← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المطلب الثاني تعريف العزيمة في اللغة والاصطلاح أولاً: في اللغة: العزيمة في اللغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد. يقال: عزم على الشيء عزمًا وعزيمة: إذا عقد ضميره على فعله وقطع عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، أي: قصدًا مؤكدًا على المعصية. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: إذا قطعت الرأي فتوكل على الله في إمضاء أمرك. وسمي بعض الرسل أولي العزم؛ لتأكيد قصدهم في طلب الحق (١). ثانيًا: في الاصطلاح: هي الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض (٢).

стр. 247

المبحث الثاني حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة اتفق الفقهاء على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله، ولكنهم اختلفوا في هذا الوجوب، هل هو من باب الرخصة أو هو من باب العزيمة؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التيمم رخصة وليس عزيمة، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). القول الثاني: أن التيمم عزيمة وليس رخصة، وهو قول بعض المالكية، وبعض الشافعية، وقول الحنابلة (٢). القول الثالث: أن التيمم عزيمة في حق العادم للماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله، وهو قول بعض المالكية، وقول الشافعية (٣).

стр. 248

سبب الخلاف: سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة هو اختلافهم في مجامعة الرخصة للوجوب، فمن رأى أن الرخصة لا تجامع الوجوب، قال: بأن التيمم عزيمة؛ لأن الرخصة تقتضي التسهيل، والوجوب يقتضي الإلزام. ومن رأى أن الرخصة تجامع الوجوب، قال: بأن التيمم رخصة (١). وقد يكون سبب الخلاف أن التيمم له جهتان، وكل فريق نظر إلى جهة دون الأخرى، فمن رأى أن التيمم عزيمة نظر من جهة أن العادم للماء لا يمكنه استعماله مع عدمه لاستحالة التكليف بالماء عند عدمه (٢)، وكذلك عند عدم القدرة على استعماله فإن التيمم يكون واجبًا، ويكون الماء في حكم المعدوم، فدل ذلك على أن التيمم عزيمة. ومن رأى أن التيمم رخصة، نظر من جهة أنه تيسير من الله على المكلف ورفع للحرج عنه، حيث إن الله جعله بدل الماء، واكتفى فيه بالصعيد ـ الذي هو متيسر لجميع الناس ـ وفي محله بشطر أعضاء الوضوء، فدل ذلك على أن التيمم رخصة، والله أعلم.

стр. 249

أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن التيمم رخصة بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: دلت الآية على أن الحكمة من مشروعية التيمم رفع الحرج، ورفع الحرج رخصة وفضيله اختص الله بها أمة محمد ﷺ ، فرخص لنا استعمال التراب عند فقد الماء أو العجز عن استعماله. ثانيًا: من السنة: حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم، فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (١).

стр. 250

وجه الدلالة: دل الحديث على أن التيمم رخصة؛ لأن الرجل سأل أصحابه بقوله: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ وقد أنكر عليهم النبي ﷺ صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة (١). المناقشة: يمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (٢)، ولو سلمنا بصحته فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي (٣). ثالثًا: من المعقول: أن التيمم رخصة في المحل والآلة، فأما المحل فقد اقتصر فيه على مسح الوجه واليدين من غير استيعاب لجميع أعضاء الوضوء، وأما من حيث الآلة فقد اكتفي بالصعيد الذي هو ملوث (٤)، والصعيد متيسر لجميع الناس، فدل ذلك على أن التيمم رخصة، ورحمة من الله تعالى بهذه الأمة. المناقشة: يمكن مناقشته بأن الرخصة تكون في الشخص المتمكن من فعل الحكم الأصلي، وهنا لا يمكنه فعل الأصل الذي هو الوضوء؛ لعدم الماء، إذ إن التيمم عند عدم الماء واجب (٥).

стр. 251

اعتراض: يمكن أن يعترض بأن الرخصة قد تنتهي إلى الوجوب (١). الرد: يمكن الرد بأن الرخصة إذا انتهت إلى الوجوب صارت عزيمة (٢)؛ لأن الرخصة تقتضي التسهيل، والوجوب يقتضي الإلزام. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن التيمم عزيمة بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر بالتيمم أمرًا جازمًا، والأصل في الأمر الوجوب (٣)، فالوجوب في التيمم عزيمة؛ لأنه حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض.

стр. 252

المناقشة: يمكن مناقشة القول بأن التيمم واجب مطلقًا غير مسلم؛ لأن القول بالوجوب لا يستقيم في حق العاجز عن استعمال الماء لخوف ضرر أو زيادة مرض، فإن التيمم في حقه رخصة لتمكنه من فعل الأصل في الجملة (١). ثانيًا: من المعقول: قياسًا على الوضوء والغسل، فإن البدل يأخذ حكم المبدل. المناقشة: يمكن مناقشته بما نوقش به دليل الكتاب السابق. أدلة القول الثالث: استدل القائلون بأن التيمم عزيمة في حق عادم الماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله بما يلي: أن العزيمة لا يكون الشخص فيها متمكنًا من فعل الأصل، ومن عدم الماء لا يمكنه الوضوء الذي هو الأصل فيصير التيمم في حقه عزيمة، بخلاف من يجد الماء ولا يقدر على استعماله لحصول مشقة فادحة في حقه لتمكنه من فعل الأصل في الجملة (٢).

стр. 253

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بأن التيمم عزيمة في حق عادم الماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله، وذلك لما يلي: ٢٤ ـ لقوة دليلهم، وسلامته من المناقشة، فإن العادم للماء ليس أمامه إلا التيمم وبذلك يصبح التيمم في حقه عزيمة، وأما الواجد للماء العاجز عن استعماله فيكون التيمم له رخصة؛ لأنه يمكنه فعل الأصل الذي هو الوضوء ولكن بمشقة، فشرع له التيمم رخصة. ٢٥ ـ أنه بهذا القول يتم الجمع بين القولين، فلا يصار إلى الترجيح.

стр. 254

الفصل الثاني بدلية التيمم عن الماء وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: نوع بدلية التيمم. المبحث الثاني: ما يترتب على الخلاف في نوع بدلية التيمم.

стр. 255

تمهيد خص الله هذه الأمة إكرامًا لها بسبب شرف نبيها ﵊ وفضلها على سائر الأمم، بأن جعل لهم التراب مطهرًا بدلاً عن الماء. حيث شرع الله لنا التيمم عوضًا عن الماء في حال فقده، أو عدم القدرة على استعماله، كيلا يحرم العبد من فعل الطاعات وثوابها. وقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن التيمم بدل عن الماء ويقوم مقامه عند عدم الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله (١). فالتيمم بدل عن الماء، ويقوم مقامه. ولما كان التيمم بدلاً، فهل هو بل مطلق أو بدل ضروري؟ الجواب سيتضح ـ إن شاء الله ـ من خلال المبحث الآتي:

стр. 256

المبحث الأول نوع بدلية التيمم المقصود بهذه المسألة: هل التيمم بدل مطلق بحيث يقوم مقام الماء في رفع الحدث، أو أنه بدل ضروري لا يرفع الحدث، بل يبيح العبادة مع قيام الحدث؟ اتفق الفقهاء على أن التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء (١)، واختلفوا في حكم رفع الحدث بالتيمم عند عدم الماء، هل يرفع الحدث فيكون التيمم كالماء أو لا يرفعه فيكون مبيحًا لا رافعًا؟ وذلك على قولين: القول الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للعبادة، وهو المشهور عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، وهي المذهب (٢). القول الثاني: أن التيمم يرفع الحدث، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية (٣)، ووجه للشافعية أنه يرفع في حق فريضة واحدة، وهو قول ابن سريج، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٤).

стр. 257

سبب الخلاف: ذكر ابن تيمية أن سبب الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة مبني على قاعدة أصولية، وهي أن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا؟ (١). ومعنى ذلك: هل استبيحت الصلاة مع قيام السبب المانع منها وهو الحدث، أو أن السبب لم يبق حاضرًا، فكأن لا حدث؟ (٢). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن التيمم مبيح للعبادة ولا يرتفع به الحدث، بما يلي: أولاً: من السنة: ١ ـ حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتملت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (٣).

стр. 258

وجه الدلالة: دل الحديث على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن النبي ﷺ سماه جنبًا بعد تيممه (١). المناقشة: نوقش بأن الرسول ﷺ حين قال له ذلك إنما هو من باب الاستفهام والاستعلام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو بأنه لم يفعله، بل تيمم لخوف أن يقتله البرد، فأقره النبي ﷺ ولم يقل شيئًا، ولم يأمره بالإعادة، فدل ذلك على أنه صلى بأصحابه وهو غير جنب (٢). ٢ ـ حديث عمران بن حصين ﵁ في القصة الطويلة، وفيها: أن النبي ﷺ لما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء. وفيها: أن النبي ﷺ أمره بالتيمم، ثم لما حضر الماء أعطاه النبي ﷺ إناءٌ من ماء، وقال له: «أفرغه عليك» (٣). وجه الدلالة: دل الحديث على أن الحدث لم يرتفع؛ إذ لو ارتفع لما احتاج إلى الاغتسال (٤).

стр. 259

المناقشة من وجهين (١): الوجه الأول: ليس في الحديث ما يفيد أن الأمر بالغسل للجنابة التي قد تيمم لها، ولو كان كذلك لأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة التي قد فعلها بالتيمم، ولم يثبت ذلك عنه ﷺ . الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أمره بالاغتسال استحبابًا لا وجوبًا، فالحدث مرتفع بالتيمم، وإنما الغسل لما أصاب البدن من آثار الجنابة. ٢٦ ـ حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على وجوب استعمال الماء عند وجوده، وذلك لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم، ولو ارتفع الحدث لما وجب عليه استعمال الماء (٣). المناقشة: نوقش بأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرط عدم الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلاً، وصار كمن لم يتيمم، ومن لم يتيمم لم يرتفع حدثه (٤).

стр. 260

ثانيًا: من الآثار: ١ ـ عن علي ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة» (١). ٢ ـ عن ابن عباس ﵁ قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلوات الأخرى» (٢). ٣ ـ عن عمرو بن العاص أنه كان يُحدث لكل صلاة تيممًا (٣). ٤ ـ عن ابن عمر ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث» (٤).

стр. 261

المناقشة: نوقش استدلالهم بهذه الآثار من وجهين (١): الوجه الأول: ضعف هذه الآثار كما تقدم عند تخريجها. الوجه الثاني: أن هذه الآثار لو صحت لما كان فيها حجة؛ إذ ورد عن بعض الصحابة ما يعارضها، ولا إجماع في المسألة، فالواجب الرد إلى الكتاب والسنة. ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم طهارة ضرورة، فلم يرفع الحدث، كطهارة المستحاضة (٢). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن القول بأن التيمم طهارة ضرورة إن أُريد به أن لا يفعل إلا عند الضرورة فهو مسلم، وإن أُريد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجبًا، فإن هذا خلاف السنة والإجماع، بل يتيمم للواجب كالصلاة، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع، وقراءة القرآن ونحوهما (٣).

стр. 262

الوجه الثاني: أن القياس على طهارة المستحاضة قياس مع الفارق؛ لأنها طهارة يتعقبها ما يفسدها وهو خروج الدم (١)، بخلاف المتيمم فلا يتعقب تيممه ما يفسده إلا أن يحدث أو يجد الماء. قال ابن حزم: «لأن قياس المتيمم على المستحاضة لم يوجبه شبه بينهما ولا علة جامعة فهو باطل بكل حال» (٢). ٢ ـ أن التيمم لو رفع الحدث لما بطل برؤية الماء (٣). المناقشة: يمكن مناقشته بأنه إنما يبطل برؤية الماء؛ لأن الأصل فيه أنه يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلاً. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن التيمم يرفع الحدث، بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 263

وجه الدلالة: أن الله يريد أن يطهرنا بالتراب، كما يطهرنا بالماء، فدل ذلك على أن التيمم مطهّر كالماء سواء بسواء (١). ثانيًا: من السنة: ١. حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» وفي رواية: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ... » (٢) (٣). وجه الدلالة: دل الحديث على أن طهارة التيمم ممتدة إلى غاية وجود الماء، وذلك يدل على أن التيمم في حال عدم الماء كالوضوء، فإذًا يُعطى حكم الماء فيرفع الحدث (٤).

стр. 264

٢. حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ... » (١). وجه الدلالة: دل الحديث على أن الله جعل الأرض طهورًا كما جعل الماء طهورًا (٢)، والطهور اسم للمُطِّهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم كالوضوء (٣). المناقشة: نوقش بأن المراد بالحديث أنه كالوضوء في استباحة الصلاة والقراءة وغير ذلك، وإلا فمن المعلوم أنه ليس تقع به الوضاءة، وإنما هو ملوَّث ومغبَّر (٤). الجواب: أجيب بأنه من المعلوم أن استباحة الصلاة والقراءة وغير ذلك لابد أن تكون بطهارة، فلو لم يكن رافعًا للحدث لما استبيحت به الصلاة. فمن التناقض أن يقال: التيمم ليس بطهارة تامة، ولكنه يبيح فعل الصلاة

стр. 265

ونحوها؛ لأن استباحة الصلاة لا تكون إلا بطهارة، فهو إذن على قولكم: طهارة، لا طهارة (١). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلاً له في صفته، فلما كان طهارة الوضوء ترفع الحدث كان بدلها كذلك (٢). المناقشة: نوقش بأنه بدل عنه في فعل العبادة من صلاة وغيرها، فهذا مقصود الشرع بالبدلية، وليس معنى البدلية أنه مثله في رفع الحدث، بدليل أنه إذا وجد الماء عاد حدثه، بخلاف طهارة الماء فإنها لا تبطل إلا بتجدد الحدث (٣). الجواب: يمكن مناقشته من أربعة وجوه: الوجه الأول: أن التراب إذا كان مطهرًا من الحدث بنص الكتاب والسنة، امتنع أن يكون الحدث باقيًا، فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه، وإلا للزم على قولكم أن يكون أداؤه للصلاة على حدث، وأنتم لا تقولون بذلك.

стр. 266

الوجه الثاني: أن قولكم: إنه لا يرفع الحدث، فإن كان المراد به أنه لا يرفع الأسباب الموجبة للحدث كالريح والوطء فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال. وإن كان المراد أنه لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة إجماعًا، ومع الإباحة لا منع (١). الوجه الثالث: أن المتيمم إنما يعود حدثه إذا وجد الماء؛ لأن الأصل في التيمم أنه يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلاً. الوجه الرابع: أن بطلان التيمم برؤية الماء، دليل على أنه بمنزلة الماء عند عدمه، فدل ذلك على أن التيمم يرفع الحدث كالماء. ٢ ـ أن التيمم طهارة عن حدث تستباح به الصلاة، فأشبه الطهارة المائية (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وذلك لما يلي: ١ ـ لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة. ٢ ـ ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها. ٣ ـ أن الشريعة الإسلامية قد دلت على أن التيمم طهور حال عدم الماء، فوجب أن يعمل عمل الماء ما بقي شرطه، حتى يقوم دليل شرعي على خلاف ذلك.

стр. 267

٤ ـ أن جعله كالماء من توسيع الله على عباده فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وُسِّع عليهم، والله أراد بالتيمم رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجًا (١).

стр. 268

المبحث الثاني ما يترتب على الخلاف في نوع بدلية التيمم وفيه تمهيد وخمسة مطالب: المطلب الأول: وقت التيمم. المطلب الثاني: حكم الوطء لعادم الماء. المطلب الثالث: حكم إمامة المتيمم للمتوضئ. المطلب الرابع: حكم المسح على الخفين لمن لبسه على طهارة التيمم. المطلب الخامس: حكم التيمم إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة.

стр. 269

تمهيد ذكر بعض الفقهاء أن الخلاف بين الفقهاء في نوع بدلية التيمم إنما هو خلاف لفظي؛ لأن من قال: إن التيمم لا يرفع الحدث فمراده أنه لا يرفعه مطلقًا، بل إلى غاية لئلا يجتمع النقيضان، إذ الحدث معناه المنع، والمتيمم غير ممنوع من الصلاة، فدل ذلك على أنه خلاف لفظي (١). والصواب أن الخلاف حقيقي لا لفظي، فإن الفقهاء قد اختلفوا في بعض المسائل بناء على اختلافهم في التيمم هل يرفع الحدث، أو يبيح العبادة مع قيام الحدث؟. وهذا يؤكد على أن الخلاف حقيقي له ثمرة. وبيان هذه الثمرة يكون في خمسة مطالب:

стр. 270

المطلب الأول وقت التيمم وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول وقت التيمم للصلاة المؤقتة بوقت اختلف الفقهاء في الوقت الذي يصح فيه التيمم للصلاة المفروضة، والنافلة المؤقتة بوقت كالسنن الرواتب، والوتر ونحوهما، هل يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: أنه يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة، ولا يصح التيمم قبله، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). القول الثاني: أنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، ويصح التيمم قبله، وهو قول الحنفية، وابن شعبان من المالكية (٢)، وبعض الشافعية في النافلة

стр. 271

المؤقتة، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١). سبب الخلاف: سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة هو اختلافهم في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح (٢)؟ وذكر بعض أهل العلم أن سبب الخلاف هو اختلافهم في المفهوم من آية الوضوء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... ﴾ الآية [المائدة: ٦]. فهل ظاهرها يقتضي تكرار الطهارة عند القيام إلى الصلاة فلا يجوز التيمم والوضوء إلا عند دخول الوقت، ولكن خرج الوضوء بالنص (٣) فبقي التيمم على مقتضى ظاهرة الآية، أو ليس هذا ظاهر الآية وإنما معنى: إذا قمتم إلى الصلاة: أي أردتم القيام إليها (٤). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنه يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، بما يلي:

стр. 272

أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر بالوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، فإن لم يجد الماء تيمم، وإنما يكون ذلك بعد دخول الوقت، ولكن خرج جواز تقديم الوضوء قبل الوقت بفعل النبي ﷺ فبقي التيمم على الأصل (١). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن المراد بالآية: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإرادة القيام تكون في الوقت، وتكون قبله، فليس في الآية دليل على اشتراط الوقت حتى يقال: خصص الوضوء بفعل النبي ﷺ (٢). الوجه الثاني: أن الاستدلال على جواز تقديم الوضوء قبل الوقت ثابت ومسلم به، وليس فيه ما يدل على عدم الجواز بالنسبة للتيمم، بل إنه متى ثبت ذلك للأصل الذي هو الماء فإنه يثبت للبدل الذي أقيم مقامه عند عدمه إلا أن يدل دليل على هذا الفرق.

стр. 273

ثانيًا: من السنة: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (١). وجه الدلالة: دل الحديث على اشتراط دخول الوقت للتيمم لتقييد الأمر بالتيمم بإدراك الصلاة، وإدراكها لا يكون إلا بعد دخول الوقت (٢). المناقشة: يمكن مناقشته بأن الشرط في الحديث غير مقصود، وإنما المعنى متى أدركت المكلف الصلاة وليس عنده ماء وجب عليه التيمم؛ لأن وجوب التيمم لا يتصور إلا عند دخول الوقت وفقد الماء، فلو تيمم قبل الوقت، واستمر فقدان الماء حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، فإن الوجوب قد سقط عنه بتيممه الأول، وأتى به قبل وجوبه عليه. ثم إنه لا تأثير لدخول الوقت في بطلانه؛ لأن الشارع حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها، فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة لا يبطل الطهارة بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع (٣).

стр. 274

ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم قبل الوقت لا حاجة إليه كما لو تيمم مع وجود الماء (١). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه يلزم من قولكم هذا بطلان التيمم في أول الوقت، ومن تيمم للنافلة (٢). الجواب: أجيب بالمنع؛ لأن تيممه في أول الوقت ليبرئ ذمته من الصلاة الواجبة وإحراز فضيلة أول الوقت من أكبر الحاجات، وكذلك بالناس حاجة إلى النوافل لتكثير حسناتهم وتكفير سيئاتهم (٣). اعتراض: قد يعترض بأن إحراز فضيلة أول الوقت لا يكون إلا بالتطهر قبل الوقت. الوجه الثاني: أن التيمم مع وجود الماء حصل مع القدرة على الأصل فلم يجز البدل، وقبل الوقت لم يقدر على الأصل فجاز البدل، كما لو كان في الوقت (٤).

стр. 275

المناقشة: نوقش بأنه إن كان هناك تيمم مع قدرته على الأصل، فهاهنا تيمم مع عدم حاجته إلى التيمم وهما في المعنى سواء (١). الجواب: يمكن أن يجاب بأن قولكم أن التيمم قبل الوقت لا حاجة إليه غير مسلم؛ لأن المندوب التطهر قبل الوقت ليشتغل أول الوقت بالأداء (٢). وقد ثبت أن النبي ﷺ تيمم لرد السلام (٣)، فدل ذلك على أن التيمم يكون مستحبًا تارة، وواجبًا أخرى، أي أنه تيمم في وقت لا يكون التيمم واجبًا عليه أن يتيمم، وإن كان التيمم شرطًا للصلاة، فالتيمم قبل الوقت مستحب كالوضوء (٤). ٢ ـ أنها طهارة ضرورة، فلم تصح قبل الوقت كطهارة المستحاضة (٥). المناقشة: تقدم مناقشة هذا الدليل من وجهين (٦)، ونضيف هنا وجهًا ثالثًا من المناقشة وهو أن طهارة الضرورة تتعلق بالفعل لا بالوقت، فيلزم أن لا يتيمم حتى يريد فعل الصلاة، فإذا انتهى منها بطل تيممه، وأنتم لا تقولون بهذا (٧).

стр. 276

أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، بما يلي: أولاً: من الكتاب: ١ ـ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الدلالة: أن الله أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (١). ٢ ـ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وجه الدلالة: أن الآية اقتضت جواز فعلها عقيب الزوال، وذلك لا يمكن إلا بتقديم التيمم على الوقت (٢). ثانيًا: من السنة: حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (٣).

стр. 277

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعله مطهرًا للمتيمم كالماء، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل إن خروج الوقت يبطله (١)، وإنما علق جوازه بعدم الماء لا بالوقت (٢). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ قياسًا على الوضوء، ومسح الخف (٣) بجامع أن كلا منهما يصح قبل دخول الوقت. المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على الوضوء لا يصح؛ لأن الوضوء يرفع الحدث، والتيمم ضرورة لإباحة الصلاة، ولا تباح الصلاة قبل دخول الوقت (٤). الجواب: يمكن أن يجاب عليه بأن ذلك هو عين النزاع، ولا يصلح الاستدلال بمحل النزاع.

стр. 278

الوجه الثاني: أن المسح على الخف رخصة وتخفيف فلا يضيق باشتراط الوقت، بدليل أنه يجوز مع القدرة على غسل الرجل، والتيمم ضرورة لا يجوز مع القدرة على استعمال الماء (١). الجواب: يمكن أن يجاب بالمنع؛ لأن التيمم تخفيف ورخصة، كالمسح على الخفين، والتيمم بدل مثله عن الغسل بل أقوى؛ لأن المسح مؤقت بمدة قليلة والشارع جوز التيمم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء (٢). وأما القول بأنه ضرورة، فالضرورة فيه عدم الماء، وهذا موجود قبل الوقت (٣)، فإذًا لا فرق ما بين قبل الوقت أو بعده. ٢ ـ أن التيمم طهارة تبيح الصلاة، فلم تتقيد بالوقت كطهارة الماء (٤). ٣ ـ أن أمر النافلة أوسع من الفرائض، فيجوز لها التيمم قبل الوقت (٥). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بعدم اشتراط دخول الوقت لصحة التيمم، وذلك لما يلي:

стр. 279

١ ـ لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة. ٢ ـ مناقشة أدلة القول الأول. ٣ ـ أنه لم يثبت دليل من الكتاب ولا من السنة يدل على بطلان التيمم قبل الوقت. قال ابن رشد: « ... فتأمل هذه المسألة فإنها ضعيفة أعني من يشترط في صحته دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على الماء» (١).

стр. 280

الفرع الثاني وقت التيمم للصلاة التي غير مؤقتة بوقت اختلف الفقهاء في وقت التيمم للصلاة التي هي غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يصح التيمم لها في كل وقت، وهو قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١). واستدلوا بجموع ما تقدم ذكره من أدلة القول الثاني، في الفرع الأول. القول الثاني: أنه يصح التيمم لها في كل وقت، عدا الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وهو قول المالكية، والأصح عند الشافعية، وقول الحنابلة (٢). واستدلوا بأن التيمم للنافلة المطلقة في وقت النهي لا يصح؛ لأنه ليس بوقت لها (٣)، فيكون قد تيمم لها قبل وقتها (٤). المناقشة: يمكن مناقشته من وجهين:

стр. 281

الوجه الأول: أنه قول يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل. الوجه الثاني: أن الأدلة الشرعية اشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، ولم تشترط له شروطًا أخرى، كما أن النبي ﷺ ذكر التيمم ولم يفصِّل فدل ذلك على أن التيمم يصح قبل الوقت وبعده كأصله. سبب الخلاف: أصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم هل هو رافع للحدث أم مبيح؟ الراجح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة التيمم للصلاة التي غير مؤقتة في كل وقت، وذلك لقوة ما استدلوا به، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.

стр. 282

الفرع الثالث الوقت المستحب للتيمم اتفق الفقهاء على أن من عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم والصلاة في أول الوقت وآخره ووسطه، ولا فرق في الجواز بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه (١). قال النووي: «هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة»، ثم ذكر من نقل الإجماع عليه (٢). وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 283

وجه الدلالة: قال الشافعي: «فإذا دخل وقت الصلاة له أن يتيمم، ولا ينتظر آخر الوقت؛ لأن كتاب الله تعالى يدل على أن يتيمم إذا قام إلى الصلاة فأعوزه الماء، وهو إذا صلى حينئذ أجزأ عنه» (١). ثانيًا: من السنة: حديث أبي سعيد الخدري (٢) ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم آتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (٣).

стр. 284

وجه الدلالة: دل الحديث على أن من تيمم وصلى في أول الوقت فقد أدى فرضه كما أُمر (١). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن دخول الوقت وهو على غير ماء لا يمنع من تحصيل مصلحة أول الوقت، فإذا فعل أجزأه (٢). ٢ ـ أنه بدخول الوقت قد وجبت الصلاة فيمكن المكلف من فعل ما وجب عليه (٣). ٣ ـ أنه أسقط فرض الصلاة فلم يعد إلى ذمته كما لو وجد الماء بعد الوقت (٤). ٤ ـ أنه تيمم ليحوز فضيلة لا تتم إلا بطهارة فكان تيممه صحيحًا (٥)، أشبه ما لو أداها بطهارة الماء (٦). وبعد اتفاق الفقهاء على جواز التيمم والصلاة لعادم الماء في أي جزء من أجزاء الوقت بعد دخول وقت الصلاة وبعد الطلب، اختلفوا في الوقت المستحب للتيمم، هل المستحب تقديم الصلاة بالتيمم أول الوقت أم تأخيرها إلى آخر الوقت؟

стр. 285

اختلف الفقهاء في هذه المسألة، وسبب ذلك أن العادم للماء حال دخول وقت الصلاة لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتيقن عدم وجود الماء في الوقت، فإنه في هذه الحالة يستحب له تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت باتفاق الفقهاء، وذلك لأنه بانتظاره إلى آخر الوقت تضيع عليه الفضيلتان: فضيلة أول الوقت، وفضيلة الطهارة بالماء، فإذا تيمم وصلى أول الوقت فإنه يحصل له بذلك فضيلة أول الوقت (١). الحالة الثانية: أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، أو يغلب على ظنه ذلك بحيث يمكنه الوضوء والصلاة قبل خروج الوقت، وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على قولين: القول الأول: أنه يستحب له تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت مقدار ما لو لم يجد الماء يمكنه أن يتيمم ويصلي في الوقت، فإن وجد الماء توضأ وصلى، وإن لم يجده أدى صلاته بالتيمم عند ذلك، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة (٢).
следующие страницы →