٣ ـ صراحة دلالة السنة الصحيحة الثابتة على أن الصعيد الطاهر وضوء المسلم عند فقد الماء، فيأخذ التيمم حكم الماء.
٤ ـ أنه لم يصح حديث عن النبي ﷺ في أنه يتيمم لكل صلاة، ولا في الأمر به، وإنما دلت الأحاديث على أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وهذا يقتضي عدم الفرق بينهما في الحكم، اللهم إلا فيما اقتضى الدليل خلافه (١).
٥ ـ أن الطهارة إذا كملت وجاز أن يصلي المرء ما شاء من النوافل، فكذلك له أن يصلي بها ما شاء من المكتوبة، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من أبواب الصلاة (٢).
٦ ـ أن الحكمة من مشروعية التيمم هي التخفيف والتيسير على المكلف، وفي الأمر بالتيمم لكل صلاة ما يخالف هذه الحكمة.
стр. 387
الفرع الثاني
إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به نافلة ؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض مطلقًا بعد الفريضة وقبلها، متصلاً بها أو متراخيًا عنها، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وقول الحنابلة.
القول الثاني: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض بشرطين وهما: أن تكون النافلة متأخرة عن الفرض، وأن تكون متصلة به، وهو قول المالكية، وقول للشافعية في اشتراط تأخير النفل عن الفرض، ورواية عند الحنابلة أنه لا يتنفل قبل الفريضة بغير الراتبة.
أدلة القول الأول:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ ـ أن النفل تابع للفرض، فإذا استباح المتبوع استباح التابع (٢)، كما إذا اعتق الأم يعتق الحمل (٣).
стр. 388
٢ ـ أن كل طهارة جاز أن يتنفل بها بعد الفريضة جاز قبلها كالوضوء (١).
٣ ـ أن طهارة التيمم يستباح بها الصلاة، فجاز أن يتقدم النفل على الفرض فيها كالماء (٢).
أدلة القول الثاني:
عللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
أما اشتراط تأخر النفل فهو أن النفل تابع للفرض، فإذا قدم النفل خرج عن أن يكون تابعًا، وصار الفرض هو التابع فلم يجزئه (٣).
المناقشة:
نوقش بأن النفل تبع في الاستباحة لا في الفعل، كالسنن الراتبة، وقراءة القرآن وغيرهما (٤).
وأما دليلهم على اشتراط الاتصال فيوضحه ابن رشد في قوله: « ... لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ... وألا تصلى نافلة بتيمم فريضة ـ وإن اتصلت بها ـ، فإنما تصلى النافلة بتيمم الفريضة ـ إذا اتصلت بها ـ استحسانًا ومراعاة لقول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء،
стр. 389
فإذا لم يتصل بها وطال الأمر بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة وجب أن ينتقض التيمم على الأصل، وألا يراعى في ذلك الخلاف كما روعي إذا اتصلت بها لكونها في اتصالها بها في معنى الصلاة الواحدة» (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التنفل بتيمم الفرض مطلقًا وبغير شروط، وذلك لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
ويؤيد هذا القول بأن الأدلة الشرعية اشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، ولم تشترط الاتصال والتأخير، فينبغي أن يستمر حكم التيمم حتى يجد الماء، أو يحدث ما يبطله، وذلك لأن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقدم مقام المبدل.
стр. 390
المطلب الثاني
ما يباح له بتيممه إذا نوى به
نافلة أو صلاة مطلقة
وفيه أربعة فروع:
الفرع الأول
حكم التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يتيمم لكل ما يتطهر له من نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والماليكة في المسافر والمريض مطلقًا، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (١).
القول الثاني: أنه لا يتيمم للنافلة استقلالاً وإنما يصح التيمم لها تبعًا للفرض، وهو قول المالكية في الحاضر الصحيح العادم للماء، ووجه للشافعية (٢).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له، بما يلي:
стр. 391
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله شرع التيمم لكل من عدم الماء، ولم يشترط اقتصاره على صلاة الفريضة فقط، فدل ذلك على أنه لا فرق بين أن يتيمم لفريضة، أو نافلة، أو مس مصحف.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ... » الحديث (١).
وجه الدلالة:
دل هذا الحديث ـ وغيره من الأحاديث الدالة على مشروعية التيمم ـ على جواز التيمم لكل من عدم الماء، وهذا عام في كل ما يمنع منه الحدث الأصغر، والأكبر، ولا فرق بين أن يتيمم للفريضة أو للنافلة.
ثالثًا: من المعقول:
١ ـ أن النفل، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة مما يستباح بطهارة الماء، فجاز أن يستباح بالتيمم، كالتيمم للمكتوبة (٢).
стр. 392
٢ ـ أنه لا فرق بين الفرائض والنوافل في شيء من أبواب الطهارت (١).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه لا يصح التيمم للنافلة استقلالاً، بما يلي:
أن التيمم طهارة ضرورة، والضرورة في الفرائض لا في النوافل (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
الوجه الأول: أن القول بأن التيمم طهارة ضرورة إن أريد به أن لا يفعل التيمم إلا عند تعذر الماء فهو مسلم، وإن أريد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجبًا، فإن هذا خلاف السنة والإجماع، بل يتيمم للواجب كالصلاة المكتوبة، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع، وقراءة القرآن، ومس المصحف (٣).
الوجه الثاني: أنه إذا كان لا يحتاج إلى إسقاط الفرض عن نفسه فإنه يحتاج إلى إحراز الثواب لنفسه، والحاجة إلى إحراز الثواب حاجة معتبرة، فيجوز أن يعتبر الطهارة لأجل النافلة، ولهذا اعتبرت طهارة المستحاضة في حق النوافل بلا خلاف، فكذا هاهنا (٤).
стр. 393
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم لكل ما يتطهر له، وذلك لما يلي:
١ ـ لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
٢ ـ مناقشة دليل القول الثاني.
٣ ـ أن النبي ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم لتحصيل مصلحة رد السلام فإن مشروعيته للنافلة استقلالاً ـ سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر ـ من باب أولى.
٤ ـ أن الشريعة الإسلامية قد دلت على أن التيمم طهور حال عدم الماء، فينبغي أن يعمل عمل الماء حتى يقوم دليل شرعي على خلاف ذلك.
стр. 394
الفرع الثاني
إذا نوى التيمم للنافلة فهل يصلي به نوافل أخرى ؟
ذكرنا فيما سبق الخلاف بين الفقهاء في حكم التيمم للنافلة، وسوف نذكر في هذا الفرع ما لو نوى بتيممه نافلة فهل يصلي به نوافل أخرى أم لا؟
اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، على جواز أن يصلي بتيممه هذا ما شاء من النوافل (١).
وأما المالكية فإنهم قالوا: من تيمم لفرض سواء كان حاضرًا صحيحًا أم لا، أو تيمم لنفل استقلالاً بأن كان مريضًا أو مسافرًا فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم ما شاء من النوافل بشرط اتصال هذه النوافل بالفرض وبين النوافل بعضها مع بعض، وأن لا يكثر النفل في نفسه جدًا بالعرف، فإن طال الفصل أعاد تيممه (٢).
واستدل الفقهاء على جواز أن يتنفل بتيمم واحد ما شاء من النوافل، بما يلي:
١ ـ أن النوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تنضبط (٣).
стр. 395
٢ ـ أن النوافل بني أمرها على التخفيف فيجوز فيها ترك القيام وترك استقبال القبلة، ويجوز فعلها على الراحلة (١).
٣ ـ أن النوافل لما كانت غير مؤقتة ولا منحصرة في تكرارها جعلت كالصلاة الواحدة (٢).
الترجيح:
والراجح ـ والله أعلم ـ في هذه المسألة أن من نوى بتيممه نافلة فإنه يجوز له أن يصلي به من النوافل ما شاء من غير عدد محصور، وأما اشتراط الاتصال وعدم كثرة النوافل ـ كما قالت المالكية ـ فلا يصح؛ لأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو من السنة يدل على اشتراط ذلك، بل الأدلة الشرعية دلت على أن التيمم بدل عن الماء، واشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، فإذا صح للمتوضئ للنافلة أن يصلي بوضوئه هذا ما شاء من النوافل من غير اشتراط الاتصال أو عدم كثرة النوافل فكذلك المتيمم للنافلة؛ إذ إن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل.
стр. 396
الفرع الثالث
إذا نوى التيمم لنافلة فهل يصلي به فريضة ؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، وهو قول المالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة.
القول الثاني: أنه يصلي الفريضة بتيمم النافلة، وهو قول الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
سبب الخلاف:
هل التيمم مبيح أو رافع؟
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
стр. 397
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن النية معتبرة في الاعتداد بالعمل شرعًا، وهذا لم ينو فرضًا، فلا يكون له أداؤه (١).
ثانيًا: من المعقول:
١ ـ أن الفرض أصل، والنفل تابع، فلا يكون المتبوع تابعًا (٢).
المناقشة:
نوقش بأن هذا يبطل بالوضوء؛ لأنا نجعل الفرض تبعًا للنفل، وإنما يجوز لأنه فعل ما يستباح به الصلاة (٣).
٢ ـ أن غير النفل غير منوي لا صريحًا ولا ضمنًا (٤).
٣ ـ أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء، فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع (٥).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن ذلك هو عين النزاع، والاستدلال بمحل النزاع لا يصح.
стр. 398
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز أن يصلي الفريضة بتيمم النافلة، بما يلي:
١. أنها طهارة وقعت للنفل فجاز أن تؤدى بها الفريضة، كالوضوء (١).
٢. أنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة (٢).
٣. أنه مسح أقيم مقام غسل، كمسح الخف (٣).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بجواز أن يصلي المتيمم الفريضة بتيمم النافلة، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولأن أدلة القول الأول مبنية على أن التيمم لا يرفع الحدث، وقد ذكرنا أن الراجح في هذه المسألة أن التيمم كالوضوء في رفع الحدث إلى أن يجد الماء.
стр. 399
الفرع الرابع
إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة
اختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه صلاة مطلقة، فهل يصلي الفرض والنفل؟ أو يصلي النفل دون الفرض؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يصلي به النفل دون الفرض، وهو قول المالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (١).
القول الثاني: أنه يصلي به الفرض والنفل، وهو قول الحنفية، وقول عند الحنابلة والشافعية (٢).
سبب الخلاف:
هل التيمم مبيح أو رافع؟
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن من نوى بتيممه صلاة مطلقة فإنه يصلي النفل دون الفرض، بما يلي:
١ ـ أن التعيين شرط في الفرض ولم يوجد، فأبيح له النفل؛ لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق (٣).
стр. 400
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه لا يشترط تعيين الفرض في الوضوء، والتيمم بدل عنه فيأخذ حكمه.
٢ ـ أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستبيح الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء، فإنه يرفع الحدث فاستباح الجميع (١).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل في الفرع الثالث، فلا داعي للتكرار.
٣ ـ قياسًا على ما إذا أحرم بالصلاة ولم يعين، فإنها تنعقد نفلاً لا فرضًا (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة لا يمكن أن يجمع فيها بين فرض ونفل بنية واحدة، فحملت على الأقل وهو النفل، بخلاف التيمم فيمكن الجمع في نيته بين فرض ونفل، فحملت الصلاة في نيته على جنس الصلاة وذلك يتناول الفرض والنفل (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز أن يصلي الفرض والنفل إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة، بما يلي:
стр. 401
١ ـ أن التيمم طهارة، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوضوء (١).
٢ ـ أنه نوى استباحة الصلاة، والصلاة اسم جنس يتناول الفرض والنفل، فيستبيحهما كما لو نواهما (٢).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بجواز أن يصلي الفرض والنفل إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة، وذلك لما يلي:
١ ـ قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.
٢ ـ مناقشة أدلة القول الأول.
٣ ـ أن الرسول ﷺ جعل التيمم رخصة لأمته ولم يفصل بين أن ينوي بالتيمم فرضًا أو نفلاً، أو صلاة مطلقة، كما لم يفصل ذلك في الوضوء، فيجب التسوية بينهما (٣).
стр. 402
المطلب الثالث
مراتب النية
مما تقدم يتضح أن الفقهاء قد اختلفوا في مسائل النية في التيمم، وهذا ما يجعلنا لزامًا أن نبين في هذا المطلب الضابط عند الفقهاء في مسألة مراتب النية وما يستباح بكل مرتبة، حتى يتبين لنا سبب الاختلاف بين الفقهاء في مسائل النية في التيمم، ومعرفة القاعدة التي مشى عليها كل مذهب في مراتب النية، وبيان ذلك كالآتي:
فمراتب النية عند الحنفية على مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن ينوي المتيمم عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، كالصلاة وقراءة القرآن، أو ينوي الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة.
ويستبيح بهذه المرتبة جميع الفرائض والنوافل وكل ما يتطهر له.
المرتبة الثانية: أن ينوي عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة، أو ينوي عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم للسلام ورده، أو زيارة القبور، أو ينوي ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد، ومس المصحف.
فمن نوى بتيممه شيئًا من هذه المرتبة فإن تيممه يصح ولكن لا يستبيح به الصلاة (١).
стр. 403
وأما مراتب النية عند المالكية فعلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن ينوي بتيممه الفرض فإنه يجوز له أن يستبيح به غيره من النوافل لا فرضًا آخر، واشترطوا لصحة استباحة النوافل الاتصال والتأخير، فإن طال الفصل أو تقدمت النوافل على الفرض فإنه يلزمه إعادة التيمم.
المرتبة الثانية: أن ينوي بتيممه النفل استقلالاً بأن كان مريضًا أو مسافرًا فإنه يجوز له فعل ما شاء من النوافل، سواء تقدم ذلك النفل المقصود أو تأخر، واشترطوا اتصال النوافل بعضها ببعض، وأن لا تكثر جدًا (١).
وأما مراتب النية عند الشافعية، فعلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن ينوي استباحة فرض الصلاة ولو منذورة، أو ينوي استباحة فرض الطواف، أو استباحة خطبة الجمعة، أو ما أشبه ذلك.
المرتبة الثانية: أن ينوي استباحة نفل الصلاة، أو استباحة الصلاة مطلقًا، أو نفل الطواف، أو صلاة الجنازة، أو ما أشبه ذلك.
المرتبة الثالثة: أن ينوي استباحة ما عدا ذلك، كنية استباحة مس المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو قراءة القرآن من الجنب ونحوه.
فإذا نوى واحدًا من المرتبة الأولى استباح واحدًا منها فقط، إما الذي نواه، وإما غيره بدلاً عنه، واستباح معه جميع الثانية والثالثة ولو مكررًا.
стр. 404
وإذا نوى واحدًا من المرتبة الثانية استباح جميع ما فيها ولو مكررًا، وجمع ما في الثالثة دون شيء من الأولى.
وإذا نوى شيئًا من المرتبة الثالثة استباحها كلها، دون الأولى والثانية (١).
وأما القاعدة عند الحنابلة في مراتب النية فهي: أن من نوى استباحة شيء تشترط له الطهارة استباحه ومثله ودونه، لا ما هو أعلى منه.
فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلاً، فله فعلها وفعل مثلها كفائتة؛ لأنها في حكم صلاة واحدة، واستباح أيضًا دون ما نواه، كالنفل في المثال؛ لأنه أخف، ونية الفرض تتضمنه.
وإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف؛ لأن النافلة آكد من ذلك كله؛ لأن الطهارتين مشترطتان لها بالإجماع، وفي اشتراطهما لما سواها خلاف، فيدخل الأدنى في الأعلى، كدخول النافلة في الفريضة، ولأن النفل يشتمل على قراءة القرآن، فنية النفل تشتمله.
وإن نوى قراءة القرآن، أو مس المصحف، أو الطواف لم يبح له التنفل بالصلاة؛ لأنه أدنى، فلا يستبيح الأعلى بنيته، كالفرض من النفل، وهكذا (٢).
стр. 405
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الحنفية، وذلك لأن التيمم كالوضوء يرفع الحدث، وإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو القول الراجح كما سبق بيانه في مبحث: نوع بدلية التيمم (١).
وأما مراتب النية عند الجمهور فهي مبنية على القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولهذا نجدهم قد ذكروا من المسائل والشروط في نية التيمم ما كنا في غنية عنه لو أخذوا بالقول الراجح، وقد سبق بيان بعض هذه المسائل والشروط، وسنذكر البعض الآخر في المبحثين التاليين.
ثم إن في مذهب الحنفية من اليسر والسعة ورفع الحرج عن المكلف ما يوافق الحكمة التي من أجلها شُرع التيمم.
стр. 406
المبحث السادس
حكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم
اختلف الفقهاء في حكم من عدم الماء وأراد الجمع بين الصلاتين بالتيمم، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ على قولين (١).
القول الأول: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقول المالكية، والمشهور عند الشافعية، وهو قول الحنابلة (٢).
القول الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، وهو وجه للشافعية (٣).
دليل القول الأول:
استدل القائلون بجواز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، بما يلي:
أن طهارة التيمم طهارة صحيحة، فجاز للمتيمم الجمع بين الصلاتين كالوضوء (٤).
стр. 407
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز الجمع بين الصلاتين، بما يلي:
أن الصلاة الثانية تفتقر إلى تيمم واحد، والتيمم يفتقر إلى طلب، والطلب يقطع الجمع بين الصلاتين، ومن شرطه الموالاة (١).
المناقشة:
نوقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أن التفريق بالطلب بين الصلاتين لا يضر؛ لأنه خفيف (٢).
الوجه الثاني: أن ما يمنع الفصل بين الصلاتين إذا كان الفصل لا لأجل مصلحة الصلاة، وأما إذا كان الفصل لأجل مصلحة الصلاة فإنه لا يمنع الجمع (٣).
الوجه الثالث: أنه إذا جاز أن يفصل بين الصلاتين المجموعتين بالإقامة ـ وليست بشرط ـ فالتيمم الذي هو شرط أولى (٤).
الوجه الرابع: أن الطلب الثاني يكون دون الطلب الأول، وهذا لا يؤثر في الجمع (٥).
стр. 408
المبحث السابع
حكم اشتراط النية في الحدث
الأصغر أو الأكبر
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم تعيين نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر.
المطلب الثاني: اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها عند النسيان.
المطلب الثالث: إذا نوى الحدثين بتيمم واحد.
стр. 409
المطلب الأول
حكم تعيين نية ما يتيمم عنه
من حدث أصغر أو أكبر
للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين، وإنما يكفي نية استباحة الصلاة ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وبه قال الشافعية (١).
القول الثاني: أنه يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين، فينوي بتيممه هذا الحدث أو ذاك، وهو قول الجصاص من الحنفية (٢)، وقول الحنابلة (٣).
القول الثالث: أنه في الحدث الأصغر لا يشترط فيه التعيين، وأما في الحدث الأكبر فيشترط التعيين، وهو المشهور عند المالكية (٤).
стр. 410
دليل القول الأول:
استدل القائلون بعدم اشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، بما يلي:
أن التيمم طهارة، فلا تلزم نية أسبابها، كطهارة الماء (١).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون باشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، بما يلي:
٣٦ ـ أن التيمم عن الأحداث يقع على صفة واحدة، فلابد من التمييز بالنية، كما في صلاة الفرض أنه لابد فيها من نية الفرض؛ لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة (٢).
المناقشة:
نوقش بأن الحاجة إلى النية ليقع التيمم طهارة، فإذا وقع طهارة جاز له أن يؤدي ما شاء؛ لأن الشروط يراعى وجودها لا غير، فكيفما وجدت تعلق بها الحكم من غير اشتراط أي تعيين، بخلاف الصلوات فلابد فيها من التعيين (٣).
٣٧ ـ أن التيمم لا يرفع حدثًا، وإنما تستباح به الصلاة ونحوها، فلم يكن بد من نية التعيين فيه تقويةً لضعفه (٤).
стр. 411
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه استدلال بمحل النزاع، فلا يصح.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم اشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.
стр. 412
المطلب الثاني
اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها
عند النسيان
اتفق الفقهاء على أن من اجتمع عليه حدث أكبر وأصغر وعدم الماء فإنه يكفيه أن يتيمم لهما تيممًا واحدًا متى ما نواهما (١).
واختلفوا فيما لو نوى أحدهما دون الآخر كأن يتيمم للحدث الأصغر ناسيًا حدثه الأكبر أو العكس، فهل يجزئه ذلك التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وبه قال الشافعية (٢).
القول الثاني: أنه لا يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنابلة (٣).
القول الثالث: أنه إذا نوى بتيممه الحدث الأكبر أجزأ عن الأصغر، ولو نوى الحدث الأصغر لم يجزئ عن الأكبر، وهو المشهور عند المالكية (٤).
سبب الخلاف:
يرجع سبب الاختلاف في هذه المسألة إلى اختلاف الفقهاء في مسألة: هل
стр. 413
يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين أم لا؟ فمن اشترط التعيين قال بعدم إجزاء الحدث الأكبر بنية الأصغر أو العكس، ومن لم يشترط التعيين قال بالإجزاء، ومن اشترط التعيين في الحدث الأكبر قال بعدم إجزاء الأصغر عن الأكبر دون العكس.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بالإجزاء، بما يلي:
١ ـ أنه لما كان الحدث الأصغر والأكبر يستويان في منعهما من الصلاة، ويستويان في صفة رفعهما، أو استباحة الصلاة منهما بالتيمم، ناب التيمم لواحد منهما عن التيمم للآخر، كما لو اجتمع على المرأة جنابة وحيض، فإنه نية أحدهما تنوب عن الآخر (١).
المناقشة:
نوقش بأن حكم الجنابة والحيض واحد وهو الحدث الأكبر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم (٢).
٢ ـ أن المقصود بالطهارة هو ارتفاع المانع من الصلاة، وقد حصل بالتيمم، فوجب إباحة الصلاة به ولا عبرة باختلاف الأسباب من كون المانع أصغر أو أكبر (٣).
стр. 414
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه تعليل غير وجيه؛ لأن من نوى بتيممه استباحة الصلاة مطلقًا فإن حدثه يرتفع، لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدثين، وإنما الخلاف فيما لو عين النية لأحد الحدثين، فنسلم بإجزاء الأكبر عن الأصغر ولكن لا نسلم بإجزاء الأصغر عن الأكبر، لأنه إذا كان الوضوء الذي يرفع الحدث باتفاق لا يجزئ عن الغسل فالتيمم الذي هو بدله من باب أولى.
٣ ـ أن هيئة التيمم في الحدثين واحدة، وهي مسح الوجه واليدين، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى، كالبول والغائط (١).
المناقشة:
نوقش بأن القياس على البول والغائط قياس مع الفارق؛ لأن حكم البول والغائط واحد وهو الحدث الأصغر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم الإجزاء، بما يلي:
стр. 415
أولاً: من السنة:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
وجه الدلالة:
أن من نوى أحد الحدثين أجزئه عنه دون ما لم ينوه؛ لأن لكل امرئ ما نوى (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المقصود من الحديث الثواب الأخروي.
ثانيًا: من المعقول:
١ ـ أن سبب الجنابة والحدث مختلف، فلم تجزئ نية أحدهما عن الأخرى كالحج والعمرة (٣).
المناقشة:
نوقش من وجهين (٤):
الوجه الأول: أن كونهما سببين مختلفين، لا يمنع من تداخلهما في النية كاجتماع تحية المسجد والفريضة، فإن سببهما مختلفان، ومع ذلك تداخلا في الأفعال والنية، فتكفي الفريضة عن التحية وإن لم ينوها.
стр. 416
الوجه الثاني: أن القياس على الحج والعمرة لا يصح؛ لأن صفتهما مختلفة، بخلاف صفة الطهارة من الجنابة والحدث في التيمم فإن صفتهما واحدة.
٢ ـ أنهما طهارتان، فلم تقع إحداهما بنية الأخرى (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه استدلال بمحل النزاع، والاستدلال بمحل النزاع لا يصح.
أدلة القول الثالث:
استدل المالكية على التفصيل بما يلي:
أن المتيمم إذا نوى الجنابة فإن التيمم حينئذ يكون بدلاً عن الغسل، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن الكل ينوب عن البدل عن البعض، وهو التيمم للحدث الأصغر.
وأما إذا نوى بتيممه الحدث الأصغر، فإن التيمم حينئذ يكون بدلاً عن الوضوء، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن البعض لا ينوب عن البدل عن الكل، وهو التيمم للحدث الأكبر (٢).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بالتفصيل، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، وما جرى من مناقشة القول الأول والثاني.
стр. 417
المطلب الثالث
إذا نوى الحدثين بتيمم واحد
وفيه فرعان:
الفرع الأول
إذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو أحد أسباب أحدهما
اتفق الفقهاء على أن التيمم للحدثين متى ما نواهما المتيمم كفاه تيمم واحد، واختلفوا فيما لو تنوعت أسباب أحد الحدثين، فنوى بتيممه أحد أسباب الحدث الأكبر أو الأصغر، فهل يجزئ هذا التيمم عن الجميع أو يجزئ عما نواه فقط؟ وذلك على قولين (١).
القول الأول: أنه يجزئ عن الجميع، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه لا يجزئه عن الجميع، بل يحصل له ما نواه فقط، وهو وجه عند الحنابلة.
أدلة القول الأول:
١٠ ـ أنه لما كانت تلك الأحداث من جنس واحد، كان حكمها واحدًا، فحصل بعضها بنية البعض الآخر (٢).
стр. 418
١١ ـ أن نية النظير تغني في ذلك عن نية نظيره، بدليل أنه لو عين فرضًا أو نفلاً استباح نظيره (١).
١٢ ـ أن نية أحدهما نية استباحة موانعه، وهي موانع الآخر بعينها، فاكتفي بنية واحدة (٢).
أدلة القول الثاني:
استدلوا بأن التيمم مبيح وليس برافع، فلا يستبيح به المحدث إلا ما نواه، ولذلك لا يبيح الفرض بنية النفل (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث محل خلاف، والاستدلال بمحل الخلاف لا يصح.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه إذا تنوعت أسباب أحد الحدثين ونوى الاستباحة من أحدها أجزأ التيمم عن الجميع، وذلك لقوة أدلتهم، ومناقشة دليل القول الثاني.
стр. 419
الفرع الثاني
إذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو نوى الأكبر
ثم أحدث حدثاً أصغر
اختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه الجنابة والحدث بتيمم واحد ثم أحدث حدثًا أصغر، أو نوى الحدث الأكبر ثم أحدث حدثًا أصغر، فهل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط ولا يعود جنبًا أو يبطل تيممه للحدث الأصغر والأكبر ويعود جنبًا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يعود جنبًا بل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
واستدلوا على ذلك بالقياس على من اغتسل ونوى الطهارتين، أو نوى الطهارة الكبرى ثم أحدث حدثًا أصغر، فإنه تبطل طهارته الصغرى فقط دون الكبرى، فكذلك هاهنا، فإن التيمم نائب عن الغسل، وإذا كان الحدث لا يبطل الغسل فلا يُبطل ما ناب عنه (٢).
القول الثاني: أنه يعود جنبًا فيبطل تيممه للحدث الأصغر والأكبر، وهو قول المالكية (٣).
стр. 420
ولم أجد لهم دليلاً غير أنه قول مبني على المشهور من مذهبهم في أن التيمم لا يرفع الحدث.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأن من نوى الحدثين بتيمم واحد أو نوى الأكبر ثم أحدث حدثًا أصغر فإن تيممه يبطل للحدث الأصغر فقط، وذلك لقوة دليلهم، ولأن القول الثاني مبني على القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد سبق مناقشة هذا القول وأن التيمم كطهارة الماء في رفع الحدث (١).
وحتى على فرض التسليم بأن التيمم لا يرفع الحدث فإن قول المالكية هذا لا يصح؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي يدل عليه، ولم أقف على دليل يدل على ما ذكروه.
стр. 421
الشرط الثاني
الإسلام
اتفق جمهور الفقهاء على أن الإسلام شرط في صحة التيمم، وذلك لأن التيمم عبادة فلا يصح تيمم الكافر، وإن أراد به الإسلام ثم أسلم (١).
وخالف في ذلك أبو يوسف من الحنفية فقال: إذا تيمم الكافر بنية الإسلام أو الطهر فله أن يصلي بعد الإسلام بهذا التيمم، وإن تيمم بنية الصلاة لم يصح، وعلل ما ذهب إليه بأن الكافر من أهل نية الإسلام، ونية الإسلام نية قربة فإذا اقترن بالتيمم نية القربة صح منه كما يصح من المسلم، بخلاف ما إذا تيمم للصلاة لأنه ليس من أهل الصلاة، فكان تيممه للصلاة سفهًا فلا يعتبر به (٢).
المناقشة:
نوقش من وجهين (٣):
الوجه الأول: أن الكافر ليس بأهل للنية والتيمم لا يصح بغير النية، ونية الإسلام لا تعتبر في التيمم وإنما تعتبر نية قربة ونية القربة لا تصح إلا
стр. 422
بالطهارة، ولهذا لو تيمم المسلم بنية الصوم لم تصح نيته، وإن كان الصوم عبادة فكذا هاهنا.
الوجه الثاني: أن إصرار الكافر على كفره إلى أن يفرغ من التيمم من أعظم العصيان فكيف يصح معه نية القربة.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل باشتراط الإسلام لصحة التيمم فلا يصح التيمم من الكافر حتى لو نوى بتيممه الإسلام، وذلك لضعف قول أبي يوسف لما جرى من مناقشته، ولما يلي:
٧ ـ أن الكافر ليس من أهل العبادات، وطهارة التيمم عبادة مشروعة.
٨ ـ أن النية شرط في التيمم، وهي لا تصح من الكافر؛ لأنه ليس بأهل للنية (١).
٩ ـ أن الكافر يجب عليه الإسلام أولاً ثم يأتي بعد ذلك بما شرعه الله .
стр. 423
الشرط الثالث
التكليف
اتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم أن يكون المتيمم أهلاً للطهارة بأن يكون عاقلاً بالغًا، فلا يصح تيمم المجنون ولا الصبي الذي لا يميز، وذلك لأنه ليس لهما نية صحيحة، وأما الصبي المميز فيصح منه التيمم ولا يجب عليه؛ لكونه غير مكلف (١).
والمميز هو الذي بلغ سن التمييز، وهي تلك السن التي إذا انتهى إليها الصغير عرف مضاره ومنافعه (٢).
واعتبار العقل والتمييز شرط لصحة العبادة أمر متفق عليه عند الفقهاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يمييز فأقواله كلها لغو في الشرع، فلا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين» (٣).
стр. 424
وقال ابن نجيم (١): «فلا تصح عبادة صبي غير مميز ولا مجنون» (٢).
والمميز تصح عبادته ولا تجب عليه؛ لأن من شرط التكليف البلوغ وهو ليس ببالغ، فالبلوغ شرط لوجوب التيمم، والتمييز شرط لصحته.
стр. 425
الشرط الرابع
انقطاع دم الحيض والنفاس
اتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم انقطاع ما ينافي التيمم من نحو حيض ونفاس وحدث وغير ذلك من نواقض الوضوء أو موجبات الغسل، كما هو شرط بدله (١).
وعلى هذا إذا كان التيمم عن الوضوء فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من نواقض الوضوء، وإن كان عن حدث أكبر فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من حدث أكبر.