← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المناقشة: يمكن مناقشته من وجهين: الوجه الأول: أنه وإن كان مقصرًا إلا أنه لا تلزمه الإعادة؛ لأنه غير قادر على استعمال الماء أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت (١). الوجه الثاني: قياسًا على من كَسَر ساقه فعجز عن القيام أو حرق ثوبه فصار عاريًا، فإنه يُعصى بذلك وتجزئه صلاته (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من أراق الماء بعد دخول الوقت وعدم إعادة الصلاة، وذلك لقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة في مقابل مناقشة دليل القول الثاني.

стр. 142

المطلب الثاني التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت وفيه فرعان: الفرع الأول حكم بيع الماء أو هبته بعد دخول الوقت اتفق الشافعية والحنابلة على جواز بيع الماء ـ الصالح للطهارة به ـ أو هبته بعد دخول الوقت لمحتاج إليه لشرب أو لسقي دابة أو لغسل نجاسة على ثوبه ونحو ذلك، ولا إعادة عليه لأنه معذور (١). واختلفوا في هبة الماء أو بيعه بعد دخول الوقت لغير محتاج إليه لعطش ونحوه، وكان هذا الماء صالحًا لطهارته، فهل يصح البيع والهبة أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: لا يصح البيع ولا الهبة، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة وعلّلوا ذلك بأنه قد تعلق به حق الله بدخول وقت الصلاة، فهو عاجز من تسليمه شرعًا؛ لتعينه للطهر (٣).

стр. 143

المناقشة: يمكن مناقشته بأن توجه الفرض وتعلُّقه لا يمنع صحة البيع والهبة؛ لأنه من أهل التصرف في ملكه، فلا يؤثر المنع في فساد العقد (١). القول الثاني: يصح البيع والهبة، وهو وجه للشافعية والحنابلة. وعلّلوا ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ ـ أن له في ذلك عوضًا، وهو جلب مودة صاحبه (٢). ٢ ـ قياسًا على من وجب عليه عتق رقبة في كفارة فأعتقها لا عن الكفارة، فإن ذلك يصح (٣). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكفارة ليست على الفور بخلاف الصلاة فإن وقتها محدود (٤). ٣ ـ قياسًا على من وجب عليه ديون فطولب بها فوهب ماله وسلمه (٥).

стр. 144

المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الدائن قد رضي بتعلق حقه بالذمة فلا حجر له في العين (١). ١٥ ـ قياسًا على من تصرّف في ماله الذي وجبت فيه الزكاة (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بصحة البيع والهبة، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الأول بما حصل من مناقشته.

стр. 145

الفرع الثاني حكم التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت اتفق الشافعية والحنابلة على أن من باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به، فإنه يجب عليه أن يسترجع الماء إذا كان موجودًا في يد الموهوب له والمشتري؛ لأن تيممه لا يصح؛ لقدرته على الماء (١). واختلفوا في حكم من لم يقدر على استرجاع الماء من الموهوب له أو المشتري، فهل إذا تيمم وصلى تجب عليه الإعادة أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهو الصحيح عند الحنابلة. ويمكن أن يستدل لهم بأدلة من قال بعدم إعادة الصلاة لمن أراق الماء بعد دخول الوقت (٣). القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة، وهو قول الشافعية، ووجه للحنابلة. واستدلوا على ذلك بأنه يعد مقصرًا بتسليمه (٤) فتجب عليه الإعادة.

стр. 146

المناقشة: يمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الثاني في المطلب الأول. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن تيمم بعد أن باع الماء أو وهبه، ولم يترك ما يتطهر به؛ وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولأن دليل القول الثاني تم مناقشته.

стр. 147

الفصل الثاني عدم القدرة على استعمال الماء وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تيمم المريض. المبحث الثاني: تيمم الجريح. المبحث الثالث: عدم القدرة على استعمال الماء.

стр. 148

المبحث الأول تيمم المريض وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تيمم المريض العادم للماء. المطلب الثاني: تيمم المريض الواجد للماء. المطلب الثالث: ضابط الخوف المبيح للتيمم. المطلب الرابع: حكم تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء. المطلب الخامس: من يعتمد قوله في تقدير المرض.

стр. 149

المطلب الأول تيمم المريض العادم للماء وفيه فرعان: الفرع الأول تعريف المرض لغة واصطلاحًا أولاً: في اللغة: المرض: هو السقم نقيض الصحة، ويكون للإنسان والبعير. ويقال: المرض والسقم في البدن والدين جميعًا، كما يقال الصحة في البدن والدين. ويطلق المرض على النقصان، يقال: بدنه مريض، أي: ناقص القوة، وقلب مريض، أي: ناقص الدين. ويطلق المرض أيضًا على إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها، ويطلق المرض أيضًا على الشك، ومن قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: شك. فالمرض ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان منه (١).

стр. 150

ثانيًا: في الاصطلاح: لا يخرج معنى المرض في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فالمراد به: كل ما أخرج الإنسان عن القوة والتصرف والاعتدال إلى الضعف والاعوجاج (١).

стр. 151

الفرع الثاني حكم تيمم المريض العادم للماء اتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض عند عدم الماء (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء (٢). ثانيًا: من السنة: هي نفس الأدلة الدالة على مشروعية التيمم، وقد تقدمت (٣).

стр. 152

ثالثًا: الإجماع: وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم. قال ابن حزم (١): «وأجمعوا أن المريض الذي يؤذيه الماء، ولا يجده مع ذلك، أن له التيمم» (٢). وقال ابن عبد البر (٣): «التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع» (٤). وقال أيضًا: «وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر» (٥).

стр. 153

وقال ابن رشد (١): «فأجمع العلماء أنها ـ أي طهارة التيمم ـ تجوز لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (٢).

стр. 154

المطلب الثاني حكم تيمم المريض الواجد للماء ذكر الفقهاء تقسيمات كثيرة للمرض الذي يتيمم من أجله عند وجود الماء، ومنها تقسيم النووي، فقد قسم النووي المرض من حيث القول بجواز التيمم وعدمه عند وجود الماء إلى ثلاثة أنواع (١): النوع الأول: المرض الشديد، الذي يخاف معه من استعمال الماء الموت، أو يخاف تلف عضو، أو فوات منفعة عضو، كعمى وصمم وخرس ونحو ذلك، فهذا يتيمم باتفاق الفقهاء (٢). وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي: أولا: من الكتاب: ١٦ ـ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم للمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء؛ لأن تقدير الآية: وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء أو

стр. 155

كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (١)، فإن المريض وإن كان واجدًا للماء صورة إلا أنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا (٢)، فجاز له التيمم. ١٧ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وجه الدلالة: أن الله قد نهى عن قتل النفس، والمريض الذي يخشى الهلاك من استعمال الماء يدخل في الخطاب؛ لأن المرض الشديد أو زيادة المرض يؤديان إلى قتل النفس. ١٨ ـ قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. ١٩ ـ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وجه الدلالة من الآيتين: أن الله قد نفى الحرج عن هذه الأمة وهو الضيق، وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه الهلاك أعظم الضيق، ولهذا نجد أن الله قد نفى الضيق في الآية الثانية نفيًا مطلقًا، فإن من أعظم العسر استعمال الماء الذي يؤدي بالإنسان إلى الضرر وتلف النفس أو العضو، أو زيادة المرض (٣).

стр. 156

ثانيًا: من السنة: ١. حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجه (١) في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي (٢) السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أنكر على الصحابة حينما أمروا الرجل بالغسل فمات، وفي الابتداء لم يعلم هل كان يخاف التلف أو الزيادة في المرض؟ (٤)، مما يدل على جواز التيمم للمريض الذي يخاف التلف أو الزيادة في المرض مع وجود الماء.

стр. 157

٢. حديث عمرو بن العاص (١) ﵁ قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا» (٢).

стр. 158

وجه الدلالة: في الحديث دليل على جواز التيمم لمن خاف على نفسه الهلاك من البرد ونحوه، فقد أقر النبي ﷺ عمرو بن العاص على فعله، ولم يأمره ﷺ بغسل ولا إعادة (١)، فالمريض الذي يخشى على نفسه الهلاك أو زيادة المرض من باب أولى. ثالثًا: من الآثار: ١ ـ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال: «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح (٢)، فيجنب، فيخاف أن يموت إن اغتسل فليتيمم» (٣). ٢ ـ عن سعيد بن جبير (٤) عن ابن عباس ﵁ قال: «رُخص للمريض التيمم بالصعيد» (٥).

стр. 159

رابعًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم يباح لمن خاف العطش على نفسه، أو خاف من سبع، أو من لص يأخذ ماله، فإباحة التيمم للمريض من باب أولى، فإن الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته (١). ٢ ـ أن زيادة المرض قد أثر في إباحة الإفطار وترك القيام بلا خلاف، فههنا أولى؛ لأن القيام ركن في باب الصلاة، والوضوء شرط، فخوف زيادة المرض لما أثر في إسقاط الركن، فلأن يؤثر في إسقاط الشرط أولى (٢). ٣ ـ أن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء، وذلك يبيح التيمم فهذا أولى (٣)؛ لأن ثمن الماء مال، والمال خلق وقاية للنفس فكان تبعًا، ولما كان الحرج مدفوعًا عن الوقاية التي هي تبع، فلأن يكون مدفوعًا عن المُوقَى الذي هو الأصل أولى (٤). النوع الثاني: المرض اليسير الذي لا يخاف من استعمال الماء معه تلفًا، ولا مرضًا مخوفًا، ولا إبطاء برءٍ، ولا زيادة ألم، كصداع ووجع ضرس وحمى وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز له التيمم باتفاق الفقهاء (٥).

стр. 160

واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم للمريض الذي يضره استعمال الماء، إذ أن إباحة التيمم للمريض في الآية غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء (١)، ولا ضرر عليه هاهنا (٢). ثانيًا: من السنة: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» (٣).

стр. 161

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ندب إلى استعمال الماء للحمى فلا تكون سببًا لتركه والانتقال إلى التيمم (١). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم رخصة أبيحت للضرورة، فلا يباح بلا ضرورة، ولا ضرورة هنا (٢). ٢ ـ أنه واجد للماء لا يخاف ضررًا فلا يباح له التيمم، كما لو خاف ألم البرد دون تعقب ضرر (٣). النوع الثالث: المرض اليسير الذي يخاف من استعمال الماء معه زيادة مرض، أو تأخر برء (٤)، أو كثرة الألم وإن لم تطل مدته، أو خاف من حدوث تشوّه في أعضائه الظاهرة كالوجه واليدين ونحوهما. وهذا النوع اختلف الفقهاء في حكم التيمم له، وذلك على قولين: القول الأول: أنه يجوز له التيمم، وهو قول الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب (٥).

стр. 162

القول الثاني: أنه لا يجوز له التيمم إلا عند الخوف من التلف، وهو قول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين: الأمر الأول: اختلاف الفقهاء في الخوف المبيح للتيمم، هل هو خوف التلف، أم خوف الضرر؟ فمن رأى أن الخوف المبيح للتيمم هو خوف التلف قال: بعدم جواز التيمم لمن يخاف من استعمال الماء زيادة مرض أو تأخر برء، ومن رأى أن الخوف المبيح للتيمم هو خوف الضرر قال: بجواز التيمم لمن خاف زيادة المرض أو تأخر البرء. الأمر الثاني: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... ﴾ الآية، هل في الآية محذوف مقدر أم لا؟ فمن رأى أن في الآية محذوف مقدر، وأن تقدير الكلام: وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود على المسافر فقط، أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء.

стр. 163

ومن رأى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معًا، وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم (١). أدلة القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 164

وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم للمريض مطلقًا من غير فصل بين مرض ومرض، إلا أن المرض الذي لا يضر منه استعمال الماء ليس بمراد، فبقي المرض الذي يضر معه استعمال الماء مرادًا بالنص (١). واستدلوا أيضًا بأدلة من قال بجواز التيمم في المرض الشديد الذي يخاف معه من استعمال الماء الموت أو التلف، وقد تقدمت (٢). أدلة القول الثاني: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معًا، فالآية قيدت إباحة التيمم للمريض بعدم وجود الماء، وهذا واجد للماء، فلا يجوز له التيمم (٣). المناقشة: نوقش بأنه استدلال لا يصح؛ لأن من لم يجد الماء فالتيمم له جائز لعدمه الماء لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليُخص بالحكم، فيكون بمرضه في جواز التيمم مخالفًا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء مسافرين وغيرهم (٤). وعلى فرض التسليم بأن الضمير في الآية يعود على المريض والمسافر معًا، فإن معنى عدم الوجود في الآية هو عدم الماء حسًا أو حكمًا، والمريض وإن كان واجدًا للماء صورة إلا أنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا، فجاز له التيمم. ثانيًا: من المعقول: أن المريض الذي لا يخاف التلف من استعمال الماء لا يجوز له أن يتيمم كالذي به صداع أو حمى (٥).

стр. 165

المناقشة: نوقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن التلف ليس شرطًا للتيمم، وإنما شرطه انعدام الماء حقيقة أو حكمًا (١). الوجه الثاني: أن ترك القيام في الصلاة، وتأخير الصيام، لا ينحصر في خوف التلف، فكذا هاهنا (٢). الوجه الثالث: أن القياس غير صحيح؛ لأن المحموم أو من به صداع إذا خاف أحدهما من استعمال الماء زيادة المرض فهو مسألة الخلاف، وأما إذا لم يخف أحدهما من استعمال الماء فهو كالصحيح، فلا معنى للقياس عليه (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم لمن كان مرضه يسيرًا، ولكن يخاف معه حدوث علة أو زيادتها بكثرة الألم أو بطء برء عند استعماله للماء، وذلك لما يلي: ١ ـ لقوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة فيها.

стр. 166

٢ ـ مناقشة أدلة القول الثاني. ٣ ـ أن هذا القول يتفق مع مقاصد الإسلام العظيمة في التيسير على المكلفين، ورفع الحرج والمشقة عنهم، فإن المريض إذا خشي من استعمال الماء زيادة في مرضه أو طول مدته، جاز له التيمم لما في ذلك من الضيق والحرج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 167

المطلب الثالث ضابط الخوف المبيح للتيمم تقدم اختلاف الفقهاء في الخوف المبيح للتيمم، وأن القول الراجح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور القائل: بأن المبيح للتيمم هو خوف الضرر (١). وبناء على ما سبق بيانه في المطلب السابق يمكن أن نحدد الخوف المبيح للتيمم بأنه: ما يُخاف منه عند استعمال الماء الهلاك، أو تلف عضو من أعضائه، أو ذهاب منفعة ذلك العضو، أو يخاف باستعماله مرضًا مخوفًا، أو يخاف زيادة العلة أو تأخر البرء، أو حصول شيء قبيح على عضو ظاهر (٢) من جسمه. فعلم مما سبق أن المبيح للتيمم ليس خوف التلف فقط، ولا مطلق المرض، بل المعتبر هو حصول الضرر، فمتى خاف المكلف الضرر باستعمال الماء، أو يجد حرجًا في استعماله جاز له التيمم وإلا فلا. قال ابن رجب الحنبلي (٣): «والحنيفية السمحة أوسع من ذلك، وخوف

стр. 168

الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته، أو التلف، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم» (١). وقال ابن الهمام (٢): «ولولا ما عُلم قطعًا أن شرعية التيمم للمريض إنما هو رخصة لدفع الحرج عنه، والحرج إنما يتحقق عند خوف الاشتداد أو الامتداد، لكان جائزًا للمريض مطلقًا، خاف عاقبته أو لم يخف» (٣).

стр. 169

المطلب الرابع حكم تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء اتفق الفقهاء على أن المريض إذا كان مسافرًا أو حاضرًا وعجز عن استعمال الماء بنفسه ولم يجد من يناوله إياه، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء غير قادر على استعمال الماء (٢)، فيباح له التيمم. ثانيًا: من المعقول: ١ ـ أنه لا سبيل له إلى الماء فأشبه من وجد بئرًا ليس له ما يستقي منها (٣).

стр. 170

٢ ـ أن العجز متحقق والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز (١). ٣ ـ قياسًا على من حال بينه وبين الماء سبع أو عدو (٢). ٤ ـ قياسًا على العادم للماء (٣). واختلفوا في إعادة الصلاة على قولين (٤): القول الأول: أنه لا يعيد الصلاة، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة. واستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على صحة تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء. القول الثاني: أنه يعيد الصلاة، وهو قول الشافعية. واستدلوا على ذلك بأنه عذر نادر فلا تسقط الإعادة. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم الإعادة، وذلك لما يلي: ١ ـ لقوة أدلة هذا القول وإفادتها المراد. ٢ ـ أن القول بأنه عذر نادر لا يصح؛ لأنه قول لا دليل عليه؛ إذ لا فرق بين

стр. 171

العذر العام والعذر الخاص، فهذا المريض قد وجد عذره وصلى على طاقته بتيمم صحيح فلا تلزمه الإعادة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ثم إن فقهاء الشافعية لا يقولون بإعادة الصلاة لمن حال بينه وبين الماء سبع ونحوه، فكان يلزمهم القول بذلك في المريض الذي لا يجد من يناوله الماء؛ لأنهم قالوا بصحة تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء قياسًا على من حال بينه وبين الماء سبع بجامع أن كلاً منهما عاجز عن استعمال الماء. ٣ ـ أن هذا القول يتفق مع مقاصد الإسلام في رفع الحرج والمشقة عن العباد، فإن الله يقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، ولو رخص للمريض بالتيمم مع وجوب الإعادة لحصل الحرج عليه وهو منفي شرعًا.

стр. 172

المطلب الخامس من يعتمد قوله في تقدير المرض اتفق الفقهاء على أنه يعتمد في كون المرض مرخصًا في التيمم، وأنه على الصفة المعتبرة شرعًا إذا أخبره طبيب حاذق مسلم عدل (١) بأنه إذا استعمل الماء سيزداد مرضه، أو سيتأخر الشفاء، أو ما أشبه ذلك من الضرر، فإنه يجوز له التيمم. وكذا إذا كان يعرف بنفسه جاز له أن يعتمد على علمه ومعرفته (٢). واختلفوا فيما إذا لم يوجد طبيب بشرطه ولم يكن عارفًا بنفسه، فهل يجوز له التيمم بغلبة ظنه أو بتجربته أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: أنه يجوز له أن يعمل بغلبة ظنه أو بتجربته، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وبعض الشافعية (٣).

стр. 173

القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يعمل بغلبة ظنه أو بتجربته، وهو المعتمد عند الشافعية (١). أدلة القول الأول: ١ ـ قياسًا على المضطر إذا خاف من الطعام المحضر إليه أنه مسموم، فإنه يجوز له أن يتركه ويأكل الميتة (٢)، فكذا هاهنا. ٢ ـ أن إيجاب الطهر بالماء مع الجهل بحال العلة التي هي مظنة للهلاك بعيد عن محاسن الشريعة (٣). أدلة القول الثاني: أن ذمته هنا اشتغلت بالطهارة بالماء، فلا تبرأ ذمته من ذلك إلا بدليل يبيح له التيمم (٤). المناقشة: نوقش بأنه كذلك في المضطر اشتغلت ذمته بطلب وقاية روحه بأكل الطاهر، وضرره غير محقق فلا يعدل عنه إلا بدليل (٥)، وأنتم لا تقولون بذلك، فتبين بذلك أنه لا فرق بين المسألتين.

стр. 174

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه يجوز للمريض أن يعمل بغلبة ظنه أو تجربته ويتيمم، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، في مقابل مناقشة دليل القول الثاني. ويؤيد هذا القول حديث جابر ﵁ في الرجل الذي أصابه حجر فشجه (١)، وكيف أن النبي ﷺ أنكر على الصحابة حينما أمروا الرجل بالغسل بالماء فمات، وأرشدهم إلى جواز التيمم لمن خشي الضرر باستعمال الماء مع أنه في الابتداء لم يعلم هل كان يخاف التلف أو الزيادة في المرض؟ فالعمل بغلبة الظن أو بالتجربة من باب أولى.

стр. 175

المبحث الثاني تيمم الجريح وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: طهارة من كان بعض بدنه جريحًا وبعضه صحيحًا. المطلب الثاني: كيفية الجمع بين التيمم والغسل لمن كان بعض بدنه جريحًا. المطلب الثالث: حكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر جبيرة أو لصوقًا.

стр. 176

المطلب الأول طهارة من كان بعض بدنه جريحًا وبعضه صحيحًا من كان بعض بدنه جريحًا وأراد الطهارة للصلاة، فإنه لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يمكنه غسل الجريح بالماء، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الغسل باتفاق الفقهاء (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر باستعمال الماء في الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ولا يعدل عنه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا. ثانيًا: من السنة: قوله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ... » (٢).

стр. 177

وجه الدلالة: دل الحديث على أن الأصل في طهارة الإنسان استعمال الماء، والجريح قادر على استعمال الماء فلا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره. الحالة الثانية: أن يمكنه مسح الجريح بالماء، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في هذه الحالة على قولين: القول الأول: أنه يجب عليه مسح الجريح بالماء ويكفيه عن التيمم، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من السنة: قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). ثانيًا: من المعقول: أن الغسل مأمور به، والمسح بعضه، فوجب كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الإيماء (٣). القول الثاني: أنه لا يجب مسح مواضع الجراحة بالماء وإن كان لا يخاف

стр. 178

منه ضررًا، وإنما يجب التيمم بدلاً منه، سواء كان الجرح في غير محل التيمم أو في محله، إلا أنه إذا كان في محل التيمم فيجب إمرار التراب عليه إن أمكن، وهو قول الشافعية (١). واستدلوا على ذلك بأن الواجب الغسل، فإذا تعذر فلا فائدة من المسح بالماء (٢). المناقشة: يمكن مناقشته من وجهين (٣): الوجه الأول: أن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة التيمم؛ فالمسح طهارة مائية والتيمم طهارة ترابية. الوجه الثاني: أنه إذا جاز المسح على حائل العضو فالمسح على العضو أولى. الراجح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بوجوب المسح، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من المعارضة، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة، ولأن المسح بالماء يكون على العضو نفسه بخلاف التيمم فإنه يكون في عضوين فقط، فالمسح أولى.

стр. 179

الحالة الثالثة: أن يتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء: فهل تكون طهارته بالجمع بين غسل الصحيح من بدنه والتيمم عن الجريح، أو يقتصر على أحد الطهورين؟ اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين: القول الأول: أنه لا يجمع بين الغسل والتيمم، بل إذا كان أكثر بدنه صحيحًا غسل الصحيح ومسح على مواضع الجراحة إن لم يضره، وإلا وجب عليه أن يضع على جرحه عصابة (١) أو يشد على كسره جبيرة (٢) ثم يمسح عليها، ولا يتيمم، وإن كان أكثر بدنه جريحًا تيمم ولا غسل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية (٣). القول الثاني: أنه يجمع بين الغسل والتيمم، فيلزمه غسل ما أمكنه ويتيمم عن الباقي، وهو قول الشافعية، والحنابلة (٤).

стр. 180

أدلة القول الأول: عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ ـ أن التيمم بدل عن الماء، ولا يجب الجمع بين البدل والمبدل، كالصوم والرقبة في الكفارة (١). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي: الأول: أنه يبطل بالماسح على الخفين، فإنه يجمع بين البدل والمبدل ومع هذا فإنه جائز (٢). الثاني: أنه يبطل بالمسح على الجبائر مع الغسل، فإنه جمع بين البدل والمبدل وهو جائز (٣). الثالث: أن الجمع بين البدل والمبدل في الكفارة لا يجب؛ لأنهما عن شيء واحد وهو الحنث في اليمين، بخلاف هذا فإن التيمم بدل عما لم يصبه الماء دون ما أصابه (٤). ٢ ـ أن الأقل تابع للأكثر، فإن النبي ﷺ قال في الجريح في حديث جابر:
следующие страницы →