Полный текст (4 103 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
أو امرأة) أو خنثى وهو رجل (١) (أو من علم حدثه) أو نجاسته (أحدهما) أي المصلي أو المصافف له (٢) (أو) لم يقف معه إلا (صبي في فرض ففذ) أي فرد فلا تصح صلاته ركعة فأكثر (٣) وعلم منه صحة مصافة الصبي في النفل (٤) أو من جهل حدثه أو نجسه حتى فرغ (٥) . الحواشي
(١) ففذ على الصحيح من المذهب، وذكره المجد وغيره عن أكثر الأصحاب والشيخ وغيره منصوص أحمد، لأنهما ليسا من أهل الوقوف معه.(٢) ففذ وعليه الأصحاب، فإن وقوف المحدث أو النجس كعدمه، وكذا لو علم المصاف حدث نفسه أو نجسه.(٣) لأنه لا تصح إمامته بالرجل في الفرض، فلا تصح مصافته له وصرح منصور بأنه سواء كان فرض عين أو كفاية، فيشمل صلاة الجنازة، وتقدم خبر عمرو وهو غلام وصحة إمامته لبالغ فمصافته أولى واختاره ابن عقيل وصوبه في القواعد الأصولية، قال في الفروع: وهو أظهر وفاقا، وعليه العمل، قال شيخنا: وهو قول قوي: ولأن الفريضة والنافلة سواء إلا بمخصص.(٤) لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه وكذا حكم صبية مع نساء.(٥) أي وعلم منه أيضا صحة مصافة من جهل حدثه من أي حدث كان، أو نجسه سواء كان ببدنه أو ثوبه أو بقعة، حتى فرغ منها فليس بفذ قال في الإنصاف وغيره: وهو صحيح وهو المذهب اهـ، ومثله من نسي ولا علمه مصاففه، وكذا إن لم يعلم ما ببدنه أو ثوبه أو بقعته، من نجاسة، ولا علمه مصاففه حتى فرغت فليس بفذ وتصح مصافة مفترض لمنتقل بالغ، كأمي وأخرس، وعاجز عن ركن وشرط، وناقص طهارة ونحوه وفاسق.стр. 912
ومن وجد فُرجة بضم الفاء (١) وهي الخلل في الصف (٢) ولو بعيدة (دخلها) (٣) وكذا إن وجد الصف غير مرصوص وقف فيه (٤) لقوله ﵊: «إن الله وملائكته يَصِلون على الذين يصلون الصفوف» (٥) (وإلا) يجد فرجة (٦) وقف (عن يمين الإمام) لأنه موقف الواحد (٧) فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه، بنحنحة أو كلام أو إشارة (٨) . الحواشي
(١) اقتصر عليه الجوهري وغيره ويجوز فتحها.(٢) وفي الأصل منفرج ما بين الشيئين وكذا الخلل، وكل منفرج بين شيئن فهو فرجة، وانفرج ما بينهما اتسع، والفرجة الموضع الذي يوسعه القوم، في الموقف والمجلس.(٣) لحديث وسدوا الخلل هذا إذا كانت مقابلة له.(٤) وجوبا من غير إلحاق مشقة لغيره، ويكره مشيه إليها عرضا، وعنه: لا يكره لمشروعية المراصة، ووجود الموقف، وما لم يحضر ثان ليصاففه وإلا وجب.(٥) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عائشة، زاد ابن ماجة ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة، وللطبراني نحوه عن أبي هريرة، وأبي داود وغيره عن البراء.(٦) أي يدخلها، ووجد الصف مرصوصا.(٧) إجماعا، لخبر ابن عباس وغيره، وفي المبدع: ويندب تخلفه قليلا خوفًا من التقدم.(٨) أي فإن لم يمكنه أن يدخل الصف، ولا يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه صفا ليتمكن من الاقتداء، بـ (نحنحة) ترديده الصوت في الجوف أو (كلام) كأن يقول: ليستأخر أحدكم أكون صفا معه ونحو ذلك أو إشارة بيد أو عين أو حاجب.стр. 913
وكره بجذبه (١) ويتبعه من نبهه وجوبًا (٢) (فإن صلى فذًا ركعة لم تصح) صلاته لما تقدم (٣) وكرره لأجل ما أعقبه به (٤) (وإن ركع فذًا) أي فردًا لعذر، بأن خشي فوات الركعة (ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (٥) . الحواشي
(١) أي وكره تنبيهه بجذبه، لأنه تصرف فيه بغير إذنه، ولا يحرم، وصحح في المغني وغيره، جوازه، وقال الشيخ: يصلي خلف الصف فذًا، ولا يجذب غيره وتصح في هذه الحالة فذا لأن غاية المصافة، أن تكون واجبة، فتسقط بالعذر، وقال: الأفضل أن يقف وحده، ولا يجذب لما في الجذب، من التصرف في المجذوب، وإن كان المجذوب يطيعه، قائما أفضل له، وللمجذوب الاصطفاف معه مع بقاء فرجة أو وقوف المتأخر وحده ونحوه، وقوله: (اجتررت رجلا) ، فيه مقال، ولو حضر اثنان فالأفضل اصطفافهما وفاقا، لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب، ورجحه الشيخ وغيره.(٢) وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، وهو أفضل من بقائه في مقامه.(٣) يعني في قوله، ولا الفذ خلفه، أو خلف الصف، وتقدمت الأدلة عليه وصحتها مع العذر.(٤) أي كرر قوله: فإن صلى فذا وإن تغاير اللفظ فالمعنى واحد، وعلل جواز التكرر بما أعقبه به من دخول الصف إن وجد فرجة، أو الوقوف خلف الإمام، أو تنبيه من يقوم معه وهو مسوغ.(٥) صحت صلاته إجماعا، لأنه أدرك في الصف ماتدرك به الركعة.стр. 914
(أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت) صلاته (١) لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف، فقال له النبي ﷺ : «زادك الله حرصا ولا تعد» رواه البخاري (٢) وإن فعله ولم يخش فوات الركعة لم تصح، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع، قبل أن يدخل الصف، أو يقف معه آخر (٣) . الحواشي
(١) أي وإن ركع فذا خشية فوات الركعة، ثم وقف معه آخر قبل سجود الإمام في تلك الركعة، صحت صلاته إجماعًا.(٢) وأقره النبي ﷺ ولعل غايته أنه دخل الصف قبل سجوده ﷺ وتعد بضم العين من العود، قال الحافظ: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم من الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف، وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحا، في طرق حديثه، وفعله زيد بن ثابت وابن مسعود وأخرجه مالك وغيره، وكما لو أدرك معه الركوع، وأبو بكرة اسمه نفيع بين الحارث بن كلدة الثقفي، قيل له: أبو بكرة لأنه تدلى إلى النبي ﷺ في بكرة من حصن الطائف، فأعتقه توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين.(٣) لأن الرخصة وردت في المعذور، فلا يلحق به غيره، وقدم في الكافي أنها تصح، لأن الموقف لا يختلف بخيفة الوات وعدمه، وقال الشيخ: إذا ركع دون الصف، ثم دخل الصف بعد ركوع الإمام صحت صلاته، وتقدم نحوه، وتقدم أيضا قوله: إنها تصح صلاة الفذ لعذر، وفاقًا لأبي حنيفة، وأن الأفضل وقوفه وحده ولا يجذب، إلخ وقال: من آخر الدخول في الصف مع إمكانه، حتى قضي القيام، فهذا تجوز صلاته، عن جماهير العلماء.стр. 915
فصل
في أحكام الاقتداء (١)
يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا كانا (في المسجد (٢) وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير) لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به، بسماع التكبير أشبه المشاهدة (٣) . الحواشي
(١) اقتدى به: فعل مثل ما فعل، والمقتدي شرعا من يصلي خلف الإمام.(٢) وساحته: والمنارة التي هي منه، نقل غير واحد إجماع المسلمين فيه، ولو لم تتصل الصفوف عرفًا، لأن المسحد بني للجماعة، فلا يشترط اتصالها فيه، بلا خلاف في المذهب، وحكاه أبو البركات إجماعا، لأنه في حكم البقعة الواحدة فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معدا للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه، فإذا اتصلت صحت إجماعًا.(٣) ولو كان بينهما حائل، إذا علم حال الإمام، وفاقا لمالك والشافعي، وحكي الإجماع على أنه لا يضر بعد المؤتم في المسجد ولا الحائل ولو كان فوق القامة، مهما علم حال الإمام، واعتبره في الشرح وغيره ببعد غير معتاد بحيث يمنع إمكان الاقتداء لأنه لا نص فيه ولا إجماع، فرجع فيه إلى العرف، وقال في كفاية المبتدي وغيرها، ولا يشترط الاتصال، إذا حصلت الرؤية المعتبرة، وأمكن الاقتداء وفي شرحها، ولو جاوز ثلاث مائة ذراع اهـ ولو كان في صحراء ليس فيها قارعة طريق، وبعدوا عن الإمام، أو تباعدت الصفوف جاز ذلك، مع سماع التكبير، ووجود المشاهدة إن اعتبرت.стр. 916
(وكذا) يصح الاقتداء إذا كان أحدهما (خارجه) أي خارج المسجد (إن رأى) المأموم (الإمام أو) بعض (المأمومين) الذين وراءَ الإمام (١) ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة أو من شباك ونحوه (٢) . الحواشي
(١) ولو لم تتصل الصفوف لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية وإمكان الاقتداء وإن لم يره ولا بعض من وراءه لم تصح صلاة المأموم لعدم تمكنه من الاقتداء بإمامه، وقال النووي: يشترط أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد، وبه قال جماهير العلماء.(٢) كطاق صغيرة صحت، لتمكنه إذا من متابعته لا إن سمعه من غير رؤية فلا يصح الاقتداء، لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها، لا تصلين بصلاة الإمام فإن كن دونه في حجاب، رواه الشافعي وغيره، ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، قال الشيخ: إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء اهـ وتكفي الرؤية في بعض الصلاة، لما في الصحيح من حديث عائشة كان يصلي من الليل، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته، الحديث، ولحديث الحصير الذي نصبته على باب حجرتها والمسلمون يصلون بصلاته، وقال النووي: يشترط لصحة الإقتداء، علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، بالإجماع، ويحصل العلم له بذلك بسماع الإمام أو من خلفه، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، ولو كان المأموم أعمى اشترط أن يصلي بجنب كامل ليعتد بموافقته مستدلا بها.стр. 917
وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن (١) أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف، حيث صحت فيه (٢) أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى، في غير شدة خوف لم يصح الاقتداء (٣) . الحواشي
(١) لم يصح الاقتداء فإن لم تجر فيه صحت، وعنه: تصح وإن جرت، إذا أمكنه الاقتداء اختاره الشيخ وغيره، وفاقا لمالك والشافعي.(٢) أي في الحال الذي تصح الصلاة فيه، يعني الطريق، وهو ماإذا ضاق المسجد بنحو صلاة جمعة، بخلاف سائر الصلوات، فلا تصح، فإن اتصلت إذا صحت، قال الشيخ: إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم، في أظهر قولي العلماء، وعنه: يصح وإن كان ثم طريق لم تتصل فيه الصفوف لفعل أنس، وهو اختيار أبي محمد لإمكان المتابعة قال النووي ولو حال بينهما طريق عند مالك والشافعي والأكثرين(٣) والحالة هذه، لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة إلا في شدة خوف، كحال المسايفة، وأمكن الاقتداء فيصح للعذر، وإلا إذا كانت صلاة جمعة ونحوها، واتصلت فيه الصفوف صح، وعنه: تصح وإن كان في سفينة وإمامه في أخرى، اختاره الشيخ وغيره، وألحق الآمدي بالنهر النار والبئر، وقال في الإنصاف: المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف، على الصحيح من المذهب، وصححه في المغني، فلا يتقدر بشيء، وهو مذهب مالك والشافعي، لأنه لا حد في ذلك ولا إجماع، ولأنه لا يمنع الاقتداء، فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية، أو سماع الصوت، والمنع من الاقتداء بالإمام تحكم محض، لا يلزم المصير إليه ولا العمل به.стр. 918
(وتصح) صلاة المأمومين (خلف إمام عال عنهم) لفعل حذيفة وعمار رواه ابو داود (١) (ويكره) علو الإمام عن المأموم (إذا كان العلو ذراعا فأكثر) (٢) لقوله ﷺ «إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم» (٣) فإن كان العلو يسيرًا، دون ذراع لم يكره (٤) . الحواشي
(١) وهو أن عمارًا صلَّى بالمدائن، فقام على دكان، والناس أسفل منه، فأخذ حذيفة بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله، فلما فرغ قال: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أم الرجل قوما فلا يقومن من مقام أرفع من مقامهم» ؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت بيدي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ورواه الشافعي والبيهقي، ومن لا يحصون من كبار المحدثين ومصنفيهم بأسانيد صحيحة، وللدارقطني معناه بإسناد حسن.(٢) وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، ويشترك الإمام والمأموم في النهي إن انفرد الإمام بالعلو، وفعله في خبر سهل يدل أن النهي ليس للتحريم، ولأن النهي لا يعود إلى داخل في الصلاة، فإن كان مع الإمام أحد مساوله أو أعلى منه زالت الكراهة صرح به ابن نصر الله وغيره.(٣) رواه أبو داود وغيره، والشافعي بلفظ: قال ابن مسعود لحذيفة، ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى ومحل النهي إذا كان ذراعا فأكثر قال ابن فرحون، لأن الإمامة تقتضي الترفع، فإذا انضاف إلى ذلك علوه عليهم في المكان دل على قصده الكبر، وقال الزركشي، يشترك الإمام والمأموم في النهي إذا انفرد الإمام بالعلو.(٤) وصحت بلا خلاف.стр. 919
لصلاته ﷺ على المنبر في أول يوم وضع (١) فالظاهر أنه كان على الدرجة السفلى، جمعًا بين الأخبار (٢) ولا بأس بعلو المأموم (٣) (كـ) ما تكره (إمامته في الطاق) أي طاق القبلة، وهي المحراب (٤) روي عن ابن مسعود وغيره (٥) لأنه يستتر عن بعض المأمومين (٦) . الحواشي
(١) أخرجاه من حديث سهل أنه ﷺ صلى على المنبر ثم نزل القهقري، فسجد وسجدنا معه، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي.(٢) ولئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعًا يسيرًا.(٣) سواء كان قليلا أو كثيرا لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد، بصلاة الإمام، رواه أحمد والشافعي والبيهقي، والبخاري تعليقا، وعن أنس نحوه رواه سعيد ويروى عن ابن عباس وابن عمر، ولأن المتابعة حاصلة أشبهت العلو اليسير وأما ارتفاع المؤتم ارتفاعا مفرطا، بحيث يكون فوق ثلاث مائة ذراع، على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام، فهو ممنوع بالإجماع، من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ذلك فالأصل الجواز.(٤) الذي يقف فيه الإمام، سمي بذلك لأنه يذب عنه، ويحارب عليه، والطاق ما عطف من الأبنية كالقوس، من قنطرة ونافذة وما أشبه ذلك، وصوابه وهو المحراب لأنه مذكر.(٥) ونقل عن مالك وغيره.(٦) أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب فيقف عن يمين المحراب، إن لم يكن حاجة كضيق المسجد، وكثرة الجمع، وقال جماعة من أهل العلم: المشهور الجواز بلا كراهة، وعنه: يستحب اختاره ابن عقيل وغيره، وقطع به ابن الجوزي وغيره ولم يزل عمل الناس عليه.стр. 920
فإن لم يمنع رؤيته لم يكره (١) (و) يكره (تطوعه موضع المكتوبة) بعدها (٢) لقوله ﷺ «لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه» رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة (٣) (إلا من حاجة) فيهما (٤) بأن لا يجد موضعا خاليًا غير ذلك (٥) . الحواشي
(١) وفاقا لزوال العلة.(٢) أي يكره للإمام بلا حاجة تمييزا لفرض الصلاة عن نفلها، وهو الأولى للمأموم أيضا، وعنه: يكره وفاقا كالإمام.(٣) ولفظه «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلي فيه حتى يتحول» أي ينصرف وينتقل من ذلك الموضع، ونحوه لابن ماجه، ولنهيه ﵊ أن توصل صلاة بصلاة، حتى يتكلم أو يخرج رواه مسلم، وذكره البخاري والبغوي أن العلة تكثير مواضع العبادة، لأنها تشهد له، والنص للفصل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام للخبر ويكفي التسبيح.(٤) أي الإمامة في الطاق، والتطوع موضع المكتوبة.(٥) لنحو ضيق مسجد كما إذا لم يجد منصرفا، ولم يمكنه الانحراف، فلا يكره رواية واحدة، ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان لا يصلي فرضه إلا فيه، وكان أحمد يكرهه، وقيل إن كانت فاضلة كنقرة الإمام لم يكره، لفعل سلمة عند الأسطوانة عند المصحف، وقال: إن النبي ﷺ كان يتحرى الصلاة عندها، متفق عليه، ولحاجة كتدريس ونحوه، وذكره بعضهم اتفاقًا.стр. 921
(و) يكره للإمام (إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) (١) لقول عائشة: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه مسلم (٢) فيستحب له أن يقوم (٣) أو ينحرف عن قبلته إلى مأموم جهة قصده (٤) . الحواشي
(١) وذهب إليه بعض المالكية، والشعبي وإبراهيم وقال: احصبوه، ومفهومه لا يكره القعود اليسير مستقبل القبلة، قال في الإنصاف: وهو صحيح وهو المذهب.(٢) أي لا يلبث جالسًا على هيئته قبل السلام، بل ينصرف ويقبل على المأمومين ولأن في تحوله إعلاما بأنه صلى فلا ينتظر وربما إذا بقي على حاله يسهو فيظن أنه لم يسلم، فكره سدا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه أو يظن غيره أنه في الصلاة.(٣) لخبر: كان إذا انصرف انحرف، وأخرج عبد الرزاق عن أنس: كان ﵊ ساعة يسلم يقوم، وذكر أبا بكر كذلك وفي الصحيحين من حديث سمرة، كان إذاصلى صلاته أقبل علينا بوجهه، وغير ذلك من الأحاديث، فدلت النصوص، أنه كان يعقب سلامه بالانصراف، والإقبال على المأمومين وقال الحافظ على قوله: باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، أي وبعد استقبال القوم، ولا فرق بين الانفتال والانصراف، للأخبار الثابتة بكل من ذلك، وحكى النووي وغيره أن عادته ﷺ إذا انصرف استقبل المأمومين جميعهم وقال القاضي وغيرهم، عادته ﷺ أن يستقبل جميعهم بوجهه، وهو مفهوم ما ورد عنه من الذكر بعد الصلاة، وتذكيرهم ووعظهم وغير ذلك.(٤) أي مسيره فإذا قصد أن يخرج مع باب مثلا انحرف إلى المأمومين من جهة ذلك الباب لأنه أرفق به.стр. 922
وإلا فعن يمينه (١) (فإن كان ثم) أي هناك (نساء لبث) في مكانه (قليلا لينصرفن) (٢) لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك (٣) ويستحب أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه (٤) لقوله ﷺ «لا تسبقوني بالانصراف» رواه مسلم (٥) . الحواشي
(١) أي وإن لم يقصد الإمام جهة، فينحرف عن يمينه، بأن تكون يساره تلي القبلة وهذا أفضل، لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين، ولا كراهة في انحرافه على اليسار، لثبوته عنه ﷺ ولإطلاقهم.(٢) أي فإن كان في الجهة التي يريد أن يذهب معها يمينًا أو شمالاً أو أمامًا نساء، لبث في مكانه قليلا، وكذا من معه من الرجال، لينصرف النساء، فلا يدركهن الرجال.(٣) ففي الصحيح وغيره، عن أم سلمة، كان إذا سلم قام النساء، حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مكانه يسيرًا قبل أن يقوم، قال ابن شهاب، فنرى أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال، وللخبر الآتي وغيره، ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، ويستحب للنساء قيامهن عقب سلام الإمام(٤) أي قبل انصراف إمامه عن القبلة، والحكمة في ثبوتهم إلى أن ينصرف الإمام لئلا يذكر سهوًا فيسجد.(٥) قال الطيبي علة نهيه أن يذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، ويشهد لما قاله ما في الصحيح، كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء، الله فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.стр. 923
قال في المغني والشرح: إلا أن يخالف الإمام السنة، في إطالة الجلوس (١) ، أو لم ينحرف فلا بأس بذلك (٢) (ويكره وقوفهم) أي المأمومين (بين السواري إذا قطعن) الصفوف عرفا، بلا حاجة (٣) لقول أنس كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ رواه أحمد وأبو داود وإسناده ثقات (٤) . الحواشي
(١) أي مستقبل القبلة، فلا بأس بانصراف المأموم، قال خارجة بن زيد: السنة أن يقوم الإمام ساعة يسلم، فلا يبقى مستقبل القبلة، وذكر غير واحد أن استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين.(٢) أي بانصراف المأموم إذا لم ينحرف الإمام عن استقبال القبلة، ولا يعيد السلام من سلم قبل الصلاة، ورده واجب، والمصافحة بعد السلام من الصلاة لا أصل لها، لا بنص ولا عمل من الشارع وأصحابه، ولو كانت مشروعة لتوفرت الهمم على نقلها، ولكان السابقون أحق بذلك، وقال الشيخ: بدعة باتفاق المسلمين أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقب الصلاة، لا لأجل الصلاة فحسن، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة.(٣) كضيق المسجد، وكثرة الجماعة، وقدره بعضهم بمحل ثلاثة رجال واستظهر بعضهم أن المراد القطع عرفًا فلا تحديد فيه، وأما مع الحاجة فقال ابن رشد وابن العربي: لا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، والسواري جمع سارية وهي الأسطوانة.(٤) وقال الحافظ: سنده صحيح، ورواه النسائي والترمذي ولابن ماجه نحوه، وفيه، ونطرد عنها طردا، وكرهه ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وغيرهم.
قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ورخص فيه مالك وغيره، وعن أحمد: لا يكره وفاقا، كالإمام والمنفرد.стр. 924
فإن كان الصف صغيرًا، قدر ما بين الساريتين فلا بأس (١) وحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه، فيهدم مسجد الضرار (٢) ويباح اتخاذ المحراب (٣) وكره حضور مسجد وجماعة لمن أكل بصلاًٍ ونحوه، حتى يذهب ريحه (٤) . الحواشي
(١) أي يباح الوقوف بينهما، لأن الصف لا ينقطع بذلك، كما لا يكره للإمام أن يقف بين السواري، لأنه ليس ثم صف.(٢) وجوبا، لقصة مسجد الضرار، ولحديث «لا ضرر ولا ضرار» ، وظاهره أنه إذا لم يقصد به الضرار جاز وإن قرب، واختار الشيخ لا يجوز ويهدم، وصححه في التصحيح وغيره، وظاهره أنه يجوز إذا بعد، ولو قصد به الضرر.(٣) نص عليه وقيل: يستحب أومأ إليه، واختاره الآجري وابن عقيل وغيرهما ليستدل به الجاهل.(٤) أي البصل ونحوه كثوم وكراث وفجل وتنباك وغيرها، من كل ما له رائحة منتنة للأخبار، وكذا إصنان وبخر ونحوه، ونتن خراج وجرح ونحوه، وكذا جزار له ريح منتنة، ومن يتأذى الناس منه من غير رائحة كانتشار قمل ونحوه، ويمنع أبرص ومجذوم يتأذى به، فلا يحل لمجذوم مخالطة صحيح بلا إذنه وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك، ولا يعذر بترك جمعة وجماعة من جهل الطريق إلى محلها، إذا وجد من يهديه، ولا أعمى إذا وجد من يقوده، لحديث الأعمى، ومن الأدب وضع إمام نعله عن يساره، ومأموم بين يديه، لخبر أبي ذر وغيره، ولئلا يتأذى به غيره.стр. 925
فصل
في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (١)
(ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) (٢) لأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» متفق عليه (٣) وكذا خائف حدوث مرض (٤) . الحواشي
(١) أي المبيحة لتركها، وقال أبو الدرداء: من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ.(٢) قال في الإنصاف وغيره: بلا نزاع، وقال ابن المنذر: لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، والمرض فساد المزاج، واضطراب الطبيعة، بعد صفائها واعتدالها، وضده الصحة، قال النووي: ضبطوا المرض الذي يشق معه القصد، كمشقة المشي في المطر.(٣) ففيه دليل على جواز تخلف المريض، وفي آخره: فخرج متوكئا فمن بلغ إل تلك الحالة لا يستحب له الخروج للجماعة، إلا إذا وجد من يتوكأ عليه وقوله: «لأتوهما ولو حبوا» ، على المبالغة، وقال: «من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر» ، قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض» ، رواه أبو داود بإسناد صحيح.(٤) لأنه في معنى المريض، أو خائف زيادته، أو تباطؤه لأنه مرض لما روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعا، أنه فسر العذر بالخوف والمرض، ما لم يكونا في المسجد، فتلزمهما الجمعة والجماعة، لعدم المشقة، ويعذر ممنوع من فعلها، كالمحبوس، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.стр. 926
وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها، راكبا أو محمولا (١) (و) يعذر بتركها (مدافع أحد الأخبثين) البول والغائط (٢) (ومن بحضرة طعام) هو (محتاج إليه) (٣) ويأكل حتى يشبع (٤) لخبر أنس في الصحيحين (٥) . الحواشي
(١) لعدم تكررها، دون الجماعة فتعظم المشقة والمنة، لتكررها، ولأن الجمعة لا بدل لها، إذا فاتت، وكذا لو تبرع من يركبه ويحمله، أو يقود أعمى في الجمعة لزمتهما، وهذا في غير المريض ككبر ونحوه، وأما المريض فيعذر مطلقا ونحو ذلك غلبة سمن مفرط للخبر.(٢) كأن حصره بول ونحوه، أو تضرر بحبسه، وكذا ريح وفاقا، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة، والخشوع فيها، وتقدم قوله: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» .(٣) قال في الإنصاف: بلا نزاع، والمراد إذا قدم إليه ليأكل ومثله تائق لجماع.(٤) على الصحيح من المذهب، وقيل: ما تسكن به نفسه.(٥) أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدءوا به، قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» ، ولخبر ابن عمر: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه» ، وفي لفظ: «حتى يقضي حاجته منه» ، وهو محمول على العموم، نظرا إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، فذكر المغرب لا يقتضي حصرا فيها، وتقدم: «حديث لا صلاة بحضرة طعام» ، وفي الصحيحين: «أنه دعي ﷺ إلى الصلاة، وهو يحتز من كتف شاة، فقام وصلى» ، ولعل المراد مع عدم الحاجة، جمعا بين الأخبار، ولأن العلة تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدور الحكم مع علته وجودا وعدما، وأن لا يعمد إلى هذه الأمور، وإنما تجوز إذا وقعت اتفاقا بل ينبغي اجتنابه إذا كان يقع كثيرا، ولا يرخص في غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك في تفويته، عند جمهور أهل العلم ونص عليه أحمد وغيره.стр. 927
(و) يعذر بتركهما (خائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه) (١) كمن يخاف على ماله من لص ونحوه (٢) أو له خبز في تنور يخاف عليه فسادا (٣) أو له ضالة أو آبق يرجو وجوده إذا (٤) أو يخاف فوته إن تركه (٥) . الحواشي
(١) لأن المشقة اللاحقة بذلك أعظم من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق قال المجد: والأفضل فعل ذلك، وترك الجمعة والجماعة، قال في الإنصاف، وهذا المذهب في ذلك كله، ولو تعمد سبب ضرر المال، وضياع بفتح الضاد أي فقد ماله وصار مهملا.(٢) كذئب فيخاف على غلة يبادرها، وأنعام لا حافظ لها غيره ونحوه، واللص بكسر اللام وتثلث، جمعه لصوص، هو السارق، مأخوذ من اللص وهو فعل الشيء في ستر.(٣) أو طبيخ على نار ونحوه أو أطلق الماء على زرعه أو بستانه ويخاف إن تركه فسد، أو يخاف عدم إنبات بذره، وكنحو جراد لو اشتغل عنه بالجماعة.(٤) كأن دل عليه بمكان، وخاف إن لم يمض إليه سريعا انتقل إلى غيره.(٥) أي في تلك الحال، كمن قدم به من سفر إن لم يقف لأخذه أخفاه أو ضاع، وقال ابن عقيل: خوف فوت المال عذر في ترك الجمعة إن لم يتعمد سببه بل حصل اتفاقا، وقال المجد: الأفضل ترك ما يرجو وجوده ويصلي الجمعة والجماعة، لأن ما عند الله خير وأبقى، وربما لا ينفعه حذره، وهذا والله أعلم ما لم يتشوش خاطره فإن لب الصلاة الخشوع.стр. 928
ولو مستأجرا لحفظ بستان أو مال (١) أو ينضر في معيشة يحتاجها (٢) (أو) كان يخاف بحضوره الجمعة أو الجماعة (موت قريبه) أو رفيقه (٣) أو لم يكن من يمرضهما غيره (٤) . الحواشي
(١) يخاف عليه الضياع إن ذهب وتركه، وهذا إذا كان وقع صدفة، أو لا بد منه، أما إذا كان يعلم ذلك وله بد منه فلا ينبغي تعمده، وترك ما أوجب الله عليه من حضور الجماعة، ويسعى في وجود مؤونة لا تمنعه الجماعة، وألحق بذلك العريان إذا لم يجد سترة، أو لم يجد إلا ما يستر عورته فقط في غير جماعة عراة، وذكر غير واحد إن لم يجد ما تختل مروءته بتركه من اللباس، لأن عليه مشقة بتركه.(٢) بأن عاقه حضور جمعة أو جماعة عن فعل ما هو محتاج لأجرته، كما لو كانت أجرته بقدر كفايته، أو هو وعياله، أو ثمنه، أو تحصيل تملك مال يحتاج إليه.(٣) أي حصول موت قريبه في غيبته عنه، بلا نزاع، وكذا صديقه أو مملوكه أو شيخه، وإن كان له من يمرضه، لأنه يشق عليه فراقه، فيتشوش خشوعه، أو يأنس به المريض، لأن تأنيسه أهم.(٤) أي يتولى تمريضهما لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد، وهو يتجمر للجمعة فأتاه بالعقيق، وترك الجمعة، رواه البخاري، قال في الشرح: ولا نعلم في ذلك خلافا، وكذا أجنبي ليس له من يمرضه، ومرضه يمرضه تمريضا، قام بمداوته ومعاناته والمراد هنا: معاناته.стр. 929
أو يخاف على أهله أو ولده (١) (أو) كان يخاف (على نفسه من ضرر) كسبع (٢) (أو) من (سلطان) يأخذه (٣) (أو) من ملازمة غريم ولا شيء معه يدفعه به (٤) لأن حبس المعسر ظلم (٥) وكذا إن خاف مطالبته بالمؤجل قبل أجله (٦) فإن كان حالا وقدر على وفائه لم يعذر (٧) (أو) كان يخاف بحضورهما (من فوات رفقته) بسفر مباح (٨) . الحواشي
(١) من نحو لص، فيعذر بترك الجمعة والجماعة، وخوفه على أهله لانفرادهم في البيت ونحوه من الفساق لا يكون عذرا في سقوط الجماعة بالكلية بل يلزمه فعلها مهما أمكن، والسعي في الحصول على حضور الجماعة في المساجد.(٢) أو سيل أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه فيعذر.(٣) يعني ظلما، وكذا نائب سلطان يخاف من أخذه ظلما.(٤) لأن ملازمته لا تجوز، وملازمته تعلقه به، ودوامه معه، ولزمته ألزمه تعلقت به، ودمت معه، ولزمت به كذلك، والغريم: الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له، والمراد هنا الأول.(٥) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .(٦) أي ويعذر المدين إن خاف مطالبة من له الدين، ما لم يكن حالا وقدر على وفائه.(٧) للنص لأنه ظالم.(٨) فيعذر، حيث حصل له الضرر ولو ساعة، ورفقته، بضم الراء وكسرها الذين يرافقهم في السفر.стр. 930
سواء أنشأه أو استدامه (١) (أو) حصل له (غلبة نعاس) يخاف به فوت الصلاة في الوقت، أو مع الإمام (٢) (أو) حصل له (أذى بمطر ووحل) بفتح الحاء، وتسكينها لغة رديئة (٣) وكذا ثلج وجليد وبرد (٤) (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) (٥) . الحواشي
(١) أي السفر، بأن ابتدأ منشئا له، أو كان مستمرا فيه مستديما له، لأن عليه في ذلك ضررا.(٢) كمن طرأ عليه نعاس، وخشي إن انتظر الإمام أو الجماعة يغلبه النوم، فتفوته الصلاة في الوقت، أو مع الإمام، فيعذر بتركها وفي المبدع وغيره، ويعذر فيهما بخوف بطلان وضوئه بانتظارها، والصبر والتجلد على دفع النعاس، ويصلي معهم أفضل لما فيه من نيل فضيلة الجماعة، وقطع به في الوجيز والمذهب والمحرر، وذلك ما لم يصل به التجلد والصبر إلى ذهاب الخشوع المطلوب فيها.(٣) قال الجوهري وغيره، وقدمه في المصباح والقاموس، واستدرك عليه، وهو الطين الرقيق ترتطم فيه الدواب، جمعه أو حال ووحول.(٤) وحر، لمشقة الحركة فيها، إذا كان خارجا عما ألفوه، والثلج ينزل من السحاب على شكل أبراد، صفائح منتظمة وتنضم بعضها إلى بعض، حتى تكون على هيئة النجوم الصغيرة، والقطعة منه ثلجة، والجليد الضريب والسقيط، وينزل من السماء فيجمد على الأرض، والبرد بفتحتين شيء ينزل من السحاب، يشبه الحصا، يعرف بحب الغمام.(٥) الريح الهوى إذا هب، وتقييده بالشديدة على خلاف المذهب، قال في الإقناع، ولو لم تكن الريح شديدة، وقال في الإنصاف، والوجه الثاني يكفي كونها باردة فقط، وهو المذهب واشترط المصنف أيضا أن تكون الليلة مظلمة وهو المذهب وعليه الجمهور، ولم يذكر بعض الأصحاب «مظلمة» وهو ظاهر النص.стр. 931
لقول ابن عمر: كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة «صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (١) وكذا تطويل إمام (٢) ومن عليه قود يرجو العفو عنه (٣) . الحواشي
(١) وهو في الصحيحين وغيرهما بلفظ: «أو ذات مطر في السفر» ، وفي الصحيحين عن ابن عباس، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير، زاد مسلم، في يوم جمعة إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، ولكن قل: صلوا في رحالكم، فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني يعني النبي ﷺ وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض والثلج والجليد والبرد كذلك، وكذا الريح الباردة عذر. وقال النووي: البرد الشديد عذر في الليل والنهار، وشدة الحر عذر في الظهر والثلج عذر إن بل الثوب، وذكر أبو المعالي أن كل ما أذهب الخشوع كالحر المزعج عذرا ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في المنع من الحكم والإفتاء والتدريس قال والزلزلة عذر، لانها نوع خوف قال ابن عقيل: ومن له عروس تجلى عليه، قال أبو المعالي: ثم لو قلنا: ينبغي مع هذه الأعذار: إذا أذهبت الخشوع، وجلبت السهر فتركه أفضل، وقال بعض الأصحاب: فعل جميع الرخص أفضل من تركها.(٢) لما تقدم من فعل الرجل الذي انفرد عن معاذ لتطويله ولم ينكر عليه.(٣) ولو على مال ومثله حد قذف.стр. 932
لا من عليه حد (١) ولا إن كان في طريقه أو المسجد منكر (٢) وينكره بحسبه (٣) وإذا طرأ بعض الأعذار في الصلاة أتمها خفيفة إن أمكن (٤) وإلا خرج منها، قاله في المبدع (٥) قال: والمأموم يفارق إمامه أو يخرج منها (٦) . الحواشي
(١) أي لله تعالى كزنا وشرب خمر، فلا يعذر به، لأن الحدود لا تدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.(٢) أي فلا يعذر، لأن المقصود، الذي هو الصلاة في الجماعة لنفسه لا قضاء لحق غيره.(٣) أي بحسب استطاعته للخبر، ويبدأ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.(٤) لقصة معاذ ﵁.(٥) أي وإن لم يمكنه أن يتمها خفيفة خرج منها، وهو مذهب الشافعي وغيره، لقصة معاذ، فإن فيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، كما قاله الحافظ وغيره.(٦) فإن صلى ركعة فأكثر من جمعة أتمها جمعة، وإلا ظهرا، وقال في الروضة بعد أن ذكر أعذار الجمعة والجماعة، لأن من شروط صحة الصلاة أن يعي أفعالها ويعقلها، وهذه الأشياء تمنع ذلك، فإن زالت فعلها على كمال خشوعها، وفعلها مع كمال خشوعها بعد فوت الجماعة، أولى من فعلها مع الجماعة بدون كمال خشوعها. وتقدم كراهة من أكل بصلا ونحوه، وظاهر كلامهم يعذر بترك الجمعة والجماعة لا تحيلا فلا تسقط.
ويحرم لما في الصحيحين عن أنس «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا» ، ولهما عن ابن عمر، «فلا يأت المسجد» .
ولمسلم «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ، وفيهما أن عمر خطب
وقال عن البصل والثوم: لا أراهما إلا خبيثتين، ولقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل، أمر به فأخرج إلى البقيع.
قال الشيخ: والنهي عام في كل مسجد، عند عامة العلماء، وقد ورد من غير وجه، قال في الفروع: ويتوجه مثله كل من به رائحة كريهة، ويكره حضوره مسجدا أو جماعه مطلقا، وحكاه النووي عن العلماء، لما فيه من الإيذاء، وإن أمكنه إزالة الرائحة بمعالجة وغسل فلا عذر له، والنهي عن حضور المسجد لا عن الأكل فهي حلال بإجماع من يعتد به، وقال زكريا: ومن الأعذار كل مشوش للخشوع، مع سعة الوقت، وأكل منتن ومن ببدنه أو ثوبه ريح خبيثة، وإن عذر كذي بخر أو صنان مستحكم، ما لم يسهل عليه إزالته، ومن كان أكله لعذر، ما لم يأكله بقصد إسقاط الجمعة والجماعة، وإلا لزم إزالته مهما أمكن، ولا تسقط عنه، والمراد سقوط الإثم على قول الفرض، أو الكراهة على قول السنة، لا حصول الأفضلية.стр. 933
..................................................
стр. 934
باب صلاة أهل الأعذار
وهم المريض والمسافر والخائف (١) (تلزم المريض الصلاة) المكتوبة (قائما) (٢) ولو كراكع (٣) أو معتمدا أو مستندا إلى
شيء (٤) . الحواشي
(١) ونحوهم والأعذار جمع عذر، كالأقفال جمع قفل، والعذر الحجة التي يعتذر بها، وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه، سموا بذلك لما قام بهم من الأعذار الآتية ونحوها.(٢) إجماعا في فرض، مع القدرة وتقدم، ولما في الصحيح وغيره، من حديث عمران بن حصين مرفوعا: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» ولخبر علي الآتي وغيره.
وقال تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ أي إلا ما أطاقت من العمل، قال أهل التفسير، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا، وقالوا في قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ العبادة كالصلاة تجب ما دام العقل ثابتا، فيصلي بحسب حاله.(٣) أي ولو كان قيامه كصفة راكع، لحدب أو كبر أو مرض ونحوه، لزمه ذلك مهما أمكنه لقوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منها ما استطعتم» .(٤) أي ولو كان في قيامه معتمدا على شيء، من نحو عصا أو مستندا إلى حائط ونحوه، ولو كان اعتماده واستناده إلى شيء بأجرة أو على إحدى رجليه، لعموم الخبر، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.стр. 935
(فإن لم يستطع) بأن عجز عن القيام أو شق عليه، لضرر أو زيادة مرض (١) (فقاعدا) متربعا ندبا (٢) ويثني رجليه في ركوع وسجود (٣) (فإن عجز) أو شق عليه القعود كما تقدم (٤) . الحواشي
(١) أو تأخر برء ونحوه، كوهن بقيام أو تألم شديد، ولا يشترط أن لا يتأتى القيام، ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، وقال غير واحد: المعتبر المشقة الشديدة، وفوات الخشوع، واستطاع استطاعة، الأمر أطاقه وقوي عليه، والاستطاعة شرعا أوسع منها لغة.(٢) أي فإن لم يستطع قائما، فتلزمه المكتوبة قاعدا بلا نزاع، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال النووي وغيره: أجمعت الأمة أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعدا، ولا إعادة عليه، ولا ينقص ثوابه للخبر اهـ أو شق عليه القيام، لما مر، وكذا لو كان في سفينة أو بيت قصير سقفه، وتعذر الخروج، أو خاف عدوا إن انتصب قائما، صلى جالسا، وقيل: قائما ما أمكنه، وقال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة، تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة، وكذا رقيب غزاة أو كمينهم خاف إن قام رؤية العدو، وعلى قياس ما سبق ولو معتمدا، أو مستندا متربعا للخير كمتنقل وفاقا، وتقدم صفة التربع، وكيف قعد جاز، لخبر فقاعدا ولم يخص جلسة دون جلسة، وذكر ابن أبي شيبة عن جماعة من التابعين أنهم كانوا إذا صلوا جلوسا يجثون.(٣) أي يرد بعضها على بعض كمتنفل، ركبتاه إلى القبلة.(٤) يعني في القيام، ولو كان عجزه بتعديه بضرب ساقه ونحوه.стр. 936
(فعلى جنبه) (١) والأيمن أفضل (٢) (فإن صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة صح) وكره مع القدرة على جنبه (٣) وإلا تعين (٤) . الحواشي
(١) أي فيصلي على جنبه، وذكره غير واحد مذهب الجمهور، قال الشيخ: ووجهه إلى القبلة لخبر عمران، وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة، صلى على أي جهة توجه.(٢) أي من الصلاة على الجنب الأيسر، وهو مذهب الجمهور، لحديث علي الآتي، ولو اضطجع على يساره صح وكره، وفاقا لمالك والشافعي، لأنه ﵊ لم يعين جنبا.(٣) ووجه الصحة أنه نوع استقبال، والكراهة للاختلاف في صحتها، فعنه لاتصح، قال في الشرح: وهو الأظهر، لأن نقله إليه عند العجز عن الصلاة على جنب، فدل على أنه لا يجوز مع القدرة عليه، ولأنه ترك الاستقبال مع القدرة عليه بوجهه وجملته، وعنه: يصلي كيف شاء، كلاهما جائز قال الشيخ: فيمن عجز عن القعود، يصلي على جنبه أو ظهره، ووجهه أو رجلاه إلى القبلة إن استطاع إذا كان عنده من يوجهه اهـ، ولو استلقى على ظهره، ورجلاه إلى غير القبلة، فإنه يصير مستدبرا القبلة، فلا تنعقد صلاته مع القدرة، وكره أحمد إسناد ظهره إلى القبلة، ومد الرجل إليها، وكره الحنفية أيضا مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره، وهو عند الكعبة مسلم، ومطلقا يستدعي دليلا شرعيا، وقيل: لعل الأولى تركه، وقدرت على الشيء، أقدر من باب ضرب قويت عليه، وتمكنت منه، والاسم القدرة وفيه لغة كعلم يعلم.(٤) أي وإن لم يقدر المريض أن يصلي على جنبه، تعين أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، بلا كراهة نص عليه وصلاته صحيحة بلا نزاع.стр. 937
(ويومئ راكعا وساجدا) ما أمكنه (١) (ويخفضه) أي السجود (عن الركوع) (٢) لحديث علي مرفوعا: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا، صلى على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا، رجلاه مما يلي القبلة» ، رواه الدارقطني (٣) (فإن عجز) عن الإيماء (أومأ بعينيه) (٤) . الحواشي
(١) أي برأسه وجوبا، نص عليه للخبر الآتي ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» قال الشيخ فيمن لا يستطيع التحرك، وإذا سجد لا يستطيع الرفع: يومئ برأسه إيماء بحسب حاله.(٢) وجوبا للخبر، ولتمييز أحدهما عن الآخر.(٣) وقال النووي: ضعيف لكن له شواهد عند البزار والبيهقي والطبراني وتقدم حديث عمران في الصحيح وزاد النسائي: «وإن لم تستطع فمستلقيا» ، وفي هذا الحديث قيد معتبر في صحة الصلاة على هذه الحالة فلو استلقى على ظهره ورجلاه إلى غير القبلة صار مستدبرا القبلة، فلا تنعقد صلاته، فإن الاستقبال واجب مع القدرة ولو كان في غير الراحلة والسفينة فعليه الاستقبال إن قدر عليه، وعليه بقية الشروط والأركان والواجبات إن قدر عليها، وما لا يقدر عليه يسقط عنه.(٤) أي إن عجز عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده، أومأ بعينيه لما ذكره من الخبر، وقال ابن قندس وغيره: موضع الإيماء هو الرأس والوجه والطرف من ذلك الموضع لأنهما من الرأس، بخلاف اليدين فإنهما ليسا من موضع الإيماء وعجز بفتح الجيم، يعجز بكسرها، وحكي بالعكس والعجز أن لا يقدر على ما يريد.стр. 938
لقوله ﵊ «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» رواه زكريا الساجي بسنده، عن الحسين بن علي بن أبي طالب (١) وينوي الفعل عند إيمائه له (٢) والقول كالفعل، يستحضره بقلبه، إن عجز عنه بلفظه (٣) وكذا أسير خائف (٤) ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتا (٥) . الحواشي
(١) يعني عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين بن علي، وظاهر كلام جماعة لا يلزمه وصوبه في الفروع، لعدم ثبوته، فقد رواه الدارقطني وغيره بسند ضعيف، وليس فيه، وأومأ بطرفه، وقال الشيخ: لو عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه اهـ، وهو رواية عن أحمد، وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وفي رواية محمد ابن يزيد لما روي عن أبي سعيد أنه قيل له في مرضه، الصلاة، قال: قد كفاني، إنما العمل في الصحة، ولظاهر حديث عمران، وحكي عن أبي حنيفة، و «أومأ» أشار، و «الطرف» بفتح الطاء، وسكون الراء العين، أو اسم جامع للبصر، وطرف العين حركتها.(٢) يعني للركوع والسجود(٣) لما تقدم وتقدم أنه لا يلزمه.(٤) أي أن يعلموا بصلاته يومئ بطرفه لعجزه إذا عن الإيماء بالركوع والسجود برأسه لقوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .(٥) يعني لقدرته على الإيماء بطرفه، مع النية بقلبه، لعموم أدلة وجوبها، وعنه: تسقط، وفاقا لأبي حنيفة واختاره الشيخ، لظاهر حديث عمران وغيره، مما تقدم وغيره.стр. 939
ولا ينقص أجر المريض إذا صلى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائما (١) ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها (٢) وإن رفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما أمكنه صح وكره (٣) فإن قدر، المريض في أثناء الصلاة على قيام (أو عجز) عنه (في أثنائها انتقل إلى الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه (٤) وإلى الجلوس من عجز عن القيام (٥) . الحواشي
(١) لحديث أبي موسى: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا» ، ونظائره وقال الشيخ: من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه، كان له كأجر الفاعل، واحتج بحديث أبي كبشة وغيره.(٢) مما وضع له ليسجد عليه، والمراد بلا رفع، واحتج أحمد بفعل أم سلمة وابن عباس وغيرهما، ونهى عنه ابن مسعود وابن عمر، لحديث جابر: أنه رأى مريضا يصلي على وسادة فرمى بها، والوسادة بالكسر المخدة، والجمع وسادات ووسائد.(٣) للخلاف في منعه، ووجه الكراهة إذا كانت الوسادة ونحوها منفصلة عن الأرض، ولم تبق عليها، فلا ينبغي السجود على وسادة ونحوها، ويومئ غاية ما يمكنه.(٤) بلا نزاع لتعينه عليه قال تعالى: ﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ وكذا إن قدر مصل مضطجعا على قعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها، لأن المبيح العجز وقد زال، «وقدر على الشيء» أطاقه ضد عجز عنه.(٥) إجماعا، حكاه أبو حامد وغيره، وإلى الجنب ونحوه من عجز عن القعود للعجز وتقدمت الأدلة.стр. 940
ويركع بلا قراءة من كان قرأ (١) وإلا قرأ (٢) وتجزئ الفاتحة من عجز فأتمها في انحطاطه (٣) لا من صح فأتمها في ارتفاعه (٤) وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائما، لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه (٥) (و) أومأ (بسجود قاعدا) لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه (٦) ومن قدر على أن يحني رقبته دون ظهره حناها (٧) وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه (٨) . الحواشي
(١) حال عجزه، لحصولها في محلها.(٢) أي وإن لم يكن قرأ حال عجزه، قرأ بعد قيامه أو قعوده ليأتي بفرضها. وإن كان قرأ البعض أتى بالباقي.(٣) لأنه أعلى من القعود الذي صار فرضه.(٤) أي حال نهوضه، لأن فرضه القراءة حال القيام، وأما ما قرأ به جالسا قبل قدرته على القيام فيبني عليه.(٥) فوجب أن يومئ به في قيامه، وفاقا للشافعي.(٦) فوجب أن يومئ به جالسا، ليحصل الفرق بين الإيماءين.(٧) أي حني رقبته إن قدر، يعني عطفها، وحناه يحنيه عطفه، وانحنى وتحنى تحنيا أعوج وانعطف.(٨) لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .стр. 941
ومن قدر أن يقوم منفردا ويجلس في جماعة خير (١) (ولمريض الصلاة مستلقيا مع القدرة على القيام، لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة (٢) وله الفطر بقوله: إن الصوم مما يمكن العلة (٣) (ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة وهو قادر على القيام (٤) الحواشي
(١) بين أن يصلي منفردا قائما، وبين أن يصلي قاعدا في جماعة، وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، قيل: لعل وجهه أن القيام وإن كان ركنا، لكن له بدل وهو القعود، وقال أبو المعالي: يلزمه القيام، وصوبه في الإنصاف، لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر عليه، والجماعة واجبة، تصح الصلاة بدونها.(٢) أي عدل ضابط حاذق فطن، يقول له: إن صليت مستلقيا أمكن مداوتك فله ذلك، وفاقا لأبي حنيفة، ولو كان الطبيب امرأة، لأنه أمر ديني، فلا يقبل من كافر ولا فاسق، كغيره من أمور الدين ويكفي منه غلبة الظن، وذلك لأنه ﷺ صلى جالسا حين جحش شقه، والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام، بل فعله إما للمشقة، أو وجود الضرر وكلاهما حجة، وأم سلمة تركت السجود لرمد بها، وقدم الموفق وغيره: إن قال ثلاثة وقال ابن منجا، ليس بمراد لأن قول الاثنين كاف، كما صرح به غير واحد، ونص أحمد أنه يفطر بقول واحد، إن الصوم مما يمكن العلة، والطبيب العالم بالطب، وهو كل ماهر حاذق بعلمه، قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب، وسمي طبيبا لحذقه وفطنته.(٣) أي المرض، نص عليه لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقاس القاضي وغيره المسألة الأولى عليه.(٤) بلا نزاع لقدرته على ركن الصلاة كمن بغير سفينة، وتجوز إقامة الجماعة فيها، على الصحيح من المذهب، ومثل السفينة عجلة ومحفة وعمارية.
وهودج ونحوها، وإن خاف راكب سفينة الغرق أو دوران الرأس: صلى قاعدا ولا إعادة، والسفينة معروفة وجمعها سفن وسفين، وسميت بذلك لأنها تسفن الماء، كأنها تقشره.стр. 942
ويصح الفرض على الراحلة واقفة أو سائرة خشية التأذي بوحل أو مطر ونحوه (١) لقول يعلى بن مرة، انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم، يعني إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، رواه أحمد والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم (٢) وكذا إن خاف انقطاعا عن رفقته بنزوله (٣) أو على نفسه (٤) . الحواشي
(١) كثلج وبرد، فإن قدر على نزوله بلا مضرة لزمه، وقام وركع لغير حالة المطر، وأومأ بسجود إن كان يلوث الثياب، بخلاف اليسير.(٢) وثبت عن أنس من فعله، ولم ينقل عن غيره خلافه، ويعلى بن مرة هو ابن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك الثقفي، من أفاضل الصحابة ﵃، والمضيق بفتح فكسر فسكون ما ضاق من الأماكن، ضد ما اتسع، والجمع مضايق والسماء يعني المطر، أو المطرة الجيدة، جمعها أسمية قال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالأول المطر، وبالثاني النبات، وسمي المطر سماء لخروجه من السماء، يعني السحاب، فإن ما علاك فهو سماء، والبلة النداوة.(٣) أي صلى عليها، دفعا للحرج والمشقة والانقطاع.(٤) أي أو خاف بنزوله على نفسه من عدو، أو سيل، أو سبع ونحوه صلى عليها.стр. 943
أو عجز عن ركوب إن نزل (١) وعليه الاستقبال وما يقدر عليه (٢) (ولا) تصح الصلاة على الراحلة (لمرض) وحده دون عذر مما تقدم (٣) ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها، والخروج منها صلى جالسا مستقبلا (٤) ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل (٥) . الحواشي
(١) صلى عليها لا إن قدر ولو بأجرة يقدر عليها قال في الاختيارات تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشي أو تبرز الخفرة.(٢) أي يجب على المصلي المكتوبة على الراحلة لعذر مما سبق الاستقبال مطلقا، لعموم ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ويجب عليه ما قدر عليه من ركوع وسجود وإيماء بهما وطمأنينة وغير ذلك لقوله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وعليه الاستقبال إن قدر عليه، وعليه بقية الشروط والأركان والواجبات إن قدر عليها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، فالاستقبال ليس واجبا إلا مع القدرة، ولو كان في غير الراحلة والسفينة، ومن صلى المكتوبة أو النافلة على الراحلة أو السفينة أو المحفة ونحوها سائرة أو واقفة، وأتى بكل فرض وشرط صحت صلاه ولو بلا عذر، لاستيفائه ما يعتبر لها، ومن بماء وطين يومئ، كمصلوب ومربوط، وما سوى ذلك يعتبر المقر لأعضاء السجود.(٣) كعجزه عن الركوب إذا نزل، أو انقطاع لأن الصلاة أسكن له في نزوله وأمكن وكان ابن عمر ينزل مرضاه، ومع العذر تجوز عليه كالصحيح وأولى.(٤) وفاقا إلا أن تكون واقفة فيجب عليه القيام.(٥) فلا يلزمه أن يدور معها إلى القبلة كلما انحرفت، وقال بعضهم: لا يلزم أن يدور في الفرض كالنفل على الأصح، وتقام الجماعة فيها مع عجز عن قيام كمع قدرة عليه.стр. 944
فصل
في قصر المسافر الصلاة (١)
وسنده قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية (٢) . الحواشي
(١) أي رد الرباعية من أربع إلى ركعتين، من قصر الشيء، إذا نقصه أو نقص منه أو حبسه، وهو مشروع بالكتاب والسنة، جائز بإجماع أهل العلم، منقول عن النبي ﷺ بالتواتر، واختاره فقهاء الحديث وغيرهم، كأحمد وغيره، وشيخ الإسلام وغيره اتباعا لسنة رسول الله ﷺ فإنه لم يصل في السفر قط إلا مقصورة، حتى إن من العلماء من يوجبه، ومن صلى أربعا لم يبطلوا صلاته، لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم، بل منهم من يكره ذلك، ومنهم من لا يكرهه، وإن رأى تركه أفضل، قال الموفق وغيره: القصر أفضل من الإتمام، في قول جمهور العلماء، ولا نعلم خالف فيه إلا الشافعي في أحد قوليه، قال الشيخ: وإذا كان القصر أفضل عند جماهير أهل العلم، لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه، وفي الصحيحين فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، وقال عمر: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، وغير ذلك، وأوله بعضهم: لمن أراد القصر، لا أنها أصل، لمخالفة نص القرآن وإجماع المسلمين في أنها مقصورة، وأن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، وقال غير واحد: متى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره.(٢) ضربتم في الأرض، أي سافرتم في البلاد، تقصروا، من كميتها
وخفتم خرج مخرج الغالب، قاله غير واحد، وأنه إنما علق القصر على الخوف
لأن غالب أسفار النبي ﷺ لم تخل منه وقال الشيخ: القصر قصران قصر الأفعال، وقصر العدد كصلاة الخوف حيث كان مسافرا، فإنه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن، والآية وردت على هذا «ومقيد» وهو ما اجتمع فيه قصر العدد فقط، كالمسافر، أو قصر العمل فقط، كالخائف وهو حسن لكن يرد على هذا قول يعلى لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» رواه مسلم، فظاهر ما فهماه تقييد قصر العدد بالخوف، والنبي ﷺ أقرهما على ذلك: وقيل: قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ كلام مبتدأ معناه وإن خفتم، وقال ابن عمر: صحبت النبي ﷺ لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك متفق عليه.стр. 945
(من سافر) أي نوى (سفرًا مباحًا) أي غير مكروه ولا حرام (١) . الحواشي
(١) سن له قصر الرباعية ركعتين، وأجمعوا على جوازه في سفر الطاعة وأما السفر المحرم فمذهب مالك والشافعي وأحمد لا يقصر، وعن أحمد يقصر في سائر جنس الأسفار، وهو مذهب أبي حنيفة وطوائف من السلف والخلف، قال الموفق: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، وقال شيخ الإسلام: الحجة مع من جعل القصر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه خص سفرًا من سفر، ولو كان مما يختص بنوع لكان بيانه من الواجبات، ولو بين لنقلته الأمة، وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئًا، ولم يذكر تقييده في شيء من الكتاب والسنة بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون معلقًا بأحد نوعي السفر؟ ولا يبين الله ولا رسوله ذلك، بل يكون بيان الله ورسوله متناولاً سفر الطاعة وسفر المعصية.
وقال أيضًا: ويجوز قصر الصلاة في كل ما يسمى سفرًا، قل أو كثر، وسواء كان مباحا أو محرما ونصره ابن عقيل، وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي اهـ وعليه العمل، وأما من ارتكب المعاصي في سفره فله الترخص بلا خلاف، لأنه ليس ممنوعًا من السفر، وإنما منع من المعصية، وقول الشارح «نوى» صرفٌ لعبارة الماتن عن مقتضاها كالمنقح لما يرد عليها، كخروج من طلب ضالة أو آبقًا جاوز ستة عشر فرسخا على التقييد به، فإنه يصدق عليه أنه مسافر، وكون المعتبر المسافة لا حقيقتها فلو نواها ثم رجع قبل استكمالها وقد قصر لم يعد، لكن قد يقال بأنه قد ينوي السفر ولا يسافر، فيرد على عبارة الشارح عدم الاكتفاء بالنية، ويجاب بأنه إذا فارق عامر قريته يدل على السفر، إلا أنه يحتاج إلى إضمار: إذا فارقها مسافرًا، وقال عثمان: الأخلص في العبارة أن يقال: من ابتدأ سفرًا مباحًا ناويًا، فله القصر إذا فارق.. إلخ، والسفر قطع المسافة، وجمعه أسفار، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال أي يكشفها وقيل غير ذلك.стр. 946
فيدخل فيه الواجب والمندوب (١) والمباح المطلق (٢) ولو نزهة وفرجة (٣) . الحواشي
(١) كحج وجهاد متعينين، وكزيارة رحم وإخوان، وعيادة مريض، وأحد المساجد الثلاثة بلا نزاع، لا المشاهد، على القول بعدم جواز القصر في السفر المحرم. لقوله ﵊ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، الحديث متفق عليه، قال الشيخ: لم ينقل جوازه عن أحد من المتقدمين، وذكر أنه بدعة، واختار القاضي والجويني تحريم السفر لزيارة القبور مطلقا، وغلط أهل التحقيق من استثنى قبر النبي ﷺ لأن الاستثناء في قوله «لا تشد الرحال» ونحوه عند أهل الأصول معيار العموم.(٢) أي غير المقيد بالواجب والمستحب.(٣) قال النووي: قطع به أهل التحقيق، وكرهه شيخ الإسلام وغيره والنزهة الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، يقال، نزه المكان ككرم، نزاهة
فهو نزيه، إذا كان ذا ألوان حسان، قال ابن قتيبة: ذهب بعض أهل العلم في قول الناس: خرجوا يتنزهون، أنه غلط، وهو عندي ليس بغلط لأن البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان اهـ والفرجة بالضم عطف تفسير، وفي المجمل: الفرجة التقضي عن الهم، قال في الفروع: أطلق أصحابنا إباحة السفر للتجارة، ولعل المراد: غير مكاثر في الدنيا، وأنه يكره، وقال ابن حزم: اتفقوا أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره ووغير كاره، وقال النووي: من سافر لأي قصد من المقاصد دينًا أو دنيا ترخص بلا خلاف، ولغير قصد إلا الترخص ترخص، وفاقًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.стр. 947
يبلغ (أربعة برد) (١) وهي ستة عشر فرسخًا (٢) . الحواشي
(١) جمع بريد، أربعة فراسخ، أو اثنا عشر ميلاً، أو ما بين المنزلتين قال الشيخ: والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والإقدام، وهو ربع مسافة يومين وليلتين(٢) يعني أربعة البرد قال الشاعر:
إن البريد من الفراسخ أربع ... والفرسخ فثلاث أميال ضعوا
والميل ألفًا قدروا بالباع ... والباع أربعة من الذراع
والفرسخ واحد الفراسخ، فارسي معرب، ويقال: الفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف قدم ستة آلاف ذراع، وهو الأشهر وأربعة آلاف خطوة، وجزم الجوهري أنه منتهى مدى البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، كل أصبع ست شعيرات، كل شعيرة ست شعرات برذون، وصحح غير واحد أن مقدار المسافة تقريب لا تحديد وقال في الإنصاف: هذا مما لا نشك فيه.стр. 948
برا وبحرا (١) وهي يومان قاصدان (٢) . الحواشي
(١) لعدم الفرق بينهما وفاقا، فمسافة البحر كالبر، ولو قطعها في ساعة، كما لو قطعها في البر في نصف يوم، ويأتي كلام الشيخ رحمه الله تعالى.(٢) أي الستة عشر فرسخا مسيرة يومين قاصدين، أي معتدلين بسير الأثقال، ودبيب الأقدام، هينتي السير بلا تعب ولا بطء، فإن القصد الاعتدال بذلك، مع المعتاد من النزول والاستراحة ونحوها، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل غير ذلك، وقال شيخ الإسلام، قال أبو محمد: لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجها، لمخالفة السنة وظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الأرض ، وهو كما قال، فإن التحديد بذلك ليس بثابت بنص ولا إجماع ولا قياس، ولا حجة لتحديده، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، واستظهر جواز القصر لمن سافر يوما، وقال: والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصوده ويعود إلى وطنه، وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها، ويرجع في نصفها، وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة غير ذلك.
وقال الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ بل الأحكام التي علق الله بالسفر علقها مطلقا، وذكر الآيات في ذلك والآثار، ثم قال: فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير، فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه، فرقا لا أصل له من كتاب الله ولا سنة رسوله، فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر، الذي علق به الشارع الحكم، وذكر مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، وقال: أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، فإن هذه مسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع.
وقال: إن حد فتحديده ببريد أجود إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه، وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد، كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه، لمن تبين السنة وتدبرها، قال: والمحددون لهم طريقان: بعضهم يقول: لم أجد أحدا قال بأقل من ذلك، وقد علم من قال ذلك، وبعضهم يقول: هذا قول ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما، وهذا باطل فقد ثبت عنهما وغيرهما ما يخالف ذلك، وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه والاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفرا قصرا وإلا فلا.
وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد، وكان يأتي قباء راكبا وماشيا، ويأتي إليه أصحابه ولم يقصر هو ولا هم، ويأتون إلى الجمعة من نحو ميل وفرسخ، والنداء يسمع من نحو فرسخ، وقصر أهل مكة بعرفة اهـ، وسمى النبي ﷺ يوما وليلة سفرا، فقال في المرأة: «لا تسافر يومًا وليلة إلا مع ذي محرم» ، قال البغوي: وعامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام، وكان ابن عمر يقصر في مسيرة يوم، وقال الأوزاعي وآخرون: يقصر في مسيرة يوم تام، وهو قول ابن المنذر وداود وغيرهما لإطلاق الكتاب والسنة، ولحديث يحيى ابن يزيد، سألت أنسا عن قصر الصلاة قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين رواه مسلم.стр. 949
سن له قصر الرباعية ركعتين (١) . الحواشي
(١) قال في الإقناع والمنتهى وغيرهما: ولو قطعها في ساعة، وذكر شيخ الإسلام أن السفر ليس محدودا بمسافة بل يختلف، فيكون مسافرا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا، فلو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم
رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافرا، يدل على ذلك أن النبي ﷺ لما قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» فلو قطع البريد في ثلاثة أيام كان مسافرًا ثلاثة أيام، فيمسح مسح مسافر، ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرا، والنبي ﷺ إنما اعتبر ثلاثة أيام، سواء كان حثيثا أو بطيئا وذكر أن ابن عباس نهى من ذهب ورجع من يومه إلى أهله أن يقصر.
وقال: الذين جعلوا المسافة الواحدة حدا يشترك فيه جميع الناس، مخالفون كلام رسول الله ﷺ فالرجل يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به، فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرا، وإن كانت المسافة أقل من ميلن بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرا فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا، فالسفر يكون بالعمل الذي يسمى سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر سمي مسافرا، وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم سفرا، وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرا، ولا يكون العمل إلا في زمان، فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم فما سموه سفرا فهو سفر وإلا فلا.стр. 950
الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام وغيره: فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصل في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط، واختار أنه سنة، وأن الإتمام مكروه، وذكر أن القصر أفضل عند عامة أهل العلم، ليس فيه إلا خلاف شاذ، وأن أكثرهم يكرهون التربيع للمسافر.
وقال: يكره إتمام الصلاة في السفر ونقل عن أحمد أنه توقف في الأجزاء، ولم يثبت أن أحدا من الصحابة كان يتم الصلاة في السفر على عهد رسول الله ﷺ وأن حديث عائشة في مخالفة ذلك لا تقوم به الحجة.следующие страницы →