← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الرابع صفة الطلب اتفق الفقهاء على أنه يجب على عادم الماء أن يطلبه في رحله (١) بأن يبدأ بتفتيش رحله وأثاثه؛ لأنه أقرب الأشياء إليه، ثم ينظر في الناحية التي هو فيها يمينًا وشمالاً، وأمامًا وخلفًا، وهذا إذا كان في سهل من الأرض لا يحول دون نظره شيء، فإن كان دونه حائل من ربوة أو شيء قائم أتاه وطلب عنده، وكذا إن كانت له رفقة (٢) سألهم وطلب منهم، وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن الماء، فإن لم يجد فهو عادم، وإن دُل على الماء لزمه قصده ما لم يخف ضررًا على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته (٣).

стр. 72

المطلب الخامس تكرار الطلب سبق القول بأن جمهور الفقهاء اتفقوا على وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين وهم المالكية والشافعية والحنابلة (١)، وهذا إذا لم يسبق تيممه تيمم آخر، وطلب للماء. وأما إذا سبق له طلب الماء، وتيمم، وأراد تيممًا آخر إما لبطلان التيمم الأول بحدث أو غيره، أو لدخول وقت صلاة أخرى، أو لغير ذلك، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب؟ (٢) اتفق جمهور الفقهاء ـ وهم المالكية والشافعية والحنابلة ـ على أن من انتقل من موضع التيمم الذي كان فيه وقت طلب الماء للصلاة الأولى، او كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء كأن رأى سحابة أظلت بقربه، أو طلع عليه ركب، أو رأى طيورًا أو خضرة وما أشبه ذلك مما يشك معه في وجود الماء، فإنه يجب عليه تكرار الطلب؛ لأن التيمم الثاني في حكم التيمم الأول في توجيه الخطاب بالطلب (٣).

стр. 73

واتفقوا أيضًا على أنه لو لم ينتقل من موضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، وتيقن بالطلب الأول أن لا ماء، فإنه لا يلزمه حينئذ لأنه قد تحقق عدمه (١). واختلفوا إذا لم ينتقل عن موضع التيمم، ولم يتيقن العدم في الطلب الأول، بل ظن العدم، فهل يحتاج في التيمم الثاني إلى إعادة الطلب؟ على قولين (٢): القول الأول: يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو قول المالكية والأصح عند الشافعية وقول الحنابلة؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على ماء فيتطهر به. وعلى هذا يكون الطلب الثاني أخف من الأول. القول الثاني: لا يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو وجه للشافعية؛ لأنه لو كان ثم ماء لظفر به بالطلب الأول. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، القائل بإعادة الطلب في التيمم الثاني وذلك لقوة تعليلهم، ولأن بالطلب الأول لم يحصل له يقين العدم، فيعيد الطلب احتياطًا، والاحتياط في العبادة أولى.

стр. 74

المبحث الثاني شراء الماء وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم شراء الماء لمن فقده. المطلب الثاني: حكم الاقتراض لشراء الماء. المطلب الثالث: شراء الماء في الذمة. المطلب الرابع: حكم قبول الماء الموهوب.

стр. 75

المطلب الأول حكم شراء الماء لمن فقده اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله (١)، وكان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه (٢)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن من وجد الماء بثمن مثله وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له (٣). ثانيًا: من المعقول: ٥ ـ أن القدرة على ثمن الشيء كالقدرة على الشيء نفسه، قياسًا على الرقبة في الكفارة، حيث أنه لا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، إذا كان يملك الرقبة أو يملك ثمنها (٤).

стр. 76

٦ ـ لأنه قادر على استعماله من غير ضرر (١). ٧ ـ لأنه يلزمه شراء ستر عورته للصلاة فكذا هنا (٢). واتفق الفقهاء أيضًا على أن من عدم الماء، ووجده يباع بزيادة كبيرة على ثمن المثل وبغبن فاحش (٣)، فإنه لا يلزمه شراؤه ويتيمم (٤) (٥) (٦).

стр. 77

واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ ـ أن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذا في المال (١). ٢ ـ أن الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم (٢). ٣ ـ أن هذا القول هو الموافق ليسر الشريعة الإسلامية ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين في أنفسهم وأموالهم. واختلف الفقهاء فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: يلزمه شراء الماء، وهو قول الحنفية والمالكية ووجه للشافعية، ورواية عند الحنابلة هي المذهب (٣). القول الثاني: لا يلزمه شراء الماء، وهو الصحيح من قول الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).

стр. 78

أدلة القول الأول: وهم القائلون بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، استدلوا بما يلي:

стр. 79

أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن من وجد الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له (١). ثانيًا: من المعقول: ١ ـ أن تلك الزيادة اليسيرة غير معتبرة فلا أثر لها (٢). ٢ ـ أن القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل، بدليل ما لو بيعت بثمن مثلها (٣). ٣ ـ أن الضرر اليسير قد اغتفر في النفس كضرر يسير في بدنه من صداع أو برد، فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى (٤).

стр. 80

أدلة القول الثاني: وهم القائلون بعدم شراء الماء سواء كثرت الزيادة عن ثمن المثل أو قلت، استدلوا بما يلي: ١ ـ أنه لو لزمه بذل اليسير للزمه بذل الكثير، ولأفضى الأمر به إلى خروجه من جميع ملكه، وهذا عدول عما يقتضيه الشرع (١). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع فالمصير إليه أولى (٢). الوجه الثاني: أن الزيادة اليسيرة لا يتحقق كونها زيادة، لدخولها بين تقويم (٣) المقومين، فصار وجودها ووجود ثمن المثل سواء (٤). ٢ ـ أن في الزيادة عليه ضرر، فلا يلزمه بذلها، كما لو خاف لصًا يأخذ من ماله ذلك المقدار، فإنه يتيمم (٥). المناقشة: نوقش بأن الشافعية قد قالوا في المريض: يلزمه الغسل، ما لم يخف التلف. فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى (٦). قال السيوطي (٧): « ... وأشكل من هذا أنهم لم يوجبوا شراء الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وجوزوا التيمم، ومنعوه فيما إذا خاف شيئًا فاحشًا في عضو باطن مع أن ضرره أشد من ضرر بذل الزياذة اليسيرة جدًا، خصوصًا إذا كان رقيقًا، فإنه ينقص بذلك قيمته أضعاف قدر الزيادة المذكورة، وقد استشكله الشيخ عز الدين وغيره ولا جواب عنه» (٨). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، القائل بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، وذلك لما يلي: ١ ـ قوة دليل هذا القول في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة. ٢ ـ أن أغلب الناس لا يلتفتون إلى هذه الزيادة لكونها يسيرة، ولأنها في مقابل الحصول على ماء الوضوء الذي هو شرط في صحة الصلاة.

стр. 81

المطلب الثاني حكم الاقتراض (١) لشراء الماء إذا عدم المكلف الماء، ولم يجده إلا بثمن وليس معه مال، فهل يجب عليه الاقتراض لشراء الماء؟ اتفق الفقهاء على أن من عدم الماء ولم يجده إلا بثمن لم يقدر عليه، وليس عنده ما يوفيه لكونه معدمًا فإنه لا يجب عليه الاقتراض لشراء الماء ولا قبول قرضه (٢) واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ ـ لأنه لا يأمن أن يطالبه قبل وصوله إلى ماله (٣). ٢ ـ لأن الاستقراض اكتساب (٤)، ولا يجب الاكتساب لحصول الماء (٥).

стр. 82

٣ ـ لما في ذلك من الحرج (١) وعظم المنّة (٢). واختلفوا فيما إذا كان مليًا ببلده أو يستطيع الوفاء بهذا الثمن، فهل يجب عليه الاقتراض لشراء الماء؟ وذلك على قولين (٣): القول الأول: لا يجب عليه الاقتراض لشراء الماء، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة. واستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على عدم الاقتراض لشراء الماء لكونه معدمًا وليس عنده ما يوفيه. القول الثاني: يجب عليه الاقتراض لشراء الماء، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، وقول للحنابلة وعللّوا ذلك بأن المنّة لا تثقل فيها (٤). المناقشة: يمكن مناقشته بأن السؤال صعب على ذوي المروءات وإن هان قدر المسؤول (٥).

стр. 83

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم وجوب الاقتراض لشراء الماء وإن كان مليًا ببلده وله ما يوفيه، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.

стр. 84

المطلب الثالث شراء الماء في الذمة اتفق الفقهاء على أن من عدم الماء، ووجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل في ذمته، وهو غير واجد للثمن في موضعه ولا في موضع آخر، فإنه لا يلزمه شراؤه (١). وعللوا ذلك بما يلي: ١. لأن العجز متحقق في الحال (٢). ٢. لأن عليه ضررًا في ذلك (٣). واختلفوا فيما إذا لم يجد الثمن في موضعه، ويجده في موضع آخر كأن يكون له مال غائب، فهل يجب عليه شراء الماء في ذمته، أم لا؟ وذلك على قولين (٤): القول الأول: يلزمه شراء الماء ولا يجوز له التيمم، وهو قول الحنفية، والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول للحنابلة (٥). القول الثاني: لا يلزمه شراء الماء ويجوز له التيمم، وهو وجه للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.

стр. 85

أدلة القول الأول: علّل الجمهور ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ ـ لأن الأجل لازم فلا مطالبة قبل حلوله بخلاف القرض (١). ٢ ـ لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل (٢). ٣ ـ قياسًا على الرقبة في الكفارة (٣). المناقشة: نوقش الدليل الثالث بأنه قياس مع الفارق لأن الصلاة مؤقتة لا يجوز تأخيرها عن وقتها، بخلاف الكفارة فيجوز انتقالها من موضع إلى موضع (٤). أدلة القول الثاني: عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ ـ أنه قد يجوز أن يهلك المال قبل وصوله إليه (٥). ٢ ـ أن عليه ضررًا في بقاء الدين في ذمته (٦).

стр. 86

المناقشة: يمكن مناقشته بأنه لا ضرر عليه في ذلك (١)؛ لأنه مع القدرة على الوفاء أشبه واجد الثمن (٢). ٣ ـ قياسًا على المتمتع إذا عدم الهدي في موضعه دون بلده (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بلزوم شراء الماء وإن كان له مال غائب، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأنه تحصيل للماء الذي هو شرط في صحة الصلاة.

стр. 87

المطلب الرابع حكم قبول الماء الموهوب اتفق الفقهاء على أن المكلف إذا لم يجد الماء، ووجد من يبذل له ثمنه هبة أو صدقة، فإنه لا يلزمه قبوله (١)، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٢). وعللوا ذلك بما يلي: ١. لأن المنة تلحق به (٣). ٢. لأنه لا يتسامح بالثمن في الغالب، لكون المال مبني على المشاحة ولزوم المكافأة عليه (٤). ٣. لأن العجز متحقق في الحال (٥).

стр. 88

الفرع الأول حكم قبول الماء الموهوب اختلف الفقهاء فيما إذا عدم الماء ووجد من يبذله له قرضًا أو هبة أو صدقة، فهل يلزمه القبول فلا يصح تيممه في هذه الحالة أم لا يلزمه القبول ويصح تيممه؟ للفقهاء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يلزمه القبول، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، إلا أن المالكية اشترطوا عدم تحقق المنّة وإلا لم يلزمه (١). القول الثاني: لا يلزمه القبول، وهو وجه عند الشافعية، وقول للحنابلة (٢). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن من بذل له الماء لزمه القبول بما يلي: ١ ـ أن المسامحة في الماء غالبة فلا تعظم فيه المنّة (٣). ٢ ـ لأنه قادر على استعمال الماء، فيلزمه استعماله (٤).

стр. 89

أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن من بذل له الماء لم يلزمه القبول، بما يلي: ١ ـ لأن المنة تلحق به (١). المناقشة: يمكن مناقشته بأن الماء مبتذل لا يُمن به في الغالب (٢)، وذلك لأن أصله مباح فلا يلزم من قبوله مكافأة (٣). ٢ ـ قياسًا على عدم لزوم قبول الرقبة في الكفارة (٤). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الماء لا يُمن به في العادة بخلاف الرقبة، ولهذا لو وهبت له الرقبة ابتداءً لم يجب قبولها بخلاف الماء (٥). ٣ ـ لأنه نوع يكسب للطهارة فلا يلزمه، كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء (٦).

стр. 90

المناقشة: يمكن مناقشته بأن الإنسان يكتسب للأمور الدنيوية، فالاكتساب للطهارة أولى. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بلزوم القبول لمن بذل له الماء، وذلك لما يلي: ١ ـ قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة. ٢ ـ مناقشة أدلة القول الثاني. وبهذا يُعلم أن من بذل له الماء ولم يقبله وصلى بالتيمم فإنه يأثم ولا تصح صلاته وتلزمه الإعادة (١).

стр. 91

الفرع الثاني هل يجب استيهاب الماء أو اقتراضه ؟ اختلف الفقهاء فيما إذا عدم الماء ووجده عند غيره، فهل يجب استيهابه أو اقتراضه أم لا؟ وذلك على قولين (١): القول الأول: يجب استيهاب الماء واقتراضه، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، إلا أن المالكية اشترطوا في الاستيهاب عدم تحقق المنّة وإلا لا يجب استيهابه. القول الثاني: لا يجب استيهاب الماء ولا اقتراضه، وهو وجه للشافعية، وقول الحنابلة. أدلة القول الأول: استدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالّة على وجوب قبول الماء المبذول. أدلة القول الثاني: استدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على عدم وجوب قبول الماء المبذول.

стр. 92

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بوجوب استيهاب الماء واقتراضه، وذلك لقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة، ولأن أدلة القول الثاني تم مناقشتها (١).

стр. 93

المبحث الثالث نسيان الماء وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التيمم لمن نسي الماء بعد أن علم به. المطلب الثاني: التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء. المطلب الثالث: إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء. المطلب الرابع: إذا وضع الماء في رحله ولم يعلم به. المطلب الخامس: التيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ.

стр. 94

المطلب الأول التيمم لمن نسي الماء بعد أن علم به اختلف الفقهاء في حكم من نسي الماء في رحله أو في موضع يمكنه استعماله وكان عالمًا بالماء، فتيمم وصلى ثم تذكر الماء، فهل تجب عليه إعادة الصلاة ولا يصح تيممه أم لا؟ على قولين (١): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن (٢)، والمشهور عند المالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، ورواية عند الحنابلة.

стр. 95

القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو قول أبي يوسف (١) من الحنفية، ورواية للمالكية، والصحيح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ومذهب الحنابلة. أدلة القول الأول: أولاً: من الكتاب: ٨ ـ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وجه الدلالة: أن الله كلفنا بحسب الوسع، وليس في وسع الناس استعمال الماء قبل علمه به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه (٢). ٩ ـ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 96

وجه الدلالة: أن الناسي غير واجد لما هو ناس له، إذ لا سبيل إلى الوصول إلى استعماله فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته (١). ١٠ ـ قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الخطاب في هذه الآية لم يتوجه إلى الناسي؛ لأن تكليف الناسي لا يصح (٢)، وإذا لم يكن مأمورًا مكلفًا بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة؛ لأنه لا يجوز سقوطهما جميعًا عنه مع الإمكان، فثبت جواز تيممه (٣). ١١ ـ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وجه الدلالة: أن الآية اقتضت سقوط حكم المنسي (٤).

стр. 97

ثانيًا: من السنة: حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). وجه الدلالة: أن الله قد عفى عن المخطئ حال خطئه، وعن الناسي حال نسيانه، فيكون فرضه التيمم؛ لأن الله قد تجاوز عنه. المناقشة: نوقش بأن أهل الأصول اختلفوا في هذا الحديث هل هو مجمل أم عام؟ فإذا قيل: إنه مجمل توقف الاحتجاج به على بيان المراد فلا حجة لهم فيه. وإذا قيل: إنه عام ـ قال النووي: وهو الأصح ـ فقد خص منه غرامة المتلفات، ومن صلى محدثًا ناسيًا، ومن نسي بعض أعضاء طهارته وغير ذلك، فكذا يخص منه نسيان الماء في رحله قياسًا على نسيان بعض الأعضاء وغيره

стр. 98

مما ذكرناه، فإن التخصيص بالقياس جائز (١) (٢). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن الناسي قد صلى على الوجه الذي يلزمه في ذلك الوقت، فلا تجب عليه الإعادة (٣). المناقشة: نوقش بأنه إن أرادوا يلزمه في نفس الأمر فلا يسلم به، وإن أرادوا في الظاهر وبالنسبة إلى اعتقاده فينتقض بمن نسي بعض الأعضاء (٤). ٢ ـ أن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان، فصح تيممه، كما لو حصل العجز بسبب عدم الدلو والرشاء (٥) (٦).

стр. 99

المناقشة: يمكن أن يناقش بأنه ليس بعاجز عن استعمال الماء؛ لثبوت العلم نظرًا إلى الدليل وهو وجود الماء؛ لأن الرحل معدن الماء فيجب الطلب فيه قبل التيمم، فيلحق الرحل بالعمران وإخبار المخبر ووجود طير ووحش بجامع وجود دليل الماء (١). ٣ ـ لأن النسيان عذر حال بينه وبين استعمال الماء، كما لو وجد الماء ولم يصل إليه لخوف سبع أو عدو (٢). المناقشة: نوقش بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن من منعه السبع أو العدو لم يحصل منه تقصير في ذلك، بخلاف الناسي، ولذلك فقد حصل الاتفاق على أن السبع لو حال بينه وبين ساتر العورة صحت صلاته عاريًا، ولو تركها ناسيًا أعاد (٣). الجواب: يمكن أن يجاب بجوابين: الأول: أن التفريط والتقصير إنما يكون في ترك ما وجب عليه، والناسي ليس كذلك لأنه غير مأمور بما عجز عنه شرعًا.

стр. 100

الثاني: أن القياس على من نسي ستر العورة في الصلاة لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف (١). ٤ ـ أن الناسي صلى ولا يعلم أن معه ماء، فلم تلزمه إعادة، كمن صلى ثم رأى بقربه بئرًا (٢). المناقشة: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن البئر إن كانت ظاهرة لزمه الإعادة، وإن كانت خفية فلا ينسب فيها إلى تفريط بخلاف النسيان (٣). الجواب: يمكن أن يجاب بما أجيب به في الجواب الأول من مناقشة الدليل السابق. أدلة القول الثاني: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 101

وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا واجد للماء، لأن وجود الماء لا ينافيه النسيان، وإنما ينافيه العدم، فلم يتحقق الشرط (١). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الوجود المراد بالآية هو القدرة على الاستعمال من غير مشقة، وهذا لا يوجد فيما نسيه (٢). الوجه الثاني: أنه لا يوصف بأنه واجد له وإن كان موجودًا، كمن معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش فإنه يجوز له التيمم وهو واجد للماء، فالناسي أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله (٣). ثانيًا: من المعقول: ١ ـ أن الناسي للماء قد نسي ما لا ينسى عادة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر؛ لكونه سببًا لصيانة نفسه عن الهلاك، فكان القلب متعلقًا به، فالتحق النسيان فيه بالعدم (٤).

стр. 102

المناقشة: نوقش بأنه استدلال غير صحيح؛ لأن النسيان جبلة (١) في البشر، خصوصًا إذا مرَّ به أمر يشغله عما وراءه، والسفر محل المشقات، ومكان المخاوف، فنسيان الأشياء فيه غير نادر (٢). ٢ ـ أن الرحل موضع الماء غالبًا؛ لحاجة المسافر إليه، فكان الطلب واجبًا كما في العمران (٣). المناقشة: نوقش بأنه ليس كذلك؛ لأن الغالب في الماء الموضوع في الرحل هو النفاد لقلته، فلا يكون بقاؤه غالبًا، فيتحقق العجز ظاهرًا بخلاف العمران لأنه لا يخلو عن الماء غالبًا (٤). ٣ ـ لأن الطهارة بالماء شرط من شروط الصلاة، فلم يسقط بالنسيان كستر العورة، وغسل بعض الأعضاء، وكمريض صلى قاعدًا ـ متوهمًا عجزه عن القيام ـ وكان قادرًا، وكحاكم نسي النص فحكم بالقياس، وكمن نسي الرقبة في الكفارة فصام، وكمن كان الماء في إناء على كتفه فنسيه وتيمم وصلى فإنه يعيد بالاتفاق (٥).

стр. 103

المناقشة: نوقش هذا الدليل من خمسة وجوه: الوجه الأول: أن النسيان بمجرده لا يؤثر في سقوط الفرض، وإنما يؤثر مع انضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرًا في سقوط الفرض، كالسفر الذي هو حال عدم الماء فإذا انضم إليه النسيان فإنهما يصيران عذرين في سقوط الفرض، وأما نسيان الطهارة والصلاة وستر العورة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرًا في سقوط هذه الفرائض (١). الوجه الثاني: أن قياس ناسي الماء على من نسي ستر العورة أو من نسي القيام فصلى قاعدًا لا يصح؛ لأن النسيان إنما يكون عذرًا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض، ومن نسي القيام وستر العورة فقد ترك فرضًا ولم ينتقل إلى بدل بخلاف من نسي الماء في رحله فإنه انتقل من الوضوء إلى التيمم، ولا يقال: إن القعود بدل عن القيام؛ لأنه فرضه، والجزء من الشيء ليس ببدل عنه (٢). الوجه الثالث: أن القياس على من نسي غسل بعض الأعضاء غير سديد؛ لأن ترك بعض الأعضاء لا تؤثر فيه الأعذار مع بقاء فرضه، ولهذا نجد أن المرض والسفر لا يؤثران في ذلك، وانتقال الفرض من الوضوء إلى التيمم تؤثر فيه الأعذار: المرض والسفر؛ فجاز أن يؤثر فيه النسيان (٣).

стр. 104

الوجه الرابع: أن قياس الناسي للماء في رحله على نسيان الرقبة في الكفارة، إنما هو قياس مع الفارق؛ لأن المعتبر في الرقبة الملك، بدليل أنه لو عرض عليه رقبة كان له ألا يقبل ويكفر بالصوم، وبالنسيان لا ينعدم الملك، وأما الطهارة بالماء فالمعتبر فيها القدرة على استعمال الماء، وبالنسيان زالت القدرة، بدليل أنه لو عرض عليه الماء لزمه قبوله وبطل تيممه (١). الجواب: تم الإجابة عليه بأنه لا فرق بينهما، فإنه لو كان قادرًا في الموضعين على الأصل لم يجز له الإنتقال إلى البدل ولو عدم الأصل جاز له الإنتقال إلى البدل، فأما العتق مع الغيبة فلأنه يقدر أن يقول عتقت عبدي فينفذ، ولا يقدر على الوضوء بماء غائب عنه، وأما إذا بذلت له الرقبة فلا يلزمه قبولها؛ لأنه مع عدمها لا تجب عليه، فلا يلزمه أن يكتسب لتجب، ولأنه لو قبلها لم يلزمه إخراجها، فإنه يجزئه الصوم إذا كان فقيرًا حال الوجوب، ثم في قبول الرقبة منّة كثيرة بخلاف الماء فإنه لا منة فيه، والمنّة قد لا تسامح النفس بحملها (٢). الوجه الخامس: أن القياس على من نسي الماء على كتفه لا يصح؛ لأنه لا يخلو من أن يكون راكبًا أو سائقًا، فإن كان راكبًا وكان الماء في مؤخر الرحل فهو على الاختلاف، وإن كان في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر.

стр. 105

وأما إذا كان سائقًا فالجواب على العكس، وهو أنه إن كان في مؤخر الرحل فلا يجوز بالإجماع؛ لأنه يراه ويبصره، فكان النسيان نادرًا، وإن كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف (١). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن نسي الماء في رحله، ولكن بشرط أن يجتهد في طلب الماء قبل التيمم حتى يغلب على ظنه عدمه، وإلا فالقول بالإعادة أحوط؛ لئلا يعرض نفسه للعقوبة (٢). وكان هذا هو الراجح لما يلي: ١. قوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد. ٢. لأن تكليف الناس بما لا يعلمه فيه مشقة عليه، وخاصة إذا تعددت عليه الصلوات. ٣. ولأن هذا القول فيه تيسير على المسلمين ورفع للحرج عنهم.

стр. 106

المطلب الثاني التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء اتفق جمهور الفقهاء على أن من ضلَّ عن مكانه الذي فيه الماء، أو ضل رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها، فتيمم بعد طلبه الماء فإن تيممه صحيح ولا إعادة عليه (١) (٢)، إلا وجهًا لبعض الشافعية وقولاً لبعض الحنابلة أنه لا يصح تيممه وتلزمه الإعادة قياسًا على الناسي (٣). وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ١٨].

стр. 107

وجه الدلالة: أن الله أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا غير واجد للماء فجاز له التيمم بنص الآية (١). ثانيًا: من المعقول: ١. أنه غير مفرط فتصح صلاته (٢). ٢. لأنه قد يشتغل بشد متاع أو إصلاح شأن فيعرض له ذلك كثيرًا (٣). ٣. ولأنه تيمم وهو مع الذكر للماء غير قادر على استعماله، فصار عاجزًا عنه (٤). ٤. ولأنه غير عالم بمكان الماء. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من ضل عن مكانه الذي فيه الماء ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القياس على الناسي لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف، وحتى القول القائل بإعادة الصلاة لمن نسي الماء فإنه فرق بين الناسي وبين مسألتنا، فأوجب الإعادة في الناسي لتفريطه بخلاف مسألتنا.

стр. 108

المطلب الثالث إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء اختلف الفقهاء في حكم من صلى بالتيمم ثم بان أنه كان بقربه بئر أو ماء متجمع كغدير ونحوه وهولا يعلم به، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وابن سريج (١) من الشافعية، إلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت استحبابًا (٢). ويمكن أن يستدل لهم بنفس أدلة المطلب السابق الدالة على صحة التيمم لمن ضل عن مكانه وفيه الماء (٣). القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو وجه للشافعية (٤)، لأنه مفرط.

стр. 109

القول الثالث: ينظر على حال البئر أو الماء المتجمع، فإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع ظاهرة غير خفية، فإن عليه إعادة الصلاة؛ لأنه مفرط. وإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع خفية غير ظاهرة، فإنه لا تجب عليه إعادة الصلاة ويصح تيممه؛ لأنه غير مفرط. وهذا القول هو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (١). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم ولا يعلم أن الماء بقربه، وذلك لما يلي: ١ ـ لقوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد. ٢ ـ لأنه قد أدى فرضه على ما أمر الله به ولم يكلف علم ما غاب عنه مما لا طريق له إلى معرفته (٢). ٣ ـ ولأنه لم يقصد مخالفة أمر الله تعالى، فهو حينما صلى كان منتهى قدرته أنه لا ماء حوله (٣).

стр. 110

المطلب الرابع إذا وُضع الماء في رحله ولم يعلم به اختلف الفقهاء في حكم من لم يعلم بوجود الماء في رحله كأن وضع بغير علمه فتيمم وصلى ثم وجد الماء في رحله، فهل تيممه صحيح ولا تلزمه إعادة الصلاة أم لا؟ وذلك على قولين (١): القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة اختاره المرداوي (٢)، إلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت ندبًا. القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو قول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
следующие страницы →