Полный текст (4 103 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
على ما تقدم في تسبيح الركوع (١) (ثم يرفع رأسه) إذا فرغ من السجدة (مكبرا (٢) ) . الحواشي
(١) أي حكمه حكم ما تقدم، من أن الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث وفاقا، وأعلاه عشرة على ما تقدم.(٢) أي يكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه، لقوله: ثم يكبر حين يرفع رأسه، متفق عليه، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وهو مذهب الشافعي، لقوله في حديث المسيء ثم اجلس حتى تطمئن جالسا وعن عائشة: إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدا، متفق عليه, لحديث أبي حميد الآتي وغيره.стр. 632
ويجلس مفترشا يسراه) أي يسرى رجليه (١) (ناصبا يمناه) ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة (٢) ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع (٣) (ويقول) بين السجدتين (رب اغفر لي) (٤) الواجب مرة والكمال ثلاث (٥) . الحواشي
(١) فيبسطها ويجلس عليها.(٢) أي يجعل بطون أصابعها على الأرض مفرقة، معتمدا عليها لحديث أبي حميد: ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ولحديث عائشة وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى متفق عليه، ولقول عبد الله بن زيد: كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، على صدر قدمه، وإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها، ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غيرها.(٣) قياسا على جلوس التشهد، ولنقل الخلف عن السلف.(٤) أي ذنوبي أو تقصيري في طاعتك، لحديث حذيفة، كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي، رواه النسائي والترمذي وغيرهما، وإسناده ثقات، ولأبي داود والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس: كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، وحسنه النووي، وصححه الحاكم وقال ابن القيم: لما فصل بين السجدتين بركن مقصود، شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق، واختار الشيخ الدعاء بما ورد.(٥) فأكثر كما تقدم وظاهره مطلقا، لا كالركوع ونحوه، وقال الموفق وجماعة: أدنى الكمال ثلاث، والكمال في ذلك كالكمال في تسبيح الركوع
والسجود واختاره الشيخ، ولا دليل على تقييده بعدد معلوم، كما تقدم، وقال الزركشي: هذا المشهور، والسنة شاهدة لهذا القول، وهو الثابت عنه في جميع الأحاديث، وهو من تمامها الذي أخبر به أصحابه عنه ﷺ وتقصير الاعتدال من الركوع والسجود من تصرف بني أمية، كما تقدم، وكانت صلاته ﷺ قريبًا من السواء، معتدلة إذا أطال في القيام أطال في غيره، وقوله: ما خلا القيام والقعود، أي القيام للقراءة، والقعود للتشهد وتقدم.стр. 633
(ويسجد) السجدة (الثانية كالأولى) (١) فيما تقدم من التكبير والتسبيح وغيرهما (٢) (ثم يرفع) من السجود (مكبرًا) (٣) . الحواشي
(١) وجوبًا بإجماع المسلمين، فإنه ﷺ كان يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك، وعلمه المسيء فقال: ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.(٢) كالهيئة والدعاء بالوارد، لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وإنما شرع تكرار السجود في كل ركعة، دون غيره، لأنه أبلغ ما يكون في التواضع، وأفضل أركانها الفعلية، وسرها الذي شرعت لأجله، وخاتمتها وغايتها، فكان تكرره أكثر من تكرر سائر الأركان، ولابن حبان عن ابن عمر مرفوعا، «إذا قام العبد يصلي أتى بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» .(٣) أي يرفع من السجدة الثانية، وهذا القيام ركن، والتكبير واجب، يبتدئه مع ابتداء رفع رأسه من السجود، وينهيه عند اعتداله قائما، لقوله ﷺ ثم يكبر حين يرفع.стр. 634
ناهضًا على صدور قدميه) (١) ، ولا يجلس للاستراحة (٢) (معتمدا على ركبتيه إن سهل) (٣) . الحواشي
(١) أي قائما على مقدمهما، وأطلق صدور على صدرين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، وفي المطلع: جيء به بلفظ الجمع لأن كل مثنى معنى مضاف إلى متضمنه، يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية، وروي عن النبي ﷺ أنه ينهض في الصلاة على صدور قدميه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وروى ابن أبي شيبة وغيره من غير وجه أن أصحاب رسول الله ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم.(٢) أي لا يسن أن يجلس جلسة الاستراحة بفتح الجيم لأنه مرة من الجلوس، ويجوز كسر الجيم، بتقدير إرادة الهيئة، لأن فيها قدرا زائدا على الجلسة، وذلك هو الهيئة والاستراحة: هي طلب الراحة، كأنه صار له إعياء فيجلس ليزول عنه، وهي جلسة خفيفة صفتها كالجلوس بين السجدتين، وثبت أنه ﷺ فعلها، ولكن لم يذكرها كل واصف لصلاته، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، وإذا قدر أنه فعلها لحاجة، لم يدل على سنيتها، إلا إذا علم أنه فعلها ليقتدي به فيها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقيل: يجلس، لفعله ﵊ ويحمل أنه في آخر عمره عند كبره، جمعًا بين الأخبار، واختاره الشيخ وغيره.(٣) أي معتمدًا بيديه على ركبتيه، قال القاضي: لا يختلف قوله في ذلك، إن سهل عليه ذلك، ولا يعتمد على الأرض بيديه، لحديث وائل: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» ، ولأبي داود: «نهى أن يعتمد على يديه إذا نهض في الصلاة» ، وقال علي: من السنة ألا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخًا كبيرًا
لا يستطيع، وعن أحمد: يستحب أن يقوم معتمدًا على يديه، وفاقًا لمالك والشافعي، لما في الصحيح من حديث مالك بن الحويرث، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام، ولأنه أعون للمصلي، وقال النووي وغيره: وأحاديثهم ليس فيها شيء صحيح إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود، أنه يقوم على صدور قدميه انتهى، لكن قول الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم يقتضي قوة أصله وإن ضعف، خصوصا هذا الطريق، وهو كذلك، فأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه، ولم يجلس، ونحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي وأصحاب النبي ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم، وعن النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنه نهض كما هو ولا يجلس، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وكذا البيهقي وغيره، فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله ﷺ وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه، وتقدم النهي عنه، وما رواه مالك يحمل على حالة الكبر، وبه تجتمع الأدلة.стр. 635
وإلا اعتمد على الأرض (١) ، وفي الغنية: يكره أن يقدم إحدى رجليه (٢) . الحواشي
(١) أي: وإلا يسهل عليه والاعتماد على ركبتيه لكبر أو ضعف أو مرض أو سمن ونحوه اعتمد بيديه على الأرض بلا خلاف، لحديث علي المتقدم ولحديث مالك.(٢) نص عليه، وروي عن ابن عباس وغيره، أنه يقطع الصلاة، والغنية لشيخ عصره عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوس، الجيلي البغدادي المشهور، وله (الفتح الرباني) و (فتوح الغيب) وغيرها، توفي ببغداد سنة خمسمائة وإحدى وستين.стр. 636
(ويصلي) الركعة (الثانية كذلك) أي: كالأولى (١) (ما عدا التحريمة) أي تكبيرة الإحرام (٢) (والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية) (٣) . الحواشي
(١) بلا نزاع لقوله للمسيء لما وصف له الركعة الأولى ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، وفي السنن وغيرها، فإذا قمت فمثل ذلك، حتى تفرغ صلاتك ولنقل صفة الصلاة كذلك.(٢) فلا تعاد إجماعًا لأنها وضعت للدخول في الصلاة، وهو منتف هنا، و (عدا) كلمة يستثنى بها مع (ما) وبدونها.(٣) أي وما عدا الاستفتاح مصدر استفتح، والمراد به ههنا الذكر قبل الاستعاذة، من قول: سبحانك اللهم، ونحوه بلا خلاف، حكاه في المبدع وغيره، ولو لم يأت به، لحديث أبي هريرة، «وإذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح بالحمد لله ولم يسكت» ، رواه مسلم، ولفوات محله، وما عدا التعوذ إن كان استعاذ في الأولى، لظاهر الخبر.
قال ابن القيم: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر» ، للحديث الصحيح عن أبي هريرة، «كان إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت» اهـ ولأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك، وعنه يتعوذ في الثانية، اختارها الشيخ، قال في الإنصاف: وهي أصح دليل، وهو مذهب الشافعي، وفي الاختيارات ويستحب أن يتعوذ أول كل قراءة.
قال النووي: وهو الأظهر، وأما البسملة فتسن في كل ركعة، لأنها تستفتح بها السورة، وما عدا تجديد النية للاكتفاء باستصحابها.
قال في الإنصاف: وهذا مما لا نزاع فيه، وقال جمع: لا حاجة لاستثنائها،
لأنها شرط لا ركن، ويجوز أن يتقدم الصلاة اكتفاء بالدوام الحكمي
وما عدا السكوت، وتطويلها كالأولى، فإنه ﵊ كان لا يسكت في الثانية، ويقصرها عن الأولى.стр. 637
فلا تشرع إلا في الأولى (١) لكن إن لم يتعوذ فيها تعوذ في الثانية (٢) .
(ثم) بعد فراغه من الركعة الثانية (يجلس مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (٣) (ويداه على فخذيه) (٤) ولا يلقمهما ركبتيه (٥) . الحواشي
(١) أي فلا تشرع هذه الأمور الأربعة وفاقًا، في غير التعوذ، إلا في الركعة الأولى، لأن تلك تراد لافتتاح الصلاة.(٢) إجماعا، ولو ترك التعوذ في الأولى عمدا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .(٣) أي يجلس للتشهد إجماعا، لنقل الخلف عن السلف، نقلا متواترا وقال الوزير اتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة اهـ، وجلوسه للتشهد كجلوسه بين السجدتين سواء وتقدم، وفي الصحيح: «كان إذا جلس للتشهد، جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى» ، وفيهما: «إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى» ، ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة، والحكمة في ذلك والله أعلم أن المصلي مستوفز في الأول للحركة ببدنه بخلاف الثاني، والحركة عن الافتراش أهون، وكيفما جلس في التشهدين وبين السجدتين جاز إجماعًا.(٤) اليمنى على الفخذ اليمنى، باسطًا ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، واليسرى على الفخذ اليسرى، ممدودة، وأطراف الأصابع على الركب.(٥) لورود الأحاديث بوضع يديه على فخذيه، وهو مجمع عليه.стр. 638
و (يقبض خنصر) يده (اليمنى وبنصرها (١) ويحلق إبهامها مع الوسطى) بأن يجمع بين رأس الإبهام والوسطى، فتشبه الحلقة من حديد ونحوه (٢) (ويشير بسبابتها) (٣) من غير تحريك (٤) . الحواشي
(١) بكسر الخاء والباء مؤنثتان، الأولى الإصبع الصغرى، والثانية بينها وبين الوسطى، أي يقبض من يمناه عند وضعها على فخذه الأيمن عند
الركبة خنصرها وبنصرها، لحديث وائل: ثم قبض ثنتين من أصابعه، رواه أحمد وغيره.(٢) لحديث وائل: وحلق إبهامه مع الوسطى، والإبهام الإصبع العظمى، وهي مؤنثة، والجمع أباهيم، ويحلق بتشديد اللام، والحلقة بسكونها، وجمعها حلق، كقصعة وقصع، وقيل بفتحتين على غير قياس، وفي السنن وحلق حلقة ولمسلم وقبض أصابعه الثلاث، وله أيضا وعقد ثلاثة وخمسين في أعداد كانت معروفة عند العرب، بأن تكون الثلاث مضمومة إلى أدنى الكف لا مقبوضة والإبهام مفتوحة تحت المسبحة على طرف الراحة، ويسمونها تسعة وتسعين، وآثر الفقهاء الأول، تبعا للخبر، ولو فعل غير ذلك مما ورد أتى بالسنة، والأول أفضل، ورواته أفقه.(٣) سميت بذلك لتحريكها في وقت السب، وسباحة لأنه يشير بها للتوحيد، وخصت بالإشارة والله أعلم لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره، والحكمة في الإشارة بها ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد.(٤) فلا يوالي حركتين عند الإشارة، لأنه يشبه العبث، لحديث ابن الزبير: «ويشير بسبابته ولا يحركها» .
وقال ابن القيم: في صحته نظر، وليس في الحديث أن هذا كان في
الصلاة اهـ، وفي حديث وائل: «ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» ، ورواه أهل السنن وغيرهم، قال ابن القيم: كان لا ينصبها نصبا ولا
ينيمها بل يحنيها شيئا، ويحركها كما تقدم اهـ وقيل: يديم نظره إليها، لخبر ابن الزبير عند أحمد وغيره، قال في الفروع: إسناده جيد، وأحاديث الإشارة بالسبابة في التشهد قد بلغت حد التواتر.стр. 639
(في تشهده) (١) ودعائه في الصلاة وغيرها (٢) عند ذكر الله تعالى (٣) تنبيها على التوحيد (٤) (ويبسط) أصابع (اليسرى) (٥) . الحواشي
(١) في الصلاة، متعلق بيشير، للخبر المتقدم وغيره، ولمسلم: ورفع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها، وسمي بالتشهد من باب إطلاق الجزء وهو الشهادة على الكل.(٢) أي يشير بسبابته إذا دعا في صلاة وغيرها، لحديث عبد الله بن الزبير: «كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها» ، ورواه أبو داود والنسائي: وفيه عن سعد بن أبي وقاص مر بي وأنا أدعو بأصابعي، فقال: أحد أحد يا سعد، وأشار بالسبابة.(٣) وصحح في شرح الهداية للحنفية وغيرها عند الشهادة، وكذا عند الشافعية، فيكون رفعها مرة في التشهد، قال في الفروع: ولعله أظهر، وهي أفضل الذكر فيكون موضع الإشارة لا إله إلا الله، لما رواه البيهقي من فعله ﷺ وفي المقنع والإنصاف وغيرهما: مرارا لقوله: إذا دعا.(٤) والتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وسئل ابن عباس فقال: هو الإخلاص، ولأبي داود عنه أنه قال: هكذا الإخلاص، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وروي مرفوعا.(٥) لحديث ابن عمر: وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وفي لفظ ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها.стр. 640
مضمومة إلى القبلة (١) (ويقول) سرًّا (٢) (التحيات لله) أي الألفاظ التي تدل على السلام والملك (٣) والبقاء والعظمة لله تعالى، مملوكة له ومختصة به (٤) . الحواشي
(١) ليستقبل القبلة بأطراف أصابعه، وهذه الجلسة على هذه الهيئة تمثل في الخدمة بين يدي ربه جاثيا على ركبتيه، كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده، راغبا راهبا، معتذرا إليه، مستعديا إليه على نفسه آتيا بأكمل التحيات وأفضلها، وأسنى الثنا ثم بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة عليه، متخيرا من الدعاء أحبه إليه.(٢) ندبًا إجماعًا لقول ابن مسعود: «من السنة إخفاء التشهد» ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.
قال النووي: وأجمعوا على كراهة الجهر بالتشهدين ، لخبر ابن مسعود، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقال الشارح وغيره: السنة إخفاء التشهد كالتسبيح، لا نعلم فيه خلافًا.(٣) ملكًا واختصاصا، أو كل ما يحيي به من الثناء والمدح بالملك والعظمة لله تعالى، وهو سبحانه يحيي ولا يسلم عليه، وفي الصحيحين كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده فقال ﷺ : «لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام» لأن السلام دعاء بالسلامة، والله سبحانه هو المدعو، وهو السالم من كل نقص وعيب، وله الملك المطلق، وكانوا إذا نال أحد الملك قيل: نال فلان التحية، أي نال الملك الذي يستدعي له التحية، فهو سبحانه المستحق أن يحيي بأعلى التحيات، لتمام ملكه، ولا يسلم عليه لكماله وغناه المطلق.(٤) فجميع التعظيمات لله ، ومنه الخضوع والركوع والسجود والكتوف والخشوع، وأمثال ذلك، والبقاء الدوام، والعظمة والكبرياء، وإنما جمع التحية لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعم صباحا، ولبعضهم: أسلم كثيرًا، وغير ذلك، فقيل للمسلمين، قولوا: التحيات لله إلخ، فهو سبحانه أولى بالتحيات من كل ما سواه، فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام، ولا يستحق هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه .стр. 641
(والصلوات) أي الخمس (١) أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية (٢) (والطيبات) أي الأعمال الصالحة (٣) أو من الكلم (٤) (السلام) أي اسم السلام وهو الله (٥) . الحواشي
(١) وما هو أعم من الفرض والنفل لله تعالى، فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله .(٢) التي يراد بها تعظيم الله لله تعالى، ومنها الشهادتان، والخوف، والرجاء والتوكل والإنابة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادة لله تعالى، وهو مستحقها ولا تليق بأحد سواه.(٣) لله، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، والطيبات صفة لموصوف محذوف أي الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء ونحو ذلك، مما هو ثناء على الله تعالى، وذكر له، وأولها الصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل عمل كالجهاد والنفقة وأمثال ذلك لله تعالى.(٤) أي: الطيبات من الكلم، وحسن أن يثنى به على الله وكل عمل تعمله، فهذا كله لا حق فيه لغيره، وطيبه كونه خالصا من الشوائب.(٥) إذ كان اسم الله يذكر على الأعمال، توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الشر منه، والسلام في الأصل مصدر بمعنى السلامة، واسم من التسليم، والسلام اسم من أسماء الله لسلامته من كل نقص وعيب، فإن اسمه
السلام متضمن لكل ما يتنزه عنه، وحقيقته البراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، والسلام التحية.стр. 642
أو سلام الله (عليك (١) أيها النبي) بالهمز من النبأ، لأنه مخبر عن الله، وبلا همز، إما تسهيلا أو من النبوة وهي الرفعة (٢) وهو: من ظهرت المعجزات على يده (٣) .
(ورحمة الله وبركاته) جمع بركة وهي: النماء والزيادة (٤) (السلام علينا) أي على الحاضين من الإمام والمأموم والملائكة (٥) (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح وهو القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق عباده (٦) . الحواشي
(١) حكاه الأزهري وغيره، ولفظه: أو سلم الله عليك تسليما، فتضمن معنيين، ذكر الله وطلب السلامة، وأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه، لقربه من القلب، حتى أنه لأدنى إلى العبد من روحه.(٢) فعيل بمعنى فاعل، وفي الحديث لا تنبزوا باسمي إنما أنا نبي الله وتركها هو المختار عند العرب، وقيل: مأخوذ من النبي الذي هو الطريق الواضح، لأنه الطريق إلى الله تعالى.(٣) معجزة النبي ما أعجز به الخصم عند التحدي، وتسمى آيات النبوة، ودلائل نبوته ﷺ لا تنحصر، ولم يؤت نبي قبله ولا رسول معجزة إلا وله مثلها وزيادة.(٤) والمراد نزلت عليه السلامة والرحمة والبركة.(٥) وقاله النووي وغيره.(٦) من الملائكة ومؤمن الإنس والجن، قاله الزجاج والقاضي وغيرهما؟
ودرجاتهم متفاوتة، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع القديم على تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وعباد جمع عبد، وتقدم أنه لا أشرف ولا أتم للمؤمن من وصفه بالعبودية لله تعالى.стр. 643
وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء، ومن لم يشاركه في الصلاة (١) (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أخبر بأني قاطع بالوحدانية (٢) (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (٣) . الحواشي
(١) لقوله في رواية لهما: «فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح، في السماء والأرض» ، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها، مرادة له على وجه الإنشاء، كأنه يحي الله ويسلم على نبيه، وعلى نفسه، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، قال الترمذي، من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.(٢) أي: نفي الألوهية عما سوى الله، وإفراده بالعبادة، والشهادة خبر قاطع، والقطع من فعل القلب، واللسان مخبر عن ذلك، والمشاهدة المعاينة، فتشهد شهادة اليقين أن لا معبود بحق إلا الله، وإن كان ابتداء هذه الكلمة العظيمة نفيًا، فالمراد به غاية الإثبات، ونهاية التحقيق، ومن خواصها أن حروفها مهملة، تنبيها على التجرد من كل معبود سوى الله، وكلها جوفية، تنبيهًا على أن المراد بها الإخلاص للإتيان بها من خالص جوفه، وهو القلب لا من الشفتين وفي الحديث: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» ، وذكر جماعة أنه لا بأس بزيادة «وحده لا شريك له» .(٣) بصدق ويقين، وذلك يقتضي متابعته، وأتى بهاتين الصفتين، رفعا للإفراط والتفريط، ولفظهما ثبت في جميع الأمهات الست، وإضافتهما إلى الله إضافة تشريف وتكريم.стр. 644
المرسل إلى الناس كافة (١) (هذا التشهد الأول) (٢) علمه النبي ﷺ ابن مسعود، وهو في الصحيحين (٣) . الحواشي
(١) قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ بل إلى جميع الثقلين الجن والإنس بالإجماع.(٢) في المغرب، والرباعية ونحوهما، وهو مشروع بغير خلاف، نقله الخلف عن السلف عن النبي ﷺ ، نقلا متواترا يفيد القطع ويشترط موالاته، وذكر العاطف بين الشهادتين، ولفظ أشهد، ورعاية حروفه، وتشديداته، والإعراب المخل بالمعنى، وإسماع نفسه، ويكتفي بالنطق بالحروف كما تقدم، فإنه متى حرك لسانه كان متكلما، وصحح في تصحيح الفروع أنه إذا أتى بالألفاظ المتفق عليها أجزأه، وإن كان الساقط ثابتا في حديث ابن مسعود وغيره، والأولى الإتيان بالوارد دون التلفيق، وتخفيفه وعدم الزيادة عليه، لحديث كان يجلس في الأوليين كأنه على الرضف، رواه أبو داود وغيره، والرضف الحجارة المحماة، وحديث: «نهض حين فرغ من تشهده» ، قال الطحاوي: من زاد عليه فقد خالف الإجماع، وقال أحمد: من زاد فقد أساء، ولو فرغ المؤتم قبل إمامه سكت وفاقا، وقيل يتمهل، وقيل: يكرره اختاره شيخنا وغيره، ولم يشرع في الصلاة سكوت إلا لمستمع لقراءة إمامه، ولا يخلو موضع من الصلاة من قول أو عمل.(٣) وقال البزار والذهلي وغيرهما: أصح حديث في التشهد حديث ابن مسعود، روي من نيف وعشرين طريقًا، قال الحافظ والبغوي: لا خلاف في ذلك، وقال مسلم: اتفق الناس عليه، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء: التشهد به أفضل، لمرجحات كثيرة: منها الاتفاق على صحته، وتواتره بل هو أصح
التشهدات، وأشهرها، ولأمره أن يعلمه الناس، وكونه محفوظ الألفاظ، لم يختلف في حرف منه، وكون غالبها يوافق ألفاظه، فاقتضى أنه الذي يأمر به
غالبا واتفق العلماء على جواز التشهدات كلها، الثابتة من طريق صحيح، قال الشيخ: كلها سائغة باتفاق المسلمين، وتقدم أن أصل أحمد استحسان كل ما ثبت عنه ﷺ .стр. 645
(ثم يقول) في التشهد الذي يعقبه السلام (١) (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (٢) . الحواشي
(١) سواء كان من واحدة كالوتر، أو اثنتين كالفجر، أو ثلاث كالمغرب، أو أربع كالظهر، أو خمس كمن يوتر بها، أو أكثر، وهو ركن فيه، وفاقا للشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: هو مستحب، لحديث المسيء، وحجتنا قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والأحاديث الصحيحة المتواترة.(٢) قال ابن عبد البر: الصلاة على النبي ﷺ رويت من طرق متواترة بألفاظ متقاربة اهـ. والصلاة من الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما تقدم، وأمرنا تعالى أن نصلي عليه، ليجتمع له ﷺ ثناء أهل السماء والأرض وهو ركن في هذا الموضع، وتقدم الكلام في آل محمد وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فسأل ﷺ إعطاء ما تضمنته الآية واستشكل التشبيه هنا بعض العلماء، وذكروا فيه أقوالا، ولعل المراد بالتشبيه التشبيه في الصلاة لا في القدر كقوله ﴿كما أوحينا إلى إبراهيم﴾ وقد انعقد الإجماع على أن محمدا ﷺ أفضل الخلق على الإطلاق، وقال ابن القيم: شرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه،
بإكرام آله، والصلاة عليهم، وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على
أبيه إبراهيم، وآله، والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله، ولذلك كان
المطلوب لرسول الله ﷺ صلاة مثل الصلاة
على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء من بعده، وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على الرسول ﷺ بها وأفضل اهـ فحصل له أعظم ما لإبراهيم وغيره، وإذا كان المطلوب بالدعاء إما هو مثل المشبه به، وله نصيب وافر من المشبه، ظهر به فضله على كل من النبيين، ما هو اللائق به، وإبراهيم هو الخليل ﵊ ابن آزر، ولد قبل المسيح بألفي عام، ومعناه بالسريانية: أب رحيم.стр. 646
وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (١) ، لأمره ﷺ بذلك في المتفق عليه من حديث كعب بن عجرة (٢) . الحواشي
(١) البركة هي الثبوت والدوام، أي: أثبت له وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة و (حميد) أي محمود على كل حال، مستحق لجميع المحامد و (مجيد) أي ماجد، والماجد هو العظيم الواسع المتصف بالمجد، وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة.(٢) ولفظه: قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا اللهم صلى على محمد» إلخ، ويجوز أن يصلي على النبي ﷺ بغيره مما ورد، كما في الصحيحين وغيرهما، وفي رواية «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» ، وتجوز الصلاة على غيره مفردا نص عليه، واختاره الشيخ، إلا أن يتخذ شعارا فيحرم، وقال: السلام على غيره باسمه جائز من غير تردد، وكعب بن عجرة هو ابن أمية بن عدي بن عبيد بن خالد بن عمرو بن عوف بن غنم البلوي ثم القضاعي، حليف الأنصار، نزل الكوفة، ومات بالمدينة قبل الستين.стр. 647
ولا يجزئ لو أبدل آل بأهل (١) ، ولا تقديم الصلاة على التشهد (٢) (ويستعيذ) ندبًا (٣) فيقول: أعوذ بالله (من عذاب جهنم (٤) و) من (عذاب القبر) (٥) . الحواشي
(١) وصوبه في تصحيح الفروع: وقال في الإقناع وشرحه، الصواب عدم إبدال آله بأهله، لأن أهل الرجل أقاربه أو زوجته، وآله أتباعه على دينه فتغايرا وفي الصحيحين قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته» ، وقيل: هم القرابة من غير تقييد، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم، وقيل الأمة، ولا شك أن القرابة أخص الآل، فتخصيصهم بالذكر ربما كان لمزايا لا يشاركهم فيها غيرهم.(٢) لفوات الترتيب بينهما.(٣) إجماعًا وقيل بوجوبه، لحديث أبي هريرة: «إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع» ، فذكره رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم، ولمسلم إذا فرغ من الشتهد الأخير، والتعوذ الالتجاء والاعتصام وتقدم، وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة: «كان يدعو في صلاته اللهم إني أعوذ بك» إلخ، وفيه وأعوذ بك من المأثم والمغرم، والمغرم الدين وذلك لأن المأثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا، وقول بعضهم بوجوبه يدل على تأكده.(٤) اسم لنار الآخرة، وهي لفظة أعجمية وقيل عربية، سميت به لبعد قعرها، من الجهومة وهي الغلظ، وتواترت الأحاديث بالاستعاذة منها، والعذاب في الأصل الضرب والنكار والعقوبة، ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة، وسمي عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه ما يلائمه من الخير، ويقرن به ما يؤلمه، ولأنه يمنعه من المعاودة ويمنع غيره من مثل ما فعله.(٥) وتواترت أيضا بالاستعاذة من عذاب القبر، وعذابه ونعيمه متواتر
والإيمان به من أصول أهل السنة والجماعة، قال الشيخ: ويقع على الأبدان والأرواح إجماعا، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر بالألم.стр. 648
(و) من (فتنة المحيا والممات (١) و) من (فتنة المسيح الدجال) (٢) والمحيا والممات الحياة والموت (٣) ، والمسيح بالحاء المهملة على المعروف (٤) . الحواشي
(١) هذا من باب ذكر العام مع الخاص، وأصل الفتنة الامتحان والاختبار وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، فأمرنا بالاستعاذة من ذلك، وفتنة الممات قيل عند الموت، ومنه سكرات الموت، أضيف إليه لقربه منه، أو فتنة القبر وعذابه، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة منه، وفي حديث الكسوف «إنكم تفتنون في قبوركم» ، ومنه سؤال الملكين، ولا يكون تكرار لعذاب القبر، لأن عذاب القبر متفرع على ذلك.(٢) وهذه الأربع هي مجامع الشر كله، فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه، والعذاب نوعان عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى: فتنة الدجال، وفتنة الممات، والصغرى: فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال، فإن المفتون فيهما لا يتداركها، والجمع بينها من ذكر الخاص مع العام.(٣) فالمحيا نقيض الممات، مفعل من الحياة، وكذا الممات مفعل من الموت عدم الحياة، والموضع الذي يحيا فيه ويموت فيه، ومنه: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ جمعه محاي وممايت.(٤) المشهور، سمي بذلك لمسحه الأرض ذهابه فيها، أو لكونه ممسوحًا عن كل خير، أو لأنه ممسوح العين اليمنى أعورها، قال ﵊: «إنه أعور» ، وسمي دجالاً لخداعه أو لكذبه، أو لتمويهه على الناس، وتغطيته الحق
بالباطل وتلبيسه من الدجال، وهو التغطية والخداع، وقيل: إنه بالخاء المعجمة، وهو بمعنى الخداع والكذب، وأما المسيح ابن مريم فلحسنه، أو لسياحته، أو لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لكونه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقال أبو الهيثم وغيره: المسيح بالمهملة ضد المسيخ، بالمعجمة، عيسى مسحه الله إذ خلقه خلقًا حسنًا، ومسخ الدجال إذ خلقه خلقًا ملعونًا.стр. 649
(و) يجوز أن (يدعو بما ورد) (١) أي في الكتاب والسنة (٢) . الحواشي
(١) بل يسن أن يدعو بما ورد، فقد شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته، ما لم يشق على مأموم ففي الصحيح: «وليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به» ، ولمسلم «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» ، أو «ما أحب» والمأثور أفضل، قال الشيخ الإسلام: والدعاء في آخرها قبل الخروج مشروع، مسنون، بالسنة المستفيضة وإجماع المسلمين وقد ذهب طائفة إلى وجوب المأمور به فيه اهـ وقد كان غالب دعائه ﷺ بعد التشهد قبل السلام، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهو اللائق بحالة المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في الصلاة، فلا ينبغي للعبد أن يترك سؤال مولاه، في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، وآكده عند خروجه من هذه العبادة على هذه الهيئة، وقد شرع له أمام استعطافه كلمات التحية، مقدمة بين يدي سؤاله، بمنزلة خطبة الحاجة أمامها، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يديه، فكأنه توسل إلى الله بعبوديته، وبالثناء عليه، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم الصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، فهذا الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك، وليكن منك بأدب وخشوع، وحضور قلب ورغبة ورهبة، فإنه لا يستجاب الدعاء من قلب غافل.(٢) كقوله ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *﴾ وكما في الصحيحين عن النبي ﷺ «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا
كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» ، وكقوله: «اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وماأسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» قال علي وكان آخر ما يقول بين التشهد والسلام، والأول علمه النبي ﷺ أبا بكر ليدعو به في صلاته، وكقوله: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره» وغير ذلك مما ورد.стр. 650
أو عن الصحابة والسلف (١) أو بأمر الآخرة، ولو لم
يشبه ما ورد (٢) وليس له الدعاء بشيء مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها (٣) كقوله: اللهم ارزقني جارية حسناء، أو طعاما طيبا، وما أشبهه (٤) . الحواشي
(١) مما ثبت عنهم، فهم القدوة، نحو: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك.(٢) نحو: اللهم أحسن خاتمتي، وكالدعاء بالرحمة والعصمة من الفواحش، وكالدعاء بالرزق الحلال، ونحو ذلك، لحديث ابن مسعود «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» ، وحديث: «ثم ليدع بما شاء» صححه الترمذي.(٣) لحديث «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» رواه مسلم، والدنيا اسم لهذه الدار، وما فيها، ما سميت به بدنوها وقربها، والملاذ المشتهيات، والشهوات مفردها شهوة، وهي اللذة، واللذة إدراك الملائم من حيث أنه ملائم، وكذا الشهوة حركة النفس طلبا للملائم أو الملذ.(٤) كبستانا أنيقا، وكحلة خضراء، أو دابة هملاجة، أو دارا واسعة، ونحو ذلك.стр. 651
وتبطل به (١) (ثم يسلم) وهو جالس (٢) لقوله ﵇: «وتحليلها التسليم» (٣) . الحواشي
(١) أي تبطل الصلاة بالدعاء به، لأنه من كلام الآدميين، وعنه يجوز الدعاء بحوائج دنياه وملاذها، مما ذكره ونحوه، قال أحمد: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه من حوائج دنياه وأخراه، قال الشارح: وهو الصحيح، اختاره شيخنا، لظواهر الأخبار اهـ، ولا بأس بالدعاء لشخص معين، ما لم يأت بكاف الخطاب فتبطل به، وفي الفروع، وظاهر كلامهم لا تبطل بقوله: لعنه الله، عند ذكر الشيطان على الأصح، لقوله ﷺ : «اللهم العن فلانا وفلانا» .(٢) بلا نزاع قاله في المبدع ملتفتا يبدأ السلام مع ابتداء التفاته وينهيه معه، وهو تحليلها وليس لها تحليل سواه.(٣) أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، أي وتحليل ما كان حراما فيها حاصل بالتسليم جعل تحليلا لها يخرج به المصلي، كما يخرج بتحليل الحج منه، وكل عبادة وهو بابها الذي يخرج به منها، وليس لها تحليل سواه، قال في محاسن الشريعة: فيه معنى لطيف، كأن المصلي مشغول عن الناس، ثم أقبل عليهم كغائب حضر اهـ. والحكمة أنه ما دام في صلاته فهو في حمى مولاه، فإذا انصرف ابتدرته الآفات، فإذا انصرف مصحوبا بالسلام الذي جعل تحليلا لها لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الأخرى، وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل كل خير وأساسه وشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به، وذلك دعاء له، وللمصلي معه ثم شرع لكل مصل، وإن كان منفردا، لتوقف الخروج منها إلا به، قال ﵊: «إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك» .стр. 652
وهو منها (١) فيقول: (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله (٢) وعن يساره كذلك) (٣) وسن التفاته عن يساره أكثر (٤) . الحواشي
(١) أي من الصلاة وركن من أركانها، عند جمهور العلماء للخبر.(٢) يبتدئ السلام متوجها إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات وفاقا للشافعي وغيره، ويكون مرتبا معرفا وجوبا، لأن الأحاديث صحت بذلك عن النبي ﷺ أنه كان يقول كذلك ولم ينقل خلافه، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .(٣) أي ويقول عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، لحديث سعد أنه رآه يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى يرى بياض خده، رواه مسلم، ولأهل السنن نحوه عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال العقيلي: والأسانيد صحيحة ثابتة في حديث ابن مسعود في التسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء اهـ وقد أجمع العلماء على مشروعيتهما، وهو فعله الراتب، وقال ابن القيم: ثبتت بهما السنة الصحيحة المحكمة عن خمسة عشر صحابيا، ما بين صحيح وحسن اهـ. ونص الطحاوي وغيره على تواتر التسليمتين عنه ﷺ وقال البغوي، وغيره: التسليمة الثانية زيادة من ثقات يجب قبولها، والواحدة غير ثابتة عند أهل النقل.(٤) بحيث يرى خده، لفعله ﵊، رواه يحيى بن محمد، عن عمار، وفيه وإذا سلم عن يساره يرى بياض خده الأيمن والأيسر، والالتفات سنة فيهما لما تقدم، وقال أحمد: ثبت عندنا من غير وجه أنه كان يسلم عن يمينه ويساره، حتى يرى بياض خده.стр. 653
وأن لا يطول السلام (١) ولا يمده في الصلاة (٢) ولا على الناس (٣) وأن يقف على آخر كل تسليمة (٤) وأن ينوي به الخروج
من الصلاة (٥) ولا يجزئ إن لم يقل: ورحمة الله. في غير صلاة الجنازة (٦) . الحواشي
(١) أي لا يمد به صوته.(٢) عطف تفسير، والمد إطالة الصوت بحرف من حروف المد، لقول أبي هريرة: حذف السلام سنة، وروي مرفوعا، عنه ﷺ وصححه الترمذي وعليه أهل العلم، وقال ابن سيد الناس: قال العلماء: يستحب أن يدرج لفظ السلام، ولا يمد مدا، لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء اهـ وحذفه تخفيفه، واختصاره، أي عدم تطويله ومده، يقال حذف في قوله: أوجز واختصر.(٣) أي لا يطول السلام ولا يمده إذا سلم على الناس.(٤) فيسكن الهاء من لفظ الجلالة، قال النخعي: السلام جزم.(٥) لتكون النية شاملة لطرفي الصلاة، وينوي به السلام على الحفظة وعلى الحاضرين، لحديث سمرة: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض، رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وإسناده ثقات، والبزار وزاد، في الصلاة قال الحافظ: وإسناده حسن، وقال النووي: السلام على الملائكة والمقربين، ومن تبعهم من المسلمين، اعتضدت طرقه، فصار حسنا أو صحيحا، وعند مالك يجب نية الخروج منها، واختاره ابن حامد، وهو قول الشافعي وغيره.(٦) لأنه ﵊ كان يقوله، ولأنه سلام في صلاة ورد مقرونا بالرحمة، فلم يجزئه بدونها، كالسلام في التشهد، وأما صلاة الجنازة فيجزئه.стр. 654
والأولى أن لا يزيد: وبركاته (١) (وإن كان) المصلي (في ثلاثية) كمغرب (أو رباعية) كظهر (نهض مكبرا بعد التشهد الأول) (٢) ولا يرفع يديه (٣) . الحواشي
(١) لعدم وروده في أكثر الأخبار، وإن زاد جاز، لما رواه أبو داود من حديث وائل، كان يسلم عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله كذلك، ما لم يتخذ ذلك عادة فلا، لمخالفة السنة المستفيضة.(٢) قائما على صدور قدميه، لأنه انتقال إلى قيام، فأشبه القيام من سجود الأولى، وثلاثية أي ثلاث ركعات أي المغرب، ورباعية أي أربع ركعات أي الظهر والعصر والعشاء، نسبة إلى رباع المعدول عن أربعة، كثلاث تقول في المذكر رباعي، وفي المؤنث رباعية.(٣) حكاه بعضهم وفاقا، وعليه جماهير الأصحاب، وعنه يرفع يديه، قال الشيخ: مندوب إليه عند محققي العلماء العاملين بالسنة، وقد ثبت في الصحاح والسنن، ولا معارض لها ولا مقاوم، واختاره هو والمجد وصاحب الفائق وابن عبدوس، واستظهره في المبدع والفروع، وصوبه في الإنصاف، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ومذهب أهل الحديث، لما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري أيضا، وجاء ذكرها مصرحا به في حديث أبي حميد الساعدي. قال: ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع عند افتتاح الصلاة، رواه مسلم وابن أبي حاتم في صحيحه وغيرهما، وصححه الترمذي وغيره من حديث علي، وهو عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ولأبي داود نحوه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، وصححه البخاري في جزء رفع اليدين، وقال: ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة صحيح
لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم، وقال ابن بطال: هذه زيادة يجب قبولها اهـ وقد رواه جماعة من الصحابة بحضرة أصحابهم، وصدقوهم على ذلك، وثبت عن خلائق من السلف والخلف فتعين استحبابه.стр. 655
(وصلى ما بقي (١) كـ) الركعة (الثانية بالحمد) أي الفاتحة (فقط) (٢) ويسر بالقراءة (٣) (ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا) (٤) يفرش رجله اليسرى (٥) . الحواشي
(١) أي من صلاته، وهو ركعة من مغرب، ووتر، وركعتان من رباعية.(٢) هذا قول أكثر أهل العلم، وقال ابن سيرين: لا أعلمهم يختلفون فيه اهـ ولم يثبت عنه ﷺ أنه كان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا، وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهر في الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين، وربما قرأ في الأخيرتين بشيء فوق الفاتحة لما رواه مسلم من حديث أبي سعيد وغيره، وهو قول للشافعي.(٣) إجماعا، نقله الخلف عن السلف، وصرح في المبدع والإنصاف وغيرهما أنه لا يجهر في الثالثة والرابعة بلا خلاف.(٤) بلا نزاع متفعلا من الورك، والورك ما فوق الفخذ، والتورك الإتكاء على إحدى وركيه، وهو في الصلاة القعود على الورك اليسرى.(٥) بضم الراء على المشهور، وحكى القاضي كسرها ولم يحك الضم، ومعنى فرشها جعل ظهرها على الأرض، وعند الخرقي يجعل باطن اليسرى تحت فخذه اليمنى، لأنه ﵊ كان يفعله، رواه مسلم، واختاره المجد والقاضي، والشارح، وقال: أيهما فعل فحسن.стр. 656
وينصب اليمنى، ويخرجهما عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض (١) ثم يتشهد ويسلم (٢) (والمرأة مثله) أي مثل الرجل في جميع ما تقدم (٣) حتى رفع اليدين (٤) (لكن تضم نفسها) في الركوع والسجود وغيرهما، فلا تتجافى (٥) . الحواشي
(١) لقول أبي حميد: فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة. رواه أبو داود، وللبخاري عنه قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته، ونحوه عند مسلم من حديث أبي سعيد، وغيره، وهذا التورك جعل فرقا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يسن تخفيفه، فيكون الجالس فيه متهيئا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه على هيئة المستقر، وأيضا تكون هيئات الجلوسين فارقة بين التشهدين، مذكرة للمصلي حاله فيهما، وإن سجد لسهو بعد السلام في ثلاثية فأكثر تورك، قال في الإنصاف، بلا خلاف أعلمه، وفي ثنائية ووتر يفترش، والسنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق أهل العلم، وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة، وأليتيه بفتح اللام، وقال ابن السكيت وجماعة، لا تكسر الهمزة والتثنية أليان بحذف التاء على غير قياس، وبإثباتها في لغة، ولا يقال لية، والجمع أليات، مثل سجدة وسجدات.(٢) وهو جالس بلا نزاع، كما تقدم.(٣) من أركان وواجبات ومندوبات، قولية أو فعلية، لشمول الخطاب لها، سوى ما استثنى في حقها.(٤) في مواضع. وقال المجد: ترفع قليلا، وهو أوسط الأقوال.(٥) ندبا بل تجمع نفسها، وتنخفض وتلصق مرفقيها بجنبيها وبطنها بفخذيها، وغيرهما في جميع الصلاة، لأنه أستر لها، قال في الإنصاف: بلا نزاع
والنفل كالفرض في الجلوس، وهو مذهب مالك والشافعي، والجمهور، ومثلها الخنثى احتياطا.стр. 657
(وتسدل رجليها في جانب يمينها) إذا جلست (١) وهو أفضل (٢) أو متربعة (٣) ، وتسر بالقراءة وجوبا إن سمعها أجنبي (٤) وخنثى كأنثى (٥) ثم يسن أن يستغفر ثلاثا (٦) . الحواشي
(١) أي تسدلهما في جميع الجلسات، لوجود المعنى الذي لأجله شرع الجلوس على هذه الكيفية، ولم يصرحوا بحكم جلوسها على غير هذه الكيفية، المشروعة في حقها، إلا ما يفهم بالكراهة في الفروع، حيث قال: ولا تجلس كالرجل، لكن قال البخاري: كانت أم الدرداء تجلس كالرجل وهي فقيهة.(٢) أي من تربعها، قال في المبدع وغيره: لأنه فعل عائشة، وأشبه بجلسة الرجل، وأبلغ في الإكمال والضم، وأسهل عليها.(٣) لأن ابن عمر كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة، والتربع هو الجلوس المعروف، اسم فاعل من تربع، سمي بذلك لأنه قد ربع نفسه كما يربع الشيء، إذا جعل أربعا، والأربع هنا الساقان والفخذان، ربعها أي أدخل بعضها تحت بعض.(٤) خشية الفتنة بها، ولأن صوت المرأة عورة، وقال الشيخ في المرأة، إذا صلت بالنساء جهرت بالقراءة وإلا فلا.(٥) فيما تقدم احتياطا إن سمعها أجنبي، لاحتمال أن يكون امرأة.(٦) فيقول: استغفر الله، ثلاث مرات، للخبر الآتي وغيره.стр. 658
ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (١) ويقول: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر، معا ثلاثا وثلاثين (٢) . الحواشي
(١) لما في الصحيح وغيره، كان إذا سلم استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ، وفي الصحيحين ثم يقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون» ، وهو في الصحيحين أيضا من حديث ابن الزبير، أنه كان يقوله، وفي الصحيح أنه كان يهلل بهن، وفي لفظ: حين يسلم، ولمسلم: بأعلى صوته، ففيه تقديمه يلي السلام، مقدما على غيره، وفي الصحيح: أن رفع الناس أصواتهم بالذكر بعد الصلاة كان على عهد رسول الله ﷺ وفي الصحيحين أنه كان يقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، أي لا ينفع ذا الحظ منك حظه وغناه، إنما ينفعه العمل الصالح، وقال ﵊ لمعاذ: لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك» .(٢) أي يقولها جميعا ثلاثا وثلاثين مرة، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتمام المائة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، قال الشيخ: ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة وقال بعض السلف والخلف، ويعقده والاستغفار، بيده لحديث يسيره عليكن
بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وسواء ضبط عدده بأصابعه أو برءوسها أو بمفاصلها بأن يضع إبهامه في كل ذكر على مفصل، قال الشيخ: وعد التسبيح بالأصابع سنة وبالنوى والحصى ونحو ذلك حسن، وأما ما يجعل في نظام الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا حسنت فيه النية فهو حسن، وأما اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، ونحو ذلك، فهذا إما رئاء الناس، أو مظنة المراءة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة اهـ.
وروى الخمسة وصححه الترمذي من حديث ابن غنم عن أبي ذر: «من قال بعد صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كتب له كذا وكذا» ، الحديث ولأحمد والنسائي وغيرهما عن معاذ نحوه، وفيه «وصلاة المغرب والصبح» ، ولأحمد وغيره نحوه من حديث أم سلمة وأخرجه الرافعي بلفظ: «إذا صليتم صلاة الفرض فقولوا عقب كل صلاة عشر مرات» والحديث، وذكر بعضهم أنه لا خلفا في استحبابه بعد الصبح والمغرب، وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، من حديث الحارث: «اللهم أجرني من النار» سبع مرات، ولأحمد وغيره عن أبي أمامة وغيره: يقرأ سرا بعد كل صلاة آية الكرسي وصححه في المختارة، وقال ابن القيم: له طرق تدل على أن له أصلا اهـ، ويقرأ سرا سورة الإخلاص والمعوذتين، لحديث عقبة رواه أحمد وأهل السنن.стр. 659
و يدعو بعد كل مكتوبة، مخلصا في دعائه (١) . الحواشي
(١) لأن الدعاء عبادة، والإخلاص ركنها الأعظم قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ومجتنبا للحرام قال الشيخ: إذا لم يخلص الداعي في الدعاء، ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما ويكون بخوف
وخشوع، وحضور قلب، وعزم ورغبة ورهبة، ورجاء، وينتظر الإجابة، ولا يعجل، والحاصل أنه يستحب للعبد إذا فرغ من صلاته واستغفر الله، وذكره وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مما تقدم، ونحوه، أن يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو بما شاء، فإن الدعاء عقب هذه العبادة من أحرى أوقات الإجابة لا سيما بعد ذكر الله وحمده والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ ومن أبلغ الأسباب لجلب المنافع ودفع المضار، وفي حديث فضالة: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء» ، صححه الترمذي، والذكر بعد الإنصراف هو كما قالت عائشة: مثل مسح المرأة بعد صقالها، فإن الصلاة نور، فهي تصقل القلب، كما تصقل المرأة ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة فقمن أن يستجاب للداعي حينئذ، وإن ارتاضت نفسه على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أبلغ فإنه أفضل ممن يجاهدها على الطاعة ويكرهها عليها، وينبغي أن يخفيه، فإن في إخفاء الدعاء فوائد، منها أنه أعظم إيمانا، وأعظم في الأدب والتعظيم، وأبلغ في التضرع والخشوع، والإخلاص وجمعية القلب على الله، وأنه دال على قرب صاحبه من الله، وأدعى إلى دوام الطلب والسؤال، وأبعد عن القواطع والمشوشات، وغير ذلك من الفوائد، وأما إظهاره والاجتماع عليه فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا، لا في الفجر ولا في العصر ولا غيرهما من الصلوات، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة قال الشيخ: ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط عليه، ويستحب جلوسه بعد فجر وعصر إلى طلوعها، وغروبها، نص عليه، واقتصر بعضهم على الفجر لفعله ﷺ رواه مسلم.стр. 660
............................................................
стр. 661
فصل (١)
(ويكره في الصلاة التفاته) لقوله ﵇ «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» ورواه البخاري (٢) وإن كان لخوف ونحوه لم يكره (٣) . الحواشي
(١) أي هذا فصل فيما يكره في الصلاة، وما يباح ويستحب، وما يتعلق بذلك، والفصل لغة الحاجز بين الشيئين واصطلاحا هو الحاجز بين أجناس مسائل العلوم وأنواعها، وتقدم أنها إنما فصلت وبوبت تنشيطا لقارئها لأنه إذا ختم فصلا أو بابا وشرع في غيره كان أنشط له، وتسهيلا لمراجعة المسائل.(٢) الاختلاس الاختطاف بسرعة على غفلة، ولأحمد وغيره عن أبي ذر مرفوعا «لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه» وللترمذي وصححه عن أنس قال: إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، وغير ذلك من الأحاديث، ويكره بلا حاجة إجماعا، وذكر البزار عن أبي الدرداء، لا صلاة للملتفت وقال ابن عبد البر: جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرا، ويقال: إن الحكمة في جعل سجود السهو جابرا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره، مما ينقص الخشوع لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد، ليتيقظ العبد له فيجتنبه.(٣) لحديث سهل قال: ثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، رواه أبو داود، والمراد الشعب الذي يجيء منه الطليعة، ولم يكن من فعله الراتب، وإنما فعله لعارض، وكذا قال ابن عباس: كان
يلتفت يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره، رواه النسائي والترمذي
بإسناد صحيح، ولمسلم صلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا، والتفت أبو بكر حين سبحوا به لمجيء رسول الله ﷺ ونحو الخوف غرض من الأغراض، أو حاجة، كما فعل النبي ﷺ .стр. 662
وإن استدار بجملته (١) أو استدبر القبلة في غير شدة خوف، بطلت صلاته (٢) (و) يكره (رفع بصره إلى السماء) إلا إذا تجشى فيرفع وجهه، لئلا يؤذي من حوله (٣) لحديث أنس ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم (٤) ، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: لينتهين أو لتخطفن أبصارهم. الحواشي
(١) أي بجميع بدنه، في غير شدة خوف بطلت صلاته، لا إن التفت بصدره ووجهه، فلا يصدق عليه أنه استدار بجملته، فلا تبطل، ما لم يتحول عن القبلة مع تحول قدميه.(٢) إجماعا، أو استدبر بجملته فقط، لتركه الاستقبال بلا عذر، وقال في الإنصاف: إن استدار بجملته أو استدبرها فإن صلاته تبطل بلا نزاع، لا بصدره مع وجهه، ذكره ابن عقيل والشيخ وغيرهما، وفهم الصحابة إشارته ولا يمكن إلا مع الالتفات، وكانوا يعلمون قراءته باضطراب لحيته، ولم يأمرهم بالإعادة وأما في شدة الخوف فلا تبطل، لسقوط الاستقبال، لأن ذلك من ضروريات قتاله، ومثل ذلك من في الكعبة فإنها لا تبطل بلا نزاع، لأنه إذا استدبر جهة فقد استقبل الأخرى.(٣) براحة الجشاء إذا كان في جماعة وفاقًا، والجشاء كغراب خروج صوت مع ريح يستفرغ من المعدة إلى طريق الفم، يحصل عند الشبع.(٤) أي ما حالهم وشأنهم، ويعبر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان وهو الخاطر والقلب.стр. 663
رواه البخاري (١) (و) يكره أيضا (تغميض عينيه) لأنه فعل اليهود (٢) (و) يكره أيضا (إقعاؤه) في الجلوس (٣) وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه (٤) هكذا فسره الإمام (٥) وهو قول أهل الحديث، واقتصر عليه في المغني والمقنع والفروع وغيرها (٦) وعند العرب: الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه، ناصبا قدميه، مثل إقعاء الكلب (٧) . الحواشي
(١) ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة وجابر وفيه «أو لا ترجع إليهم» و (ينتهن) بضم الهاء، أي ليتركن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لتسلبن بسرعة.(٢) نص عليه، واحتج به الإمام أحمد، ولأنه مظنة النوم، لا إن احتاج إليه كخوف محذور، مثل رؤية من يحرم نظره إليه، وقال ابن القيم: ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه، والصواب أن يقال: إن كان تفتيحها لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعا، والقول باستحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده، من القول بالكراهة.(٣) وفاقا لما يأتي.(٤) ومعنى الفرش هنا: جعل ظهرهما مما يلي الأرض، وعقبيه بكسر القاف تثنية عقب مؤخر القدم.(٥) يعني: الإمام أحمد رحمه الله تعالى.(٦) وتبعهم في الإقناع والمنتهى، وزاد: أو بينهما ناصبا قدميه.(٧) ذكره أبو عبيد عن العرب، وقال غيره: ناصبا فخذيه، وقال ابن الأثير والطحاوي وغيرهما، الإقعاء: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض، كما يقعي الكلب، وحكى هذه الصفة الجوهري عن العرب، قال في المغني: لا أعلم أحدا قال باستحباب هذه الصفة.стр. 664
قال في شرح المنتهى (١) ، وكل من الجلستين مكروه، لقوله ﵇: «إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب» رواه ابن ماجه (٢) ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس (٣) لقول ابن عمر: نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده. رواه أحمد وغيره (٤) وأن يستند إلى جدار ونحوه (٥) . الحواشي
(١) يعني لمصنف المنتهى، وهو ابن النجار.(٢) من حديث أنس، وتمامه «ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظهر قدميك بالأرض» ، وله عن علي مرفوعا، «لا تقع بين السجدتين» ولحديث: نهى عن الإقعاء في الصلاة، رواه البيهقي وغيره، وفي رواية: «نهى أن يقعي الرجل في الصلاة» ولأحمد «وإقعاء كإقعاء الكلب» ، والنهي عنه جاء في السنن وغيرها، ولأنه يتضمن ترك الافتراش المسنون قولا وفعلا، فكان مكروها، ولا تبطل به، وما رواه مسلم عن ابن عباس في الإقعاء على القدمين هو سنة، فقال البيهقي: هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض، يعني بين السجدتين، وهو غير ما تقدم عن أبي عبيد وغيره مما نهي عنه، وكذا نحوه إذا وضع أليتيه على الأرض، وركبتاه في الصورتين على الأرض.(٣) من غير حاجة تدعو إليه.(٤) فرواه أبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم، ومعناه أن يضع يده على الأرض ويتكئ عليها.(٥) كعمود فيكره بلا حاجة وفاقا.стр. 665
لأنه يزيل مشقة القيام إلا من حاجة (١) فإن كان يسقط لو أزيل لم تصح (٢) .
(و) يكره (افتراشه ذراعية ساجدًا) بأن يمدهما على الأرض ملصقًا لهما بها (٣) لقوله ﵇: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» متفق عليه من حديث أنس (٤) .
(و) يكره (عبثه) (٥) لأنه ﵊ رأى رجلا يعبث في صلاته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (٦) . الحواشي
(١) كمرض ونحوه فلا يكره، لأنه ﵊ لما أسن وأخذه اللحم اتخذ عمودا في مصلاه، يعتمد عليه، رواه أبو داود.(٢) أي صلاته وفاقًا، لأنه بمنزلة غير القائم.(٣) ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه، وفاقا، والافتراش افتعال منه، أي يبسطهما على الأرض كالفراش له.(٤) ولقوله: «إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» ، صححه الترمذي من حديث جابر، ولأنها صفة الكسلان، والمتهاون، مع ما فيه من التشبه بالسباع.(٥) وفاقًا، وعبث يعبث عبثا من باب تعب، أي لعب وعمل ما لا فائدة فيه، فهو عابث ضد خاشع، ولا فرق بين العبث بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك.(٦) رواه الترمذي وغيره، والخشوع التطامن والذل، وهو قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب، والبصر والصوت، ويكره تقليبه الحصا، ومسحه لحديث أبي ذر مرفوعًا: «إذا قام أحدكم في الصلاة
فلا يمسح الحصا، فإن الرحمة تواجهه» ، رواه أحمد وأهل السنن بإسناد جيد، وفي الصحيحين: «إن كنت فاعلا فواحدة» وفي السنن «واحدة أودع» ، والمعنى لا تمسح وإن مسحت فلا تزد على واحدة واتفق أهل العلم على كراهته إذا لم يكن عذر للأخبار، ولأنه يخالف التواضع والخشوع، والتقييد بالحصا والتراب خرج مخرج الغالب، فلا يدل على نفي غيره من الرمل والقذر وغيره، والأولى مسحه قبل الدخول في الصلاة لئلا يشغل باله وهو في الصلاة.стр. 666
(و) يكره (تخصره) أو وضع يده على خاصرته (١) لنهيه ﵇ أن يصلي الرجل متخصرا، متفق عليه من حديث أبي هريرة (٢) (و) يكره (تروحه) بمروحة ونحوها (٣) لأنه من العبث، إلا لحاجة، كغم شديد (٤) . الحواشي
(١) وفاقًا، أي شاكلته، وهي ما فوق رأس الورك، جمعها خواصر، والخضر الوسط، وهو المستدق فوق الوركين، والجمع خصور، والخصر والخاصرة مترادفان ويقال: الخصران والخاصرتان.(٢) بلفظ الخصر والتخصر والاختصار، مختصرا، قال هشام: يضع يده على خصره وهو يصلي، وعلل أنه فعل الكفار أو المتكبرين، لما صح أنه راحة أهل النار، فلا يليق في الصلاة ولأنه فعل اليهود، وقيل: إنه فعل الشيطان، فنهى عنه كراهة للتشبه باليهود أو الشيطان، ولأنه يمنع الخضوع والخشوع.(٣) أي يكره أخذه الريح بمروحة بالكسر، الآلة يتروح بها على نفسه، حكاه ابن المنذر عن عطاء ومالك وغيرهما، وفي الفروع، وفاقًا، ونحوها الخرقة، وما يشبهها يتروح بها.(٤) من حر فلا يكره للحاجة، ما لم يكثر من التروح فيبطل الصلاة إن تولى، وكذا كل فعل من غير جنس الصلاة إذا طال عرفًا أبطلها إجماعًا، كما سيأتي.стр. 667
ومراوحته بين رجليه مستحبة (١) وتكره كثرته لأنه فعل اليهود (٢) (وفرقعة أصابعه وتشبيكها) (٣) لقوله ﵇: «لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة» رواه ابن ماجه عن علي (٤) وأخرج هو والترمذي عن كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله ﷺ بين أصابعه (٥) . الحواشي
(١) ذكره صاحب الفروع وغيره رواية واحدة، وعن أبي عبيدة أن عبد الله رأى رجلا يصلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، رواه الأثرم، ورواه النسائي وفيه: قال أخطأ السنة، لو راوح بينهما كان أعجب إليّ، والمراوحة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى تارة، إذا طال القيام وكذا تفرقته بينهما مستحبة، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يفرج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما، وأما تقديم إحدى رجليه فمكروه.(٢) أي تكره كثرة المراوحة بين قدميه، لأنه يشبه تمايل اليهود، وفي الصحيح «إذا قام أحدكم في صلاته، فليسكن أطرافه، ولا يميل ميل اليهود» .(٣) وفاقًا، والفرقعة غمزها حتى يسمع لمفاصلها صوت، وتشبيكها إدخال أصابع إحدى يديه بين أصابع الأخرى.(٤) القعقعة كالفرقعة، فعل معروف في أصابع اليدين، وقد يفعل في أصابع الرجلين، قيل حكمة النهي أنه يجلب النوم، ونهى ابن عباس عن التفقيع في الصلاة، وهو فرقعة الأصابع، وغمز مفاصلها حتى تصوت.(٥) وقال ابن عمر -في الذي يصلي وهو مشبك- تلك صلاة المغضوب عليهم رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.стр. 668
ويكره التمطي (١) وفتح فمه، ووضعه فيه شيئا (٢) لا في يده (٣) وأن يصلي وبين يديه ما يلهيه (٤) أو صورة منصوبة، ولو صغيرة (٥) أو نجاسة أو باب مفتوح (٦) . الحواشي
(١) وهو التمغط وتمطى فلان تمدد وتبختر ومد يديه في المشي، لأنه يخرج عن هيئة الخشوع، ويؤذن بالكسل.(٢) فيكره لأنه يذهب الخشوع، ويمنع كمال الحروف.(٣) أي لا يكره وضع شيء في يده، نص عليه، ولا في كمه، إلا إذا شغله عن كمالها فيكره.(٤) فيكره وفاقًا، لأنه يشغله عن إكمال صلاته، وفي الصحيحين، أنه صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلىأبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» والخميصة كساء مربع له أعلام، والأنبجانية كساء غليظ.(٥) فيكره وفاقا، ولو لم تبد للناظر، لما فيه من التشبه بعبادة الأصنام، وظاهره أنها لا تكره إذا لم تكن منصوبة، ولا إذا كانت خلفه في البيت، ولا فوق رأسه في سقف، ولا عن أحد جانبيه، ذكر نحوه في الفروع، وقال الشيخ: والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب، كراهة دخول الكنيسة المصورة، فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك، وتقدم أنها لا تجوز الصلاة فيه ولا عليها.(٦) أي فيكره إذا كانت بين يديه نجاسة، أو كان بين يديه باب مفتوح، قاله في المبدع وغيره، وتكره الكتابة في قبلته، أو تعليق شيء فيها، قال أحمد: كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف اهـ، ويكره التزويق فيها، وكل ما يشغل المصلي.стр. 669
أو إلى نار من قنديل أو شمعة (١) والرمز بالعين، والإشارة لغير حاجة (٢) وإخراج لسانه (٣) وأن يصحب ما فيه صورة من فص أو نحوه (٤) وصلاته إلى متحدث أو نائم (٥) . الحواشي
(١) أو سراج أو نار من حطب ونحو ذلك فيكره، لأنه تشبه بالمجوس في عبادتهم النيران، والصلاة إليها تشبه الصلاة لها، وعبارة الإقناع، ونار ولو سراجا وقنديلا ونحوه، وعبارة التنقيح والمنتهى، ونار مطلقا، وهي أعم، والقنديل المصباح جمعة قناديل، والشمعة بالتحريك، وتسكن وقيل مولدة، ما يستصبح بها، أو موم العسل، وهو ما يجعل على الهيئة المعهودة فيستضاء به.(٢) بيد ووجه وعين ونحوها فيكره، وفي الشرح: لا بأس بالإشارة بالعين واليد، لحديث جابر وغيره، وفي الترمذي وغيره وصححه: أنه ﵊ كان يشير في الصلاة، وقال أحمد وغير واحد: إذا سلم على المصلي رد بالإشارة، ولا يجب عليه بالاتفاق، وفي قول عائشة له: سمعتك تنهى عن هاتين الصلاتين، وأراك تصليهما، فأشار بيده، وفيه أيضا جواز استماع المصلي إلى كلام غيره، وفهمه له، ولا يقدح ذلك في صلاته، كما حكاه الحافظ وغيره.(٣) أي: إبرازه من فيه من غير حاجة، فيكره لما فيه من العبث.(٤) فيكره كدينار ودرهم، وكثوب فيه صورة، فيكره وفاقًا، لتشبهه بعباد الأوثان.(٥) فيكره لنهيه ﵊ عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، رواه أبو داود، ولأنه يشغله عن حضور قلبه فيها، وعنه لا يكره، ويأتي أن كان يصلي وعائشة في قبلته، متفق عليه، وحديث النهي ضعيف، قاله الخطابي وغيره، وكذا تكره صلاته إلى ميت، فهو أولى من النائم، وقيل: لا يكره استقبال ميت، قال شيخنا: كراهته تحتاج إلى دليل.стр. 670
أو كافر (١) أو وجه آدمي (٢) أو إلى امرأة تصلي بين يديه (٣) وإن غلبه تثاؤب كظم ندبًا (٤) فإن لم يقدر وضع يده على فمه (٥) (و) يكره (أن يكون حاقنًا) حال دخوله في الصلاة (٦) . الحواشي
(١) وفاقًا للشافعي، لأنه نجس فتكره الصلاة إليه، قال الشارح: كرهها أحمد، لأنه نجس اهـ ونجاسته معنوية اعتقادية لا حسية بدنية، كما فسر به قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ولو كانت عينية فلا كراهة، كالصلاة إلى البغل والحمار.(٢) وفاقًا، وحكاه القاضي عياض عن عامة العلماء، وعزر عمر من صلى إلى وجه آدمي، لا إلى ظهره، فإن عمر وغيره يصلي إلى ظهر القاعد، وكالصف الثاني، ولا إلى حيوان غير الآدمي، لأنه ﵊ يعرض راحلته ويصلي إليها، ولو كان نجس العين كالبغل والحمار.(٣) لأمره ﵊ بتأخيرهن، ويأتي وإلا تكن تصلي بين يديه فلا يكره، لأنه ﵊ كان يصلي وعائشة في قبلته.(٤) لحديث «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع» ، متفق عليه ولمسلم «وليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخله» ، وفي الحديث «إن الشيطان لا يفتح غلقًا» ، وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق، سوى الأنف والأذنين، ولذلك كان الشيطان يبيت على الخيشوم، ويبول في الأذنين، لأنها منافذ يتوصل إلى القلب منها، والتثاؤب ينشأ من امتلاء المعدة، وثقل البدن، وأجمعوا على كراهته، حكاه الوزير وغيره، و (كظم) أي أمسك، ومنع فاه عن الانفتاح.(٥) لقوله: «فليضع يده على فيه» ، رواه الترمذي، فيضع ظهر كفيه اليسرى، ليشبه الدافع له، وقد تقدم أن اليسرى لما خبث.(٦) إجماعًا للنهي عن ذلك.следующие страницы →