← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المطلب الثاني التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء اتفق جمهور الفقهاء على أن من ضلَّ عن مكانه الذي فيه الماء، أو ضل رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها، فتيمم بعد طلبه الماء فإن تيممه صحيح ولا إعادة عليه (١) (٢)، إلا وجهًا لبعض الشافعية وقولاً لبعض الحنابلة أنه لا يصح تيممه وتلزمه الإعادة قياسًا على الناسي (٣). وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ١٨].

стр. 107

وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا غير واجد للماء فجاز له التيمم بنص الآية (١). ثانيًا: من المعقول: ١. أنه غير مفرط فتصح صلاته (٢). ٢. لأنه قد يشتغل بشد متاع أو إصلاح شأن فيعرض له ذلك كثيرًا (٣). ٣. ولأنه تيمم وهو مع الذكر للماء غير قادر على استعماله، فصار عاجزًا عنه (٤). ٤. ولأنه غير عالم بمكان الماء. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من ضل عن مكانه الذي فيه الماء ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القياس على الناسي لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف، وحتى القول القائل بإعادة الصلاة لمن نسي الماء فإنه فرق بين الناسي وبين مسألتنا، فأوجب الإعادة في الناسي لتفريطه بخلاف مسألتنا.

стр. 108

المطلب الثالث إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء اختلف الفقهاء في حكم من صلى بالتيمم ثم بان أنه كان بقربه بئر أو ماء متجمع كغدير ونحوه وهولا يعلم به، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وابن سريج (١) من الشافعية، إلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت استحبابًا (٢). ويمكن أن يستدل لهم بنفس أدلة المطلب السابق الدالة على صحة التيمم لمن ضل عن مكانه وفيه الماء (٣). القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو وجه للشافعية (٤)، لأنه مفرط.

стр. 109

القول الثالث: ينظر على حال البئر أو الماء المتجمع، فإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع ظاهرة غير خفية، فإن عليه إعادة الصلاة؛ لأنه مفرط. وإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع خفية غير ظاهرة، فإنه لا تجب عليه إعادة الصلاة ويصح تيممه؛ لأنه غير مفرط. وهذا القول هو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (١). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم ولا يعلم أن الماء بقربه، وذلك لما يلي: ١ ـ لقوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد. ٢ ـ لأنه قد أدى فرضه على ما أمر الله به ولم يكلف علم ما غاب عنه مما لا طريق له إلى معرفته (٢). ٣ ـ ولأنه لم يقصد مخالفة أمر الله تعالى، فهو حينما صلى كان منتهى قدرته أنه لا ماء حوله (٣).

стр. 110

المطلب الرابع إذا وُضع الماء في رحله ولم يعلم به اختلف الفقهاء في حكم من لم يعلم بوجود الماء في رحله كأن وضع بغير علمه فتيمم وصلى ثم وجد الماء في رحله، فهل تيممه صحيح ولا تلزمه إعادة الصلاة أم لا؟ وذلك على قولين (١): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة اختاره المرداوي (٢)، إلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت ندبًا. القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو قول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.

стр. 111

أدلة القول الأول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وجه الدلالة: أن الله كلفنا بحسب الوسع، وليس في الوسع استعمال الماء قبل العلم به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه (١). ثانيًا: من المعقول: ١ ـ لأنه غير واجد للماء (٢). ٢ ـ لأنه لا يعد في هذه الحالة مفرطًا (٣). ٣ ـ لأن ذلك من فعل غيره، وهو غير مخاطب به شرعًا إذ ليس من كسبه فلا يؤاخذ به (٤). أدلة القول الثاني: عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي: أن على الشخص أن يبحث عن الماء في رحله قبل أن يتيمم، وهذا لم يبحث فتلزمه الإعادة لتفريطه بعدم طلبه في رحله (٥).

стр. 112

المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يعلم بوضع الماء ابتداء، ففرضه التيمم، والأصل عدم العلم، ولا دال له على وجود الماء في الرحل، فصحت صلاته (١). الوجه الثاني: لأنه لا يخاطب بفعل الغير (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من وضع الماء في رحله ولم يعلم به، وذلك لما يلي: ١ ـ قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة. ٢ ـ مناقشة أدلة القول الثاني. ٣ ـ أن الله قد عفى عن المخطئ حال خطئه، وعن الناسي حال نسيانه، كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ... » (٣)، فمن وُضع الماء في رحله بغير علمه من باب أولى؛ لأن النسيان يستدعي تقدم العلم، بخلاف من وضع الماء في رحله بغير علمه إذ لا علم له أصلاً.

стр. 113

المطلب الخامس التيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ اتفق الفقهاء على أن من كان عالمًا بوجود الماء، وظن أنه قد نفذ، فتيمم وصلى ثم تبين له أن الماء لم ينفذ، فإنه لا يصح تيممه وعليه إعادة الصلاة (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: ١. لأن القدرة على الاستعمال ثابتة بعلمه فلا ينعدم بظنه، فيلزمه التفتيش (٢). ٢. ولأن التفريط جاء من قلبه (٣). ٣. ولأن العلم لا يبطل بالظن، فكان الطلب واجبًا (٤).

стр. 114

المبحث الرابع التيمم لمن وجد ماء لا يكفي للطهارة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه. المطلب الثاني: كيفية استعمال الماء الذي لا يكفي للطهارة. المطلب الثالث: إذا كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.

стр. 115

المطلب الأول حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه اتفق الفقهاء على جواز التيمم ومشروعيته عند عدم الماء حقيقة أو حكمًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، فلم يجعل الله تعالى للتيمم حكمًا مع وجود الماء. واختلفوا في حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه للوضوء أو الغسل، فهل يستعمله ثم يتيمم للباقي، أم لا يلزمه استعماله ويجزئه التيمم؟ على قولين (٢): القول الأول: أنه يلزمه استعمال الماء ثم يتيمم للباقي، وهو الأصح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ومذهب الحنابلة. القول الثاني: أنه يتيمم ولا يلزمه استعمال الماء، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم) واختاره المزني (٣)، ووجه للحنابلة في المحدث حدثًا أصغر.

стр. 116

سبب الخلاف: وسبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة هو أن الله تعالى أمر القائم إلى الصلاة بغسل الأعضاء المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومعلوم أنها لا تغسل إلا بماء، ولكن الماء غير مذكور ولا منصوص عليه في صدر الآية، فلما قال تعالى عقب ذلك: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٢] وقع الإشكال، هل المراد ماء وإن لم يكف، فيجب استعمال ما لا يكفي في الطهارة منه، لأنه يسمى ماء، أو المراد الماء المتقدم التنبيه عليه وإن لم يذكر، فلا يجب استعمال ما لا يكفي منه (١)؟ أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه، فإنه يلزمه استعماله ثم يتيمم للباقي بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 117

وجه الدلالة: دلت الآية على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه يستعمله ويتيمم للباقي، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الله اشترط للتيمم عدم الماء، ومن كان عنده شيء من الماء فإنه يعتبر واجدًا للماء (١). المناقشة: نوقش بالمنع؛ لأن المراد بالآية وجود الماء الكافي للطهارة، وهذا غير واجد لماء يكفيه فوجب أن يتيمم (٢)، ويترك الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية (٣). الوجه الثاني: أن كلمة ﴿مَاءً﴾ في الآية جاءت نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم لكل ما يطلق عليه اسم الماء، فاقتضى ذلك أنه إذا وجد ماءً قليلاً كان أو كثيرًا لم يجز له التيمم (٤). المناقشة: نوقش بأن الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية، فكأن التقدير فلم تجدوا ماء

стр. 118

محللاً للصلاة بدليل أن وجود الماء النجس لا يمنع من التيمم وإن تناولته النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي الأعضاء كلها (١). ثانيًا: من السنة: ١ ـ حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ اشترط للتيمم عدم الماء، ومن وجد شيء من الماء فإنه يجب عليه استعماله ثم التيمم للباقي، ولم يفرق بين ماء قليل يكفيه أو لا يكفيه. المناقشة: ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذا الحديث بما نوقش به الاستدلال بالآية السابقة. ٢ ـ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣).

стр. 119

وجه الدلالة: أن الحديث يدل على العفو عن كل ما خرج عن طاقة الإنسان، وعلى وجوب الإتيان بما دخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وهذا مستطيع لأن يأتي ببعض وضوئه أو ببعض غسله، غير مستطيع على باقيه، ففرض عليه أن يأتي من الغسل بما يستطيع في الأول فالأول من أعضاء الوضوء، وأعضاء الغسل حيث بلغ، فإذا نفذ لزمه التيمم لباقي أعضائه ولابد؛ لأنه غير واجد للماء في تطهيرها، فالواجب عليه تعويض التراب كما أمره الله تعالى (١). المناقشة: يمكن مناقشته بأن المراد في الحديث أن يأتي المكلف ما يستطيعه من أمر النبي ﷺ إن كان مفيدًا، ومن وجد من الماء ما يكفي بعض أعضاء الوضوء دون البعض فإنه لا يقدر على رفع حدثه بهذا القدر من الماء فهو في حكم العادم، ولا حكم لوجود ما يكفي لبعض الوضوء فإن فاعل ذلك لا يسمى متوضئًا ولا يصدق عليه أنه قد فعل ما أمر الله به من الوضوء، فالواجب عليه ترك غسل ذلك البعض الذي لم يجد من الماء إلا ما يكفيه ويعدل إلى التيمم (٢).

стр. 120

ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن المكلف إذا وجد من الماء ما يمكنه استعماله في بعض جسده لزمه ذلك، كما لو كان أكثر بدنه صحيحًا وباقيه جريحًا (١). المناقشة: نوقش بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي: الأول: أن من كان بعض أعضائه جريحًا، إنما وجب عليه الطهارة بالماء؛ لأنه واجد له وباستطاعته تطهير الأعضاء السليمة، وهذا هو الأصل، ووجب عليه التيمم عن الأعضاء الجريحة لعدم القدرة على تطهيرها بالماء وإن كان موجودًا فعدل إلى ما ينوب عنه وهو التيمم للضرورة، ولا ضرورة في الجمع بين طهارة لبعض أعضاء الصحيح بالماء، وطهارة بعضه الآخر بالتيمم (٢). الثاني: أن العجز ببعض البدن يخالف العجز ببعض الواجب بدليل أن من بعضه حر إذا ملك الرقبة لزمه إعتاقها في كفارته، ولو ملك الحر بعض الرقبة لم يلزمه إعتاقها (٣). قلت: ويناقش أيضًا بأنه احتجاج بمذهب على مذهب، فلا يصح القياس.

стр. 121

٢ ـ لأن كل من كان قادرًا على بعض الشرط فإنه يلزمه، كستر العورة وإزالة النجاسة والقراءة، فإنه يستر من عورته ويزيل من النجاسة ما قدر، ويقرأ ما أحسن (١). المناقشة: نوقش بأنه قياس فاسد؛ لأن السترة وإزالة النجاسة والقراءة تتجزأ فيفيد إلزامه باستعمال القليل للتقليل بخلاف ما نحن فيه، حيث لا فائدة ترجى من استعمال الماء القليل؛ لأن الحدث لا يتجزأ فهو قائم ما بقي أدنى لمعة، فاستعمال الماء والحالة هذه يعتبر مجرد إضاعة المال في موضع عزته، وهو منهي عنه (٢). ٣ ـ أن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه من أعضائه قياسًا على العادم لبعض أعضائه (٣). المناقشة: نوقش بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنه لا أحد يقول بسقوط الفرض، وإنما يكون السقوط في أن لا يجتمع الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن

стр. 122

استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث، ولابد معه من التيمم فلم يستفد باستعمال الماء شيئًا؛ لأن التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لابد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع (١) كما لو لم يجد الماء أصلاً. ٤ ـ قياسًا على المضطر إذا وجد بعض ما يسد به رمقه من الطعام، فإنه يلزمه أكل ذلك البعض قبل أكل الميتة (٢). المناقشة: نوقش بأنه قياس غير صحيح، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن أكل الطعام ليس بعبادة حتى يقال لها بدل (٣). الوجه الثاني: أن أكل الميتة للضرورة، ولا ضرورة في استعمال الماء القليل لأنه لا يرفع الحدث. الوجه الثالث: أن هذا الدليل ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعًا؛ لأنه مع استعمال الماء الذي يكفي لغسل وجهه لا يتمه بالتيمم الذي هو بدل عند الضرورة، وإنما يأتي بالتيمم الكامل على صفته كما لو لم يجد الماء أصلاً (٤).

стр. 123

٥ ـ أنه واجد لماء طهور لا يخاف من استعماله ضررًا فوجب عليه استعماله كما لو كان يكفيه (١). المناقشة: نوقش بأن من وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا يجد الماء أصلاً أولى؛ لأن التيمم لا يرفع حدثه (٢). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه لا يلزمه استعماله بل يتيمم فقط بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أراد بالماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هو الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية (٣)، وذلك لأن مطلق

стр. 124

الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماء كافيًا لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلاً، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم (١). المناقشة: نوقش بأنه لم يأت في أول الآية للماء ذكر حتى نحمل آخر الآية عليه، ثم لو كان ذلك صحيحًا لعرفه بالألف واللام، فقال: فلم تجدوا الماء؛ لأن إعادة المذكور يكون معرفًا كما هو عادة العرب (٢). الجواب: أجيب عنه بجوابين: ١ ـ أن الماء في مضمون الغسل ليس بملفوظ به، فلم يصح تعريف ما لم يتقدم له لفظ، ولم يجز الكناية عما لم يذكره في الابتداء (٣). ٢ ـ أن الله تعالى لو ذكر في أول الآية ماء منكرًا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب عليه أن يُعرّف بالألف واللام؛ لأنه لو عرفه لصار الأمر مقصورًا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاده بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا

стр. 125

لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]، فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول (١). ثانيًا: من السنة: حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ... » (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه لا يستعمله ويتيمم، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن النبي ﷺ عرّف الماء بالألف واللام وذلك لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق الجنس، أو المعهود، فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال: إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد مياه الدنيا، وإن كان أراد به المعهود، فالمراد به ما يقع به كمال الطهارة، فلذا وجب على من وجد من الماء بعض ما يكفيه أن يتيمم بظاهر الخبر (٣). الوجه الثاني: أن المراد بالماء في الحديث ما يكفي لرفع الحدث بنية استباحة الصلاة ونحوها، أما ما دونه فوجوده وعدمه سيان؛ إذ لا يثبت به استباحة الصلاة فكان كالمعدوم (٤).

стр. 126

الوجه الثالث: أن قوله ﷺ : «فليمسه بشرته» يدل على أنه إذا وجد ماء يكفيه لإمساس بشرته كلها استعمله وإلا فلا؛ لأنه لم يقل: فليمسه بعض بشرته، فدل ذلك على أن من وجد ماء يكفي بعض بشرته لم يستعمله ويتيمم (١). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم شرع بدلاً عن الوضوء، والجمع بين البدل والمبدل عنه لا يجب، كما لو وجد بعض الرقبة لم يلزمه إعتاقها والصوم (٢). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن التيمم بدل عما لم يصل إليه الماء وليس عن المغسول من الأعضاء، فلم يكن جمعًا بين بدل ومبدل (٣). الجواب: يمكن أن يجاب بأن التيمم بدل من غسل جميع الأعضاء، وغير جائز وقوعه على بعض الأعضاء دون بعض، ولهذا نجد أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى، على أنه قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها، فلو أوجبنا عليه غسل ما يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل

стр. 127

بعض أعضائه أو جمعيه، فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض الأعضاء وذلك مستحيل؛ لأنه لا يتبعض، فلما بطل ذلك لم يبق إلا أنه يقوم مقام جميعها فيصير حينئذٍ متوضئًا متيممًا في الأعضاء المغسولة وذلك محال؛ لأن الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم، فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في الوجوب (١). الوجه الثاني: أن القياس على من وجد بعض الرقبة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي: الأول: أن صيام الشهرين ـ اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة ـ لما لم يجز أن يكونا بدلاً عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، ولما جاز التيمم ـ الذي هو بدل عن جميع البدن ـ أن يكون بدلاً عن بعض البدن، جاز أن يقع عن بعض أعضائه (٢). الجواب: أجيب بالمنع؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق هو مبدل، وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلاً، وعدل إلى البدل الذي هو الصيام، كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة ويعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل هو مبدل مع مسح هو بدل (٣).

стр. 128

الثاني: أنه ليس في عتق بعض الرقبة فائدة؛ لأن بعض الرقبة لو أعتقه ثم وجد بعض رقبة أخرى فتمم الرقبة الأخرى لم يجزئه، وليس كذلك في الماء؛ لأنه لو غسل بهذا الماء بعض بدنه ثم وجد ما يغسل به باقيه فتمم به أجزأه وارتفع حدثه (١). الجواب: أجيب بأن عتق بعض الرقبة ـ إذا كان المعتق موسرًا ـ فيه فائدة؛ لجواز أن يقدر على شراء بقيتها عندكم، ففيه فائدة على الأصلين، وهو التصرف بالعين (٢)، وأما استعمال الماء فلا فائدة فيه لأن الماء القليل المستعمل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث فوجوده وعدمه سواء، ثم إن مسألة تجزئة الوضوء (٣)، أو الغسل (٤) محل خلاف فلا يصح الاستدلال بها.

стр. 129

٢ ـ أن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل (١)، قياسًا على من وجد بعض الرقبة في الكفارة فإنه يعدل إلى الصوم (٢). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن بعض الرقبة لا يسمى رقبة فلهذا لم يجب عليه إعتاقه، وأما بعض الماء فيسمى ماء فيجب استعماله (٣). الجواب: أجيب عن ذلك بما ورد في الاستدلال بالدليل الأول من أدلة القول الثاني. وبأن التفرقة بالأسماء لا معنى له، وإنما الكلام في الحكم، ولهذا نجد أن الله تعالى قال في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] فأضاف اسم جنس الصيام إلى الأصل المذكور، فلو قال قائل: أنا إذا صمت يومًا أو شهرًا فإنه يقع عليه اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صوم، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين

стр. 130

يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطًا؛ لأن اسم الجنس إذا أضيف إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف عليها، فكذلك قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي ما يكفي الوضوء فتيمموا (١). ٣ ـ أن الله تعالى جعل فرض المحدث أحد شيئين: إما استعمال الماء أو التراب، فمتى كان الماء لا يغني عن التيمم كان غير موجود شرعًا؛ لأن المطلوب وجود الكفاية منه (٢). ٤ ـ أنه لما لم يجز الجمع بين غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل الأخرى لكون المسح بدلاً من الغسل، وجب أن لا يلزمه الجمع بين التيمم وغسل الأعضاء لهذه العلة (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه يتيمم ولا يستعمل الماء، وذلك لما يلي: ١ - لقوة أدلته، وسلامتها من الاعتراضات القادحة. ٢ - مناقشة أدلة القول الأول.

стр. 131

٣ - أنه إذا استعمل الماء القليل قبل التيمم لم يرتفع حدثه فكان استعماله هدرًا. ٤ - أن الاقتصار على التيمم فيه يسر ورفع للحرج عن المكلف وبخاصة أن التيمم يقوم مقام الطهارة المائية.

стр. 132

المطلب الثاني كيفية استعمال الماء الذي لا يكفي للطهارة تقدم في المطلب الأول اختلاف العلماء في حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه، وأن الراجح هو القول القائل: بعدم استعمال الماء القليل والاكتفاء بالتيمم. ولكن على القول القائل: باستعمال الماء القليل والتيمم هل يجب عليه في هذه الحالة أن يقدم استعمال الماء على التيمم أم لا؟ (١). اتفق الشافعية والحنابلة على وجوب تقديمه على التيمم في الوضوء والغسل (٢)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله اشترط للتيمم عدم الماء، ولا يكون عادمًا للماء حتى يستعمل ما معه من الماء، ليتحقق الشرط (٣).

стр. 133

ثانيًا: من المعقول: أنه إذا قدم استعمال الماء تميز المغسول عن غيره فعلم ما يتيمم عنه، فيجب عليه استعماله أولاً (١). وأما كيفية استعماله فقالوا: إن كان محدثًا حدثًا أصغر فإنه يلزمه استعمال الماء في وجهه، ثم في يديه إلى حيث بلغ، على الترتيب في أعضاء الوضوء ثم يتيمم لباقي أعضائه. وأما إن كان حدثه حدثًا أكبر فإنه يستعمله في أي بدنه شاء ثم يتيمم لباقيه، ويستحب أن يبدأ بمواضع الوضوء ثم رأسه ثم شقه الأيمن؛ لأن ذلك هو المستحب في ابتداء غسل الجنابة (٢).

стр. 134

المطلب الثالث إذا كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط اتفق الحنفية والمالكية على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه للوضوء أو الغسل فإنه يقتصر على التيمم ولا يستعمل الماء، واختلفوا في ما لو تيمم الجنب ثم أحدث بعد ذلك حدثًا أصغر ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به، فهل يستعمل هذا الماء للوضوء أو يتيمم؟ على قولين (١): القول الأول: أنه يتوضأ بهذا الماء ولا يتيمم، وهو قول الحنفية. وعلّلوا ذلك بأن التيمم الأول أخرجه من الجنابة إلى أن يجد من الماء ما يكفيه للاغتسال، فهذا محدث وليس بجنب، ومعه من الماء قدر ما يكفيه للوضوء فيتوضأ به (٢). القول الثاني: أنه لا يتوضأ بهذا الماء ويتيمم، وهو قول المالكية. وعلّلوا ذلك بأنه حين أحدث انتقض تيممه الذي كان للجنابة فعاد جنبًا (٣). جاء في المدونة: «وقال مالك في الرجل يتيمم وهو جنب ومعه قدر ما يتوضأ به، قال: يجزئه التيمم ولا يتوضأ، فإن أحدث بعد ذلك فأراد أن يتنفل

стр. 135

فليتيمم ولا يتوضأ؛ لأنه حين أحدث انتقض تيممه الذي كان تيمم للجنابة ولم ينتقض موضع الوضوء وحده، فإذا جاء وقت صلاة أخرى مكتوبة فكذلك أيضًا ينتقض أحدث أو لم يحدث» (١). الترجيح: يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن القول الأول أرجح وذلك لقوة ما استدلوا به، وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فلا يصح؛ لأنه إنما يعود جنبًا إذا أجنب لا إذا أحدث.

стр. 136

المبحث الخامس التيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه ولم يترك ما يتطهر به وفيه تمهيد ومطلبان: المطلب الأول: حكم إراقه الماء بعد دخول الوقت. المطلب الثاني: التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت.

стр. 137

تمهيد اتفق الفقهاء على أن من كان معه ماء فأراقه أو باعه أو وهبه، وكان ذلك قبل دخول الوقت ثم دخل عليه الوقت وهو عادم للماء، فإن له أن يصلي بالتيمم وليس عليه إعادة (١) (٢) (٣). واستدلوا على ذلك بما يلي: ١٢ ـ أن المكلف ليس مخاطبًا بالطهارة قبل دخول وقت الصلاة، ففرض الطهارة لم يتعين عليه (٤).

стр. 138

١٣ ـ أنه عادم للماء في الوقت فعليه التيمم للصلاة (١). ١٤ ـ أنه قد أتى بما هو مكلف به (٢). وبيان هذا المبحث يكون في مطلبين:

стр. 139

المطلب الأول حكم إراقة الماء بعد دخول الوقت اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على تحريم إراقة الماء الصالح للطهارة به بعد دخول الوقت، وهو يعلم أنه لا يجد غيره، وذلك لأنه وسيلة إلى فوات الطهارة بالماء الواجبة (١). واختلفوا في حكم التيمم في هذه الحالة، فهل يصح تيممه ولا تلزمه الإعادة أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول المالكية، والأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة. القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو وجه للشافعية والحنابلة. أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن من أراق الماء بعد دخول الوقت لا تجب عليه إعادة الصلاة ويصح تيممه، بما يلي:

стр. 140

أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله اشترط للتيمم عدم الماء، وهذا عادم للماء (١). ثانيًا: من المعقول: ١ ـ أنه صلى بتيمم صحيح، تحققت شرائطه، فلا تلزمه الإعادة، كما لو فعل ذلك قبل الوقت (٢). ٢ ـ قياسًا على من كان معه رقبة فقتلها ثم انتقل إلى الصيام فلا إعادة عليه، فكذلك هاهنا مثله (٣). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بوجوب إعادة الصلاة لمن أراق الماء بعد دخول الوقت وعدم صحة تيممه، بما يلي: أن من أراق الماء بعد أن تعين عليه فرض الصلاة بالوضوء، قد فوّت القدرة على نفسه، فبقي في عُهْدِة الواجب، فتجب عليه الإعادة لتفريطه (٤).

стр. 141

المناقشة: يمكن مناقشته من وجهين: الوجه الأول: أنه وإن كان مقصرًا إلا أنه لا تلزمه الإعادة؛ لأنه غير قادر على استعمال الماء أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت (١). الوجه الثاني: قياسًا على من كَسَر ساقه فعجز عن القيام أو حرق ثوبه فصار عاريًا، فإنه يُعصى بذلك وتجزئه صلاته (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من أراق الماء بعد دخول الوقت وعدم إعادة الصلاة، وذلك لقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة في مقابل مناقشة دليل القول الثاني.

стр. 142

المطلب الثاني التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت وفيه فرعان: الفرع الأول حكم بيع الماء أو هبته بعد دخول الوقت اتفق الشافعية والحنابلة على جواز بيع الماء ـ الصالح للطهارة به ـ أو هبته بعد دخول الوقت لمحتاج إليه لشرب أو لسقي دابة أو لغسل نجاسة على ثوبه ونحو ذلك، ولا إعادة عليه لأنه معذور (١). واختلفوا في هبة الماء أو بيعه بعد دخول الوقت لغير محتاج إليه لعطش ونحوه، وكان هذا الماء صالحًا لطهارته، فهل يصح البيع والهبة أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: لا يصح البيع ولا الهبة، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة وعلّلوا ذلك بأنه قد تعلق به حق الله بدخول وقت الصلاة، فهو عاجز من تسليمه شرعًا؛ لتعينه للطهر (٣).

стр. 143

المناقشة: يمكن مناقشته بأن توجه الفرض وتعلُّقه لا يمنع صحة البيع والهبة؛ لأنه من أهل التصرف في ملكه، فلا يؤثر المنع في فساد العقد (١). القول الثاني: يصح البيع والهبة، وهو وجه للشافعية والحنابلة. وعلّلوا ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ ـ أن له في ذلك عوضًا، وهو جلب مودة صاحبه (٢). ٢ ـ قياسًا على من وجب عليه عتق رقبة في كفارة فأعتقها لا عن الكفارة، فإن ذلك يصح (٣). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكفارة ليست على الفور بخلاف الصلاة فإن وقتها محدود (٤). ٣ ـ قياسًا على من وجب عليه ديون فطولب بها فوهب ماله وسلمه (٥).

стр. 144

المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الدائن قد رضي بتعلق حقه بالذمة فلا حجر له في العين (١). ١٥ ـ قياسًا على من تصرّف في ماله الذي وجبت فيه الزكاة (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بصحة البيع والهبة، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الأول بما حصل من مناقشته.

стр. 145

الفرع الثاني حكم التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت اتفق الشافعية والحنابلة على أن من باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به، فإنه يجب عليه أن يسترجع الماء إذا كان موجودًا في يد الموهوب له والمشتري؛ لأن تيممه لا يصح؛ لقدرته على الماء (١). واختلفوا في حكم من لم يقدر على استرجاع الماء من الموهوب له أو المشتري، فهل إذا تيمم وصلى تجب عليه الإعادة أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهو الصحيح عند الحنابلة. ويمكن أن يستدل لهم بأدلة من قال بعدم إعادة الصلاة لمن أراق الماء بعد دخول الوقت (٣). القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة، وهو قول الشافعية، ووجه للحنابلة. واستدلوا على ذلك بأنه يعد مقصرًا بتسليمه (٤) فتجب عليه الإعادة.
следующие страницы →