Полный текст (4 103 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فـ (يقول: سبحانك اللهم) أي أنزهك اللهم عما لا يليق بك (١) (وبحمدك) سبحتك (٢) (وتبارك اسمك) أي كثرت بركاته (٣) (وتعالى جدك) أي ارتفع قدرك وعظم (٤) . الحواشي
(١) من النقائص والرذائل، وأصل التسبيح التنزيه والتقديس، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعا، يقال: سبحته أسبحه تسبيحا وسبحانا قدسته، فسبحان اسم مصدر، منصوب بفعل مقدر، لا يجوز إظهاره، ولا يستعمل إلا مضافا.(٢) ويقال الواو عاطفة على محذوف، تقديره: سبحتك بكل ما يليق تسبيحك به، وبحمدك سبحتك، وبنعمتك التي توجب علي حمدا سبحتك، لا بحولي ولا بقوتي، ويشاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب، سالما من كل نقص، محمودا بكل حمد، وحمده يتضمن وصفه بكل كمال.(٣) تبارك أي كمل وتعاظم وتقدس، جاء بناؤها على السعة والمبالغة فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له ، ومن قال: تبارك بمعنى ألقي البركة وبارك فيه، فلم يصب، وإن كان من لوازم كونه متبارك، فإن (تبارك) من باب مجد، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة والفضل.(٤) أي شأنك و (جد) بفتح الجيم العظمة والحظ والسعادة والغناء، وتعالى تعاظم، جاء على بناء السعة والمبالغة، فدل على كمال العلو ونهايته، وقدرك بسكون الدال وفتحها أي علا جلالك وارتفعت عظمتك، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنك على كل شأن، وقهر سلطانك كل سلطان.стр. 597
(ولا إله غيرك) أي لا إله يستحق أن يعبد غيرك (١) كان ﵊ يستفتح بذلك، رواه أحمد وغيره (٢) . الحواشي
(١) فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات، التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع.(٢) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، وفي صحيح مسلم أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يعلمهن الناس في مسجد رسول الله ﷺ بحضرة الأكابر، ولولا أن النبي ﷺ كان يقولها في الفريضة، ما فعل ذلك عمر، وأقره المسلمون، وروي عن أبي بكر وابن مسعود، قال المجد: واختيار هؤلاء وجهر عمر به يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان يداوم عليه النبي ﷺ غالبا، وقال الضحاك والربيع وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي إلى الصلاة سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ولاشتماله على أفضل الكلام بعد كتاب الله، ولأنه أخلص في الثناء على الله، وغيره من الاستفتاحات وإن كانت أصح منه، فإنما هي متضمنة للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، وعامتها في قيام الليل، وقال أحمد: إنما هي عندي في التطوع، ولأنه إنشاء للثناء على الرب، متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وغير ذلك مما يرجع الأخذ به، ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد، قال الشيخ: الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين، ولم يكن ﷺ يداوم على استفتاح واحد قطعا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة بكل نوع منها أحيانا، كالاستفتاحات ولأحمد ﵀ أصل مستمر في جميع صفات العبادات قوليها وفعليها، يستحسن كل ما ثبت عنه ﷺ من غير كراهة لشيء منه، ولا يستحب أن يجمع بينها بل هذا تارة، وهذا تارة، وصوبه في الإنصاف.стр. 598
(ثم يستعيذ) ندبا (١) فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢) (ثم يبسمل) ندبا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم (٣) . الحواشي
(١) وهو سنة عند عامة السلف للآيات والأخبار، وأوجبة عطاء، والثوري، لقوله تعالى ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ ولمواظبة النبي ﷺ عليها، ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واستحبه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وحكى الإجماع عليه ابن جرير وغيره.(٢) أي ألجأ إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم المطرود المبعد عن رحمة الله، لا يضرني في ديني ولا في دنياي، والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس من: شطن أي بعد لبعده من الخير، وقيل من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، وإذا أطلق: إبليس، والرجيم بمعنى المرجوم، أي المطرود المبعد، وقيل: بمعنى راجم أي يرجم غيره بالإغواء، وتقدم نحوه، والتعوذ بهذا اللفظ مجمع عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت القراءة فإنك إذا استعذت بالله فقد أويت إلى ركنه الشديد، واعتصمت بحوله وقوته من عدوك الذي يريد أن يقطعك عن ربك، ويباعدك من قربه، فإن حقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فإنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها، حتى يذكره ما لم يكن يذكره من قبل، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم، واستعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالعجز عن مقاومة هذا العدو الذي يريده وهو لا يراه، بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، وكيفما تعوذ من الوارد فحسن، واختار الشيخ التعوذ أول كل قراءة.(٣) إجماعا قبل الفاتحة، إلا ما روي عن مالك مع أنه وافق في السورة، حتى قيل بوجوبها، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، فتأكد الندب.стр. 599
وهي قرآن، آية منه، نزلت فصلا بين السور (١) غير براءة فيكره ابتداؤها بها (٢) ويكون الاستفتاح والتعوذ بالبسملة (سرا) (٣) ويخير في غير صلاة في الجهر بالبسملة (٤) (وليست) البسملة (من الفاتحة) (٥) . الحواشي
(١) وقبل الفاتحة على الأصح، واحتج أحمد بأن الصحابة أجمعوا على هذا في المصحف، وهي بعض آية في النمل.(٢) لأنها مع الأنفال كالسورة الواحدة، قرنت قصتها بقصتها، ولم يذكر بينهما بسملة باتفاق الناس، ولنزولها بالسيف.(٣) أما الاستفتاح والتعوذ فسرا إجماعا، وليسا واجبين، ويسقطان بفوات محلهما، وكذا البسملة، وأما كون البسملة سرا، فلحديث: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي الذي يسمع منهم لا يجهرون بالبسملة، فلا يسن الجهر بها قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، قال الشيخ: ويستحب الجهر بها للتأليف، واختار أنه يجهر بها وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها تعليما للسنة، وذكر أن المداومة على الجهر بذلك بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ والأحاديث المصرحة في الجهر بها كلها موضوعة، وذكر الطحاوي أن ترك الجهر بالبسملة في الصلاة تواتر عن النبي ﷺ وخلفائه، وذكر ابن القيم أن الجهر بها تفرد به نعيم من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمان مائة ما بين صاحب وتابع.(٤) قال القاضي وغيره: كالقراءة.(٥) على الأصح، وجزم به غير واحد، وذكره القاضي إجماعا سابقا.
وقال الشيخ: البسملة آية من كتاب الله في أول كل سورة سوى براءة وليست
من السور على المنصوص عن أحمد، وهو أوسط الأقوال وأعدلها، وبه تجتمع الأدلة.стр. 600
وتستحب عند فعل كل مهم (١) (ثم يقرأ الفاتحة) تامة بتشديداتها (٢) وهي ركن في كل ركعة (٣) وهي أفضل سورة (٤) وآية الكرسي أعظم آية (٥) وسميت فاتحة لأنه يفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف (٦) . الحواشي
(١) فتذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل والخروج منه للبركة، وهي تطرد الشيطان، ومستحبة تبعا لا استقلالا.
قال أحمد: لا تكتب أمام الشعر ولا معه.
قال الشيخ: وتكتب أوائل الكتب، كما كتبها سليمان ونبينا ﵉ اهـ وتقدم ما تجب فيه وتسن وتكره وتحرم.(٢) وجوبا مع القدرة على غير مأموم.(٣) وفاقا لمالك والشافعي، لحديث أبي قتادة، كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الأخريين بأم الكتاب، ولقوله صلوا كما رأيتموني أصلي ولحديث «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» ، متفق عليها.
ولمسلم «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» .(٤) قاله الشيخ وغيره، لقوله ﵊ أعظم سورة في القرآن ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أوتيته رواه البخاري.(٥) لقوله ﵊ آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله رواه مسلم وغيره، وللترمذي وغيره إنها سيدة أي القرآن قال الشيخ: كما نطقت به النصوص.(٦) وفاتحة الشيء أوله الذي يفتتح به، وتسمى الحمد والسبع المثاني، وأم
الكتاب وأم القرآن، لأن المقصود منه تقرير الإلهيات، والمعاد والنبوات، وإثبات القضاء والقدرة لله تعالى، والفاتحة مشتملة على ذلك، قال الحسن: أودع فيها معاني القرآن، كما أودع فيه معاني الكتب السابقة، وقاله ابن كثير وغيره: اشتملت على حمد الله والثناء عليه، وذكر المعاد وإرشاد العباد إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده، وإلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، والتثبيت عليه حتى يفضي بهم إلى جواز الصراط يوم القيامة المفضي إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى الترغيب في الأعمال الصالحة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحشروا مع سالكيها، وهم المغضوب عليهم والضالون اهـ وجمعت معانيها في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها سر الخلق، وأمر الدنيا والآخرة، ومن فاز بمعانيها فقد فاز من كماله بأوفر نصيب.стр. 601
وفيها إحدى عشرة تشديدة (١) ويقرؤها مرتبة متوالية (٢) (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال) عرفا أعادها (٣) . الحواشي
(١) بغير خلاف، وهي في الله، ورب، والرحمن، والرحيم، والدين، وإياك، وإياك والصراط والذين، وفي الضالين اثنتان.(٢) أي يجعل كل آية وكلمة في مرتبتها، على نظمها المعروف، ويتابع بينها، لأنه مناط الإعجاز، ولا يفصل بين شيء منها وما بعده بأكثر من سكتة التنفس أو التأمل.(٣) أي قطع الفاتحة غير مأموم بذكر أو دعاء أو قرآن كثير لا لتنبيه، أو قطعها بسكوت غير مشروعين، أي الذكر والسكوت، وطال القطع بالذكر أو السكوت غير المشروعين عرفا، أعاد الفاتحة لقطعه موالاتها، قال الكسائي: الذكر باللسان بالكسر ضد الإنصات، وبالضم بالقلب ضد النسيان.стр. 602
فإن كان مشروعا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة (١) ، وكالسكوت لاستماع قراءة إمامه (٢) وكسجود للتلاوة مع إمامه، لم يبطل ما مضى من قراءتها مطلقًا (٣) (أو ترك منها تشديدة أو حرفا (٤) أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها) أي إعادة الفاتحة فيستأنفها إن تعمد (٥) . الحواشي
(١) والتعوذ عند آية عذاب لم يبطل ما مضى من قراءتها، لوروده ويأتي.(٢) بعد شروعه في قراءة الفاتحة، لم يعد ما قرأ منها، لأنه سكوت مشروع، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وقوله ﵊: وإذا قرأ فأنصتوا(٣) أي طال أو لم يطل، تعمد القطع أو لا، لأنه ليس بإعراض، وإن كان سهوا عفي عنه، قال ابن تميم: أو سكت سكوتا كثيرا نسيانا، أو نوما، أو انتقل إلى غيرها فطال، بنى على ما قرأ منها.(٤) أي من الفاتحة، وقد فات محله وبعد عنه، وبحيث يخل بالموالاة استأنفها فإن كان قريبا فأعاد الكلمة أجزأ، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، فيأتي بها على وجه الصواب، والحرف المشدد أقيم مقام حرفين، لا إن لينها لأنه لا يحيل المعنى.(٥) أي يبتدئها إن تعمد ترك حرف أو تشديدة أوترتيب وهو جعل كل شيء في مرتبته، فإذا قدم بعضها على بعض لم يسم قارئا لها عرفا، ولا يعتد بما قرأ منها، ومفهومه أنه إذ لم يتعمد لم يستأنف، وفيه احتمال يجب تمييزه، وهو أنه إن كان من جهة قطع الموالاة لم يستأنف وبنى، وإن كان ترك تشديدة أو حرفا فعلى ما تقدم، وإن فاتت الموالاة استأنف، وإلا أعاد الكلمة، والمراد في ذلك الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلا يلزمه ويأتي.стр. 603
ويستحب أن يقرأها مرتلة (١) معربة (٢) يقف عند كل آية، كقراءته ﵊ (٣) ويكره الإفراط في التشديد والمد (٤) . الحواشي
(١) لقوله ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *﴾ والترتيل التمهيل والترسل والتبيين في القرآن من غير بغي، قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة، وقال في قوله: زينوا القرآن بأصواتكم قال: يحسنه بصوته من غير تكلف، وقال الشيخ: هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتفكر وتفهم، ينفذ اللفظ إلى الأسماع، والمعاني إلى القلوب، لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف إلخ، ويأتي.(٢) بتخفيف الراء، فلا يسكن الكاف من مالك، والنون من الذين ونحو ذلك محسنة مفصحة غير ملحون فيها، لقوله: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقوله: ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به، ما أذن أي استمع وفي لفظ حسن الترنم بالقرآن، وهي آكد.(٣) وإن كانت متعلقة بما بعدها، فإن قراءته ﷺ كانت مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته، قالت أم سلمة: كان يقطع قراءته آية آية، قال الشيخ: ووقوف القارئ على رءوس الآيات سنة، وإن كان الآية الثانية متعلقة بالأولى، تعلق الصفة بالموصوف، أو غير ذلك، والقراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة صريحا.(٤) الإفراط الإسراف ومجاوزة الحد، فيكره في التشديد، بحيث يزيد على حرف ساكن، وفي المد لأنه ربما جعل الحركات حرفا، ويمكن حروف المد واللين، ما لم يخرج إلى التمطيط والفرق بين الإفراط والتفريط أن الإفراط يستعمل في مجاوزة الحد من جانب الزيادة والكمال، والتفريط يستعمل في مجاوزة الحد من جانب النقصان والتقصير، فإذا فرغ قال: آمين إجماعا.стр. 604
(ويجهر الكل) أي المنفرد والإمام والمأموم معًا (١) (بآمين في) الصلاة (الجهرية) (٢) بعد سكتة لطيفة (٣) ليعلم أنها ليست من القرآن، وإنما هي طابع الدعاء (٤) . الحواشي
(١) أي جميعا، وحكي وجوبه على المأموم، والجمهور أنه مسنون، وقال الشافعي: يجهر به الإمام، وفي المأموم قولان، وعن مالك بالعكس، ويقال: جهر بالقراءة وأجهر بها إذا أعلنها، و (معًا) تستعمل مفردة غير مضافة منونة، وتكون حالا وتستعمل للاثنين والجماعة.(٢) المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد والاستسقاء والكسوف، لحديث أبي هريرة إذا أمن الإمام فأمنوا يعني: إذا شرع في التأمين فأمنوا، أو إذا أراد التأمين ليتوافق تأمين المأموم والإمام معًا، فالجمهور على «المقارنة فإنه من وافق تأمنيه تأمين الملائكة غفر له» ، متفق عليه، يعني ممن يشهد تلك الصلاة منهم، قيل: في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الإخلاص وقوله: إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين، أي حتى يقع تأمينكم وتأمينه معا، ولحديث أبي وائل: كان يقول: آمين يمد بها صوته، رواه أحمد وغيره، وقال الحافظ وابن القيم وغيرهما: سنده صحيح، ولحديث أبي هريرة: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج المسجد، صححه البيهقي والحاكم، قال الشافعي: ولم يزل أهل العلم عليه، ولأنه دعاء بالاستجابة فسن الجهر به لجمهور به، ويجهر بها غير مصل إن جهر بالقراءة، وآمين بفتح الهمزة مع المد، ويجوز القصر والإمالة وهي اسم فعل موضوع لاستجابة الدعاء مبينة على الفتح عند الدرج، وتسكن عند الوقوف، لأنه كالأصوات.(٣) أي صغيرة ولطف الشيء صغر ودق، ضد ضخم.(٤) أي ليست من الفاتحة إجماعًا، وإنما هي تأمين على الدعاء، وطابع بفتح
الباء، والكسر فيه لغة، أي ختم على الدعاء، كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده، وإظهار ما فيه، فالمعنى أن الإتيان بالتأمين طابع يكون كالخاتم لهذا الدعاء.стр. 605
ومعناه: اللهم استجب (١) ويحرم تشديد ميمها (٢) فإن تركه إمام أو أسره، أتى به مأموم جهرا (٣) ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة (٤) . الحواشي
(١) أي لنا قاله الأكثر، أي اللهم استجب لنا ما سألناك من الهداية إلى الصراط المستقيم إلى آخره، وقال ابن عباس: معناه كذلك فليكن يعني الدعاء، وروي عنه مرفوعا قال: رب افعل.(٢) لأن معناه قاصدين وتبطل به مطلقا.(٣) أي فإن ترك التأمين إمام عمدا أو سهوا، أو أسره أتى به مأموم جهرا، ليذكر الناسي ولأن جهر المأموم سنة فلا يسقط بترك الإمام له، ولا يتوقف على تأمينه لعموم قوله: إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين، ويؤمن من لم يسمع قراءة الإمام، ولو كان مشغولا بقراءة الفاتحة، ولا تسقط الموالاة لأنه مأمور بها وقيل: لا يسن تأمين المأموم إلا أن سمع قراءة إمامه كالتأمين على الدعاء، ويؤيد القول الأول كونه معلوما، وقوله: «إذا أمن فأمنوا» لكل من سمعه من مصل وغيره، وفي شرح المحرر وغيره، لو ترك التأمين حتى اشتغل بغيره لم يعد إليه لأنه سنة فات محلها.(٤) لأنها واجبة في الصلاة إن أمكنه كشرطها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفعل مع القدرة لم تصح صلاة إمام ومنفرد، وإن ضاق الوقت، أو عجز سقط الوجوب، ويحرم أن يترجم عنه بلغة أخرى، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ قال أحمد وغيره: القرآن معجزة بنفسه، أي باللفظ والمعنى، إلا إذا احتاج إلى تفهيمه فيحسن قاله الشيخ وغيره، وقال:
أما القرآن فلا يقرأ بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر، عند الجمهور وهو الصواب الذي لا ريب فيه، ولا يدعى الله ويذكر بغير العربية، واللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون اهـ فإن عجز عن تعلمها لزمه قراءة قدرها من أي سورة شاء، فإن لم يعرف إلا آية كررها بقدر الفاتحة، فإن عجز لزمه قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولحديث إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وهلله وكبره، رواه أبو داود والترمذي، فإن لم يعرف شيئًا وقف بقدر الفاتحة وفاقا، وهل يلزم الحفظ عن ظهر قلب، أم تكفي قراءتها في المصحف؟ استظهر ابن نصر الله الثاني، وإنما يلزم التعلم المذكور إذا أراد أن يصلي إماما أو منفردا، وكذا قراءة الواجب من نحو صحيفة.стр. 606
والذكر الواجب (١) ومن صلى وتلقف القراءة من غيره صحت (٢) (ثم يقرأ بعدها) أي بعد الفاتحة (سورة) ندبا كاملة (٣) . الحواشي
(١) أي يلزم الجاهل تعلم الذكر الواجب في الصلاة كتسبيح ركوع وسجود وتشهد.(٢) مع التوالي لإتيانه بفرضها، وتلقف الشيء تناوله بسرعة، ومنه: تلقفه من فيه: إذا حفظه والمعنى أخذها من لفظ غيره بسرعة، فإن لم يكن بسرعة بل مع تفريق طويل لم يعتد بها، وقال الشيخ: لو قال مع إمامه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كره، وإن قاله وهو يسمع بطلت في وجه.(٣) لحديث أبي قتادة وأبي برزة وغيرهما، ونقل نقلا متواترا، وأمر به معاذا، وليست واجبة فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة وفاقا، حكاه جمع، والسورة قيل من الإبانة والارتفاع، فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كسور البلد، وقيل: لكونها قطعة من القرآن، وجزءا منه، وقيل لتمامها وكمالها، أو من الجمع والإحاطة لآياتها.стр. 607
فيستفتحها ببسم الله الرحمن الرحيم (١) وتجوز آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدين والكرسي (٢) ونص على جواز تفريق السورة في ركعتين، لفعله ﵊ (٣) ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة (٤) ويكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة (٥) . الحواشي
(١) أي يستفتح السورة التي يقرؤها بعد الفاتحة بالبسملة كالفاتحة، وكذا خارج الصلاة إجماعا.(٢) آية الدين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية، وآية الكرسي (اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) سميت بذلك لذكر الكرسي فيها فتجوز قراءة آية نحو هاتين الآيتين، لحديث: كان يقرأ في ركعتي الفجر بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية، رواه مسلم وغيره، ولأنا تشبه بعض السور القصار، ولا يجوز آية لا تتعلق بحكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ و ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ .(٣) فإنه كان يقرأ السورة كاملة، وربما قرأ السورة في الركعتين، كما في حديث عائشة: أنه كان يقرأ البقرة في الركعتين، وثبتت قراءته الأعراف في ركعتين، والطور والمرسلات وغيرها، وكذا تكرار سورة في ركعتين، وجمع سورتين في ركعة، وكذا قراءة خواتيم السور، إلحاقا لها بالأوائل لأن كلاًّ منهما بعض سورة، وقال قتادة: كلٌّ كتابُ الله، ونص الشيء رفعه، فكأنه مرفوع إلى الإمام أحمد، يقال: نصصت الحديث إلى فلان، رفعته.(٤) قاله القاضي عياض وغيره.(٥) فرضًا كانت أو نفلا، لأنه خلاف السنة، ولا تفسد به الصلاة.стр. 608
والقراءة بكل القرآن في فرض، لعدم نقله، وللإطالة (١) (و) تكون السورة (في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) بكسر الطاء (٢) وأوله (ق) (٣) ولا يكره لعذر كمرض وسفر من قصاره (٤) ولا يكره بطواله (٥) (و) تكون السورة (في) صلاة (المغرب من قصاره) (٦) . الحواشي
(١) لا كله في الفرائض على ترتيب السور، وعلم منه أنه لا تكره بكله في نفل، كما نقل عن بعض السلف أنه كان يقرأ القرآن في ركعتين وفي ركعة.(٢) لا غير ويقال: طياله جمع طويل وطويلة، وأما بضمها فالرجل الطويل وبفتحها المدة، والمفصل اسم مفعول من: فصلت الشيء جعلته فصولا متمايزة ومنه سمي حزب المفصل، لفصل بعضه عن بعض، أو لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، أو لإحكامه، وقلة المنسوخ فيه، وهو الحزب السابع من القرآن.(٣) أي أول المفصل سورة ﴿ق﴾ لما روى أبو داود عن أوس قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاثًا وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد، فمن (ق) إلى (عم) أوله، وأوساطه منها إلى (الضحى) والقصار إلى الآخر.(٤) أي قصار المفصل، وكغلبة نعاس، ولزوم غريم، وخوف، لما روى أبو داود وغيره أنه قرأ بـ (إذا زلزلت) وبالمعوذتين، وإلا يكن عذر كره بقصاره في صلاة فجر نص عليه، لمخالفته السنة، وقصار بكسر القاف، جمع قصيرة، ككرام وكريمة.(٥) بل يسن كما كان ﷺ يفعل ذلك، وهذه الكلمة مثبتة في بعض النسخ.(٦) أي قصار المفصل في الغالب، لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة
قال: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان. فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل. رواه أحمد والترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح.стр. 609
ولا يكره بطواله (١) (و) تكون السورة (في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) (٢) . الحواشي
(١) أي طوال المفصل إن لم يكن عذرًا يقتضي التخفيف، بل يسن، لأنه ثبت أنه ﵊ قرأ في المغرب بالأعراف، وقرأ بالطور، وقرأ بالمرسلات فهديه أن لا يقتصر على قصاره، والمداومة عليه خلاف السنة، وهو فعل مروان، وأنكره عليه زيد بن ثابت، ولو كانت المواظبة على القراءة بقصار المفصل في المغرب محض السنة لما حسن من هذه الصحابي الجليل إنكارها، ولو كان الأمر كذلك، لما سكت مروان في مقام الإنكار عليه، والحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل، وقصاره، وسائر السور سنة، قال ابن عبد البر: روي أنه قال فيها بـ (المص) وبالصافات، والدخان، وسبح، والتين، وبالمرسلات، وكان يقرأ فيها بقصار المفصل، قال: وكلها آثار صحاح ومشهورة.(٢) جمع وسط بتحريك السين، بين القصار والطوال، والوسط اسم لما بين طرفي الشيء، وتقدم أنه من (عم) إلى (الضحى) وفي صحيح مسلم من حديث جابر: كان يقرأ في الظهر بـ (والليل إذا يغشى) وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، وقصة معاذ في العشاء «يكفيك أن تقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ و (الضحى) (والليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلى) »
ولأبي داود عن جابر: يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿والسَّمَاءِ ذَاتِ
الْبُرُوجِ﴾ (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) وشبهها وإن قرأ على خلاف ذلك
في بعض الأوقات فحسن، كما ورد قال أبو سعيد: كانت صلاة الظهر
تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى، مما يطيلها، رواه مسلم، وكان يقرأ فيها تارة بقدر ﴿الم تنزيل﴾ وتارة بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و (سبح) ونحوهما والعصر على النصف من ذلك، والعشاء قرأ فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ووقت لمعاذ فيها ما تقدم وقال الشيخ: ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية، ويستحب أن يمد في الأوليين، ويحذف في الآخريين، لما رواه سعد بن أبي وقاص مرفوعا وعامة فقهاء الحديث على هذا اهـ فقوله: من أوساطه، فيه إجمال فليس على حد سواء، قال الشارح: وأكثر أهل العلم يرون أنه لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الأوليين من كل صلاة، قال ابن سيرين: لا أعلم أنهم يختلفون في أنه يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخريين بفاتحة الكتاب روي عن ابن مسعود وغيره، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي، لحديث أبي قتادة: وفي الآخريين بأم الكتاب.стр. 610
ويحرم تنكيس الكلمات (١) وتبطل به (٢) ويكره تنكيس السور والآيات (٣) . الحواشي
(١) إجماعا للإخلال بنظمه.(٢) وفاقًا، لأنه يصير بإخلال نظمه كلاما أجنبيًّا يبطل الصلاة عمده وسهوه.(٣) أما السور فقيل يكره وذلك كأن يقرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ثم بعدها ﴿الضحى﴾ في ركعة أو ركعتين، لماروي عن ابن مسعود فيمن يقرأ القرآن منكسا، قال: ذلك منكوس القلب، وعنه: لا يكره اختاره غير واحد لقراءته ﵊ النساء قبل آل عمران، واحتج أحمد بأن النبي ﷺ تعلمه على ذلك ولأن ترتيبها بالاجتهاد في قول جمهور العلماء، فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت
مصاحف الصحابة، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار
هذا مما سنه الخلفاء الراشدون ودلت السنة على أن لهم سنة يجب
اتباعها وأما تنكيس الآيات فقال الشيخ وغيره: يحرم لأن الآيات قد وضعها ﷺ ولما فيه من مخالفة النص، وتغيير المعنى، وقال: ترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص إجماعا، وفي الفروع، ودليل الكراهة فقط غير ظاهر، والاحتجاج بتعليمه فيه نظر، فإن كان للحاجة، لأن القرآن كان ينزل بحسب الوقائع.стр. 611
ولا تكره ملازمة سورة، مع اعتقاد جواز غيرها (١) (ولا تصح) الصلاة (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) بن عفان ﵁ (٢) . الحواشي
(١) ومع اعتقاد صحة الصلاة بغيرها، يعني بعد الفاتحة في الأوليين، لما في الصحيح أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم يقرأ سورة أخرى معها، وفي لفظ يختم بها، فقال له النبي ﷺ ما يحملك على لزوم هذه السورة، فقال: إني أحبها، فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» ، فإن لم يعتقد جواز غيرها، أو صحة الصلاة بغيرها حرم اعتقاده لفساده.(٢) أي وتحرم، لعدم تواتره، ولا يثبت كونه قرآنا، وإن ثبتت فمنسوخة بالعرضة الآخرة، وهي قراءة زيد وغيره، وهي التي أمر الخلفاء بكتابتها، وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة ﵃، وعنه: يصح إذا صح سنده، لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض، اختاره ابن الجوزي والشيخ وغيرهما، وقال: هي أنصهما، وصوبه في تصحيح الفروع، قال الشيخ: وقول أئمة السلف وغيرهم، مصحف عثمان أحد الحروف السبعة، وتتعلق به الأحكام، فإن الذي عليه السلف أن كل قراءة، وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي قراءة صحيحة، لا يجوز ردها، بل هي من الأحرف السبعة، ولا نزاع أن الحروف السبعة التي أنزل عليها لا تتضمن تناقض
المعنى، والأحرف السبعة ليست هي قراءات السبعة، وإنما أرادوا جمع قراءات سبعة مشاهير، ليكون موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها، لا أنها الحروف السبعة أو أن هؤلاء لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم، وقال: لم يتنازع علماء المسلمين في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين، بل من ثبت عنده قراءة الأعمش أو يعقوب فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين، ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة، كثبوت هذه السبعة، يقرؤنه في الصلاة وخارجها، وذلك متفق عليه بين العلماء، وقال: يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، وقال: لا نعلم أحدا من المسلمين منع من القراءة الزائدة على السبع، ولكن من لم يكن عالماً، أو لم يثبت عنده ليس له أن يقرأ بما لا يعلم، ولا ينكر على من علم ما لا يعلمه اهـ.
وعثمان ﵁ هو ثالث الخلفاء الراشدين، ذو النورين ابن عفان من بني عبد شمس بن عبد مناف، ولد في السادسة بعد الفيل، ومن أشهر فضائله جمع المصحف، ومن فضائله أنه أول من هاجر إلى الحبشة، وبايع عنه النبي ﷺ ، وزوجه رقية، ثم أم كلثوم، بويع بالخلافة سنة أربع وعشرين وقتل سنة خمس وثلاثين.стр. 612
كقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (١) وتصح بما وافق مصحف عثمان وصح سنده (٢) . الحواشي
(١) يعني لعدم تواترها، قال الشيخ: وهو قول أكثر العلماء، وابن مسعود هو عبد الله بن مسعود بن غافل، بن حبيب بن قارب بن مخزوم الهذلي، أحد السابقين، صاحب نعلي النبي ﷺ قال فيه: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» مات ﵁ بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين.(٢) وفاقا، لأن الصحابة كانوا يصلون بقراءتهم في عصره ﵊ وبعده كانت صلاتهم صحيحة بلا شك، والمذهب: تكره قراءة تخالف عرف البلد الذي يصلي فيه، وظاهره ولو كانت موافقة للمصحف العثماني.стр. 613
وإن لم يكن من العشرة (١) وتتعلق به الأحكام (٢) وإن كان في القراءة زيادة حرف فهي أولى، لأجل العشر حسنات (٣) (ثم) بعد فراغه من قراءة السورة (يركع مكبرا) (٤) . الحواشي
(١) أو لم يكن في مصحف غيره من الصحابة، كسورة المعوذتين، وزيادة بعض الكلمات والعشرة هم قراء الإسلام المشهورون، أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم بالمدينة، وبمكة عبد الله بن كثير ومن الشام عبد الله بن عامر، ومن البصرة أبو عمرو، ويعقوب بن إسحاق، ومن الكوفة عاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب، وعلي بن حمزة الكسائي، وخلف بن هشام البزار، وكره أحمد قراءة حمزة والكسائي، والإدغام الكبير لأبي عمرو، واختار قراءة نافع ثم عاصم، وقال: قراءة ابن العلاء لغة قريش والفصحاء من الصحابة.(٢) وتقدم أنه لا يجوز ردها.(٣) يعني لمن قرأ حرفا من القرآن، والحرف بعشر حسنات، صححه الترمذي وقال ﷺ : «لا أقول الم حرف ولكن، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» قال الشيخ: المراد بالحرف الكلمة، والحرف يطلق على حروف الهجاء والمعاني والكلمة والجملة المفيدة.(٤) أي: ثم بعد فراغه من القراءة يسن له أن يثبت قائما، ويسكت سكتة لطيفة حتى يرجع إليه نفسه، قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبير الركوع، لما ثبت في السنن وغيرها أنه ﷺ كان يسكت سكتتين، إذا افتتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها، قال أحمد: ولم يكن ﷺ يصل قراءته بتكبير الركوع، ثم بعد ذلك يركع مكبرا، والركوع فرض بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وهو في اللغة الإنحناء يقال: ركع الشيخ إذا انحنى من الكبر، ويأتي وأجمعوا على وجوب الركوع على القادر عليه.стр. 614
لقول أبي هريرة: كان النبي ﷺ يكبر إذا قام إلى الصلاة ثم يكبر حين يركع، متفق عليه (١) (رافعا يديه) مع ابتداء الركوع (٢) لقول ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه، متفق عليه (٣) (ويضعهما) أي يديه (على ركبتيه (٤) . الحواشي
(١) ولحديث ابن مسعود: يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود، صححه الترمذي ونحوه في الصحيحين وغيرهما، وعليه عامة الصحابة والتابعين، ما عدا الرفع من الركوع، قال البغوي: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، وقال ابن عباس: في رجل كبر في الظهر اثنتين وعشرين تكبيرة، تلك صلاة أبي القاسم ﷺ رواه البخاري.(٢) رفع يديه قول أكثر الصحابة، ومذهب مالك والشافعي وأهل الحديث للأخبار وكونه مع ابتداء الركوع تقدم.(٣) أي: يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه إذا أراد أن يركع ثم يكبر، وتقدم أنه كالمتواتر الذي لا يتطرق إليه شك، وعمل به السلف وأنكروا على من تركه، والشاهد منه قوله، وإذا أراد أن يركع.(٤) ندبًا إجماعًا، لما في الصحيح، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ولحديث أبي حميد وغيره، فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، صححه الترمذي وحديث أبي رافع، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك رواه أبو داود وغيره
وقال عمر: الركب سنة لكم فخذوا بالركب، وأحاديث وضع اليدين على الركب في الركوع بلغت حد التواتر، وذلك ما لم يكن عذر، فإن كانتا عليلتين لا يمكنه وضعهما انحنى ولم يضعهما، وإن كانت إحداهما عليلة وضع الأخرى، والركبة موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، جمعها ركب.стр. 615
مفرجتي الأصابع) استحبابا (١) ويكره التطبيق، بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى، ثم يحطهما بين ركبتيه إذا ركع (٢) وهذا كان أول الإسلام ثم نسخ (٣) ويكون المصلي (مستويا ظهره) (٤) . الحواشي
(١) لما في الصحيح: وفرج بين أصابعه، أي فرق بينهما، وركع أبو مسعود فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ رواه أبو داود وغيره، وإسناده ثقات.(٢) التطبيق هو الإلصاق بين باطني الكفين، وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه، وطابق بين الشيئين جعلهما على حذو واحد وألزقهما.(٣) إجماعا، قال مصعب بن سعد: صليت إلى جنب أبي، فطبقت كفي، ووضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل ذلك، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب، رواه البخاري، وفيه عن عشرة من الصحابة، وقال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا اختلاف بينهم، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، فلعله لم يبلغهم النهي.(٤) حال ركوعه إجماعا، لحديث وابصة وغيره، وفي الصحيح، ثم هصر ظهره، يعني غير مقوس، وفي رواية له: ثم حني ظهره، وهو بمعناه.стр. 616
ويجعل رأسه حياله، فلا يرفعه ولا يخفضه (١) روى ابن ماجه عن وابصة بن معبد قال: رأيت النبي ﷺ يصلي، وإذا ركع سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر (٢) ويجافي مرفقيه عن جنبيه (٣) والمجزئ الانحناء، بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه إن كان وسطا في الخلقة (٤) . الحواشي
(١) أي عن محاذاة ظهره، بل يجعله إزاء ظهره، وقبالته لما في الصحيحين: وإذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك.(٢) أي ثبت وسكن على ظهره في قعر عظم الصلب، ويقع ذلك القعر عند استوائه، ولو كان مائلا إلى أحد الجوانب لخرج الماء من تلك الجانب، وسوى الشيء تسوية جعله سويا، وضعه مستويا، وفي السنن فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ووابصة بن معبد هو ابن عقبة بن الحارث بن مالك الأسدي، وفد سنة تسع، وسكن الكوفة، ثم تحول إلى الرقة، ومات بها ﵁.(٣) ندبا إجماعا لحديث أبي حميد ووتر يديه فجافاهما عن جنبيه صححه الترمذي، وحديث أبي سعيد: فجافى يديه عن جنبيه، ومعنى يجافي يباعد من الجفاء وهو البعد عن الشيء، يقال: جفاه إذا أبعد عنه، وأجفاه إذا أبعده، فمجافاة المرفقين عن الجنبين مباعدتهما.(٤) لأن معتدل الخلق لا يسمى راكعا بدون ذلك، وقال المجد: ضابطه أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل اهـ، وأجمعوا على مشروعية الانحناء حتى تبلغ كفاه ركبتيه، وقال الشيخ: الركوع في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعا، ومن سماه ركوعا فقد غلط على اللغة، قال: وهذا مما لا سبيل إليه، ولا دليل عليه، وإذا حصل الشك لم يكن ممتثلا بالاتفاق، والوسط من كل شيء أعدله.стр. 617
أو قدره من غيره (١) ومن قاعدة مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة (٢) وتتمتها الكمال (٣) (ويقول) راكعا (سبحان ربي العظيم) (٤) لأنه ﵊ كان يقولها في ركوعه، رواه مسلم وغيره (٥) . الحواشي
(١) أي والمجزئ في الركوع قدر الانحناء من غير الوسط، كطويل اليدين أو قصيرهما بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه لو كان وسطا.(٢) أي والمجزئ في الركوع من قاعد مقابلة وجهه ما أمام ركبتيه أقل مقابلة، لأنه ما دام قاعدا معتدلا لا ينظر ما قدام ركبتيه من الأرض، فإذا انحنى بحيث يرى ما قدام ركبتيه منها أجزأ ذلك في الركوع، وقوله: ما وراء، كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي أمامهم، والأولى أن يقول: قدام ركبتيه، لأنه المعروف.(٣) أي تتمة مقابلة ما قدام ركبتيه من الأرض الكمال في ركوع قاعد، ولو انحنى لتناول شيء، ولم يخطر بباله الركوع لم يجزئه عنه، لعدم النية، ولو أراد الركوع فسقط إلى الأرض قام فركع، ليحصل ركوعه عن قيام.(٤) أي يقول حال ركوعه في فرض أو نفل: سبحان ربي العظيم، لحديث عقبة: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ قال: اجعلوها في ركوعكم رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.(٥) فرواه الخمسة وصححه الترمذي من حديث حذيفة، أنه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، فدل على مشروعية التسبيح في الركوع، وهو مفسر لحديث عقبة، وأجمعوا على سنيته وذهب أحمد وجمهور أهل الحديث إلى وجوبه للأمر به، وقال النووي وغيره: تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كله سنة، ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدا أو سهوا، لكن يكره تركه عمدا، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقال أبو حامد: هو قول العلماء عامة، لحديث المسيء والأحاديث الواردة في الأذكار محمولة على الاستحباب جمعا بين الأخبار.стр. 618
والاقتصار عليها أفضل (١) والواجب مرة (٢) وأدنى الكمال ثلاث (٣) وأعلاه للإمام عشر (٤) . الحواشي
(١) أي من غير زيادة وبحمده وكرهه مالك، لقوله: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» وعن أحمد: الأفضل وبحمده، واختاره المجد وغيره، ولا يعارض ما ذكر من إثبات الدعاء في الركوع، لأن التعظيم لا ينافي الدعاء، ولأنه ثبت أنه ﷺ كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، وربما قال: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي خشع قلبي وسمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، فيحمل على الجواز أو على الأولوية.(٢) لأنه ﵊ لم يذكر عددا، وإذا رفع واعتدل وذكر أنه لم يسبح لم يعد إلى الركوع.(٣) يعني فأكثر وفاقا، وفي الإنصاف: بلا نزاع أعلمه في تسبيحي الركوع والسجود اهـ لقوله: إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات وذلك أدناه، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو مرسل، فإن عوانا لم يدرك ابن مسعود، ولكنه من أهل بيته، قال الشيخ: فلهذا تمسك الفقهاء به لما له من الشواهد، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات، والكمال التمام، وكمل من باب نصر تمت أجزاؤه وكملت محاسنه.(٤) لما روي عن أنس أن عمر بن عبد العزيز، ﵀ كان يصلي كصلاة رسول الله ﷺ فحزروا ذلك بعشر.стр. 619
قال أحمد: جاء عن الحسن، التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث (١) (ثم يرفع رأسه ويديه) لحديث ابن عمر السابق (٢) . الحواشي
(١) وقال بعض الأصحاب وغيرهم والشيخ: لا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة، لحديث البراء وغيره، من غير تقييد بعدد، والمنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله ﵊ ناطقة بذلك، وكذا الإمام ينبغي له الاستكثار إذا كان المأمومون يؤثرون ذلك، وقال القاضي والسامري وغيرهما في المنفرد، ما لا يخرجه إلى السهو، والإمام ما لا يشق على المأمومين، ورجح الشيخ وغيره في المنفرد بحسب صلاته إن أطال أطال، وإن قصر قصر لقوله: فكان قيامه فقعوده إلى قوله: قريبا من السواء، وهو ظاهر الدلالة.(٢) المتفق عليه: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، أي رفع يديه إلى حذو منكبيه، رافعا لهما مع رفع رأسه، فرضا كانت الصلاة أو نفلا، صلى قائما أو قاعدا، وعليه أكثر الأصحاب، واختاره وصححه غير واحد، وكذا المأموم لا تختلف الرواية في أنه يبتدئ الرفع عند رفع رأسه، لما تقدم من الأخبار، وقال ابن القيم، روي رفع اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين صحابيا، واتفق على روايتهما العشرة، ولم يثبت عنه خلاف ذلك، وقال شيخ الإسلام، رفع الأيدي عند الركوع والرفع بمثل رفعهما عند الاستفتاح مشروع باتفاق المسلمين اهـ فرفع اليدين في مواضعه من تمام الصلاة، من رفع أتم الصلاة ممن لم يرفع، وأما وجوب رفع رأسه فبإجماع المسلمين، لهذا الخبر وغيره، وفي حديث المسيء ثم ارفع حتى تعتدل قائما، متفق عليه، ولغيره من الأحاديث قال الشارح وغيره، وإذا رفع رأسه وشك هل ركع أو لا؟ أو هل أتى بقدر الإجزاء أو لا؟ لزمه أن يعود فيركع، لأن الأصل عدم ما شك فيه، إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه، وكذا حكم سائر الأركان.стр. 620
(قائلا إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده) مرتبا وجوبا (١) لأنه ﵊ كان يقول ذلك، قاله في المبدع (٢) ومعنى سمع استجاب (٣) (و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما (ربنا ولك الحمد) (٤) . الحواشي
(١) فلا يقدم لمن حمده على سمع الله قال الموفق وغيره: لا نعلم خلافا في المذهب في مشروعية التسميع للإمام والمنفرد، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.(٢) أي يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع متفق عليه، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وقال لبريدة إذا رفعت رأسك من الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد رواه الدارقطني.(٣) أي أجاب فسمع سماع قبول وإجابة، وعدي باللام لتضمنه معنى استجاب له، وقال النووي: أي تقبل الله منه حمده وجازاه به.(٤) إجماعا لما في الصحيحين ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد، ولغيره من الأدلة، و الاعتدال ركن في كل ركعة ، لقوله: حتى تعتدل قائما، واعتدل استقام وفي لفظ حتى تطمئن قائما متفق عليه وفيهما وإذا رفع رأسه استوى قائما، حتى يعود كل فقار إلى مكانه، وفي السنن وصححه الترمذي لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم صلبه في الركوع، والسجود أي عند رفعه منهما، قال الشيخ: وهو صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع، وينصب من السجود، وفي الصحيح أن حذيفة رأى رجلا لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا، فقال: أما إنك لو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ﷺ وأخرج معناه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبي ﷺ وكان النبي ﷺ يطيل الرفع بقدر الركوع وقوله: ما خلا القيام والقعود قيام القراءة، وقعود التشهد، وما سواهما قريب من السواء، وفي صحيح مسلم: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول قد أوهم، فمن إتمام الصلاة إطالة الاعتدال، وإنما تصرف في تقصير الاعتدالين من الركوع والسجود أمراء بني أمية، وربا في ذلك من ربا حتى ظن أنه من السنة، والواو في قوله «ربنا ولك الحمد» عاطفة على مقدر بعد قوله: ربنا واستجب، أو: حمدناك، فهما جملتان قائمتان بأنفسهما، الأولى: أنت الرب والملك القيوم الذي بيده الأمور، ثم عطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: ربنا، قوله: ولك الحمد، فجمع معنى الدعاء والاعتراف، ثم أخبر عن شأن هذا الحمد بقوله: ملء السموات إلخ، وقال في الفروع، أي سمع الله لمن حمده، فاستجب يا ربنا، ولك الحمد على ذلك، وقيل: معناه أن من حمده متعرضا لثوابه استجاب له وأعطاه ما تعرض له، فإنا نقول: ربنا ولك الحمد، لتحصيل ذلك، وقوله: ربنا ولك الحمد، مشروع في حق كل مصل، وقال الموفق وغيره: وهو قول أكثر أهل العلم للأخبار.стр. 621
ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد أي حمدًا لو كان أجساما لملأ ذلك (١) . الحواشي
(١) أي السماء والأرض، وما شاء الله من شيء بعد السماء والأرض، كالكرسي والعرش، وما لا يعلم سعته إلا الله، وهذا من التأويل المردود، بل الله يمثل أعمال العباد وأقوالهم صورا، كما جاءت به الأخبار، وهو قادر أن يملأ ما جعلت فيه فيجرى الحديث على ظاهره وملء بالنصب أي حمدا ملء، وبالرفع على أنه صفة للحمد، والمعروف في الأخبار ملء السموات بالجمع
والأجسام جمع جسم، جماعة البدن، أو الأعضاء من الناس، وسائر الأنواع العظيمة الخلق، ولمسلم وغيره عن ابن عباس، كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبيد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وله: كان يقول: اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.стр. 622
وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد (١) وبلا واو أفضل (٢) عكس: ربنا لك الحمد (٣) .
(و) يقول (مأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) لقوله ﵊: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد» متفق عليه من حديث أبي هريرة (٤) . الحواشي
(١) لوروده في الصحيح عن أنس في باب صلاة القاعد بلفظ وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وهو أفضل من عكسه الآتي لكونه أكثر حروفا.(٢) أي وقول: اللهم ربنا لك الحمد، بلا واو أفضل منه مع الواو، لورود الخبر به في حديث ابن أبي أوفى، وأبي سعيد.(٣) أي بدون اللهم، وبلا واو، وهو جائز لورود الخبر به، وبلا واو أفضل مطلقا، للاتفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة وغيرهم، واختاره الماتن وغيره، وإن عطس حال رفعه فحمد الله لهما جميعا لم يجزئه، ولم تبطل به، كما لو عطس عند ابتداء الفاتحة فقال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ينوي بذلك عنهما.(٤) فاقتصر ﷺ على أمرهم بذلك، وهو ظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم قول ملء السماء إلخ، وعن أحمد وغيره ما يدل على أنه مسنون، وهو أنه قال: ليس يسقط عن المأموم غير سمع الله لمن حمده، واختار نية قول
ملء السماء إلى آخره أبو البركات وأبو الخطاب والآجري والمجد والموفق والشارح والشيخ وغيرهم، وهو مذهب الشافعي وأهل الحديث وغيرهم من أهل العلم، وما استدلوا به من الحديث لا حجة لهم فيه، فإنه لا يقتضي الاقتصار عليه، ولا ينافي الإتيان بالدعاء الثابت بعده، وكونه لم يذكره في هذا الخبر، فقد ذكره في غيره مما تقدم وغيره، مما ثبت عنه ﷺ من غير وجه، ولأنه ذكر مشروع في الصلاة، أشبه سائر الأذكار، وفي الصحيح عن رفاعة: كنا نصلي وراء النبي ﷺ فقال رجل: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: «من المتكلم؟» فقال رجل: أنا. قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» وصح عنه ﷺ من غير وجه أنه كان يقول ذلك، فثبتت سنيته، وقال الموفق وغيره على قول الخرقي وغيره: إن كان مأموما لم يزد على قول: ربنا ولك الحمد، لا نعلم خلافا في المذهب أنه لا يشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، لقوله: فقولوا، فإن الفاء للتعقيب، وهو ظاهر. قال الحافظ: ولم ينقل أنه يجمع بينهما.стр. 623
وإذا رفع المصلي من الركوع فإن شاء وضع يمينه على شماله أو أرسلهما (١) (ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخر مكبرا) (٢) ولا يرفع يديه (٣) . الحواشي
(١) بجانبه فيخير، نص عليه، والأول أولى، لثبوت وضعهما حال القيام، وعدم المخصص، ولأن الأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون، يضع فيه يمينه على شماله، وقد ثبت فيه الذكر، ولأن الوضع أبلغ في التعظيم من الإرسال.(٢) أي يهوي ساجدا وفاقا، كسائر الانتقالات، من: خر يخر بالكسر خرورا، سقط وانكب على الأرض.(٣) يعني حال انحداره بالسجود وفاقا، لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك
في السجود متفق عليه، وكذا لا يرفعهما حين يرفع رأسه من السجود، ولأنهما ينحطان لعبوديتهما، كما ينحط الوجه، فأغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يشرع رفعهما عند رفع رأسه من السجود، لأنهما يرفعان كما يوضعان معه.стр. 624
(ساجدا على سبعة أعضاء (١) رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه) (٢) . الحواشي
(١) والسجود فرض بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ والسجود لغة الخضوع والتذلل، وقيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد لأنه غاية الخضوع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه، والسجود شرعا ما ذكره ﵀، ويأتي كلام الشيخ أيضا، والعضو: كل عظم وافر من الجسد.(٢) قال الوزير: وأجمعوا على مشروعيته، فيسجد على رجليه، ثم ركبتيه يضعهما على الأرض قبل يديه، لحديث وائل إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه رواه أهل السنن قال ابن القيم: وهو الصحيح، ولم يرو من فعله ما يخالف ذلك، ولحديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع ركبتيه قبل يديه، ورواه الأثرم وابن أبي شيبة بلفظ إذا سجد أحدكم فيبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل، ورواية يديه قبل ركبتيه، لعله منقلب على بعض الرواة، يدل عليه أول الحديث وآخره، من رواية ابن أبي شيبة، وفسر قوله ﷺ «وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير» أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير الذي أوطنه أهله، وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل، وروي عن بعض الصحابة ما يوافق ذلك، ولم ينقل عنهم خلافه، وهو قول جمهور السلف، وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء، والخطابي عن أكثرهم، وابن المنذر عن عمر وغيرهم، وسفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم.
ثم يضع الجبهة مع الأنف، قال في المبدع: بغير خلاف، لقول أبي حميد، كان إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض، صححه الترمذي والمراد باليدين هنا الكفان، وكان النبي ﷺ يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه باسطا كفيه وأصابعه لا يفرج بينهما ولا يقبضهما قال الترمذي: وهو الذي اختاره أهل العلم، وتكون يداه قريبا من أذنيه، قال الشارح: والجميع حسن.стр. 625
لقول ابن عباس: أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم (١) ولا يكف شعرا ولا ثوبا (٢) الجبهة واليدين والركبتين والرجلين متفق عليه (٣) . الحواشي
(١) العظم جمعه عظام، ويسمى كل واحد عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، وعرفه الأطباء بأنه عضو بسيط يبلغ صلابته إلى حد لا يمكن ثنيه وللترمذي وصححه، إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وركبتاه وكفاه وقدماه، قال: وعليه العمل عند أهل العلم.(٢) جملة معترضة بين المجمل والمبين أي لا يجمع ثيابه ولا شعره.(٣) الجبهة هي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، واحتج بعضهم بهذا على وجوبه على الجبهة دون الأنف، وفي الصحيحين أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأشار بيده على أنفه، ولمسلم الجبهة والأنف، وله أيضا إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك وللترمذي أمر بوضع اليدين ونصب المرفقين وقال: وهو الذي أجمع عليه أهل العلم، واختاروه، والرجلان هما القدمان، وفي رواية والقدمين، وفي رواية أخرى، وأطراف القدمين، وهو مبين للمراد من الرجلين، والحديث ظاهر الدلالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء، إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر الأعضاء، بل فرض أمر الله به ورسوله وبلغه الرسول الأمة بقوله وفعله، ومن كماله مباشرة مصلاه بأديم وجهه
فيعفره في التراب استكانة وتواضعا، واعتماده على الأرض بحيث يناله ثقل رأسه، وارتفاع أسافله على أعاليه، وفي السنن فيسجد فيمكن وجهه، حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي، ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا اعتزل ناحية يبكي، ويقول: يا ويله، أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار، وفي الأثر: ما من حالة يكون عليها العبد أحب إلى الله من أن يراه ساجدا، يعفر وجهه بالتراب، وثبت من طرق ما سجد العبد لله سجدة إلا رفع له بها حسنة، وحط عنها بها خطيئة والحث على السجود وذكر فضله وعظيم أجره معلوم من الدين بالضرورة، وهو سر الصلاة وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة، وما قبله من الأركان كالمقدمة إليه، والساجد أقرب ما يكون إلى الله، فأفضل الأحوال حال يكون فيها أقرب إلى الله.стр. 626
وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا (١) «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض» (٢) . الحواشي
(١) يعني إلى النبي ﷺ والدارقطني هو أبو الحسن علي بن عمران تقدم، وعكرمة هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، ثقة مات سنة مائة وسبع.(٢) وأخرج الدارقطني أيضا عنه لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين وقد ثبت السجود على الأنف في أحاديث كثيرة، والجبهة والأنف حقيقة في المجموع وحكى ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وتقدم أنه ﷺ إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، قال الشيخ: والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين وضع وجهه على الأرض، وأما مجرد الخفض فلا يسمى سجودا، ومن سماه سجودا فقد غلط على اللغة، وقال بغير علم في كتاب الله، وإذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ لم يكن ممتثلا بالاتفاق اهـ، وفي السنن إذا سجدت فمكن سجودك، ولو سجد على حشيش أو قطن أوثلج أو برد ونحوه ولم يجد حجمه لم يصح، لعدم المكان المستقر.стр. 627
ولا تجب مباشرة المصلي بشيء منها (١) فتصح (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومصلاه (٢) قال البخاري في صحيحه: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة (٣) إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) (٤) فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض كما لو وضع يديه على فخذيه أو جبهته على يديه لم يجزئه (٥) . الحواشي
(١) أي من أعضاء السجود، وأجمعوا عليه في الركبتين والقدمين وأما الجبهة ففي الصحيحين كنا نصلي معه في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه، وأما اليدان فقول أكثر أهل العلم لحديث ابن عباس: رأيته يتقي الطين إذا سجد بكساء دون يديه رواه أحمد والمباشرة مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد.(٢) أي حائل متصل بين أعضاء السجود وبين موضع صلاته، وفاقا لمالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء.(٣) يعني أصحاب رسول الله ﷺ وروي عن ابن عمر أنه كان يسجد علىكور عمامته، وعنه لا يسجد على شيء من ذلك، وهو مذهب الشافعي، قال ابن القيم: وكان ﷺ يسجد على جبهته وأنفه، دون كور عمامته، ولم يثبت عنه السجود على كور عمامته من حديث صحيح ولا حسن اهـ والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، والأنصاري مولاهم ثقة فقيه مشهور، مات سنة مائة وعشر، وقد قارب التسعين.(٤) يعني بينها وبين مصلاه، فتصح ولا تكره على الصوف واللبود والبسط والطنافس وجميع الأمتعة ولا فيها قال النووي: وهو قول جماهير العلماء.(٥) لإفضائه إلى تداخل أعضاء السجود وخلاف أمره وفعله ﷺ .стр. 628
ويكره ترك مباشرتها بلا عذر (١) ويجزئ بعض كل عضو (٢) وإن جعل ظهر كفيه أو قدميه على الأرض (٣) أو سجد على أطراف أصابع يديه (٤) فظاهر الخبر أنه يجزئه، ذكره في الشرح (٥) ومن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها (٦) . الحواشي
(١) لحديث: إذا سدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرا، وحديث إنهم شكوا إليه حر الرمضاء في جباههم، قال الشيخ: دلت الأحاديث والآثار على أنهم في حال الاختيار يباشرون الأرض بالجباه، وعند الحاجة كالحر ونحوه يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة، وقلنسوة، ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أن يرخص في ذلك عند الحاجة، ويكره عند عدمها اهـ، وحكمته أن القصد من السجود مباشرة أشرف الأعضاء، وهو الجبهة والأنف لمواطئ الأقدام ليتم الخضوع والتواضع للأقربية في خبر أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.(٢) من الأعضاء المذكورة إذا سجد عليه قالوا: لأنه لم يقيد في الأحاديث، والأمر جاء بالسجود عليها، وأجمعوا عليه والاجتراء بالبعض يحتاج إلى مخصص.(٣) دون باطنهما، فذكر في الشرح أنه يجزئه.(٤) أي وضع أطراف أصابعه فقط، دون يديه في حال السجود.(٥) لأنه قد سجد على يديه، وكذا لو سجد على ظهر قدميه، وقال ابن حامد وغيره: لا يجزئه أن يسجد على أطراف أصابع يديه، وعليه أن يستغرق اليدين بالسجود.(٦) من أعضاء السجود، لأنه الأصل وغير تبع، ومن عجز عن السجود على بعض الأعضاء سجد على بقيتها، وقرب العضو المريض من مصلاه غاية ما يمكنه.стр. 629
ويومئ ما أمكنه (١) (ويجافي) الساجد (عضديه من جنبيه (٢) وبطنه عن فخذيه) (٣) وهما عن ساقيه (٤) ما لم يؤذ جاره (٥) (ويفرق ركبتيه) ورجليه (٦) . الحواشي
(١) أي يومئ عاجز عن السجود على جبهته غاية ما يمكنه وجوبا، لحديث إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقيل: يلزم بالأنف إن أمكن، ومن سقط من قيام أو ركوع ولم يطمئن عاد، وإن اطمأن انتصب قائما وسجد، ومن سقط على جنبه بعد قيامه من الركوع، ثم انقلب ساجدا لم يجزئه سجوده، لأنه خرج عن سنن الصلاة وهيئتها، وإن سقط منه ساجدا أجزأه بغير نية، لأنه على هيئتها.(٢) لحديث ابن بحينة إذا سجد تجنح في سجوده، حتى يرى وضح إبطيه متفق عليه، وفي رواية فرج بين يديه، أي نحى كل يد عن الجنب الذي يليها ولحديث أبي حميد: كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، صححه الترمذي، ولمسلم عن ميمونة: لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت.(٣) لحديث أبي حميد: وإذا سجد فرج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه.(٤) أي يجافي فخذيه عن ساقيه، لما في مسلم وغيره، فإذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك وغير ذلك، مما هو ظاهر في آكدية التفريج، وللطبراني بسند صحيح فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك، وهذه الحالات من كمال السجود، أن يكون على هيئة يأخذ كل عضو من البدن بحظه من الخضوع، ليستقل كل عضو منه بالعبودية، ولأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان.(٥) الذي بجانبه فعل ذلك المسنون فيحرم، لحصول الإيذاء المحرم.(٦) لأنه ﷺ إذا سجد فرق بين فخذيه.стр. 630
وأصابع رجليه، ويوجهها إلى القبلة (١) وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال (٢) .
(ويقول) في السجود (سبحان ربي الأعلى) (٣) . الحواشي
(١) أي ويفرق بين أصابع رجليه حال سجوده، ويوجهها إلى القبلة، لما في الصحيح، سجد غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وفي التلخيص: يجب جعل باطن أطرافهما إلى القبلة، إلا أن يكون فيهما نعل أو خف، وتقدم الأمر بالسجود على أطراف القدمين، فلا تصح بدونه، وقال الشيخ: وإذا رفع قدميه في السجود فإنه مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال، وإن لم يضعهما لم يصح سجوده.(٢) يعني السجود، ليستريح بذلك بلا كراهة، فإنهم لما شكوا إلى النبي ﷺ مشقة التفريج قال: استعينوا بالركب، ورواه أبو داود، ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض، مبسوطتين مضمومتي الأصابع، مستقبلا بها القبلة، ويضعهما حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، وكلاهما حسن، وقد ورد وتقدم.(٣) ندبا إجماعا والمذهب الوجوب لحديث عقبة لما نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وغيره.
ولحديث حذيفة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، رواه مسلم، وهو مفسر لحديث عقبة قال الخطابي: فيه دلالة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود، لأنه قد اجتمع في ذلك أمر الله وبيان رسوله الله ﷺ وترتيبه في موضع من الصلاة، فتركه غير جائز اهـ.
وكان غالب دعائه ﷺ في سجوده، ولأن وصف الرب بالعلو في هذه الحالة في غاية المناسبة، وقد أمر النبي ﷺ بالدعاء
فيه، وبعد التشهد، وقبل السلام، ففي الصحيحين أنه كان يقول
وسبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، وربما قال: اللهم إني لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، وكان يقول: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إلخ، اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله إلخ، وقال: وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم، والأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة، ويشمل التكرار للسؤال الواحد، كيف وهو في حال أذل ما يكون لربه وأخضع له؟!، حيث يضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعا لربه واستكانة له، وخضوعا لعظمته، وذلا لعزته، قد انكسر قلبه وذل له جسمه، وخشعت له جوارحه، بل في أشرف حالاته، وأقرب ما يكون من ربه، وهل طول السجود أو طول القيام أفضل؟ صوب الشيخ أنهما سواء، فإن القيام أفضل بذكره وهو القراءة والسجود أفضل بهيئته وكان النبي ﷺ إذا طال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود.стр. 631
على ما تقدم في تسبيح الركوع (١) (ثم يرفع رأسه) إذا فرغ من السجدة (مكبرا (٢) ) . الحواشي
(١) أي حكمه حكم ما تقدم، من أن الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث وفاقا، وأعلاه عشرة على ما تقدم.(٢) أي يكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه، لقوله: ثم يكبر حين يرفع رأسه، متفق عليه، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وهو مذهب الشافعي، لقوله في حديث المسيء ثم اجلس حتى تطمئن جالسا وعن عائشة: إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدا، متفق عليه, لحديث أبي حميد الآتي وغيره.стр. 632
ويجلس مفترشا يسراه) أي يسرى رجليه (١) (ناصبا يمناه) ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة (٢) ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع (٣) (ويقول) بين السجدتين (رب اغفر لي) (٤) الواجب مرة والكمال ثلاث (٥) . الحواشي
(١) فيبسطها ويجلس عليها.(٢) أي يجعل بطون أصابعها على الأرض مفرقة، معتمدا عليها لحديث أبي حميد: ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ولحديث عائشة وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى متفق عليه، ولقول عبد الله بن زيد: كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، على صدر قدمه، وإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها، ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غيرها.(٣) قياسا على جلوس التشهد، ولنقل الخلف عن السلف.(٤) أي ذنوبي أو تقصيري في طاعتك، لحديث حذيفة، كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي، رواه النسائي والترمذي وغيرهما، وإسناده ثقات، ولأبي داود والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس: كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، وحسنه النووي، وصححه الحاكم وقال ابن القيم: لما فصل بين السجدتين بركن مقصود، شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق، واختار الشيخ الدعاء بما ورد.(٥) فأكثر كما تقدم وظاهره مطلقا، لا كالركوع ونحوه، وقال الموفق وجماعة: أدنى الكمال ثلاث، والكمال في ذلك كالكمال في تسبيح الركوع
والسجود واختاره الشيخ، ولا دليل على تقييده بعدد معلوم، كما تقدم، وقال الزركشي: هذا المشهور، والسنة شاهدة لهذا القول، وهو الثابت عنه في جميع الأحاديث، وهو من تمامها الذي أخبر به أصحابه عنه ﷺ وتقصير الاعتدال من الركوع والسجود من تصرف بني أمية، كما تقدم، وكانت صلاته ﷺ قريبًا من السواء، معتدلة إذا أطال في القيام أطال في غيره، وقوله: ما خلا القيام والقعود، أي القيام للقراءة، والقعود للتشهد وتقدم.стр. 633
(ويسجد) السجدة (الثانية كالأولى) (١) فيما تقدم من التكبير والتسبيح وغيرهما (٢) (ثم يرفع) من السجود (مكبرًا) (٣) . الحواشي
(١) وجوبًا بإجماع المسلمين، فإنه ﷺ كان يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك، وعلمه المسيء فقال: ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.(٢) كالهيئة والدعاء بالوارد، لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وإنما شرع تكرار السجود في كل ركعة، دون غيره، لأنه أبلغ ما يكون في التواضع، وأفضل أركانها الفعلية، وسرها الذي شرعت لأجله، وخاتمتها وغايتها، فكان تكرره أكثر من تكرر سائر الأركان، ولابن حبان عن ابن عمر مرفوعا، «إذا قام العبد يصلي أتى بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» .(٣) أي يرفع من السجدة الثانية، وهذا القيام ركن، والتكبير واجب، يبتدئه مع ابتداء رفع رأسه من السجود، وينهيه عند اعتداله قائما، لقوله ﷺ ثم يكبر حين يرفع.стр. 634
ناهضًا على صدور قدميه) (١) ، ولا يجلس للاستراحة (٢) (معتمدا على ركبتيه إن سهل) (٣) . الحواشي
(١) أي قائما على مقدمهما، وأطلق صدور على صدرين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، وفي المطلع: جيء به بلفظ الجمع لأن كل مثنى معنى مضاف إلى متضمنه، يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية، وروي عن النبي ﷺ أنه ينهض في الصلاة على صدور قدميه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وروى ابن أبي شيبة وغيره من غير وجه أن أصحاب رسول الله ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم.(٢) أي لا يسن أن يجلس جلسة الاستراحة بفتح الجيم لأنه مرة من الجلوس، ويجوز كسر الجيم، بتقدير إرادة الهيئة، لأن فيها قدرا زائدا على الجلسة، وذلك هو الهيئة والاستراحة: هي طلب الراحة، كأنه صار له إعياء فيجلس ليزول عنه، وهي جلسة خفيفة صفتها كالجلوس بين السجدتين، وثبت أنه ﷺ فعلها، ولكن لم يذكرها كل واصف لصلاته، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، وإذا قدر أنه فعلها لحاجة، لم يدل على سنيتها، إلا إذا علم أنه فعلها ليقتدي به فيها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقيل: يجلس، لفعله ﵊ ويحمل أنه في آخر عمره عند كبره، جمعًا بين الأخبار، واختاره الشيخ وغيره.(٣) أي معتمدًا بيديه على ركبتيه، قال القاضي: لا يختلف قوله في ذلك، إن سهل عليه ذلك، ولا يعتمد على الأرض بيديه، لحديث وائل: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» ، ولأبي داود: «نهى أن يعتمد على يديه إذا نهض في الصلاة» ، وقال علي: من السنة ألا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخًا كبيرًا
لا يستطيع، وعن أحمد: يستحب أن يقوم معتمدًا على يديه، وفاقًا لمالك والشافعي، لما في الصحيح من حديث مالك بن الحويرث، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام، ولأنه أعون للمصلي، وقال النووي وغيره: وأحاديثهم ليس فيها شيء صحيح إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود، أنه يقوم على صدور قدميه انتهى، لكن قول الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم يقتضي قوة أصله وإن ضعف، خصوصا هذا الطريق، وهو كذلك، فأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه، ولم يجلس، ونحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي وأصحاب النبي ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم، وعن النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنه نهض كما هو ولا يجلس، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وكذا البيهقي وغيره، فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله ﷺ وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه، وتقدم النهي عنه، وما رواه مالك يحمل على حالة الكبر، وبه تجتمع الأدلة.стр. 635
وإلا اعتمد على الأرض (١) ، وفي الغنية: يكره أن يقدم إحدى رجليه (٢) . الحواشي
(١) أي: وإلا يسهل عليه والاعتماد على ركبتيه لكبر أو ضعف أو مرض أو سمن ونحوه اعتمد بيديه على الأرض بلا خلاف، لحديث علي المتقدم ولحديث مالك.(٢) نص عليه، وروي عن ابن عباس وغيره، أنه يقطع الصلاة، والغنية لشيخ عصره عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوس، الجيلي البغدادي المشهور، وله (الفتح الرباني) و (فتوح الغيب) وغيرها، توفي ببغداد سنة خمسمائة وإحدى وستين.следующие страницы →