Полный текст (4 103 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فيدخل فيه الواجب والمندوب (١) والمباح المطلق (٢) ولو نزهة وفرجة (٣) . الحواشي
(١) كحج وجهاد متعينين، وكزيارة رحم وإخوان، وعيادة مريض، وأحد المساجد الثلاثة بلا نزاع، لا المشاهد، على القول بعدم جواز القصر في السفر المحرم. لقوله ﵊ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، الحديث متفق عليه، قال الشيخ: لم ينقل جوازه عن أحد من المتقدمين، وذكر أنه بدعة، واختار القاضي والجويني تحريم السفر لزيارة القبور مطلقا، وغلط أهل التحقيق من استثنى قبر النبي ﷺ لأن الاستثناء في قوله «لا تشد الرحال» ونحوه عند أهل الأصول معيار العموم.(٢) أي غير المقيد بالواجب والمستحب.(٣) قال النووي: قطع به أهل التحقيق، وكرهه شيخ الإسلام وغيره والنزهة الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، يقال، نزه المكان ككرم، نزاهة
فهو نزيه، إذا كان ذا ألوان حسان، قال ابن قتيبة: ذهب بعض أهل العلم في قول الناس: خرجوا يتنزهون، أنه غلط، وهو عندي ليس بغلط لأن البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان اهـ والفرجة بالضم عطف تفسير، وفي المجمل: الفرجة التقضي عن الهم، قال في الفروع: أطلق أصحابنا إباحة السفر للتجارة، ولعل المراد: غير مكاثر في الدنيا، وأنه يكره، وقال ابن حزم: اتفقوا أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره ووغير كاره، وقال النووي: من سافر لأي قصد من المقاصد دينًا أو دنيا ترخص بلا خلاف، ولغير قصد إلا الترخص ترخص، وفاقًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.стр. 947
يبلغ (أربعة برد) (١) وهي ستة عشر فرسخًا (٢) . الحواشي
(١) جمع بريد، أربعة فراسخ، أو اثنا عشر ميلاً، أو ما بين المنزلتين قال الشيخ: والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والإقدام، وهو ربع مسافة يومين وليلتين(٢) يعني أربعة البرد قال الشاعر:
إن البريد من الفراسخ أربع ... والفرسخ فثلاث أميال ضعوا
والميل ألفًا قدروا بالباع ... والباع أربعة من الذراع
والفرسخ واحد الفراسخ، فارسي معرب، ويقال: الفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف قدم ستة آلاف ذراع، وهو الأشهر وأربعة آلاف خطوة، وجزم الجوهري أنه منتهى مدى البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، كل أصبع ست شعيرات، كل شعيرة ست شعرات برذون، وصحح غير واحد أن مقدار المسافة تقريب لا تحديد وقال في الإنصاف: هذا مما لا نشك فيه.стр. 948
برا وبحرا (١) وهي يومان قاصدان (٢) . الحواشي
(١) لعدم الفرق بينهما وفاقا، فمسافة البحر كالبر، ولو قطعها في ساعة، كما لو قطعها في البر في نصف يوم، ويأتي كلام الشيخ رحمه الله تعالى.(٢) أي الستة عشر فرسخا مسيرة يومين قاصدين، أي معتدلين بسير الأثقال، ودبيب الأقدام، هينتي السير بلا تعب ولا بطء، فإن القصد الاعتدال بذلك، مع المعتاد من النزول والاستراحة ونحوها، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل غير ذلك، وقال شيخ الإسلام، قال أبو محمد: لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجها، لمخالفة السنة وظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الأرض ، وهو كما قال، فإن التحديد بذلك ليس بثابت بنص ولا إجماع ولا قياس، ولا حجة لتحديده، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، واستظهر جواز القصر لمن سافر يوما، وقال: والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصوده ويعود إلى وطنه، وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها، ويرجع في نصفها، وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة غير ذلك.
وقال الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ بل الأحكام التي علق الله بالسفر علقها مطلقا، وذكر الآيات في ذلك والآثار، ثم قال: فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير، فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه، فرقا لا أصل له من كتاب الله ولا سنة رسوله، فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر، الذي علق به الشارع الحكم، وذكر مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، وقال: أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، فإن هذه مسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع.
وقال: إن حد فتحديده ببريد أجود إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه، وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد، كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه، لمن تبين السنة وتدبرها، قال: والمحددون لهم طريقان: بعضهم يقول: لم أجد أحدا قال بأقل من ذلك، وقد علم من قال ذلك، وبعضهم يقول: هذا قول ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما، وهذا باطل فقد ثبت عنهما وغيرهما ما يخالف ذلك، وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه والاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفرا قصرا وإلا فلا.
وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد، وكان يأتي قباء راكبا وماشيا، ويأتي إليه أصحابه ولم يقصر هو ولا هم، ويأتون إلى الجمعة من نحو ميل وفرسخ، والنداء يسمع من نحو فرسخ، وقصر أهل مكة بعرفة اهـ، وسمى النبي ﷺ يوما وليلة سفرا، فقال في المرأة: «لا تسافر يومًا وليلة إلا مع ذي محرم» ، قال البغوي: وعامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام، وكان ابن عمر يقصر في مسيرة يوم، وقال الأوزاعي وآخرون: يقصر في مسيرة يوم تام، وهو قول ابن المنذر وداود وغيرهما لإطلاق الكتاب والسنة، ولحديث يحيى ابن يزيد، سألت أنسا عن قصر الصلاة قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين رواه مسلم.стр. 949
سن له قصر الرباعية ركعتين (١) . الحواشي
(١) قال في الإقناع والمنتهى وغيرهما: ولو قطعها في ساعة، وذكر شيخ الإسلام أن السفر ليس محدودا بمسافة بل يختلف، فيكون مسافرا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا، فلو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم
رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافرا، يدل على ذلك أن النبي ﷺ لما قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» فلو قطع البريد في ثلاثة أيام كان مسافرًا ثلاثة أيام، فيمسح مسح مسافر، ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرا، والنبي ﷺ إنما اعتبر ثلاثة أيام، سواء كان حثيثا أو بطيئا وذكر أن ابن عباس نهى من ذهب ورجع من يومه إلى أهله أن يقصر.
وقال: الذين جعلوا المسافة الواحدة حدا يشترك فيه جميع الناس، مخالفون كلام رسول الله ﷺ فالرجل يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به، فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرا، وإن كانت المسافة أقل من ميلن بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرا فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا، فالسفر يكون بالعمل الذي يسمى سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر سمي مسافرا، وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم سفرا، وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرا، ولا يكون العمل إلا في زمان، فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم فما سموه سفرا فهو سفر وإلا فلا.стр. 950
الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام وغيره: فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصل في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط، واختار أنه سنة، وأن الإتمام مكروه، وذكر أن القصر أفضل عند عامة أهل العلم، ليس فيه إلا خلاف شاذ، وأن أكثرهم يكرهون التربيع للمسافر.
وقال: يكره إتمام الصلاة في السفر ونقل عن أحمد أنه توقف في الأجزاء، ولم يثبت أن أحدا من الصحابة كان يتم الصلاة في السفر على عهد رسول الله ﷺ وأن حديث عائشة في مخالفة ذلك لا تقوم به الحجة.стр. 951
بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعا، قاله ابن المنذر (١) (إذا فارق عامر قريته) (٢) سواء كانت البيوت داخل السور أو خارجه (٣) . الحواشي
(١) لأن المغرب وتر النهار، فإن سقط منها ركعة بطل كونها وترا، وإن سقط ركعتان بقي ركعة، ولا نظير لها في الفرض، والصبح لو سقط منها ركعة بقيت ركعة، ولا نظير لها في الفرض، ولم يقصرا بإجماع المسلمين.(٢) أي إذا فارق من نوى سفرا مباحا عامر قريته مسافرا، بما يقع عليه اسم المفارقة، بنوع من البعد عرفا، قصر وفاقا للأئمة الثلاثة، وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعا لأن الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل المفارقة لا يكون ضاربا فيها ولا مسافرا، ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل قال شيخ الإسلام: فيه ما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرا والمسافر عن قرية صغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرا، وأن المسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء، وأن لفظ السفر يدل على ذلك، فلا يكون إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وقال: لا بد أن يسفر، أي يخرج إلى الصحراء فإن لفظ السفر يدل على ذلك، يقال: سفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لم يكن مسافرا.(٣) فإن ولي البيوت الخارجة عامرة فحتى يفارقها قال شيخ الإسلام والمدينة كانت محلا أي أمكنه والمحلة القرية ومنزلة القوم وجماعة بيوت الناس.
وكل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وجمع الناس، وتقع على المدن وغيرها، فإن لم يل الخراب عامر لكن جعل مزارع وبساتين يسكنه أهله، ولو في فصل النزهة فله القصر قبل مفارقته، في ظاهر كلامهم، وصرح به الموفق وغيره فيما إذا خرج من البلد، وصار بين حيطان بساتينه، لأنها غير معدة للسكنى.стр. 952
(أو) فارق (خيام قومه) (١) أو ما نسبت إليه عرفا سكان قصور وبساتين ونحوهم (٢) لأنه ﵊ إنما كان يقصر إذا ارتحل (٣) ولا يعيد من قصر بشرطه ثم رجع قبل استكماله المسافة (٤) ويقصر من أسلم أو بلغ (٥) . الحواشي
(١) أي فله القصر وفاقا، إن استوطنوا الخيام، جمع خيمة كتمرة وتمر، قاله الواحدي، وقال الجوهري، جمع خيم بمعنى خيمة وعلى الأول فالخيام جمع جمع.(٢) كأهل العزب من قصب ونحوه، وسكان بالرفع نائب فاعل نسبت أي أو فارق سكان قصور وبساتين ونحوهم ذلك المحل الذي نسبت إليه عرفا تلك القصور والبساتين والعزب ونحوها، إن كان الباقي قدر مسافة، ولم ينو عودا قبل استكمالها وإن فارق عامر قريته ونحوه بنية رجوعه بقرب لحاجة لم يترخص حتى يرجع ويفارق، ومن رجع إلى بلد أقام به إقامة مانعة يترخص مطلقا، حتى فيه نص عليه وفاقا، لزوال نية إقامته كعوده مجتازا.(٣) كما ثبت من غير وجه في الصحيحين وغيرهما، ولم يرو عنه القصر قبل البروز، ولو برزوا بمكان لقصد الاجتماع ثم ينشئون السفر منه فلهم القصر قبل مفارقته، قال في الفروع: وهو متجه اهـ، وينتهى سفره ببلوغه مبدأ سفره.(٤) لأن المعتبر نية المسافة لا حقيقتها، وشرطه هو ما إذا سافر على ما تقدم.(٥) أو عقل، بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة.стр. 953
أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة (١) ، لا من تاب إذا (٢) ولا يقصر من شك في قدر المسافة (٣) ولا من لم يقصد جهة معينة كالتائه (٤) ولا من سافر ليترخص (٥) . الحواشي
(١) لأن عدم تكليفه في السفر المبيح لا أثر له في ترك القصر في آخره، وعدم التكليف غير مانع في القصر، بخلاف من أنشأ سفر معصية ثم تاب وقد بقي دونها على المذهب.(٢) أي فلا يقصر إذا لم يبق إلا دون مسافة القصر، وتقدم قول الشيخ.(٣) بأن جهل كونها مسافة قصر، لأن الأصل الإتمام، ولم يعلم المبيح للقصر أو لم يعلم قدره، كمن خرج في طلب آبق أو ضال، ناويا أن يعود به أين وجده لعدم تحقق المبيح للقصر، وقال ابن عقيل: يباح له القصر إذا بلغ مسافة القصر، واختار الشيخ وغيره القصر للحشاش والخطاب فيما يطلق عليه اسم السفر، والحجة مع من قال: له القصر في كل ما يسمى سفرا.(٤) أي ضال الطريق، الذاهب في الأرض تحيرا، والهائم الذي لا يدري أين يذهب، لأنه يشترط للقصر قصد جهة معينة، صرح به في الإقناع وغيره، وليس بموجود منهم، وكذا سائح لا يقصد مكانا معينا، لأن السفر إذا ليس بمباح وقال في جمع الجوامع وغيره في التائه ونحوه: يقصر، وهو المختار والسياحة لغير موضع معين مكروهة، وقال في الاختيارات، السياحة في البلاد لغير قصد شرعي - كما يفعله بعض النساك - أمر منهي عنه، قال أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا هي من فعل النبيين والصالحين، ومراده والله أعلم السياحة لغير غرض شرعي، فأما السياحة للجهاد وطلب العلم، وتعليم الجاهل، ونحو ذلك فمشروع مندوب كما هو معلوم.(٥) قال في الفروع: ولو سافر ليترخص، فقد ذكروا أنه لو سافر ليفطر حرم.
قال في المغني: الحجة مع من أباح القصر في كل سفر لم يخالف إجماعا واختاره شيخ الإسلام، وقاله في سفر المعصية، وذكر أن ابن عقيل رجحه في بعض المواضع، كأكل الميتة فيه، في رواية اختارها في التلخيص، واستظهرها في الفروع وفاقا، وقال: وكعاص في سفره، أو به وفاقا، وتقدم قول النووي وغيره: من سافر ليترخص ترخص، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.стр. 954
ويقصر المكره كالأسير (١) وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد (٢) (وإن أحرم) في الـ (حضر ثم سافر (٣) أو) أحرم (سفرا ثم أقام) أتم (٤) لأنها عبادة اجتمع لها حكم الخضر والسفر، فغلب حكم الحضر (٥) . الحواشي
(١) أي يقصر المكره على السفر، كما يقصر الأسير، تبعا لسفرهم، ومتى صار ببلدهم أتم تبعا لإقامتهم، وكالبكر الزاني المغرب، ومحرم المغربة، وقاطع الطريق المشرد إذا خاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالا، لأن سفرهما ليس بمعصية وإن كان بسبب المعصية.(٢) في سفر ونية، فإذا نوى الزوج والسيد سفرا مباحا يبلغ مسافة القصر، قصرا تبعا لهما، وفيه لف ونشر مرتب، وهو من أنواع البديع المحسنة، وكذا جندي مع أمير تبع له.
وفي الفروع: تقصر المرأة تبعا لزوجها وفاقا، وكذا عبد تبعا لسيده وفاقا، فلا يعتبر نيتهما السفر، وهو ظاهر.(٣) أي أحرم بالصلاة في الحضر، بنحو سفينة، ثم سارت به مسافرا أتم بإجماع المسلمين، تغليبا لحكم الحضر، لأنه الأصل.(٤) كراكب سفينة أحرم بالصلاة مقصورة فيها ثم وصل إلى وطنه في أثناء الصلاة لزمه أن يتمها.(٥) لأنه الأصل، كالمسح على الخف، وقال النووي وغيره: اجتماع الحضر.
والسفر في العبادة يوجب تغليب حكم الحضر، ونقل أبو حامد وغيره إجماع المسلمين عليه.стр. 955
وكذا لو سافر بعد دخول الوقت أتمها وجوبا، لأنها وجبت تامة (١) .
(أو ذكر صلاة حضر في سفر) أتمها (٢) لأن القضاء معتبر بالأداء وهو أربع (٣) (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر أتم، لأن القصر من رخص السفر، فبطل بزواله (٤) (أو ائتم) مسافر (بمقيم) أتم، قال ابن عباس: تلك السنة، رواه أحمد (٥) . الحواشي
(١) قاله أصحابنا، وذكر ابن عقيل رواية: له قصرها وفاقا، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه، لأنها مؤداة في السفر، أشبه ما لو دخل وقتها فيه لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها.(٢) وجوبا، إجماعا، حكاه أحمد، وابن المنذر، والنووي، والموفق وغيرهم.(٣) أي الأداء فوجب إتمامها لأن الحضر هو الصلاة، ولأن الأصل يتعين فعلها فلم يجز له النقصان من عددها، كما لو لم يسافر.(٤) ولأن الحضر هو الأصل، فوجب الإتمام، وكما لو أحرم بالصلاة مقصورة بنحو سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، وقال مالك وأبو حنيفة: يقصر، لأنه إنما يقضي ما فاته، وهو ركعتان.(٥) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وحكاه أبو حامد عن عامة العلماء، وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا، رواه مسلم وحكى أحمد وابن المنذر عن ابن عباس وابن عمر أن المسافر إذا ائتم بمقيم صلى بصلاته، ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعا.
وقول ابن عباس: تلك السنة ينصرف إلى سنة النبي ﷺ ولقوله ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ، ولأنها صلاة مردودة من أربع، فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة، وسواء اقتدى به في جميع الصلاة أو بعضها، اعتقده مسافرا أو لا، وقال مالك: إن أدرك أقل من ركعة قصر، لقوله: «من أدرك ركعة» إلخ، يعني فمن أدرك أقل فلا يسمى مدركا.стр. 956
ومنه لو ائتم مسافر بمسافر فاستخلف مقيما لعذر فيلزمه الإتمام (١) (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي في إقامته وسفره، لزمه أن يتم (٢) وإن بان أن الإمام مسافر، لعدم نيته (٣) لكن إذا علم أو غلب على ظنه، أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة لباس (٤) وأن إمامه نوى القصر فله القصر، عملا بالظاهر (٥) . الحواشي
(١) أي يلزم المأموم دون الإمام المستخلف.(٢) لعدم الجزم بكونه مسافرا عند الإحرام، وكذا إن ائتم بمن يغلب على ظنه أنه مقيم.(٣) أي وإن ائتم بمن يشك في إقامته وسفره، فبان أنه مسافر، لزمه أن يتم، لعدم نية القصر، ويأتي أن الأصل القصر.(٤) فله القصر، إقامة الظن مجرى العلم، لأن ألباس المسافر تغاير ألباس المقيم غالبا.(٥) أي وغلب على ظنه أن إمامه نوى القصر، ولا يشترط أن يعلم أن إمامه نوى القصر، عملا بالظن لأنه يتعذر العلم غالبا.стр. 957
وإن قال: إن أتم أتممت، وإن قصر قصرت، لم يضر (١) (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها) لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها مثلا (ففسدت) بحدث أو نحوه (وأعادها) أتمها، لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها (٢) (أو لم ينو القصر عند إحرامها) لزمه أن يتم، لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه (٣) . الحواشي
(١) أي لم يؤثر ذلك في النية، وله القصر، وإن نوى الإتمام أتم، وإن صلى مقيم ومسافر خلف مسافر أتم المقيم إذا سلم إمامه إجماعا، لصلاة أهل مكة خلفه ﵊ وقوله لهم: «أتموا فإنا قوم سفر» وإذا أم مسافر مقيمين فأتم بهم الصلاة صح، لأن المسافر يلزمه الإتمام بنيته، ويسن للمسافر إذا أم مقيمين أن يقول: أتموا فإنا قوم سفر، لفعله ﵊، وخليفتيه من بعده بمكة، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد الركعات، وإن قصر الصلاتين في وقت أولاهما ثم قدم وطنه قبل دخول وقت الثانية أجزأه، قال غير واحد: على الصحيح من المذهب.(٢) فلزمه إعادتها تامة، ولا يجوز أن تعاد مقصورة، وإن ابتدأها جاهلا حدثه فله القصر، والفساد ضد الاستقامة.(٣) كما لو نوى الصلاة وأطلق، فإن نيته تنصرف إلى الانفراد، ولكونه الأصل، وكذا لو نوى القصر عند الإحرام ثم رفضه فنوى الإتمام لزمه أن يتم لعدم افتقاره إلى التعيين، فبقيت النية مطلقة، وعنه: أن القصر لا يحتاج إلى نية وفاقا لمالك وأبي حنيفة، وعليه عامة العلماء.
واختاره شيخ الإسلام وجمع، وقال: لم ينقل أحد عن أحمد أنه قال: لا يقصر إلى بنية، وإنما هذا قول الخرقي ومن اتبعه.
ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك، كما قاله جماهير العلماء وهو
اختيار أبي بكر، موافقة لقدماء الأصحاب، وما علمت أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نيته، لا في قصر، ولا في جمع، ولم ينقل قط أحد عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه لا بنية قصر، ولا بنية جمع، ولا كان ﷺ وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم، قال: وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك، سواء نوى القصر أو لم ينوه، وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف، وما علمت أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية، لا في قصر ولا في جمع، ولو نوى المسافر الإتمام كانت السنة في حقه الركعتين، ولو صلى أربعا كان ذلك مكروها، كما لو لم ينوه، وقال ابن رزين: والنصوص صريحة في أن القصر أصل فلا يحتاج إلى نية.стр. 958
(أو شك في نيته) أي نية القصر أتم لأن الأصل أنه لم ينوه (١) (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام) أتم (٢) . الحواشي
(١) ولو ذكر في أثناء الصلاة أنه كان نواه، لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها، فغلب، لأنه الأصل، هذا المذهب، وتقدم قول الجمهور فيمن لم ينو القصر، فالشك في النية أولى، ولا يعتبر أن يعلم أن إمامه نواه، عملا بالظن، لأنه يتعذر العلم غالبا كما تقدم، وإن أم مسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاة الجميع.(٢) لحديث جابر وابن عباس الآتي، سواء كان ببلده أو مفازة، وقال شيخ الإسلام وغيره: للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن وتقسيم الإقامة إلى مستوطن وغير مستوطن، لا دليل عليه من جهة الشرع، بل هو مخالف للشرع، فإن هذه حال النبي ﷺ بمكة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع، وحاله بتبوك والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما، لا بشرع ولا عرف، وذكر إقامة النبي ﷺ
والصحابة، وقصرهم في تلك المدة، وأنهم مجمعون على إقامة أكثر من أربعة أيام، وفي البلغة، إقامة الجيش للغزو لا تمنع الترخص وإن طالت لفعله ﷺ بمكة وتبوك، وفعل السلف ويأتي الجواب عن الحديث إن شاء الله تعالى.стр. 959
وإن أقام أربعة أيام فقط قصر، لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها (١) (أو) كان المسافر (ملاحا) أي صاحب سفينة (٢) (معه أهله، لا ينوي الإقامة ببلد، لزمه أن يتم) لأن سفره غير منقطع، مع أنه غير ظاعن عن وطنه وأهله (٣) . الحواشي
(١) أي عزم على إقامة تلك الأيام الأربعة، لأن الحاج لا يخرج إلا يوم التروية، ودلالته على جواز القصر في نحو تلك الأيام وما دونها، وأما ما فوقها فلا حجة فيه لمنع القصر، وإنما يستفاد من أدلة أخر، وقال أنس: أقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة متفق عليه.(٢) وهو كل من يتعاطى سيرها، من مالك ورئيس ونحوهما.(٣) أشبه المقيم، ولأنه يعتبر للسفر المبيح كونه منقطعا، بخلاف الدائم، وعنه: يترخص وفاقا، واختاره الموفق والشيخ وغيرهما، وقالا: سواء كان معه أهله أو لا، لأنه أشق، وكونه يعتبر انقطاعه لم يكتفوا به، ونص عليه وخلاف ما ذهب إليه الأئمة، ومفهوم كلامه أنه إن كان له أهل وليسوا معه، أو معه وينوي الإقامة ببلد، فله القصر كغير من المسافرين، وهذا بلا نزاع.стр. 960
ومثله مكار وراع ورسول سلطان ونحوهم (١) ويتم المسافر إذا مر بوطنه (٢) أو ببلد له به امرأة (٣) أو كان قد تزوج فيه (٤) . الحواشي
(١) أي ومثل ملاح على ما تقدم من المذهب في أنه لا يقصر إن كان معه أهله، ولم ينو الإقامة ببلد مكار، وهو من يكري دابته، وفي الكافي، وفيج وهو الساعي المسرع، وقيل: البريد فارسي معرب، وإباحة القصر لهما أظهر لدخولهما في عموم النص اهـ، وراع لإبل أو بقر أو غنم، ورسول سلطان الذي يتابع أخبار السلطان ونحوهم، كساع، وهو الوالي على أمر قوم، وبريد، وهو المرتب، سمي بذلك لقطعه المسافة، ومن لا أهل له ولا وطن، ولا منزل يقصده، ولا يقيم بمكان ولا يأوي إليه، وعنه: يقصرون وفاقا، واختاره الموفق وغيره: وشيخ الإسلام كما مر والبادية الذين حيث وجدوا المرعى رعوه يتمون، لأنهم مقيمون في أوطانهم، فإن كان لهم سفر من المصيف إلى المشتى، ومن المشتى إلى المصيف فإنهم يقصرون في مدة سفرهم، لعموم الأخبار، وكل من جاز له القصر جاز له الفطر والجمع، ولا عكس، والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة القصر، والجمع والمسح ثلاثا، والفطر، وأما أكل الميتة، والصلاة على الراحلة إلى جهة السير، فلا تختص بالسفر المبيح للقصر.(٢) وفاقا لأبي حنيفة، وقول لمالك، ولو لم تكن له به حاجة، غير أنه طريقه إلى بلد يطلبه.(٣) أي زوجة وإن لم يكن وطنه، لزمه أن يتم حتى يفارقه.(٤) صوابه أو تزوج فيه، فالمراد إذا دخل بلدا، وتزوج فيه بعد دخوله لزمه أن يتم، لما رواه أحمد عن عثمان، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم» رواه الحميدي والبخاري في تاريخه، ونص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهو
قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما وليس المراد أنه قد تزوج فيها أو لا، ثم أتاها بعد، وعنه: يقصر وفاقا للأئمة الثلاثة، وفي المستوعب فإن دخل بلدا فيه والده أو أولاده أو له فيه مال أو دار، أو بلدا كان وطنا له قديما فانتقل عنه واستوطن غيره، لم يمنعه ذلك من القصر.стр. 961
أو نوى الإتمام ولو في أثنائها بعد نية القصر (١) (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما) قصر (٢) لأنه سافر سفرا بعيدا (٣) (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر قصر) (٤) لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر، كما لو قضاها فيه نفسه (٥) قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها (٦) . الحواشي
(١) لزمه أن يتم، لأنه رجع إلى الأصل.(٢) قال ابن عقيل: قولا واحدا، إذا كان سلوكه لغير القصر، كجلب مال أو نفي ضرر، وظاهر الإقناع وغيره جواز القصر ولو سلكه للقصر، أو غيره، وتقدم كلام شيخ الإسلام، وقال في الفروع: وظاهر كلامهم منع من قصد قرية بعيدة لحاجة هي في قريته.(٣) يبلغها أشبه ما لو لم يكن له سواها، فأعطي حكمه، واختار الشيخ وغيره عدم القصر إذا لم يغب عن أهله يومه، لأنه لا يسمى مسافرا، ولا يدخل في حكم المسافر وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.(٤) إجماعا.(٥) أي في السفر الذي وجبت عليه فيه.(٦) أي لا فرق، وابن تميم هو محمد بن تميم الحراني الفقيه، له المختصر في الفقه، توفي قريبا من سنة ست مائة وخمس وسبعين.стр. 962
واقتصر عليه في المبدع، وفيه شيء (١) (وإن حبس) ظلما أو بمرض أو مطر ونحوه (٢) .
(ولم ينو إقامة) قصر أبدا (٣) لأن ابن عمر ﵁ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول، رواه الأثرم (٤) والأسير يقصر ما أقام عند العدو (٥) .
(أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي (قصر أبدا) (٦) غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته (٧) . الحواشي
(١) أي في كلام ابن تميم وغيره كصاحب الرعاية، ولعل وجهه أنه لو شرع في قضاء الصلاة في السفر، ثم قدم بلده في أثنائها قصر، وليس بظاهر، على ما تقدم من تغليب الحضر.(٢) كثلج وبرد.(٣) إجماعا، ما دام حبسه بذلك.(٤) وقيس عليه الباقي، وهذا الأثر ونحوه من حجج القائلين بنفي التقدير بأربعة أيام ونحوه، وأذربيجان بفتح الهمزة وسكون الذال، وفتح الراء، وهو جنوبي بحر الخزر بين روسيا وإيران.(٥) أي مدة إقامته عند العدو تبعا لسفرهم، وتقدم، والأسير هو المأسور عند الكفار.(٦) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وعند الشافعية إلى غاية عشرين يوما، وفي الإنصاف: أبدا بلا خلاف.(٧) أي المقام، وأقام دام واستقر، والفرق بين هذه والتي بعدها أنه في التي بعدها نوى الإقامة نفسه، ظانا أنها لا تنقضي حاجته قبل أربعة أيام، فكأنه بذلك
نوى أربعة أيام، وفي هذه الإقامة ليست مقصودة، ولا منوية، وإنما المنوي، قضاء حاجته، والإقامة صارت تبعا، ومن قصد بلدا غير عازم على الإقامة به مدة تقطع حكم السفر فله القصر، لفعله صلى الله عليه وسلموأصحابه، وكذا إن عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية، لفعل النبي ﷺ في مقامه بمكة ومني وعرفات.стр. 963
لأنه ﵇ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه أحمد وغيره، وإسناده ثقات (١) وإن ظن أن لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام أتم (٢) وإن نوى مسافر القصر حيث لم يبح لم تنعقد، صلاته (٣) كما لو نواه مقيم (٤) . الحواشي
(١) فرواه: أبو داود والبيهقي وابن حبان، وصححه ابن حزم والنووي، ولما فتح النبي ﷺ مكة أقام فيها تسعة عشر يصلي ركعتين، رواه البخاري وغيره، وقال أنس: أقام أصحاب النبي ﷺ برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة، ورواه البيهقي بإسناد حسن، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يجمع على إقامة، ولو أتى عليه سنون.(٢) كما لو علم ذلك أو نواه، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب وتقدم ما أوضحه شيخ الإسلام، وعبارة غيره: أو نوى إقامته لحاجة، يعني مع نية الإقامة فوق الأربعة الأيام لأنه تقدمه قوله: أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة، ثم قال الشارح: غلب ظنه كثرة ذلك أو قلته، وتقدم الفرق بينهما.(٣) كأن لم يكن سفره مباحا، وعلى ما تقدم، وتسميته سفرا يقضي بصحتها، لإطلاق الشارع.(٤) فإنها لا تنعقد بالإجماع، لكنها ليست كهي من كل وجه.стр. 964
فصل في الجمع (١)
(يجوز الجمع بين الظهرين) أي الظهر والعصر، في وقت أحدهما (٢) . الحواشي
(١) يعني بين الصلاتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء لثلاثة أمور: السفر والمرض والمطر ونحوه، وقدم الجمع للسفر لأنه الأكثر، وكل من جاز له القصر جاز له الجمع والفطر، ولا عكس، قال الشيخ: و الجمع رخصة عارضة للحاجة إليه، فإن النبي ﷺ لم يفعله إلا مرات قليلة، فلذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه، اقتداء بالنبي ﷺ إذا جد به السير، وفي الصحيح وغيره عن ابن مسعود، ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، الحديث، وأوسع المذاهب مذهب أحمد، فإنه نص على أنه يجوز للحرج والشغل، وقال الشيخ: الجمع بين الصلاتين في السفر يختص بمحل الحاجة، لا أنه من رخص السفر المطلقة كالقصر، وهو مذهب مالك، وذكر ابن القيم أحاديث الجمع، وقال: كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحه، ولا معارض لها، وأوقات المعذورين ثلاثة: وقتان مشتركان ووقت مختص، والوقتان المشتركان لأرباب الأعذار أربعة لأرباب الرفاهية ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين: خمسة وثلاثة، في نحو عشر آيات وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة، والاعتبار الصحيح، الذي هو مقتضى حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من المصالح.(٢) وإنما سميا بالظهرين تغليبا كالقمرين والعمرين: وعبر بيجوز أي فلا يكره ولا يستحب، غير جمعي عرفة ومزدلفة فسنة، وقيل: يجب، وإذا ارتحل قبل زيغ الشمس ونحوه فيسن، وغير ذلك تركه أفضل من فعله.стр. 965
(و) يجوز الجمع (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (في وقت أحدهما في سفر قصر) (١) لما روى معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليها جميعا (٢) وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب (٣) . الحواشي
(١) أي غير مكروه ولا حرام، وأن يكون مسيرة يومين وتقدم، وفي الإقناع وغيره: فلا يجمع من لا يباح له أن يقصر، كمكي ونحوه بعرفة ومزدلفة، لأنه عندهم ليس بمسافر سفر قصر، وقد ثبت جمعهم خلف النبي ﷺ وخليفتيه ﵄ وصوب الشيخ أنه يجوز في السفر القصير، وأن علته الحاجة لا السفر، فليس معلقا، به وإنما يجوز للحاجة بخلاف القصر.(٢) قال شيخ الإسلام وغيره: هذا إذا كان لا ينزل إلا وقت الغروب، كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس، أما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها في وقتها، وقال الحافظ: قال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وفيه حديث أنس في الصحيح وغيره.(٣) وحسنه البيهقي وقال: محفوظ صحيح، ورواه مالك في الموطأ وفيه: ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، وصححه ابن عبد البر وابن القيم، وكذا رواه مسلم وغيره، والغريب هو ما تفرد به أحد الرواة.стр. 966
وعن أنس معناه: متفق عليه (١) و (و) يباح الجمع بين ما ذكر (لمريض يلحقه بتركه) أي ترك الجمع (مشقة) (٢) . الحواشي
(١) ولفظه: كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ولمسلم: إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر: كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، ولمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر، حتى يدخل وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وجاء التأخير عنه من طرق، ولمسلم عن معاذ أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ ، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء، انفرد به، وعن ابن عباس: كان يجمع إذا كان على ظهر سيره.
قال البيهقي والنووي وغيرهما: والجمع بين الصلاتين في وقت الأولى أو الثانية بعذر السفر، هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين، مع الثابت عن رسول الله ﷺ ، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم بمزدلفة هو موجود في كل الأسفار، وقال شيخ الإسلام: وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا، نزولا مستمرا فما علمت روي ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ، وغزوة تبوك وحجه ﷺ لم ينقل أنه جمع فيهما إلا بعرفة ومزدلفة وحديث معاذ ليس في المشهور من حديث أنس، لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس، ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع، بل يصلي العصر في وقتها، وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع، بمنزلة جمع عرفة، وبه تتفق الأحاديث.(٢) وهذا مذهب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم.стр. 967
لأن النبي ﷺ جمع من غير خوف ولا مطر، وفي رواية: من غير خوف ولا سفر، رواهما مسلم من حديث ابن عباس، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض (١) . الحواشي
(١) علله ابن عباس ﵄ أنه ﷺ أراد أن لا يحرج أمته، وفي الطبراني وغيره: «لئلا تحرج أمتي» ، ودل الحديث بفحواه على الجمع للمرض والمطر والخوف، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع، وأخبار المواقيت، فتبقى فحواه على مقتضاه، قال شيخ الإسلام، في الجمع لمطر أو غيره: وبهذا الحديث استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها، ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر، وإن كان أولى بالجواز، ما رواه مسلم عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال ابن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته، ولمسلم عنه: لما قال له رجل: الصلاة قال: أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ ؟ وقد استدل على فعله وهو يخطب بالبصرة بما رواه لما رأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته، وكان عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، وكان رأى أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة
قال شيخ الإسلام: وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا، والأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد، لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه الله عن الأمة، وذلك
يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى
والأحرى وقال النووي وغيره: يجوز الجمع من أجل المرض، وفاقا لمالك وقواه، وقال: يستدل له بحديث ابن عباس: من غير خوف ولا مطر، لأنه إما أن يكون بالمرض، وإما بغيره مما في معناه أو دونه، ولأن حاجة المريض آكد من الممطور، وقال ابن المنذر: يجوز من غير خوف ولا مطر ولا مرض، قال الخطابي: وهو قول جماعة من أصحاب الحديث لظاهر حديث ابن عباس.стр. 968
وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة وهي نوع مرض (١) ويجوز أيضا لمرضع لمشقة كثرة نجاسة (٢) ونحو مستحاضة (٣) وعاجز عن طهارة أو تيمم لكل صلاة (٤) . الحواشي
(١) قال الشيخ يجمع للمرض، كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة، فإن النبي ﷺ أمرها بالجمع في حديثين.(٢) أي مشقة تطهيرها لكل صلاة، وهذه الحالة الثالثة، فإن لم تكن لكثرة نجاسة تشق فلا، قال في الاختيارات يجوز للمرضع الجمع، إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة، نص عليه، وعنه لا يجوز وفاقا.(٣) كذي سلس، أو جرح لا يرقأ دمه، أو مذي، أو رعاف دائم ونحوه، لقوله ﵊ لحمنة حين استفتته في الاستحاضة: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ويقاس عليها صاحب السلس ونحوه وهذه الحالة الرابعة.(٤) لأنه في معنى المريض والمسافر، وهي الحالة الخامسة، قال الشيخ: ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقت إلا بحرج كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور.стр. 969
وعن معرفة وقت كأعمى ونحوه (١) ولعذر أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة (٢) . الحواشي
(١) كمطمور، أومأ إليه أحمد، لما تقدم، واقتصر عليه في الإنصاف، وهي الحالة السادسة، ومحل ذلك إذا تمكن من معرفة الوقت في أحد الوقتين، وأما إذا استمر معه الجهل فلا فائدة في الجمع.(٢) أي ويجوز الجمع لعذر كخوفه على نفسه أو ماله أو أهله، ويجوز الجمع لشغل يذهل الإنسان، يبيح ترك جمعة وجماعة، كمن يخاف بتركه ضررا في معيشة يحتاجها فيباح له الجمع كما تقدم، وهذه السابعة، قال الشيخ: ويجوز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله ومال غيره بترك الجمع، كما روى النسائي ذلك عن النبي ﷺ ، وجوز أحمد الجمع إذا كان له شغل واختار جمع جواز الجمع مطلقا للحاجة في الحضر، من غير اتخاذه عادة، وهو مذهب جماعة من الأئمة منهم ابن سيرين، واختاره ابن المنذر، وحكاه عن جماعة من أصحاب الحديث، والنووي عن جماعة من الأئمة، والثامنة، قال: أحمد الجمع في الحضر إذا كان لضرورة من مرض أو شغل، واستثنى جمع النعاس، منهم صاحب الوجيز، وكذا الحاقن والحاقب ونحوهما، ومن يخاف نقض وضوئه، ومن يشتهي الطعام ونحو ذلك، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته.
قال الشيخ: ويجمع لتحصيل الجماعة: وللصلاة في الحمام مع جوازها فيه خوف فوات الوقت، ولخوف تحرج في تركه، وذكر حديث ابن عباس: أنه سئل لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره اهـ، وجاء عن عمر: أن من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز، وحكي أنه إجماع، وخولف في ذلك قال الشيخ: فدل على جواز إباحة الجمع للعذر، ولم يخص عمر عذرا دون عذر اهـ.
فيباح لمن تقدم في ثمان الحالات، بين الظهرين والعشائين، ويأتي ما يختص بالعشائين وهي ست حالات.стр. 970
(و) يباح الجمع (بين العشائين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة (١) والثلج والبرد والجليد مثله (٢) ولوحل وريح شديدة باردة (٣) . الحواشي
(١) وفاقا في الجملة، وهذا قيد لما في المتن، يفهم منه أنه إذا لم توجد معه مشقة لم يجز الجمع، ومفهوم كلام الماتن أنه إن لم يبل الثياب لم يجز الجمع، وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، وقال جمع: أو يبل النعل، أو البدن، لا الطل ولا المطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، لعدم المشقة، قال شيخ الإسلام وذكر آثارا عن الصحابة في الجمع ليلة المطر فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم، المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدا منهم أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، وقول ابن عباس: من غير خوف ولا مطر ولا سفر، ليس نفيا منه للجمع لتلك الأسباب بل إثبات منه، لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضا، ولو لم ينقل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، وقال: جواز الجمع للمطر في وقت الثانية فيه وجهان: لأنا لا نثق بدوام المطر إلى وقتها، وقوله: خاصة أخرج الظهرين، والوجه الآخر يجوز بين الظهرين كالعشائين، اختاره القاضي وأبو الخطاب والشيخ وغيرهم، ولم يذكر الوزير عن أحمد غيره، وقدمه وجزم به وصححه غير واحد وهو مذهب الشافعي.(٢) أي مثل المطر في إباحة الجمع بين العشائين، لأن الثلج والبرد بالفتح في حكم المطر، والجليد وهو من شدة البرد، قال أحمد، وكان ابن عمر يجمع في الليلة الباردة اهـ، وأمر ابن عمر مناديه في ليلة باردة فنادى: الصلاة في الرحال.(٣) ونحو ذلك وفاقا لمالك وظاهره: وإن لم تكن مظلمة ويعلم مما تقدم
كذلك لو كانت شديدة بليلة مظلمة، وإن لم تكن باردة، والوحل الطين الرقيق فإذا لوث الرجلين بالرطوبة والطين جاز.стр. 971
لأنه ﵇ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، رواه النجاد بإسناده (١) وفعله أبو بكر وعمر وعثمان (٢) . الحواشي
(١) مرفوعا إلى النبي ﷺ وكذا ابن عباس أنه ﷺ صلى بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا ولأنه ﷺ جمع من غير خوف ولا مطر، فمع أحد هذه الأعذار أولى، والنجاد هو أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر البغدادي، الفقيه الحافظ شيخ الحنابلة بالعراق، صاحب التصانيف مشهور، بالنون والدال، وكثيرا ما يصحف في بعض كتب الأصحاب فيبدل بالبخاري صاحب الصحيح، توفي النجاد سنة ثلاثمائة وثمان وأربعين، قال العليمي: وكان يملي الحديث بجامع المنصور، ويكثر الناس في حلقته، وصنف كتابا في الفقه والاختلاف، وهو ممن اتسعت رواياته واشتهرت مصنفاته.(٢) ففي المدونة: عن ابن قسيط أنه سنة، وأنه قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك، وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء فعله أبان ابن عثمان في أهل المدينة، وفيهم عروة وأبو بكر بن عبد الرحمن، ولا يعرف لهم مخالف، فكان إجماعا وهو قول الفقهاء السبعة، ومالك والشافعي وغيرهم: قال شيخ الإسلام: يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء، ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلا في أصح قولي العلماء، وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة، إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت، باتفاق المسلمين، والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة، باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع، كمالك والشافعي وأحمد.стр. 972
وله الجمع لذلك (ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط) ونحوه (١) لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (٢) (والأفضل) لمن له الجمع (فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم) بأن يقدم الثانية فيصليها مع الأولى لحديث معاذ السابق (٣) . الحواشي
(١) كمجاور بالمسجد، ومن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، وقوله: وله الجمع لذلك، متعلق بما بعده، وهو قوله: ولو صلى في بيته، والساباط سقيفة بين دارين، تحتهما طريق، جمعه سوابيط وساباطات.(٢) أي فله الجمع، لم تقدم من الأعذار المبيحة للجمع، ولو صلى في بيته وفي مسجد لا يشق عليه الوصول إليه، مع وجود العذر كعدم الصيام في السفر، ولو لم يكن مشقة، ولأنه روي أنه ﷺ جمع في مطر وليس بين حجرته والمسجد شيء فالمعتبر وجود المشقة في الجملة، لا لكل فرد من المصلين.(٣) وعن ابن عباس نحوه رواه الشافعي وأحمد وغيرهما، وتقدم أنه ﷺ أخر الصلاة يوما بغزوة تبوك، ثم خرج فصلى، الحديث رواه مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، وقال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الإسناد، قال شيخ الإسلام: والجمع جائز في الوقت المشترك، فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية، كما جمع بمزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز، لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة.стр. 973
فإن استويا فالتأخير أفضل (١) والأفضل بعرفة التقديم، وبمزدلفة التأخير مطلقا (٢) وترك الجمع في سواهما أفضل (٣) . الحواشي
(١) لأنه أحوط، وعمل بالأحاديث وليس على إطلاقه، بل في الجملة قال شيخ الإسلام في جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ وقيل: إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع، وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط، مخالف للسنة وللإجماع القديم، وصاحب هذا القول ظن أن التأخير أفضل مطلقا، وهذا غلط فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم، بل ذلك بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل، وقد يكون هذا أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره، وقال أيضا: كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب، ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على الناس، وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون.(٢) أي سواء كان هو الأرفق أو لا، فالتقديم بعرفة أفضل، ولو كان التأخير أرفق، لأنه لأجل العبادة، والتأخير بمزدلفة أفضل، ولو كان التقديم أرفق، لأجل السير، وصرح في المنتهى وغيره أنه إن عدم الأرفق فإذا وصل إليها أول الوقت لم يؤخره، ما لم يكن أرفق، والأولى إذا وصل في وقت الاختيار صلى المغرب وحدها، لزوال العلة، كما أن الأولى للنازل صلاة كل فرض في وقته.(٣) فلا يستحب إلا عند الحاجة إليه للاختلاف فيه، غير جمعي عرفة ومزدلفة فيسن بشرطه إجماعا، وهو التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة، لفعله ﵊، قال شيخ الإسلام: الجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه، وهو منقول بالتواتر، فلم يتنازعوا فيه، والصواب أنه لم يجمع بعرفة ومزدلفة لمجرد السفر، بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة اهـ.
وكذا يستحب عند الحاجة، كما كان يصنع ﷺ في سفره إذا جد به السير، كما فعل بمزدلفة، وفي غزوة تبوك قال شيخ الإسلام: وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن حاجة، عند الأئمة كلهم، والنبي ﷺ لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة، ولم يجمع بمنى، ولا في ذهابه وإياه، ولكن جمع في غزوة تبوك، إذا جد به السير، والذي جمع هناك يشرع أن يفعل نظيره.стр. 974
ويشترط للجمع ترتيب مطلقا (١) (فإن جمع في وقت الأولى اشترط) له ثلاثة شروط (نية الجمع عند إحرامها) أي إحرام الأولى دون الثانية (٢) . (و) الشرط الثاني الموالاة بينهما فـ (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء خفيف) (٣) لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة (٤) . الحواشي
(١) أي سواء ذكره أو نسيه، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب اهـ، يعني بخلاف سقوطه بالنسيان في قضاء الفوائت والترتيب أن يبدأ بالأولى، لأن الوقت لها والثانية تبع، فلو صلاها قبل الأولى لم تصح.(٢) لأنه عمل فيدخل في عموم: «إنما الأعمال بالنيات» ، وكل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها، وقال شيخ الإسلام: لا يفتقر الجمع إلى نية عند جمهور أهل العلم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد، وعليه تدل نصوصه وأصوله، قال: وقول الجمهور وهو الذي تدل عليه سنة رسول الله ﷺ .(٣) لأنه ﷺ لما جمع بينهما والى بينهما وترك الراتبة وفرقت بين الشيئين فصلت أحدهما من الآخر.(٤) وفي الأصل تأليف المفترق، وفي المفردات، ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع.стр. 975
ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير، فإنه معفو عنه (١) (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي بين المجموعتين، لأنه فرق بينهما بصلاة فبطل، كما لو قضى فائتة (٢) وإن تكلم بكلمة أو كلمتين جاز (٣) (و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى) لأن افتتاح الأولى، موضع النية وفراغها، وافتتاح. الحواشي
(١) وصحح في المغني والشرح أنه راجع إلى العرف، وذكر الشيخ أن كلام أحمد يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت، وإن لم يصل إحداهما بالأخرى، كالجمع في وقت الثانية، على المشهور في مذهبه ومذهب غيره، وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها، والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز له الجمع جاز ذلك، وأنه نص على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس، وهذا نص منه على أن الجمع هو المغرب في الوقت، لا تشترط فيه المواصلة، وقال: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس في ذلك حد في الشرع اهـ، وفي الصحيحين في قصة جمع النبي ﷺ بمزدلفة بعد أن صلى الصبح، أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة.(٢) أي يبطل الجمع إذا فرق بينهما، كما أن الجمع يبطل لو قضى بينهما فائتة، لطول الفصل، وعنه: لا يبطل براتبة بينهما، قال الطوفي: أظهر القولين دليلا عدم البطلان، إلحاقا، للسنة الراتبة بجزء من الصلاة لتأكدها.(٣) فيه تسامح، يفيد أنه مقيد بما ذكر، وليس كذلك فلو قال: ولا يضر كلام يسير لا يزيد على قدر الإقامة والوضوء الخفيف، لكان أولى، يعني على المذهب.стр. 976
الثانية موضع الجمع (١) ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه (٢) بخلاف غيره (٣) وإن انقطع السفر في الأولى بطل الجمع والقصر مطلقا (٤) فيتمها وتصح (٥) وفي الثانية يتمها نفلا (٦) . الحواشي
(١) ولو أحرم بالأولى مع وجود مطر، ثم انقطع ولم يعد، فإن حصل وحل لم يبطل الجمع، لأن الوحل من الأعذار المبيحة، أشبه ما لو لم ينقطع المطر، وإلا بطل الجمع، ولو خلفه مرض ونحوه، وإن شرع في الجمع مسافر لأجل السفر، فزال سفره ووجد مطر ونحوه، بطل الجمع، لزوال مبيحه، والعذر المتجدد غير حاصل عن الأول، بخلاف الوحل بعد المطر.(٢) كبرد وثلج إن خلفه، وحل.(٣) أي غير جمع المطر ونحوه، فيشترط له ذلك.(٤) أي وإن انقطع السفر في الأولى من المجموعتين، بأن نوى الإقامة، أو وصلت السفينة به إلى وطنه وهو في وقت الأولى، ولم يقيده الشارح، بطل الجمع والقصر مطلقا، سواء وجد عذر يبيح الجمع كمطر ووحل، أو لم يوجد، لزوال العذر المبيح المشروط استمراره إلى فراغ الثانية.(٥) فرضا، لكونها صادفت وقتها.(٦) أي وإن انقطع وهو في الثانية من المجموعتين، والوقت وقت الأولى، ولم يقيده أيضا، بطل الجمع والقصر، لزوال مبيحهما، ويتمها يعني الثانية نفلا، لأنها لم تصل في وقتها، وتصح الأولى فرضا، ومريض كمسافر فيما إذا برأ في الأولى أو الثانية.стр. 977
(وإن جمع في وقت الثانية اشترط) له شرطان (نية الجمع في وقت الأولى (١) لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا (٢) (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها) لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو ينافي الرخصة (٣) (و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) (٤) فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع، لزوال مقتضيه (٥) كالمريض يبرأ والمسافر يقدم، والمطر ينقطع (٦) . الحواشي
(١) مع وجود مبيحه، فإن لم ينو الجمع حتى ضاق وقت الأولى عنها لم تصح النية حينئذ.(٢) وعنه لا تشترط النية لجمع التقديم، اختاره أبو بكر والشيخ وغيرهما.(٣) يعني الجمع، وأثم بالتأخير، ولفوات فائدة الجمع، وهي التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين.(٤) من سير ومرض ومطر ونحوها، قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا.(٥) المجوز له، وهو العذر قبل دخول وقت الثانية، فإذا لم يستمر إليه لم يجز الجمع، وأثم بالتأخير، لأن تأخيرها إلى ضيق الوقت حرام، فينافي رخصة الجمع.(٦) تمثيل لزوال العذر قبل دخول وقت الثانية، ولا أثر لزواله بعد دخول وقت الثانية إجماعا، وقال في الإنصاف: لو قصر الصلاتين في السفر، في وقت أولاهما، ثم قدم قبل دخول وقت الثانية أجزأ، على الصحيح من المذهب.стр. 978
ولا بأس بالتطوع بينهما (١) ولو صلى الأولى وحده ثم الثانية إماما أو مأموما، أو صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع صح (٢) . الحواشي
(١) أي فلا تشترط الموالاة، لأن الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداء بكل حال، والأولى معها كصلاة فائتة، قال في المبدع: وهذا هو الأصح.(٢) يعني الجمع في هذه الصور كلها، لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة، فلم يشترط في الجمع اتحاد إمام ولا مأموم ولا جامع.стр. 979
فصل (١)
وصلاة الخوف صحت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة (٢) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن (٣) . الحواشي
(١) في كيفية صلاة الخوف، من حيث إنه يتحمل في الصلاة فيه ما لا يتحمل فيها في غيره، فيغتفر في تغيير هيئاتها وصفاتها، والإخلال ببعض واجباتها، لا تغيير عدد ركعاتها في قول الأكثر، وهي مشروعة بالكتاب والسنة، وأجمع الصحابة على فعلها، وأجمع المسلمون على جوازها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، وهو مذهب الجمهور، إلا أبا حنيفة، وهي مشروعة في زمنه ﷺ إلى آخر الدهر، وحكاه الوزير إجماعا، وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأمة، إلا أبا يوسف، وإجماع الصحابة والأئمة الأربعة حجة عليه.(٢) قال أحمد: صحت عن النبي ﷺ من خمسة أوجه أو ستة وفي رواية من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة، والإضافة بمعنى اللام، أي الصلاة للخوف، أو بمعنى (في) أي الصلاة في الخوف، ضد الأمن، وإن كانت أولى المجموعتين فالأولى تأخيرها.(٣) قال الشيخ وغيره: وهذا قول عامة السلف، اتباعا لما جاء به الشارع ﷺ وأحمد ﵀ على قاعدته يجوز جميع ما ورد، قال ﵀: وفقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الثابت عن النبي ﷺ فيجوزون في صلاة الخوف الأنواع المحفوظة عن النبي ﷺ وحكاه الوزير إجماعا.стр. 980
وأما حديث سهل فأنا أختاره (١) وشرطها أن يكون العدو مباح القتال (٢) سفرا كان أو حضرا (٣) مع خوف هجومهم على المسلمين (٤) وحديث سهل الذي أشار إليه، هو صلاته ﷺ بذات الرقاع (٥) . الحواشي
(١) ووجه اختياره له كونه أشبه بكتاب الله، وأحوط للصلاة والحرب وأنكى للعدو وأقل في الأفعال.(٢) كقتال الكفار والبغاة والمحاربين لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقيس عليه الباقي ممن يجوز قتاله، لأنها رخصة، فلا تستباح بالقتال المحرم، كقتال من بغي، وقطع الطريق.(٣) أي سواء كان القتال سفرا أو حضرا، وفاقا، لأن المبيح الخوف، لا السفر ولا تأثير له في قصر الصلاة، وإنما تأثيره في الصفة، قال الوزير: أجمعوا على أن صلاة الخوف في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، إذا كانت رباعية، وغير الرباعية على عددها، لا يختلف حكمها حضرا ولا سفرا، ولا خوفا.(٤) لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وفعله ﵊، يقال: هجمت عليه هجوما، من باب (قعد) دخلت عليه بغتة، على غفلة منه، وأهجمت الرجل هجما، طردته قال الزركشي: واعلم أن من شروط صلاة الخوف بلا نزاع عندنا أن يكون العدو يحل قتاله، ويخاف هجومه، وحكى الوزير الإجماع على خوف الهجوم، وكون بالمسلمين كثرة تمكن تفرقتهم فرقتين.(٥) بكسر الراء فقاف مخففة، آخره عين مهملة، غزوة إلى أرض غطفان من ناحية نجد، سميت الغزاة بذلك لأن أقدامهم نقبت، فلفوا عليها الخرق، كما في الصحيح، وسهل هو ابن أبي حثمة بن ساعدة الأنصاري الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وروى عن النبي ﷺ وأتقن، وعن زيد بن ثابت وغيره، وتوفي في أول خلافة معاوية بالمدينة ﵄.стр. 981
طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو (١) فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، متفق عليه (٢) . الحواشي
(١) بكسر الواو، بمعنى: تجاه، وهذه الصفة موافقة لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ وهذا فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة، ولا نزاع في ذلك، بشرط أن تكفي الطائفة العدو.(٢) من رواية صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف، وهذا أشبه بكتاب الله، فإن قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ يقتضي أن جميع صلاتها معه، وهو أحد الأوجه التي صحت عن النبي ﷺ والوجه الثاني، ما رواه جابر قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضي النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم ﷺ وسلمنا جميعا، رواه مسلم وللبخاري بعضه.
ورواه أحمد وغيره من حديث أبي عياش وقال: صلاها مرة بعسفان ومرة ببني سليم.
والوجه الثالث ما رواه ابن عمر قال: صلى ﷺ صلاة الخوف، بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم، ثم قضي هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة، متفق عليه، والوجه الرابع أن يصلي بكل طائفة صلاة، ويسلم بها، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، عن أبي بكرة مرفوعا، والشافعي عن جابر، والوجه الخامس ما رواه جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع، وللقوم ركعتان، متفق عليه، والسادس أن يصلي بكل طائفة ركعة بلا قضاء، كما جاء في خبر ابن عباس وغيره، ومنعه الأكثر وفاقا، وقال البغوي، وأكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على أن الخوف لا ينقص من العدد شيئا، وقال الموفق وغيره: يستحب أن يخفف بهم الصلاة، لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف.
وقال الشيخ: لا شك أن صلاته ﷺ حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال الأمن في الأفعال الظاهرة، قال الموفق: ويجب أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو ممن يحصل الثقة بكفايتها وحراستها، ومتى خشي اختلال حالهم، واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى فاللإمام أن ينهض إليهم بمن معه، ويمضوا على ما مضى من صلاتهم اهـ وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، فذكرها بعضهم أكثر، قال ابن القيم، والصحيح هذه الأوجه، وصح أنه ﷺ صلاها في أربع، ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان وذي قرد المعروف بغزوة الغابة.стр. 982
....................................................
стр. 983
وإذا اشتد الخوف (١) صلوا رجالا وركبانا، للقبلة وغيرها (٢) يومئون طاقتهم (٣) . الحواشي
(١) أي تواصل الطعن والضرب، والكر والفر، ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما ذكر.(٢) ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة، وهو قول أكثر أهل العلم، مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم، وقال الزركشي، لا تسقط الصلاة حال المسايفة والتحام الحرب بلا نزاع، ولا يجوز تأخيرها إن لم تكن الأولى من المجموعتين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا رجالا أو ركبانا، والأمر للوجوب، قال ابن عمر: فإذا كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا، قياما على أقدامهم، وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه، زاد البخاري: قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي ﷺ ولأنه ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، وأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة، ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم، فمع شدة الخوف أولى، ولا يلزم الإحرام إلى القبلة، ولو أمكن، وقال أحمد وغيره: تجوز صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا جماعة، كما يجوز فرادى، وهو مذهب الشافعي، ولم يجوزه مالك وأبو حنيفة، والرجال جمع راجل، لا رجل، والراجل الكائن على رجليه، واقفا كان أو ماشيا، والركبان جمع راكب، وأكثر ما يقال لراكب الإبل بدون إضافة.(٣) أي يومئون بالركوع والسجود، إيماء على قدر طاقتهم، لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفا لأسلحة العدو، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، ولا يلزمهم السجود على ظهر الدابة، وسواء وجد شدة الخوف قبلها أو فيها، ولو احتاج عملا كثيرا، وإن أمكنت الجماعة وجبت، ولا يزول الخوف إلا بانهزام الكل.стр. 984
وكذا حالة هرب مباح من عدو، أو سيل ونحوه (١) أو خاف فوت عدو يطلبه (٢) أو وقت وقوف بعرفة (٣) . الحواشي
(١) أي وكشدة الخوف مما تقدم حالة هرب مباح من عدو، بأن كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو متحرف لقتال، أو متحيز إلى فئة، أو هرب من سيل ونحوه، كهرب من سبع أو نار، أو غريم ظالم، أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله، إن صلى صلاة آمن، أو ذب عنه أو عن غيره، لأن ذلك إما واجب أو مباح، وكلاهما مبيح للصلاة على هذه الحال، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه في صلاة المطلوب، وإن كان طالبا نزل فصلى، وقال الشافعي: إلا أن ينقطع فيخاف، وإن خاف فحكمه حكم المطلوب.(٢) أي وكشدة خوف مما تقدم خوف فوت عدو يطلبه، لفعل عبد الله بن أنيس لما بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، صلى بالإيماء نحوه، رواه أبو داود وغيره، ولأن فوت عدوه ضرر عظيم، فأبيحت له صلاة الخوف، كحال لقائه، ومن خاف في الصلاة كمينا أو مكيدة أو مكروها، وكذا أسير خاف على نفسه فيصلي من ذكر كيف أمكن، قائما أو قاعدا أو مضطجعا ومستلقيا إلى القبلة وغيرها بالإيماء، حضرا وسفرا، وإن خاف هدم سور أو طم خندق إن صلى آمنا، صلى صلاة خائف ما لم يعلم خلافه.(٣) إذا قصدها المحرم ليلا، ولم يبق من وقت الوقوف إلا مقدار ما إن صلاها فيه على الإتمام فاته الوقوف، فإنه يصليها صلاة خائف، وهو ماش أو راكب اختاره الشيخ، وصوبه في تصحيح الفروع، وقال ابن القيم: يقضي الصلاة وهو سائر إلى عرفة، فيكون في طريقه مصليا، كما يصلي الهارب من سيل أو سبع اتفاقا أو الطالب لعدم يخشى فواته، على أصح القولين، وهو أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده اهـ، وكذا من في الصلاة وخاف انتقل وبنى، لأن
الحكم يوجد لوجود علته، وينتفي بانتفائها، والمقتضى لهذه الصلاة هو الخوف
فإذا أمن زال الخوف، فيصلي صلاة أمن، وما صلى وهو خائف على صفته محكوم بصحته.стр. 985
(ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه) كسكين (١) لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٢) ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحال للحاجة بلا إعادة (٣) . الحواشي
(١) لصيانته، والسكين الشفرة والمدية، ويؤنث، والجمع سكاكين سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح.(٢) ولمفهوم قوله: ﴿جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ واختار جماعة: يجب وفاقا لمالك والشافعي، واستظهره أبو المظفر، والشارح، ولا يشترط وفاقا، وقال غير واحد، لا يجب وفاقا، لأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب، وكره ما يثقلة كجوشن أو يضر غيره كرمح، ما لم يكن على جانب، ولا يكره حمل السلاح في الصلاة بلا حاجة في ظاهر كلام الأكثر.(٣) للعذر وكذا ما يخل ببعض أركان الصلاة للحاجة إليه.следующие страницы →