المطلب الأول
طهارة من كان بعض بدنه جريحًا
وبعضه صحيحًا
من كان بعض بدنه جريحًا وأراد الطهارة للصلاة، فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يمكنه غسل الجريح بالماء، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الغسل باتفاق الفقهاء (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر باستعمال الماء في الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ولا يعدل عنه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا.
ثانيًا: من السنة:
قوله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ... » (٢).
стр. 177
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الأصل في طهارة الإنسان استعمال الماء، والجريح قادر على استعمال الماء فلا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره.
الحالة الثانية: أن يمكنه مسح الجريح بالماء، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في هذه الحالة على قولين:
القول الأول: أنه يجب عليه مسح الجريح بالماء ويكفيه عن التيمم، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢).
ثانيًا: من المعقول:
أن الغسل مأمور به، والمسح بعضه، فوجب كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الإيماء (٣).
القول الثاني: أنه لا يجب مسح مواضع الجراحة بالماء وإن كان لا يخاف
стр. 178
منه ضررًا، وإنما يجب التيمم بدلاً منه، سواء كان الجرح في غير محل التيمم أو في محله، إلا أنه إذا كان في محل التيمم فيجب إمرار التراب عليه إن أمكن، وهو قول الشافعية (١).
واستدلوا على ذلك بأن الواجب الغسل، فإذا تعذر فلا فائدة من المسح بالماء (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين (٣):
الوجه الأول: أن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة التيمم؛ فالمسح طهارة مائية والتيمم طهارة ترابية.
الوجه الثاني: أنه إذا جاز المسح على حائل العضو فالمسح على العضو أولى.
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بوجوب المسح، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من المعارضة، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة، ولأن المسح بالماء يكون على العضو نفسه بخلاف التيمم فإنه يكون في عضوين فقط، فالمسح أولى.
стр. 179
الحالة الثالثة: أن يتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء: فهل تكون طهارته بالجمع بين غسل الصحيح من بدنه والتيمم عن الجريح، أو يقتصر على أحد الطهورين؟ اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجمع بين الغسل والتيمم، بل إذا كان أكثر بدنه صحيحًا غسل الصحيح ومسح على مواضع الجراحة إن لم يضره، وإلا وجب عليه أن يضع على جرحه عصابة (١) أو يشد على كسره جبيرة (٢) ثم يمسح عليها، ولا يتيمم، وإن كان أكثر بدنه جريحًا تيمم ولا غسل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية (٣).
القول الثاني: أنه يجمع بين الغسل والتيمم، فيلزمه غسل ما أمكنه ويتيمم عن الباقي، وهو قول الشافعية، والحنابلة (٤).
стр. 180
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن التيمم بدل عن الماء، ولا يجب الجمع بين البدل والمبدل، كالصوم والرقبة في الكفارة (١).
المناقشة:
نوقش بأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:
الأول: أنه يبطل بالماسح على الخفين، فإنه يجمع بين البدل والمبدل ومع هذا فإنه جائز (٢).
الثاني: أنه يبطل بالمسح على الجبائر مع الغسل، فإنه جمع بين البدل والمبدل وهو جائز (٣).
الثالث: أن الجمع بين البدل والمبدل في الكفارة لا يجب؛ لأنهما عن شيء واحد وهو الحنث في اليمين، بخلاف هذا فإن التيمم بدل عما لم يصبه الماء دون ما أصابه (٤).
٢ ـ أن الأقل تابع للأكثر، فإن النبي ﷺ قال في الجريح في حديث جابر:
стр. 181
«إنما كان يكفيه أن يتيمم» ولا أحد يقول: أنه يغسل ما بين كل جدريين، فدل على أن العبرة للأكثر، وإذا كان الأكثر مجروحًا لم يكن له بدٌ من التيمم فسقط فرض الغسل (١).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن القول بأن الأقل تابع للأكثر لا يعتبر في الطهارات، ولهذا من غسل أكثر جسده من جنابة، أو أكثر أعضاء وضوئه من حدثه لم يجزه تغليبًا للأكثر، فكذا هنا (٢).
الوجه الثاني: أن الاستدلال بأنه لا أحد يقول: يجب عليه غسل ما بين الجدريين، فدل على أن العبرة للأكثر لا يصح؛ لأنه إن كان لا يلحقه الضرر في ذلك وجب عليه غسل ما بين الجدريين، وإن كان يلحقه الضرر لم يجب، وهاهنا لا يلحقه ضرر في غسل هذا الموضع فافترقا (٣).
ثم لو فرضنا أنه لا أحد يقول بهذا، فقوله مبني على أساس تعذر غسل ما بين كل جدريين أو التحرج من ذلك والحرج منفي شرعًا.
стр. 182
أدلة القول الثاني:
استدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث جابر ﵁ وفيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده» (١).
وجه الدلالة:
أن الحديث نص صريح في الجمع بين الغسل والتيمم (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (٣).
ثانيًا: من المعقول:
١ ـ أن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه، قياسًا على ما إذا كان عادمًا لبعض أعضائه (٤).
٢ ـ أن كل جزء من الجسد يجب تطهيرة بشيء إذا استوى الجسم كله في المرض أو الصحة، فيجب الغسل بالماء إذا كان صحيحًا، ويجب التيمم إذا
стр. 183
كان مريضًا، وإن خالفه غيره كما لو كان من جملة الأكثر، فإن حكمه لا يسقط بمعنى في غيره (١).
٣ ـ أن تطهير بعض أعضائه بالماء لا يسقط فرض التطهر عما لم يصل إليه قياسًا على من كان صحيح الأعضاء (٢).
٤ ـ أنها طهارة ضرورة فلم يعف فيها إلا عن قدر ما دعت إليه الضرورة كطهارة المستحاضة (٣).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأنه يجمع بين الغسل والتيمم، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها ـ في الجملة ـ من الاعتراضات القادحة فيها، في مقابل ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها.
стр. 184
المطلب الثاني
كيفية الجمع بين التيمم والغسل
لمن كان بعض بدنه جريحًا
اتفق الشافعية والحنابلة وهم القائلون بجواز الجمع بين التيمم والغسل على أن الجريح إذا كان جنبًا فهو مخير بين تقديم التيمم على الغسل أو تأخيره عنه (١)(٢).
إلا أن الشافعية قالوا: ويستحب للجنب ونحوه تقديم التيمم على الغسل ليزيل الماء أثر التراب (٣).
واستدلوا على ذلك بأن الترتيب والموالاة غير واجبين في الطهارة من الحدث الأكبر، فكذا هاهنا (٤).
وبناءً على ذلك يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية وعليه إعادة التيمم (٥)، ولا يلزمه إعادة غسل الجزء الصحيح، لعدم وجوب الترتيب
стр. 185
والموالاة في طهارة الجريح للحدث الأكبر (١)، ولأن ما استعمله من الماء تطهير لجميع الصلوات (٢).
واختلفوا في طهارة الجريح إذا كان محدثًا حدثًا أصغر، فهل يجب عليه التيمم للجريح حين وصوله في الوضوء إلى ذلك العضو المجروح، فيرتب ويوالي، كالوضوء الكامل أم لا؟ على ثلاثة أقوال (٣).
القول الأول: أنه لا يجب الترتيب ولا الموالاة، وهو وجه عند الشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
وعلى هذا القول فإن الجريح يخير بين تقديم التيمم على غسل الصحيح أو تأخيرة عنه، ولا يجب عليه أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله (٥).
стр. 186
وبناءً على هذا القول يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية، ولا يلزمه أن يعيد استعمال الماء ما لم يحدث، كما سبق في الجنب.
القول الثاني: أنه يجب عليه الترتيب والموالاة، وهو الأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.
وعلى هذا القول فإنه يجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلاً عنه، فإن كان الجرح في وجهه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه، لزمه التيمم أولاً لقيامه مقام غسل الوجه ثم يتم الوضوء.
وإن كان الجرح في بعض وجهه، خُيّر بين غسل صحيح وجهه ثم يتيمم للباقي، وبين أن يتيمم ثم يغسل صحيح وجهه؛ لأن العضو الواحد لا يعتبر فيه ترتيب، ثم يكمل وضوءه.
وإن كان الجرح في عضو آخر غير الوجه، لزمه غسل ما قبله مرتبًا، ثم كان الحكم في الجريح على ما ذكر في الوجه.
وإن كان الجرح في وجهه ويديه ورجليه، احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب، فيغسل صحيح الوجه ويتيمم عن جريحه، ثم اليدين كذلك، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل الرجلين ويتيمم لجريحهما، فلو غسل صحيح وجهه ثم تيمم لجرحه وجرح يديه تيممًا واحدًا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فيفوت الترتيب.
стр. 187
وأما إذا عمت الجراحات الأعضاء الأربعة فيكفيه تيمم واحد؛ لأنه يسقط الترتيب، لكونه لا يجب غسل شيء من الأعضاء (١).
وبناء على هذا القول اختلفوا هل يعيد مع التيمم الوضوء إذا دخل وقت الفريضة الثانية أم لا؟ على قولين (٢):
القول الأول: أنه يعيد التيمم والوضوء، وهو قول الحنابلة، ووجه للشافعية اختاره الرافعي (٣).
وعللوا ما ذهبوا إليه بأن طهارة العضو الذي ناب عنه التيمم بطلت، فلو لم يبطل فيما بعده لتقدمت طهارة ما بعده عليه، فيفوت الترتيب (٤).
إلا أن الشافعية قالوا: إن كانت الجراحة في الرجلين أجزأ التيمم ولا يعيد الوضوء (٥)؛ لحصول الترتيب بين التيمم الجديد والوضوء السابق، وأما
стр. 188
الحنابلة فقالوا: بوجوب إعادة التيمم والوضوء أيضًا؛ لفوات الموالاة بين التيمم الجديد والوضوء السابق (١).
القول الثاني: أنه يعيد التيمم دون الوضوء، وهو الصحيح عند الشافعية.
واستدلوا على ذلك بأن الوضوء الكامل لا يجب إعادته لكل فريضة، فكذلك غسل الصحيح الذي هو بعضه (٢).
القول الثالث: أنه يجب تقديم غسل جميع الصحيح، وهو وجه للشافعية.
وبناء على هذا القول يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية، ولا يعيد الوضوء، بل يعيد التيمم لأنه طهارة ضرورة.
وعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن التيمم طهارة مفردة، فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى، كما لو كان الجريح جنبًا (٣).
٢ ـ أنه يتيمم عن الحدث الأصغر، فلم يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله، كما لو تيمم عن جملة الوضوء (٤).
٣ ـ أن إيجاب الترتيب والموالاة بين استعمال الماء والتيمم لا يخلو من
стр. 189
الحرج والمشقة (١)، فيندفع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
أدلة القول الثاني:
استدلوا على وجوب الترتيب والموالاة بأن الترتيب واجب في الوضوء، والتيمم بدل عن العضو المجروح، فجعل التيمم مكانه بحيث يأخذ حكمه؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل منه (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
الوجه الأول: أن التيمم فرض مستقل بنفسه، فلا يجب الترتيب بينه وبين غيره؛ لأن الترتيب إنما يراعى في العبادة الواحدة (٣).
الوجه الثاني: أن الترتيب إنما وجب فيما أمر الله بغسله ومسحه ليبدأ بما بدأ الله به، وهذا الجرح ليس مأمورًا بغسله ولا مسحه فلا ترتيب له (٤).
الوجه الثالث: أن وجوب الترتيب للأصل لا يلزم منه الترتيب لبدله، لأن البدل في غير محل المبدل منه، فهو يخالفه قدرًا وموضعًا وصفة ومن غير جنسه (٥).
стр. 190
أدلة القول الثالث:
يمكن أن يستدل لهم بأن الغسل أصل، والتيمم بدل، فيقدم الأصل، قياسًا على من وجد من الماء ما لا يكفيه، فإنه يستعمل الماء ثم يتيمم.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه قياس مع الفارق؛ لأن علة جواز التيمم لمن وجد ماء لا يكفيه هي عدم الماء، ولا يكون عادمًا له حتى يستعمل الماء الذي معه، بخلاف التيمم للجرح فإن علة جوازه خوف الضرر، وذلك موجود قبل استعمال الماء وبعده (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم وجود الترتيب والموالاة لمن كان الجرح في بعض أعضاء وضوئه، وذلك لما يلي:
١ ـ لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
٢ ـ ضعف أدلة القولين الآخرين بما حصل من مناقشة.
٣ ـ أنه ينبني على القول بوجوب الترتيب والموالاة بين استعمال الماء والتيمم بعض المسائل التي لا دليل عليها، وإنما هي اجتهادات محضة غير مبنية على اتباع أو نص.
стр. 191
ثم إنه لم ينقل عن الصحابة الفصل بين أبعاض الوضوء بالتيمم، مع أن الصحابة كانت تصيبهم الجراحات في الغزوات، والتي منها ما يكون في بعض أعضاء الوضوء، مما يدل على أن القول بالترتيب والموالاة قول ضعيف.
قال ابن تيمية: «الفصل بالتيمم بين أبعاض الوضوء فعل مبتدع، وفيه ضرر عظيم، ومشقة لا تأتي بها الشريعة، وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب، حيث لم يوجبه الله ورسوله» (١).
٤ ـ أن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله (٢)، وليس هناك دليل شرعي على وجوب الترتيب في هذه المسألة، فلا يجب الترتيب حينئذٍ لعدم النص على ذلك.
стр. 192
المطلب الثالث
حكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر
جبيرة أو لصوقًا
اتفق الفقهاء على مشروعية المسح على الجبائر أو على العصابة أو اللصوق (١) بالماء في حالة العذر نيابة عن الغسل، فإنه يمسح عليها ويجزئه عن غسل ما تحتها (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
١ ـ حديث جابر بن عبد الله ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: « ... إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (٣).
٢ ـ حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «انكسر إحدى زندي (٤)، فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر» (٥).
стр. 193
وجه الدلالة من الحديثين:
دل الحديثان على جواز المسح على الجبيرة أو العصابة.
ثالثًا: من الآثار:
عن نافع (١) عن ابن عمر قال: «إذا كان عليه عصاب مسحه، وإن لم يكن عليه عصاب غسل ما حوله ولم يمسه الماء» (٢).
رابعًا: من المعقول:
١. أنه مسح على حائل، أبيح له المسح عليه، كالمسح على الخف، بل أولى؛ لأن صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (٣).
٢. أن الحاجة تدعوا إلى المسح على الجبائر؛ لأن في نزعها حرجًا وضررًا (٤).
стр. 194
٣. أنه قول ابن عمر، ولم يعرف له من الصحابة مخالف (١).
٤. أن المسح على الجبيرة أولى من التيمم (٢)؛ لأن المسح على الجبيرة طهارة مائية، والتيمم طهارة ترابية.
واختلفوا في وجوب التيمم مع الغسل والمسح، فهل يجب عليه أن يتيمم مع المسح على الجبيرة أم لا؟ وذلك على قولين (٣):
القول الأول: أنه لا يجب عليه أن يتيمم مع المسح على الجبيرة، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه يجب عليه التيمم مع المسح على الجبيرة، وهو الأصح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ورواية للحنابلة.
أدلة القول الأول:
أولاً: من السنة:
حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «انكسر إحدى زندي، فسالت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر» (٤).
стр. 195
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ حين أمر عليًا ﵁ بالمسح على الجبائر لم يأمره بالتيمم (١).
يمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (٢).
ثانيًا: من المعقول:
١ ـ أن محل الطهارة واحد، فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف (٣).
٢ ـ أن مسح الجبائر معتبر بالمسح على الخفين، وليس مع المسح على الخفين تيمم، فكذا المسح على الجبائر (٤).
٣ ـ لأنه متوضئٌ فأشبه أن يباشر الأعضاء بالماء (٥).
стр. 196
أدلة القول الثاني:
أولاً: من السنة:
حديث جابر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: « ... إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب أو يعصر على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على الجمع بين المسح على العصابة والتيمم.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف (٢)، وحتى الذين حسنوا الحديث بمجموع طرقه (٣)، فإنهم اعتبروا الشاهد من الحديث في شأن المسح على الجبائر ـ وهي زيادة: «ثم يمسح عليها» ـ ضعيفة ومنكرة.
قال البيهقي: «ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب ـ أي المسح على الجبيرة ـ شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم ـ أي حديث جابر السابق ـ وليس بالقوي» (٤).
стр. 197
الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الواو في قوله: «ويعصب» بمعنى أو، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (١).
ثانيًا: من المعقول:
أن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقه في نزع الجبيرة، فلما أشبههما وجب الجمع بين المسح والتيمم (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق، فالجريح لا يستطيع مباشرة المسح لخوف زيادة الضرر، وليس عليه جبيرة ليمسحها، والغسل متعذر، فتعين التيمم.
وأما لابس الخف فطهارته تختلف عن طهارة الماسح على الجبيرة؛ لأن طهارة الماسح على الجبيرة طهارة ضرورة، وأما مسح الخف فإنه تخفيف ورخصة (٣).
стр. 198
الوجه الثاني: أن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية، بل إما أن تكون طهارة العضو المسح أو التيمم، ولا يكلف الله عبدًا بعبادتين سببُهما واحد (١).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم وجوب التيمم مع الغسل والمسح، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة (٢).
ورغم أن مذهب الحنابلة عدم التيمم مع الغسل والمسح، إلا أنهم قالوا: بوجوب الجمع بين المسح والتيمم على ما زاد من الحاجة في الجبيرة، فيغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة ويتيمم لما زاد على قدر الحاجة (٣).
واستدلوا على ذلك بأن المسح على الجبيرة إنما جاز للضرورة، فوجب أن يتقيد الجواز بموضع الضرورة (٤).
стр. 199
والراجح ـ كما ذكرنا ـ أنه لا يلزمه التيمم، وأما ما استدل به الحنابلة في هذه المسألة فيجاب عنه بجوابين:
١ ـ أن تقدير الموضع الزائد على الحاجة قد لا ينضبط (١).
٢ ـ أنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة (٢).
стр. 200
المبحث الثالث
عدم القدرة على استعمال الماء
اتفق الفقهاء على جواز التيمم لمن وجد الماء ولكنه غير قادر على استعمال الماء، كما في الأمثلة التالية:
١. من كان على رأس بئر ماء، ولم يجد آلة يستقي بها الماء.
٢. إذا كان بينه وبين الماء عدو أو لصوص أو سبع، فيخاف لو سعى إلى الماء ضررًا على نفسه أو على ماله أو أهله أو رفقته.
٣. أن يكون الماء بمجمع الفساق، وتخاف المرأة على نفسها منهم.
٤. أن يخاف باستعمال الماء الانقطاع عن رفقته ونحو ذلك.
فيجوز لأصحاب هذه الأمثلة ونحوها التيمم بالاتفاق، ولا إعادة عليهم (١).
وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:
стр. 201
أولاً: من الكتاب:
١ ـ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أباح التيمم لمن لا يقدر على استعمال الماء، فإن معنى عدم الوجود في الآية هو عدم الماء حسًا وحكمًا، وأصحاب الأمثلة السابقة وإن وجدوا الماء صورة إلى أنهم لما لم يتمكنوا من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا، فيدخلون تحت النص (١).
٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٣ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الله نهى عن قتل النفس وإلقائها في التهلكة، وفي تكليف هؤلاء ـ أي أصحاب الأعذار السابقة ـ باستعمال الماء للطهارة إذا خافوا باستعماله ضررًا على أنفسهم أو على أموالهم أو أهلهم ونحو ذلك قتل للنفس، وتعريضها للهلاك، وهذا محرم بالنص.
ثانيًا: من السنة:
حديث عمرو بن العاص ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال له: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت
стр. 202
في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (١).
وجه الدلالة:
في الحديث دليل على جواز التيمم لمن خاف على نفسه الهلاك من البرد، مع أن عمرو بن العاص قد تيمم مع وجود الماء، وسكت عنه النبي ﷺ وأقره.
فيفهم من ذلك جواز التيمم لمن وجد الماء ولكنه خائف من استعماله الضرر؛ لأن الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته (٢).
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أن أصحاب هذه الأمثلة عادمون للماء حكمًا (٣)، فيباح لهم التيمم.
٢ ـ أنهم خائفون من الضرر باستعمال الماء (٤)، والضرر منفي شرعًا.
٣ ـ قياسًا على الجريح والمريض إذا خاف أحدهما على نفسه من استعمال الماء، فإنه يجوز له التيمم (٥)، فكذلك من خاف على نفسه ضررًا أو على ماله أو على رفقته ونحو ذلك.
стр. 203
٤ ـ أن المرأة إذا خافت على نفسها باستعمال الماء كأن يكون الماء عند فاسق ونحوه، فإنه يجوز لها التيمم ولا يحل لها المضي إلى الماء؛ لما في ذلك من التعرض للزنا، وهتك نفسها وعرضها، وربما أفضى ذلك إلى قتلها، وقد أبيح لها التيمم مع قلة الماء، أو عند الخوف من مرض، فهاهنا أولى (١).
قلت: والشريعة الإسلامية إنما جاءت للتيسير على العباد ورفع الحرج عنهم، وما شرع التيمم إلا لذلك، وفي تكليف أصحاب هذه الأمثلة باستعمال الماء للطهارة مع وجود الضرر عليهم من لص أو حيوان أو أي خوف كان في القصد إليه مشقة لوقعوا في الحرج والمشقة، والله يقول في الحكم من مشروعية التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 204
الفصل الثالث
الخوف من استعمال الماء
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تيمم الصحيح الخائف من العطش.
المبحث الثاني: تيمم الصحيح الخائف من البرد.
المبحث الثالث: التيمم لمن خاف فوات الوقت للصلوات المكتوبة.
المبحث الرابع: التيمم لمن خاف فوات صلاة العيدين والجنازة ونحوهما.
المبحث الخامس: التيمم لمن خاف فوات الجمعة.
стр. 205
المبحث الأول
تيمم الصحيح الخائف
من العطش
اتفق الفقهاء على أن من كان معه ماء، وهو يحتاج إليه لشرب ونحوه، كأن يخاف على نفسه العطش إن استعمله في الطهارة، أو يخاف على غيره من إنسان، أو حيوان محترم (١)،
فإنه يجب عليه التيمم، ويحرم عليه ـ والحالة هذه ـ استعماله في الطهارة (٢).
وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم ابن المنذر، وابن هبيرة، وابن حجر العسقلاني (٣).
стр. 206
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: من الكتاب:
٢٠ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٢١ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الله أمر بحفظ النفس، وصونها عن أسباب الهلاك، ومن ذلك صونها عن العطش المؤدي للهلاك، فإن استعمال الماء للطهارة مع الحاجة للشرب تعريض للنفس للهلاك، وهذا محرم شرعًا.
ثانيًا: من السنة:
عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «بينما كلب يطيف بركية (١) كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (٢) فسقته فغفر لها به» (٣).
стр. 207
وجه الدلالة:
دل الحديث على أجر من سقي الكلب، فغيره من باب أولى (١).
ثالثًا: من الآثار:
١ ـ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «إذا أجنب الرجل في أرض فلاة ومعه ماء يسير، فليؤثر نفسه بالماء ويتيمم بالصعيد» (٢).
٢ ـ عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا كنت مسافرًا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء، فخفت إن توضأت أن تموت من العطش، فلا توضأه، واحبس لنفسك» (٣).
رابعًا: من المعقول:
١ ـ أنه يخاف على نفسه من الهلاك لو استعمل ما معه من الماء، فصار في حكم العاجز عن استعماله، كما لو حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو لصوص (٤).
٢ ـ قياسًا على المريض الذي يخاف على نفسه من استعمال الماء (٥)، فإنه يجوز له التيمم، فكذلك هاهنا، بجامع أن كلاً منهما خائف على نفسه.
стр. 208
٣ ـ أنه ماء مشغول بحاجته، والمشغول بالحاجة كالمعدوم (١).
٤ ـ أن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى حريقًا، أو غريقًا في الصلاة عند ضيق وقتها لزمه ترك الصلاة والخروج لإنقاذه، فلأن تُقدم الطهارة بالتيمم على الطهارة بالماء أولى (٢).
٥ ـ أن صيانة نفس الغير أوجب من صيانة الطهارة بالماء، فإن الوضوء له بدل ولا بدل للنفس (٣).
٦ ـ أن حرمة رفيقه كحرمة نفسه، والخائف على بهائمه خائف على ضياع ماله، فأشبه ما لو وجد ماء بينه وبينه لص أو سبع يخافه على بهيمته، أو شيء من ماله (٤).
стр. 209
المبحث الثاني
تيمم الصحيح الخائف من البرد
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم تيمم الصحيح الخائف من البرد.
المطلب الثاني: حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد.
стр. 210
المطلب الأول
حكم تيمم الصحيح الخائف
من البرد
اتفق جمهور الفقهاء على جواز التيمم للصحيح في السفر أو الحضر إذا خاف على نفسه التلف أو حصول الضرر من استعمال الماء لشدة البرد، ولم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد ما يدفئه، وسواء كان ذلك في الحدث الأكبر أو الأصغر (١)، إلا أن أبا يوسف ومحمد من الحنفية قالا: بجواز ذلك في السفر دون الحضر.
وقد استدل جمهور الفقهاء على جواز تيمم الصحيح الخائف من البرد بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
١. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 211
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الله نهى عن أن يعرض الإنسان نفسه للهلاك، أو التلف، أو الضرر بها، فدل ذلك على أن أي سبب يؤدي إلى الهلاك، أو التلف، أو الضرر، فإنه يتناوله هذا النهي، ومن ذلك الخوف من استعمال الماء لشدة البرد.
٢٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وجه الدلالة:
دلت الآية على أن الحرج مدفوع عن المكلفين، وفي تكليف من خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء لشدة البرد أعظم الحرج، وهو منفي شرعًا، فيجوز له التيمم.
ثانيًا: من السنة:
حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا» (١).
стр. 212
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك إن استعمل الماء، وذلك من وجهين (١):
الوجه الأول: التبسم والاستبشار، فإن التبسم أقوى دلالة من السكوت على الجواز.
الوجه الثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على الخطأ، ولو كان ذلك غير جائز لبَيَّنَه له، وأمره بالإعادة.
ثالثًا: من الآثار:
عن عبد الرزاق (٢)
قال: سمعت الثوري (٣) يقول: «أجمعوا على أن الرجل يكون في أرض باردة فأجنب فخشي على نفسه الموت، يتيمم وكان بمنزلة المريض» (٤).
стр. 213
رابعًا: من المعقول:
١. أنه خائف على نفسه الهلاك من البرد، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض (١).
٢. أنه قد أتى بما أمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلي بالتيمم (٢).
٣. أنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن العجز ثابت حقيقة، فيتيمم بالنص (٣).
٤. قياسًا على من خاف على نفسه عطشًا أو لصًا أو سبعًا، فإنه يجوز له التيمم، فكذلك هاهنا، والعلة الجامعة بينهما هي الخوف على النفس (٤).
واستدل أبو يوسف ومحمد على جواز ذلك في السفر دون الحضر بما يلي:
أن الغالب في الحضر وجود الماء المسخن، ووجود ما يستدفأ به، وعدمه نادر (٥).
المناقشة:
نوقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أن ذلك غير مسلم به في حق الفقير والغريب (٦).
الوجه الثاني: أن من جاز له التيمم مع وجود الماء، فالحضر والسفر له سواء كالمريض (٧).
стр. 214
الوجه الثالث: قياسًا على المسافر؛ لأن معنى الحرج من استعمال الماء ثابت فيهما، فيتيمم بالنص (١).
الوجه الرابع: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، ولهذا من حال بينه وبين الماء سبع فإنه يجوز له التيمم، وإن كان عذرًا نادرًا (٢).
стр. 215
المطلب الثاني
حكم إعادة الصلاة لمن صلى
بالتيمم لخوف البرد
اختلف الفقهاء في حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد، فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة سواء أكان حاضرًا أو مسافرًا، وهو قول الحنفية والمالكية، ورواية للحنابلة هي المذهب (١).
القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة في الحضر والسفر، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية للحنابلة (٢).
القول الثالث: أنه تجب عليه الإعادة في الحضر دون السفر، وهو قول محمد وأبي يوسف من الحنفية، وقول للشافعية، ورواية للحنابلة (٣).
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مدى قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض الذي يخاف من استعمال الماء (٤)، فمن قاسه