المناقشة:
نوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنه قول مردود؛ لقوله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (١).
وجه الدلالة:
أنه ﷺ جعل التيمم طهور المسلم إلى غاية وجود الماء، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية (٢).
الوجه الثاني: أن التيمم خلف عن الوضوء، ولا يجوز المصير إلى الخلف مع وجود الأصل، كما في سائر الأخلاف مع أصولها (٣).
الوجه الثالث: أن القول بأن وجود الماء ليس بحدث مسلم به؛ لأن المتيمم لا يصير محدثًا بوجود الماء، وإنما الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء، ولا يظهر حكم ذلك الحدث في حق الصلاة المؤداة (٤).
قال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر ويصلي، إلا حرف
стр. 317
روي عن أبي سلمة فإنه بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء، قال: لا يغتسل» (١).
وقال ابن رجب الحنبلي ـ في معرض رده على أبي سلمة ـ: «وهذا شذوذ عن العلماء، ويرده قوله: «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك»، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول: إن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة، وهذا تناقض فاحش» (٢).
стр. 318
الفصل الثالث
حكم التيمم للطهارة
عن الحدث
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم التيمم عن الحدث الأصغر.
المبحث الثاني: حكم التيمم عن الحدث الأكبر.
стр. 319
المبحث الأول
حكم التيمم عن الحدث الأصغر
اتفق الفقهاء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر (١)، واستدلوا لذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ... » الحديث (٢).
وجه الدلالة من الآية والحديث:
دلالة الآية والحديث على جواز التيمم للمحدث حدثًا أصغر عند عدم الماء ظاهرة بينة.
ثالثًا: الإجماع (٣):
أجمعت الأمة على أن التيمم يقوم مقام الوضوء ويجزئ عنه.
стр. 320
قال الوزير بن هبيرة: «وأجمعوا على أنه يجوز للجنب التيمم بشرطه، كما يجوز للمحدث» (١).
وقال النووي: «يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع» (٢).
رابعًا: من المعقول:
أنه إذا جاز للجنب أن يتيمم فالمحدث من باب أولى (٣).
стр. 321
المبحث الثاني
حكم التيمم عن الحدث الأكبر
اتفق الفقهاء على جواز التيمم عن الحدث الأكبر (١)، وقد نقل الإجماع عن هذا ابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن القطان الفاسي (٢)، والنووي، والرملي (٣)
стр. 322
(١).
وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
دلت الآية على مشروعية التيمم عن الحدث الأكبر، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهو عام يشمل كل ملامسة (٢)، ومنه الجماع.
وحمل الملامسة في الآية على الجماع أولى، حتى يشمل نوعي الحدث في التيمم، كما هو الحال في الوضوء، ولو حمل على مجرد اللمس أو التقبيل لكان تكرارًا محضًا، وهذا يناف بلاغة القرآن المعهودة (٣)، فإن التأسيس خير من التأكيد (٤).
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو عائد إلى
стр. 323
المحدث والجنب جميعًا (١).
ثانيًا: من السنة:
٢٧ ـ عن عبد الرحمن بن أبزي (٢) ﵁: أن رجلاً أتى إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصل، فقال عمار (٣): أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت (٤) في التراب وصليت، فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك»، فقال عمر: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت (٥)(٦).
стр. 324
٢٨ ـ عن أبي موسى الأشعري (١)
﵁ قال ـ حين ناظر ابن مسعود ـ: «أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي ﷺ : «كان يكفيك ... »، قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية (٢)؟ فما دري عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم» (٣)(٤).
стр. 325
وجه الدلالة:
فيه دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب (١)، وعلى أن المراد بالملامسة في الآية: هو الجماع (٢).
٢٩ ـ حديث عمران بن حصين ﵁ قال: أن النبي ﷺ لما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (٣).
٣٠ ـ حديث أبي ذر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : إني أعزب عن الماء، ومعي أهل فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور، فقال النبي ﷺ : «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ... » الحديث (٤).
٣١ ـ حديث عمرو بن العاص ﵁ حين احتلم، فتيمم وصلى بأصحابه، فقال له النبي ﷺ : «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» فذكر للنبي ﷺ السبب الذي منعه من الاغتسال، وهو خشية الهلاك من البرد، فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئًا (٥).
стр. 326
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أن هذه الأحاديث صريحة في جواز التيمم عن الحدث الأكبر، فلا يعدل عنها إلى قول أحد.
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أنه محدث عادم للماء فجاز له التيمم، كالمحدث حدثًا أصغر (١).
٢ ـ أن التيمم إنما شرع لاستدراك مصحلة الوقت، وهذا قدر مشترك بين الحدثين الأصغر والأكبر (٢).
٣ ـ أن ما كان طهورًا في الحدث الأصغر فإنه يكون طهورًا في الحدث الأكبر كالماء (٣).
стр. 327
الفصل الرابع
حكم التيمم للنجاسة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن.
المبحث الثاني: حكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما.
стр. 328
المبحث الأول
التيمم للنجاسة في الثوب والبدن
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن.
المطلب الثاني: ما يترتب على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن.
стр. 329
المطلب الأول
حكم التيمم للنجاسة في
الثوب والبدن
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التيمم للنجاسة إذا كانت في الثوب أو في غير بدنه (١)، وذلك لأن التيمم طهارة في البدن، فلا ينوب عن غير البدن كالوضوء والغسل (٢).
واختلفوا إذا كانت النجاسة على البدن ولا يستطيع إزالتها، إما لعدم وجود الماء، أو لتضرره باستعمال الماء بأن كانت تلك النجاسة على جرح ونحو ذلك، فهل يتيمم لها أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يتيمم للنجاسة مطلقًا، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٣).
القول الثاني: أنه يتمم لها، وهو قول الحنابلة (٤)، ومن مفردات المذهب الحنبلي (٥).
стр. 330
إلا أن الحنابلة اشترطوا أن يتيمم لها بعد تخفيفها ما أمكن، بحك يابسها ومسح رطبها.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم جواز التيمم للنجاسة على البدن، بما يلي:
١ ـ أن الشرع لم يرد إلا في التيمم عن الحدث فقط، ولم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التيمم للنجاسة على البدن (١).
المناقشة:
نوقش بأن التيمم للنجاسة داخل في عموم النصوص الواردة في مشروعية التيمم (٢).
الجواب:
يمكن أن يجاب بأن النصوص الواردة في مشروعية التيمم، إنما وردت في طهارة الحدث فقط، فيجب الاقتصار على ما ورد به النص.
٢ ـ أن المقصود إزالة عين النجاسة، وذلك لا يزول بالتيمم (٣).
٣ ـ أن التيمم مسح الوجه واليدين، وقد تكون النجاسة في غير الوجه واليدين، فكيف يؤمر بمسح الوجه واليدين عن نجاسة في غيرهما؟! كما لا يجوز أن يغسل وجهه ويديه لنجاسة في غيرهما (٤).
стр. 331
المناقشة:
نوقش بأن الغسل يفارق التيمم، فإن التيمم في طهارة الحدث يؤتى به في غير محله، كما لو تيمم لجرح في رجله، أو موضع من بدنه غير وجهه ويديه، بخلاف الغسل فإنه يؤتى به في محل النجاسة (١).
الجواب:
يمكن أن يجاب بالمنع؛ لأن كلامنا في طهارة النجاسة وليس في طهارة الحدث، حيث إن طهارة النجاسة لا تكون إلا في موضع النجاسة، فلا يصح غسلها إلا في موضعها، وإذا لم يصح غسلها إلا في محلها فمن باب أولى أن لا يصح التيمم لها؛ لأنه في غير محلها.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز التيمم للنجاسة على البدن، بما يلي:
أولاً: من السنة:
١ ـ حديث أبي ذر ﵁: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (٢).
٢ ـ حديث جابر ﵁: « ... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣).
стр. 332
وجه الدلالة من الحديثين:
أن عموم الحديثين يدخل فيه التيمم للنجاسة على البدن (١).
المناقشة:
يمكن مناقشة أن الحديثين مقصوران على نجاسة الحدث فقط، وإلا لجاز التيمم للنجاسة على الثوب وأنتم لا تقولون بذلك.
ثانيًا: من المعقول:
أنها طهارة في البدن تراد للصلاة، فجاز التيمم لها ـ عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله ـ قياسًا على الحدث (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه قياس لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:
الأول: أن طهارة الحدث يشترط لها النية، بخلاف طهارة النجاسة فلا يشترط لها النية (٣)، فمتى خلا من النجاسة ولو بلا نية طهر منها (٤).
الثاني: أن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، بخلاف طهارة النجاسة فهي شيء يطلب التخلي منه لا إيجاده (٥).
стр. 333
الثالث: أن طهارة الحدث يؤتى بها في غير محلها، بخلاف طهارة النجاسة، فإنه لا يؤتى بها إلا في محلها (١).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم جواز التيمم للنجاسة على البدن، وذلك لما يلي:
١ ـ لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشتها.
٢ ـ قياسًا على التيمم للنجاسة على الثوب والبقعة فإنه لا يتيمم لها فكذا هاهنا.
стр. 334
المطلب الثاني
ما يترتب على القول بجواز التيمم
لنجاسة البدن
وفيه فرعان:
الفرع الأول
تعدد محل النجاسة على البدن مع عدم الماء
هذه المسألة من المسائل المترتبة على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن، وقد تقدم في المطلب الأول أن مشروعية التيمم للنجاسة على البدن عند عدم الماء لا يقول بها إلا الحنابلة، فهل يكتفى بتيمم واحد إذا تعددت النجاسة على البدن أم لابد من التيمم لكل نجاسة؟
هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل تجب النية للتيمم من النجاسة أم لا؟ للحنابلة في هذه المسألة وجهان (١):
الوجه الأول: تجب النية لها، وهو الصحيح من المذهب، وذلك قياسًا على التيمم من الحدث، فكما يصح التيمم للأحداث إذا تعددت بتيمم واحد، فكذا هاهنا.
الوجه الثاني: لا تجب النية لها، وذلك قياسًا على بدله وهو الغسل، فكما أن غسل النجاسة لا يفتقر إلى نية، فكذلك التيمم لها.
стр. 335
فعلم من ذلك أنه ينبني على الوجه الأول أنه يكفيه تيمم واحد للنجاسة المتعددة على البدن، وعلى الوجه الثاني لابد من تعدد التيمم.
стр. 336
الفرع الثاني
إذا اجتمع على الشخص حدث ونجاسة
فهل يكفيه تيمم واحد لهما أم لا ؟
هذه المسألة أيضًا من المسائل المترتبة على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن، وقد اختلف الحنابلة في هذه المسألة على وجهين (١):
الوجه الأول: أنه يكفيه أن يتيمم تيممًا واحدًا للحدث والنجاسة، إذا نواهما معًا، وهو المذهب عند الحنابلة.
واستدلوا لذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
وجه الدلالة:
أن المرء بنيته، فإذا نوى الحدث والنجاسة معًا فإنه يحصل له ما نواه.
стр. 337
ثانيًا: من المعقول:
أن صفة التيمم لهاتين الطهارتين واحدة، فأشبه ما لو كانت عليه أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنواها.
الوجه الثاني: أنه يتيمم لكل منهما، وهو قول بعض الحنابلة.
واستدلوا لذلك بالقياس على الكفارات والحدود إذا كانتا من جنسين، فإنهما لا يتداخلان وهذا القول مبني على عدم التداخل بين الطهارتين في الغسل (١).
стр. 338
المبحث الثاني
حكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث
ومعه ماء يكفي أحدهما
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين (١):
القول الأول: أنه يتعين عليه استعماله في إزالة النجاسة، فيغسلها، ثم يتيمم، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني: أنه يتوضأ بالماء ويصلي بالنجاسة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية إذا كانت النجاسة على ثوبه، وهو قول بعض المالكية، ورواية عند الحنابلة فيما إذا كانت النجاسة على الثوب.
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن التيمم للحدث ثابت بالنص والإجماع، وأما التيمم للنجاسة فمختلف فيه، فوجب استعمال الماء فيما لا يقوم غيره مقامه (٢).
٢ ـ أن الحدث له بدل، وإزالة النجاسة لا بدل لها، فكانت أولى بالغسل (٣).
стр. 339
٣ ـ واستدلوا على غسل نجاسة الثوب والتيمم للحدث، بأنه إذا قدم غسل نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلاً، فتقديم طهارة الثوب أولى (١)(٢)، ولأن للحدث بدل ولا بدل لستر العورة (٣).
أدلة القول الثاني:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن طهارة الحدث واجبة بالاتفاق، بخلاف إزالة النجاسة فمختلف في وجوبها (٤)، فينبغي أن يستعمل الماء في محل الاتفاق.
٢ ـ واستدل من قال باستعمال الماء لطهارة الحدث دون غسل نجاسة الثوب بأن الحدث أغلظ النجاستين، بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة للضرورة، ولا جواز لها مع الحدث بحال (٥).
٣ ـ أنه واجد للماء (٦)، فيجب عليه استعماله.
стр. 340
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل باستعمال الماء في إزالة النجاسة ثم التيمم للحدث، وذلك لقوة أدلتهم، ولما يلي:
١ ـ أن التلوث بالنجاسة محرم، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، وقد كان رسول الله ﷺ يبدأ في غُسله بإزالة النجاسة من فرجيه بالماء أو الأحجار قبل الوضوء (١)(٢).
٢ ـ أن صرف الماء إلى النجاسة يجعله مصليًا بطهارتين حقيقية وحكمية، فكان أولى من الصلاة بطهارة واحدة (٣).
٣ ـ أن القول بأنه واجد للماء غير مسلم به؛ لأنه إذا استعمل الماء لإزالة النجاسة ثم تيمم، فإنه في هذه الحالة لا يكون واجدًا للماء.
مسألة: حكم تقديم التيمم للحدث قبل استعمال الماء لإزالة النجاسة:
إذا ثبت تعين الماء لغسل النجاسة والتيمم للحدث لمن وجد ماء يكفي أحدهما، فهل يجوز أن يبدأ بالتيمم أولاً ثم يغسل النجاسة أم لا؟
стр. 341
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا يجوز له أن يتيمم قبل غسل النجاسة، ولو تيمم قبل إزالة النجاسة فإنه يعيد تيممه، وهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ووجه للشافعية، وهو المعتمد عند المتأخرين منهم (١).
القول الثاني: أنه يجوز له التيمم قبل غسل النجاسة، وهو وجه عند الشافعية، وصححه الماوردي (٢)(٣).
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن شرط التيمم هو عدم الماء، وهذا واجد له، فلا يصح تيممه (٤).
٢ ـ أن التيمم يراد لإباحة الصلاة، والتيمم قبل غسل النجاسة لا يبيح الصلاة؛ لبقاء النجاسة عليه، فأشبه ما لو تيمم قبل الوقت (٥).
стр. 342
أدلة القول الثاني:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١. قياسًا على الجريح، فإنه يجوز له أن يتيمم ثم يغسل الصحيح، وإن كان تيممه لا تباح الصلاة عقبه (١).
٢. أنهما طهارتان مختلفتان عن شيئين مختلفين، فلم يكن تقديم هذه بأولى من تقديم هذه (٢).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بتقديم غسل النجاسة على التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأن القياس على الجريح لا يصح؛ لأنه محل خلاف، فمن العلماء من لا يرى الجمع بين استعمال الماء والتيمم (٣)، ولأنه إذا تيمم بعد غسل النجاسة فإن تيممه يصح اتفاقًا (٤).
стр. 343
الفصل الخامس
التيمم في السفر والحضر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم التيمم في السفر.
المبحث الثاني: حكم التيمم في الحضر.
стр. 344
المبحث الأول
التيمم في السفر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم التيمم في السفر.
المطلب الثاني: تيمم العاصي بسفره.
стр. 345
المطلب الأول
حكم التيمم في السفر
اتفق الفقهاء على أن المسافر إذا عدم الماء فإنه يجوز له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
دلت الآية بمنطوقها على جواز التيمم للمسافر العادم للماء.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للآخر: «لك الأجر مرتين» (٢).
стр. 346
والأحاديث الدالة على مشروعية التيمم في السفر كثيرة، وقد تقدم ذكرها في ثنايا البحث، فيكتفى بما ذكر.
ثالثًا: من الأثر:
عن ابن عمر ﵄: «أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم، فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة» (١).
رابعًا: الإجماع:
أجمع الفقهاء على مشروعية التيمم في السفر عند عدم الماء، وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم (٢).
قال ابن عبد البر: «وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر، وسواء كان جنبًا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك» (٣).
وقال ابن تيمية: «وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ولا إعادة عليه» (٤).
стр. 347
خامسًا: من المعقول:
أن عدم الماء في السفر عذر عام فسقط الفرض بالتيمم بسببه، كالصلاة قاعدًا لعذر المرض (١).
стр. 348
المطلب الثاني
تيمم العاصي بسفره
اختلف الفقهاء في حكم تيمم العاصي بسفره إذا عدم الماء، فهل يلزمه أن يتيمم ويصلي أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (١)(٢).
القول الأول: أنه يلزمه التيمم ولا إعادة عليه فيما صلى به، وهو قول الحنفية، والمعتمد عند المالكية (٣)، ووجه للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه يلزمه التيمم وإعادة الصلاة، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول للحنابلة.
القول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم، وهو قول ضعيف عند المالكية، ووجه غريب للشافعية.
стр. 349
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن النصوص الشرعية الواردة في السفر مطلقة (١)، تشمل الطائع والعاصي، ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله ورسوله ﷺ إلا بدليل.
٢ ـ أن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والقبح المجاور لا يعدم المشروعية (٢).
٣ ـ أن المعصية لا تكون سببًا في الرخصة، وإنما السبب لحوق المشقة الناشئة من السفر (٣).
٤ ـ قياسًا على من نوى سفرًا مباحًا، ثم نوى المعصية بعده، فإنه يترخص، فكذا هاهنا (٤).
وما سبق من الأدلة بناء على القول بأن التيمم رخصة، وأما على القول بأن التيمم عزيمة فحينئذ لا يجوز تركه عند وجود شرطه (٥).
أدلة القول الثاني:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
стр. 350
١ ـ أن المسافر سفر معصية يلزمه أمران: التوبة والصلاة، فإذا أخل بأحدهما لا يباح له الإخلال بالآخر (١).
٢ ـ أن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تختص بالسفر، فلم يستبح ذلك في سفر المعصية، كالفطر والقصر (٢).
أدلة القول الثالث:
عللوا ما ذهبوا إليه بأنه قادر على استباحة التيمم بالتوبة من معصيته، فلا يجوز له التيمم حتى يتوب (٣).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز تيمم العاصي بسفره ولا إعادة عليه، وذلك لما يلي:
١ ـ لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد.
٢ ـ أن حكم التيمم لا يختص بالسفر، فيباح في سفر المعصية كمسح يوم وليلة (٤).
٣ ـ أن العاصي بسفره قد أتى بما أمر به من التيمم والصلاة، فلا يلزمه إعادة الصلاة، إذ كيف نبيح له الصلاة بالتيمم ثم نوجب عليه إعادتها؟!
стр. 351
المبحث الثاني
حكم التيمم في الحضر
اتفق الفقهاء على مشروعية التيمم للمسافر عند عدم الماء، واختلفوا في الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، بأن انقطع الماء عنه، أو حبس في مصر ونحو ذلك، فهل يجوز له التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (١):
القول الأول: أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وهو قول للحنفية، والمشهور عند المالكية، وقول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه يتيمم ويصلي وعليه الإعادة، وهو قول للحنفية، وابن حبيب (٢) وابن عبد الحكم (٣) من المالكية، والمشهور عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
стр. 352
القول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، وهو قول للحنفية، وقول للإمام مالك، ورواية عند الحنابلة.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين ومن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء (١).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجوام التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله قد اشترط للتيمم شرطين: عدم الماء، وعدم القدرة على استعماله، ولم يفرق في ذلك بين المسافر والمقيم، فكل من عدم الماء
стр. 353
فلم يجده بعد طلبه، ولا قدر عليه فإنه يجوز له التيمم في السفر والحضر (١).
ثانيًا: من السنة:
١ ـ حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإنه ذلك خير» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث بعمومه على جواز التيمم عند عدم الماء، ولم يفرق بين حاضر ومسافر (٣).
٢ ـ حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (٤).
وجه الدلالة:
أن الحديث عام لم يخص سفرًا من حضر، فهو على عمومه حتى يقوم دليل على خلافه (٥).
стр. 354
٣ ـ حديث أبي جهيم ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇» (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم في الحضر لتحصيل مصلحة رد السلام فالصلاة أولى (٢).
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أنه مكلف دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فلزمه التيمم للصلاة كالمسافر (٣).
٢ ـ أنه عاجز عن استعمال الماء فلزمه التيمم كالمريض (٤).
واستدلوا على عدم الإعادة لمن تيمم في الحضر، بما يلي:
١ ـ أنه ممن لزمه فرض التيمم فوجب أن يسقط عنه الفرض كالمسافر (٥).
стр. 355
المناقشة:
نوقش بأن فقد الماء في السفر عذر عام، فلذلك لم يجب القضاء على المسافر بخلاف الحضر فإن فقد الماء فيه نادر، فلا يسقط به القضاء (١).
الجواب:
أجيب عن ذلك بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المسافرين ربما احتاطوا في جمع الماء خوفًا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، فينبغي أن يسقط فرضه كالمسافر (٢).
الوجه الثاني: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، فمن صلى عريانًا فإنه يسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من سبع أو عدو، وهذا كله نادر (٣).
الوجه الثالث: أن القول بإيجاب التيمم مع إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة (٤)، فإن الله تعالى إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان والشرط المعجوز عليه ساقط بالعجز (٥).