المبحث الثاني
حكم التيمم في الحضر
اتفق الفقهاء على مشروعية التيمم للمسافر عند عدم الماء، واختلفوا في الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، بأن انقطع الماء عنه، أو حبس في مصر ونحو ذلك، فهل يجوز له التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (١):
القول الأول: أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وهو قول للحنفية، والمشهور عند المالكية، وقول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه يتيمم ويصلي وعليه الإعادة، وهو قول للحنفية، وابن حبيب (٢) وابن عبد الحكم (٣) من المالكية، والمشهور عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
стр. 352
القول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، وهو قول للحنفية، وقول للإمام مالك، ورواية عند الحنابلة.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين ومن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء (١).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجوام التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله قد اشترط للتيمم شرطين: عدم الماء، وعدم القدرة على استعماله، ولم يفرق في ذلك بين المسافر والمقيم، فكل من عدم الماء
стр. 353
فلم يجده بعد طلبه، ولا قدر عليه فإنه يجوز له التيمم في السفر والحضر (١).
ثانيًا: من السنة:
١ ـ حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإنه ذلك خير» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث بعمومه على جواز التيمم عند عدم الماء، ولم يفرق بين حاضر ومسافر (٣).
٢ ـ حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (٤).
وجه الدلالة:
أن الحديث عام لم يخص سفرًا من حضر، فهو على عمومه حتى يقوم دليل على خلافه (٥).
стр. 354
٣ ـ حديث أبي جهيم ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇» (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم في الحضر لتحصيل مصلحة رد السلام فالصلاة أولى (٢).
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أنه مكلف دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فلزمه التيمم للصلاة كالمسافر (٣).
٢ ـ أنه عاجز عن استعمال الماء فلزمه التيمم كالمريض (٤).
واستدلوا على عدم الإعادة لمن تيمم في الحضر، بما يلي:
١ ـ أنه ممن لزمه فرض التيمم فوجب أن يسقط عنه الفرض كالمسافر (٥).
стр. 355
المناقشة:
نوقش بأن فقد الماء في السفر عذر عام، فلذلك لم يجب القضاء على المسافر بخلاف الحضر فإن فقد الماء فيه نادر، فلا يسقط به القضاء (١).
الجواب:
أجيب عن ذلك بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المسافرين ربما احتاطوا في جمع الماء خوفًا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، فينبغي أن يسقط فرضه كالمسافر (٢).
الوجه الثاني: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، فمن صلى عريانًا فإنه يسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من سبع أو عدو، وهذا كله نادر (٣).
الوجه الثالث: أن القول بإيجاب التيمم مع إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة (٤)، فإن الله تعالى إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان والشرط المعجوز عليه ساقط بالعجز (٥).
стр. 356
٢ ـ أنها صلاة لزم أداؤها بالتيمم فوجب أن يسقط به الفرض كالوضوء (١).
٣ ـ أن التيمم إنما فرض لئلا تفوت الصلاة وتفعل قضاء، مع إمكان فعلها أداء، وهذه العلة موجودة في المقيم الصحيح كوجودها في المريض المسافر فوجب أن يكون حكم الجميع سواء (٢).
٤ ـ أن هذا المكلف قد أتى بما أُمر به، فخرج عن عهدته، حيث صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فلا تلزمه الإعادة كالمريض والمسافر (٣).
٥ ـ أن عدم هذا الماء أكثر من عدم المسافر له، فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم هاهنا (٤).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر مع وجوب الإعادة، بما يلي:
أولاً: استدلوا على جواز التيمم بما استدل به أصحاب القول الأول من الكتاب والسنة والدليل الأول والثاني من أدلة المعقول.
ثانيًا: استدلوا على وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بما يلي:
стр. 357
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله جعل للتيمم شرطين وهما: السفر، والمرض، فدل ذلك على أن الفرض لا يسقط إلا بهما ليكون للشرط فائدة (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بما استدل به أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة، ولاسيما الدليل الثالث والرابع، وبأن القول بإعادة الصلاة للحاضر العادم للماء دون المسافر يحتاج إلى دليل شرعي، وليس هناك أي دليل يدل على التفريق بينهما.
ثانيًا: من المعقول:
١ ـ أن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلا يسقط به القضاء، كالعادم للماء والتراب (٢)، وكمن نسي بعض أعضاء الطهارة (٣).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل بما أجيب به على مناقشة الدليل الأول من أدلة أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة.
وأما ما استدلوا به من القياس فيمكن مناقشته من وجهين:
стр. 358
الوجه الأول: القياس على عادم الماء والتراب لا يصح؛ لأن المقيس عليه مختلف فيه (١).
الوجه الثاني: وأما القياس على من نسي بعض أعضاء الطهارة فقياس مع الفارق؛ لأن من شرط صحة الصلاة طهارة أعضاء الطهارة كلها، فمن نسي بعضها لم تصح صلاته لعدم تحقق الشرط، بخلاف مسألتنا فإن شرط التيمم فقد الماء، فإذا فقد الماء جاز التيمم في أي مكان، ولا إعادة عليه.
٢ ـ أنه مقيم صحيح فلا يسقط فرضه بالتيمم كالواجد للماء (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن واجد الماء القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، بخلاف عادم الماء فإنه مأمور بالتيمم حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم (٣).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بعدم جواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر، بما يلي:
стр. 359
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أباح التيمم للمريض والمسافر فلم يجز لغيرهما (١).
المناقشة:
نوقش بأنه إنما ذكر المريض والمسافر؛ لأن الغالب أن التيمم يكون فيهما، لا أنه أراد به أنه لا يجوز إلا فيهما، وهذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، بل لأن الغالب عدم الكاتب في السفر، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر، ولا فرق بينهما (٢).
ثانيًا: من المعقول:
أن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا، حتى لا يسقط عنه الفرض بالتيمم ويلزمه الإعادة، فلم يكن التيمم طهورًا له ولا صلاة إلا بطهور (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته من ثلاثة وجوه:
стр. 360
الوجه الأول: أن شرط التيمم هو عدم الماء، فأينما تحقق جاز التيمم (١).
الوجه الثاني: أن القول بأن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا لا يصح؛ لأنه لم يثبت في ذلك أي دليل شرعي يدل على عدم جواز التيمم للحاضر العادم للماء.
الوجه الثالث: أن المسافر والمريض إذا تيمما وصليا سقط فرضهما، فكذلك الحاضر، ولا فرق.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل عدم سلامة أدلة المعارضين من المناقشة.
стр. 361
الباب الثالث
شروط التيمم
وفيه ثمانية شروط:
الشرط الأول: النية.
الشرط الثاني: الإسلام.
الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.
الشرط الخامس: إزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم.
الشرط السادس: طلب الماء وإعوازه بعد الطلب.
الشرط السابع: دخول الوقت.
الشرط الثامن: التيمم بالصعيد.
стр. 362
الشرط الأول
النية
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: حكم النية في التيمم.
المبحث الثاني: حكم التيمم بنية رفع الحدث.
المبحث الثالث: ما ينويه بالتيمم.
المبحث الرابع: إذا نوى بتيممه فرض التيمم.
المبحث الخامس: ما يستباح بالتيمم.
المبحث السادس: حكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم.
المبحث السابع: حكم اشتراط النية في الحدث الأصغر أو الأكبر.
стр. 363
المبحث الأول
حكم النية في التيمم
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم اشتراط النية في التيمم.
المطلب الثاني: حكم التيمم بنية تعليم الغير.
стр. 364
المطلب الأول
حكم اشتراط النية في التيمم
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه تشترط النية للتيمم من الحدث، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية والشافعية صنفوها من الأركان لا من الشروط.
القول الثاني: أنه لا تشترط النية للتيمم من الحدث، بل يجزئ التيمم بغير نية، وهو قول زفر من الحنفية.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون باشتراط النية للتيمم من الأحداث كلها، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالإخلاص في العبادة، والإخلاص عمل القلب وهو النية (٢).
стр. 365
ثانيًا: من السنة:
حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن النية شرط لصحة التيمم، وذلك من وجهين (٢):
الوجه الأول: قوله: «إنما الأعمال بالنيات» دليل على أنه ليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية.
الوجه الثاني: قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فيه دليل على أن ليس له إلا ما نواه، وهذا لم ينو التيمم فلا يكون له.
ثالثًا: الإجماع:
وقد حكى الإجماع على اشتراط النية لصحة التيمم غير واحد من أهل العلم (٣).
قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن النية شرط في صحة التيمم» (٤).
стр. 366
رابعًا: من المعقول:
٣٢ ـ أن التيمم عبادة غير معقولة المعنى، وهو خارج عن نمط العبادات التي كلها تعظيم وإجلال وتضرع إلى الله ، وليس في مس التراب ومسحه على الوجه صورة تعظيم، بل هو شبه العبث واللعب، فاحتاج إلى النية؛ لتخرجه من حيز اللعب إلى حيز التقرب (١).
٣٣ ـ أن التيمم معناه القصد إلى الصعيد الطاهر، وإذا كان كذلك فلا يتحقق بدون القصد، والقصد هو النية، فإن الأصل في الأسماء الشرعية أن يعتبر فيها ما تنبئ عنه من المعاني الشرعية (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل زفر على أنه لا تشترط النية للتيمم من الحدث، بما يلي:
أن التيمم بدل عن الوضوء، والبدل يأخذ حكم المبدل في وصفه وهو الصحة، والوضوء بدون النية صحيح، فكما أن الوضوء يصح بغير نية فكذلك التيمم، وإلا لكان البدل مخالفًا لأصله في الصحة، ولا يجوز ذلك (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
стр. 367
الوجه الأول: أن القياس على الوضوء في عدم اشتراط النية لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف (١).
الوجه الثاني: أن الوضوء طهارة حقيقية، ولا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا تشترط له النية، بخلاف التيمم، فإنه جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية (٢).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل باشتراط النية لصحة التيمم، وذلك لقوة أدلتهم ووضوحها في الدلالة على المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
стр. 368
المطلب الثاني
حكم التيمم بنية تعليم الغير
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز لمن تيمم وهو يريد به تعليم الغير ولا يريد به الصلاة أن يصلي بذلك التيمم (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ ـ أن النية شرط لصحة التيمم (٢)، وهذا لم ينو استباحة الصلاة.
٢ ـ أن التعليم يحصل بالقول فلا يتوقف على الطهارة (٣).
٣ ـ أن التعليم ليس بقربة مقصودة؛ لحصوله في ضمن شيء آخر بطريق التبعية، فنية التعليم لا تتضمن نية الطهارة (٤).
وأما إذا نوى مع صلاته قصد تعليم الناس فإنه يجوز لفعله ﷺ حين صلى على المنبر وقال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (٥)، ولأن نية استباحة الصلاة تتضمن نية التعليم.
стр. 369
المبحث الثاني
حكم التيمم بنية رفع الحدث
اختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه رفع الحدث، فهل يرتفع حدثه أم لا؟ وذلك على قولين (١):
القول الأول: أنه لا يرتفع حدثه، وهو المشهور عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه يرتفع حدثه، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية، وقول للمالكية، ورواية عند الحنابلة.
سبب الخلاف:
أصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أم مبيح؟
فمن قال: إن التيمم لا يرفع الحدث لم يجز التيمم بنية رفع الحدث، والعكس بالعكس.
وقد تقدم ذكر أدلة كل قول في مبحث: نوعية بدلية التيمم (٢)، وأن الراجح أنه كالوضوء في رفع الحدث.
стр. 370
المبحث الثالث
ما ينويه بالتيمم
سبق أن ذكرنا اتفاق الفقهاء على أن التيمم لا يصح إلا بنية، وسنذكر في هذا المبحث ـ إن شاء الله ـ الضابط لكل مذهب فيما ينويه بالتيمم، وبيان ذلك كالآتي:
فالضابط عند الحنفية فيما ينويه بالتيمم: أن ينوي المتيمم عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، أو ينوي الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة، وتكون هذه النية مقارنة للضرب على الصعيد، أو عند مسح أعضائه بتراب أصابها (١).
والضابط عند المالكية: أن ينوي المتيمم استباحة الصلاة ونحوها، أو فرض التيمم، وتكون هذه النية عند الضربة الأولى، ويجزئ تأخيرها إلى مسح الوجه (٢).
والضابط عند الشافعية: أن ينوي المتيمم استباحة الصلاة ونحوها، وتكون هذه النية مقارنة لنقل التراب ومستدامة إلى أن يمسح جزءًا من الوجه (٣).
والضابط عند الحنابلة: أن ينوي المتيمم استباحة ما يتيمم له، مع تعيين الحدث الذي تيمم عنه، كفرض الصلاة من الحدث الأصغر، أو الأكبر ونحوه، وتكون هذه النية عند التسمية (٤).
стр. 371
ومن خلال ما سبق يتضح أن فقهاء المذاهب الأربعة متفقون على أن المتيمم ينوي بتيممه استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، ولكنهم يختلفون في بعض المسائل، كاختلافهم في التيمم بنية رفع الحدث، فالجمهور يبطلون هذا التيمم والحنفية على جوازه، وكاختلافهم أيضًا فيما لو نوى بتيممه فرض التيمم، أو اختلافهم في اشتراط تعيين ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، وغيرها من المسائل المتعلقة بالنية، التي سنفرد لها مباحث خاصة إن شاء الله.
стр. 372
المبحث الرابع
إذا نوى بتيممه فرض التيمم
اختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه فرض التيمم هل يصح تيممه أم لا؟ وذلك على قولين (١):
القول الأول: أنه يصح تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، والحنابلة.
وعللوا ما ذهبوا إليه بالقياس على المتوضئ إذا نوى فرض الوضوء، فإنه يصح وضوئه، فكذلك المتيمم (٢).
القول الثاني: أنه لا يصح تيممه، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، ووجه للحنابلة.
وعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن التيمم إنما أبيح للضرورة عند حضور فعل لا يجوز إلا به، فضعف حكمه عن أن يصح بمجرد نيته (٣).
стр. 373
٢ ـ أن نية نفس التيمم ليست بمعتبرة، بل لابد أن ينوي به المقصود من الطهارة والصلاة (١)، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ففيه الإنباء عن المشروط (٢).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة تيمم من نوى بتيممه فرض التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأن التيمم طهارة شرعية تصح الصلاة به عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله فإذا نواه فقد قصد أداء الصلاة به فجاز ذلك.
стр. 374
المبحث الخامس
ما يستباح بالتيمم
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة.
المطلب الثاني: ما يباح له بتيممه إذا نوى به نافلة أو صلاة مطلقة
المطلب الثالث: مراتب النية
стр. 375
المطلب الأول
ما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة
وفيه فرعان:
الفرع الأول
إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة ؟
إذا نوى المكلف بتيممه فريضة، ثم بعد أن صلى الفريضة أراد بهذا التيمم صلاة فريضة أخرى، فهل يجوز له الصلاة بالتيمم السابق، أم لا يجوز له الصلاة بهذا التيمم أكثر من فريضة؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث، وهو قول الحنفية، والمزني من الشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
القول الثاني: أنه لا يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٢).
стр. 376
القول الثالث: أنه يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يخرج وقت الصلاة، وهو قول الحنابلة (١).
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الأمور التالية:
١ ـ اختلافهم في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة؟ فمن رأى بأن التيمم رافع للحدث أجاز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل، ومن رأى بأن التيمم مبيح للصلاة قال بعدم الجواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة.
٢ ـ اختلافهم في وجوب تكرار طلب الماء لكل صلاة، فمن أوجب ذلك قال بعدم جواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة، ومن لم يوجب الطلب لكل صلاة قال بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يجد الماء أو يحدث (٢).
٣ ـ اختلافهم في اشتراط دخول وقت الصلاة لصحة التيمم، فمن اشترط ذلك قال بعدم جواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة، ومن لم يشترط دخول الوقت لصحة التيمم قال بجواز أن يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث (٣).
стр. 377
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله اشترط للتيمم عدم وجود الماء فقط، فدل هذا على جواز الصلاة بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يحدث أو يجد الماء (١).
ثانيًا: من السنة:
١ ـ حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ جعل التيمم طهارة ممتدة إلى وجود الماء، فكان في حالة العدم كالوضوء، من غير أن يوقت ذلك بفعل الصلاة، فيكون التراب في ذلك حكم الماء (٣).
стр. 378
المناقشة:
نوقش بأن ظاهره غير مراد، وأنه يجب أن يحمل على ابتداء التيمم دون استدامته (١)، فيستبيح الإنسان بالتيمم صلاة بعد صلاة بتيممات، وإن استمر ذلك عشر سنين إلى أن يجد الماء (٢).
الجواب:
يمكن أن يجاب بأن المعنى المبيح للصلاة ابتداء هو عدم الماء، وهو لا زال قائمًا بعد فعل الصلاة، فينبغي أن يبقى تيممه، إذ إنه لا فرق بين الابتداء والبقاء إذا كان المعنى فيهما واحدًا وهو عدم الماء (٣).
٢ ـ حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٤).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ جعل التراب طهورًا للمسلم، والطهور هو المطهر لغيره، فتبقى طهارته إلى وجود الماء أو ناقض آخر (٥).
стр. 379
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أن التيمم طهارة صحيحة، فلا تنتقض إلا بوجود الماء أو الحدث كالوضوء (١).
المناقشة:
نوقش بأن الوضوء طهارة رفاهية يرفع الحدث، والتيمم طهارة ضرورة فقصرت على الضرورة (٢).
الجواب:
يمكن أن يجاب بأن الشارع أمر بالتيمم عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله فجعله طهورًا ولم يقيده، والضرورة قائمة ما لم يجد الماء.
٢ ـ أنه يجوز فعل أكثر من فريضة بتيمم واحد قياسًا على مسح الخفين؛ لأن كل واحد منهما بدل (٣).
المناقشة:
نوقش بأن المسح على الخفين طهارة قوية ترفع الحدث، بخلاف التيمم، كما أن المسح على الخفين تخفيف؛ إذ يجوز المسح مع القدرة على غسل الرجلين، بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورة، فقصر على الضرورة (٤).
стр. 380
الجواب:
يمكن أن يجاب بأن التيمم كذلك طهارة قوية وتخفيف، بل التيمم أقوى؛ لأن المسح مؤقت بمدة قليلة، والشارع جوز التيمم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء، وأما القول بأنه ضرورة، فالضرورة عدم الماء، وقد حصل (١).
٣٤ ـ أنه بالفراغ من المكتوبة لم تنتقض طهارته؛ حيث جاز له أداء النافلة، وإذا جاز له أن يؤدي النافلة فإنه يجوز له أن يؤدي الفرض؛ لأن الشرط أن يقوم إليه طاهرًا، وقد وجد (٢).
المناقشة:
نوقش من وجهين (٣).
الوجه الأول: أن النوافل تكثر وتلحق المشقة الشديدة بالإنسان في إعادة التيمم لها، فخفف أمرها لذلك، بخلاف الفرائض.
الجواب:
أجيب بأنهما وإن افترقا في هذا الوجه المذكور، فإنهما لا يختلفان في اشتراط الطهارة لكل واحد منهما، فإذا جاز له النفل بالتيمم الذي أدى به الفرض، وجب أن يحوز فعل فرض آخر به، إذ إنه لا فرق في حكم الطهارة بين النفل والفرض في الأصول (٤).
стр. 381
الوجه الثاني: أن النوافل تبع للفرائض، ومعلوم أنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع.
الجواب:
أجيب بأن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة ليسا بتبع للفرض ويجوز عندكم، فدل ذلك على أنه لا خلاف بين الفرض والنفل في باب الطهارة (١).
٣٥ ـ أن الحدث الواحد لا يجب له طهران (٢).
المناقشة:
نوقش بأن الطهارة هنا ليست للحدث بل لإباحة الصلاة، فالتيمم الأول أباح الصلاة الأولى، والثاني أباح الثانية (٣).
الجواب:
يمكن أن يجاب عليه بأن ذلك هو عين النزاع، ولا يصلح الاستدلال بمحل النزاع.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز الصلاة بالتيمم الواحد أكثر من فرض، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].
стр. 382
وجه الدلالة:
أن الله أوجب الطهارة عند القيام لكل صلاة، وقد خرج الوضوء بالدليل، فبقي التيمم على مقتضاه، لذا فإنه لا يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة (١).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ لا يقتضي التكرار في اللغة، فإذا لم يقتض ذلك في الوضوء، فلا يقتضيه كذلك في التيمم (٢).
الوجه الثاني: أن الآية لا توجب شيئًا مما ذُكر، ولو أوجبت ذلك لأوجبت غسل الجنابة على كل قائم إلى الصلاة أبدًا، وإنما حكم الآية في إيجاب الله تعالى الوضوء والتيمم، والغسل إنما هو على المجنبين والمحدثين فقط، يدل على هذا قرينة متصلة بالآية وهي ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ولا يختلف اثنان في أن هاهنا حذف دل عليه
стр. 383
العطف فيكون معنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر فأحدثتم، أو جاء أحد منكم من الغائط فبطل ما قالوا به (١).
ثانيًا: من الآثار:
١ ـ عن ابن عباس ﵄ قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى».
وجه الدلالة:
أن هذا الأثر له حكم الرفع؛ لأن السنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة النبي ﷺ ، وفي هذا دليل على عدم جواز الصلاة بالتيمم الواحد أكثر من فريضة (٢).
٢ ـ عن علي ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة».
٣ ـ عن ابن عمر ﵄ قال: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث».
٤ ـ عن عمرو بن العاص أنه كان يحدث لكل صلاة تيممًا» (٣).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذه الآثار (٤)، فلا داعي للتكرار.
стр. 384
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أن طهارة التيمم طهارة ضرورة فبطلت بخروج الوقت، كطهارة المستحاضة (١).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل (٢)، فلا داعي للتكرار.
٢ ـ أن طهارة التيمم طهارة ضرورة فلا يباح بها إلا قدر الضرورة (٣).
المناقشة:
نوقش بأن الضرورة عدم الماء، وقد حصل (٤).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بجواز الصلاة بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يخرج وقت الصلاة، بما يلي:
١ ـ أن طهارة التيمم طهارة صحيحة، أباحت فرضًا، فأباحت فرضين، كطهارة الماء (٥).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل والجواب على هذه المناقشة (٦).
стр. 385
٢ ـ أن الطهارة في الأصول تتقيد بالوقت دون الفعل كطهارة الماسح على الخفين (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن القياس على الماسح على الخفين قياس مع الفارق؛ لأن طهارة الماسح على الخفين مقدره بالوقت شرعًا، بخلاف التيمم فلم يرد في الشرع ما يدل على أنه مقدر بوقت.
٣ ـ أن كل تيمم أباح صلاة، أباح ما هو من نوعها بدليل صلوات النوافل (٢).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل والجواب على هذه المناقشة (٣).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد لماء أو يحدث، وذلك لما يلي:
١ ـ لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
٢ ـ ضعف أدلة القول المخالف بما حصل من مناقشة.
стр. 386
٣ ـ صراحة دلالة السنة الصحيحة الثابتة على أن الصعيد الطاهر وضوء المسلم عند فقد الماء، فيأخذ التيمم حكم الماء.
٤ ـ أنه لم يصح حديث عن النبي ﷺ في أنه يتيمم لكل صلاة، ولا في الأمر به، وإنما دلت الأحاديث على أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وهذا يقتضي عدم الفرق بينهما في الحكم، اللهم إلا فيما اقتضى الدليل خلافه (١).
٥ ـ أن الطهارة إذا كملت وجاز أن يصلي المرء ما شاء من النوافل، فكذلك له أن يصلي بها ما شاء من المكتوبة، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من أبواب الصلاة (٢).
٦ ـ أن الحكمة من مشروعية التيمم هي التخفيف والتيسير على المكلف، وفي الأمر بالتيمم لكل صلاة ما يخالف هذه الحكمة.
стр. 387
الفرع الثاني
إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به نافلة ؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض مطلقًا بعد الفريضة وقبلها، متصلاً بها أو متراخيًا عنها، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وقول الحنابلة.
القول الثاني: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض بشرطين وهما: أن تكون النافلة متأخرة عن الفرض، وأن تكون متصلة به، وهو قول المالكية، وقول للشافعية في اشتراط تأخير النفل عن الفرض، ورواية عند الحنابلة أنه لا يتنفل قبل الفريضة بغير الراتبة.
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن النفل تابع للفرض، فإذا استباح المتبوع استباح التابع (٢)، كما إذا اعتق الأم يعتق الحمل (٣).
стр. 388
٢ ـ أن كل طهارة جاز أن يتنفل بها بعد الفريضة جاز قبلها كالوضوء (١).
٣ ـ أن طهارة التيمم يستباح بها الصلاة، فجاز أن يتقدم النفل على الفرض فيها كالماء (٢).
أدلة القول الثاني:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
أما اشتراط تأخر النفل فهو أن النفل تابع للفرض، فإذا قدم النفل خرج عن أن يكون تابعًا، وصار الفرض هو التابع فلم يجزئه (٣).
المناقشة:
نوقش بأن النفل تبع في الاستباحة لا في الفعل، كالسنن الراتبة، وقراءة القرآن وغيرهما (٤).
وأما دليلهم على اشتراط الاتصال فيوضحه ابن رشد في قوله: « ... لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ... وألا تصلى نافلة بتيمم فريضة ـ وإن اتصلت بها ـ، فإنما تصلى النافلة بتيمم الفريضة ـ إذا اتصلت بها ـ استحسانًا ومراعاة لقول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء،
стр. 389
فإذا لم يتصل بها وطال الأمر بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة وجب أن ينتقض التيمم على الأصل، وألا يراعى في ذلك الخلاف كما روعي إذا اتصلت بها لكونها في اتصالها بها في معنى الصلاة الواحدة» (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التنفل بتيمم الفرض مطلقًا وبغير شروط، وذلك لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
ويؤيد هذا القول بأن الأدلة الشرعية اشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، ولم تشترط الاتصال والتأخير، فينبغي أن يستمر حكم التيمم حتى يجد الماء، أو يحدث ما يبطله، وذلك لأن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقدم مقام المبدل.
стр. 390
المطلب الثاني
ما يباح له بتيممه إذا نوى به
نافلة أو صلاة مطلقة
وفيه أربعة فروع:
الفرع الأول
حكم التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يتيمم لكل ما يتطهر له من نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والماليكة في المسافر والمريض مطلقًا، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (١).
القول الثاني: أنه لا يتيمم للنافلة استقلالاً وإنما يصح التيمم لها تبعًا للفرض، وهو قول المالكية في الحاضر الصحيح العادم للماء، ووجه للشافعية (٢).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له، بما يلي: