلاة لما ساق صفة صلاته ﷺ : ثم كان يمسك شماله بيمينه فيضعها عليها فوق المفصل ثم يضعهما على صدره، وقال في موضع آخر لم يصح موضع وضعهما وعنه مخير لأن الجميع مروي، والأمر فيه واسع، واختاره في الإرشاد والمحرر وحكي عن مالك.стр. 595
(وينظر) المصلي استحبابا (مسجده) أي موضع سجوده لأنه أخشع (١) إلا في صلاة خوف لحاجة (٢) (ثم) يستفتح ندبا (٣) . الحواشي
(١) وأكف لبصره، وأبلغ في الخضوع، وكان ﵊ إذا دخل في الصلاة طأطأ رأسه، وقال أبو هريرة، كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما أنزل الله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم، ويأتي النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فيما يكره فيها، وقد أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات، وتقريب نظره، وقصره على ما بين يديه، ومسجد بفتح الميم وكسر الجيم وتفتح موضع السجود نفسه، وقال الليث: اسم جامع حيث سجد عليه، وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ومنه المسجد للجامع.(٢) إذا كان العدو في جهة القبلة، وكذا إذا اشتد الخوف، أو كان خائفا من سيل أو سبع، أو فوات الوقوف بعرفة، أو ضياع مال ونحو ذلك، مما يحصل به الضرر إذا نظر إلى موضع سجوده، وكذا في حال تشهده، فينظر إلى سبابته لحديث، وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته، رواه أحمد وغيره، وفي الغنية: يكره إلصاق الحنك بالصدر.(٣) أي مسنونا عند جمهور الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، لما ثبت من الأحاديث الصحيحة وفي المذهب قول بوجوبه، وخالف مالك ﵀
والأحاديث الصحيحة متظاهرة بإثباته، وكذا جهر عمر به وخلفه الصحابة حجة عليه، واستفتح بمعنى فتح، وفاتحة الشيء أوله الذي يفتح به.стр. 596
فـ (يقول: سبحانك اللهم) أي أنزهك اللهم عما لا يليق بك (١) (وبحمدك) سبحتك (٢) (وتبارك اسمك) أي كثرت بركاته (٣) (وتعالى جدك) أي ارتفع قدرك وعظم (٤) . الحواشي
(١) من النقائص والرذائل، وأصل التسبيح التنزيه والتقديس، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعا، يقال: سبحته أسبحه تسبيحا وسبحانا قدسته، فسبحان اسم مصدر، منصوب بفعل مقدر، لا يجوز إظهاره، ولا يستعمل إلا مضافا.(٢) ويقال الواو عاطفة على محذوف، تقديره: سبحتك بكل ما يليق تسبيحك به، وبحمدك سبحتك، وبنعمتك التي توجب علي حمدا سبحتك، لا بحولي ولا بقوتي، ويشاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب، سالما من كل نقص، محمودا بكل حمد، وحمده يتضمن وصفه بكل كمال.(٣) تبارك أي كمل وتعاظم وتقدس، جاء بناؤها على السعة والمبالغة فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له ، ومن قال: تبارك بمعنى ألقي البركة وبارك فيه، فلم يصب، وإن كان من لوازم كونه متبارك، فإن (تبارك) من باب مجد، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة والفضل.(٤) أي شأنك و (جد) بفتح الجيم العظمة والحظ والسعادة والغناء، وتعالى تعاظم، جاء على بناء السعة والمبالغة، فدل على كمال العلو ونهايته، وقدرك بسكون الدال وفتحها أي علا جلالك وارتفعت عظمتك، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنك على كل شأن، وقهر سلطانك كل سلطان.стр. 597
(ولا إله غيرك) أي لا إله يستحق أن يعبد غيرك (١) كان ﵊ يستفتح بذلك، رواه أحمد وغيره (٢) . الحواشي
(١) فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات، التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع.(٢) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، وفي صحيح مسلم أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يعلمهن الناس في مسجد رسول الله ﷺ بحضرة الأكابر، ولولا أن النبي ﷺ كان يقولها في الفريضة، ما فعل ذلك عمر، وأقره المسلمون، وروي عن أبي بكر وابن مسعود، قال المجد: واختيار هؤلاء وجهر عمر به يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان يداوم عليه النبي ﷺ غالبا، وقال الضحاك والربيع وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي إلى الصلاة سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ولاشتماله على أفضل الكلام بعد كتاب الله، ولأنه أخلص في الثناء على الله، وغيره من الاستفتاحات وإن كانت أصح منه، فإنما هي متضمنة للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، وعامتها في قيام الليل، وقال أحمد: إنما هي عندي في التطوع، ولأنه إنشاء للثناء على الرب، متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وغير ذلك مما يرجع الأخذ به، ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد، قال الشيخ: الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين، ولم يكن ﷺ يداوم على استفتاح واحد قطعا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة بكل نوع منها أحيانا، كالاستفتاحات ولأحمد ﵀ أصل مستمر في جميع صفات العبادات قوليها وفعليها، يستحسن كل ما ثبت عنه ﷺ من غير كراهة لشيء منه، ولا يستحب أن يجمع بينها بل هذا تارة، وهذا تارة، وصوبه في الإنصاف.стр. 598
(ثم يستعيذ) ندبا (١) فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢) (ثم يبسمل) ندبا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم (٣) . الحواشي
(١) وهو سنة عند عامة السلف للآيات والأخبار، وأوجبة عطاء، والثوري، لقوله تعالى ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ ولمواظبة النبي ﷺ عليها، ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واستحبه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وحكى الإجماع عليه ابن جرير وغيره.(٢) أي ألجأ إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم المطرود المبعد عن رحمة الله، لا يضرني في ديني ولا في دنياي، والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس من: شطن أي بعد لبعده من الخير، وقيل من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، وإذا أطلق: إبليس، والرجيم بمعنى المرجوم، أي المطرود المبعد، وقيل: بمعنى راجم أي يرجم غيره بالإغواء، وتقدم نحوه، والتعوذ بهذا اللفظ مجمع عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت القراءة فإنك إذا استعذت بالله فقد أويت إلى ركنه الشديد، واعتصمت بحوله وقوته من عدوك الذي يريد أن يقطعك عن ربك، ويباعدك من قربه، فإن حقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فإنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها، حتى يذكره ما لم يكن يذكره من قبل، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم، واستعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالعجز عن مقاومة هذا العدو الذي يريده وهو لا يراه، بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، وكيفما تعوذ من الوارد فحسن، واختار الشيخ التعوذ أول كل قراءة.(٣) إجماعا قبل الفاتحة، إلا ما روي عن مالك مع أنه وافق في السورة، حتى قيل بوجوبها، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، فتأكد الندب.стр. 599
وهي قرآن، آية منه، نزلت فصلا بين السور (١) غير براءة فيكره ابتداؤها بها (٢) ويكون الاستفتاح والتعوذ بالبسملة (سرا) (٣) ويخير في غير صلاة في الجهر بالبسملة (٤) (وليست) البسملة (من الفاتحة) (٥) . الحواشي
(١) وقبل الفاتحة على الأصح، واحتج أحمد بأن الصحابة أجمعوا على هذا في المصحف، وهي بعض آية في النمل.(٢) لأنها مع الأنفال كالسورة الواحدة، قرنت قصتها بقصتها، ولم يذكر بينهما بسملة باتفاق الناس، ولنزولها بالسيف.(٣) أما الاستفتاح والتعوذ فسرا إجماعا، وليسا واجبين، ويسقطان بفوات محلهما، وكذا البسملة، وأما كون البسملة سرا، فلحديث: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي الذي يسمع منهم لا يجهرون بالبسملة، فلا يسن الجهر بها قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، قال الشيخ: ويستحب الجهر بها للتأليف، واختار أنه يجهر بها وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها تعليما للسنة، وذكر أن المداومة على الجهر بذلك بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ والأحاديث المصرحة في الجهر بها كلها موضوعة، وذكر الطحاوي أن ترك الجهر بالبسملة في الصلاة تواتر عن النبي ﷺ وخلفائه، وذكر ابن القيم أن الجهر بها تفرد به نعيم من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمان مائة ما بين صاحب وتابع.(٤) قال القاضي وغيره: كالقراءة.(٥) على الأصح، وجزم به غير واحد، وذكره القاضي إجماعا سابقا.
وقال الشيخ: البسملة آية من كتاب الله في أول كل سورة سوى براءة وليست
من السور على المنصوص عن أحمد، وهو أوسط الأقوال وأعدلها، وبه تجتمع الأدلة.стр. 600
وتستحب عند فعل كل مهم (١) (ثم يقرأ الفاتحة) تامة بتشديداتها (٢) وهي ركن في كل ركعة (٣) وهي أفضل سورة (٤) وآية الكرسي أعظم آية (٥) وسميت فاتحة لأنه يفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف (٦) . الحواشي
(١) فتذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل والخروج منه للبركة، وهي تطرد الشيطان، ومستحبة تبعا لا استقلالا.
قال أحمد: لا تكتب أمام الشعر ولا معه.
قال الشيخ: وتكتب أوائل الكتب، كما كتبها سليمان ونبينا ﵉ اهـ وتقدم ما تجب فيه وتسن وتكره وتحرم.(٢) وجوبا مع القدرة على غير مأموم.(٣) وفاقا لمالك والشافعي، لحديث أبي قتادة، كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الأخريين بأم الكتاب، ولقوله صلوا كما رأيتموني أصلي ولحديث «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» ، متفق عليها.
ولمسلم «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» .(٤) قاله الشيخ وغيره، لقوله ﵊ أعظم سورة في القرآن ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أوتيته رواه البخاري.(٥) لقوله ﵊ آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله رواه مسلم وغيره، وللترمذي وغيره إنها سيدة أي القرآن قال الشيخ: كما نطقت به النصوص.(٦) وفاتحة الشيء أوله الذي يفتتح به، وتسمى الحمد والسبع المثاني، وأم
الكتاب وأم القرآن، لأن المقصود منه تقرير الإلهيات، والمعاد والنبوات، وإثبات القضاء والقدرة لله تعالى، والفاتحة مشتملة على ذلك، قال الحسن: أودع فيها معاني القرآن، كما أودع فيه معاني الكتب السابقة، وقاله ابن كثير وغيره: اشتملت على حمد الله والثناء عليه، وذكر المعاد وإرشاد العباد إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده، وإلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، والتثبيت عليه حتى يفضي بهم إلى جواز الصراط يوم القيامة المفضي إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى الترغيب في الأعمال الصالحة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحشروا مع سالكيها، وهم المغضوب عليهم والضالون اهـ وجمعت معانيها في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها سر الخلق، وأمر الدنيا والآخرة، ومن فاز بمعانيها فقد فاز من كماله بأوفر نصيب.следующие страницы →