الشرط الثاني
الإسلام
اتفق جمهور الفقهاء على أن الإسلام شرط في صحة التيمم، وذلك لأن التيمم عبادة فلا يصح تيمم الكافر، وإن أراد به الإسلام ثم أسلم (١).
وخالف في ذلك أبو يوسف من الحنفية فقال: إذا تيمم الكافر بنية الإسلام أو الطهر فله أن يصلي بعد الإسلام بهذا التيمم، وإن تيمم بنية الصلاة لم يصح، وعلل ما ذهب إليه بأن الكافر من أهل نية الإسلام، ونية الإسلام نية قربة فإذا اقترن بالتيمم نية القربة صح منه كما يصح من المسلم، بخلاف ما إذا تيمم للصلاة لأنه ليس من أهل الصلاة، فكان تيممه للصلاة سفهًا فلا يعتبر به (٢).
المناقشة:
نوقش من وجهين (٣):
الوجه الأول: أن الكافر ليس بأهل للنية والتيمم لا يصح بغير النية، ونية الإسلام لا تعتبر في التيمم وإنما تعتبر نية قربة ونية القربة لا تصح إلا
стр. 422
بالطهارة، ولهذا لو تيمم المسلم بنية الصوم لم تصح نيته، وإن كان الصوم عبادة فكذا هاهنا.
الوجه الثاني: أن إصرار الكافر على كفره إلى أن يفرغ من التيمم من أعظم العصيان فكيف يصح معه نية القربة.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل باشتراط الإسلام لصحة التيمم فلا يصح التيمم من الكافر حتى لو نوى بتيممه الإسلام، وذلك لضعف قول أبي يوسف لما جرى من مناقشته، ولما يلي:
٧ ـ أن الكافر ليس من أهل العبادات، وطهارة التيمم عبادة مشروعة.
٨ ـ أن النية شرط في التيمم، وهي لا تصح من الكافر؛ لأنه ليس بأهل للنية (١).
٩ ـ أن الكافر يجب عليه الإسلام أولاً ثم يأتي بعد ذلك بما شرعه الله .
стр. 423
الشرط الثالث
التكليف
اتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم أن يكون المتيمم أهلاً للطهارة بأن يكون عاقلاً بالغًا، فلا يصح تيمم المجنون ولا الصبي الذي لا يميز، وذلك لأنه ليس لهما نية صحيحة، وأما الصبي المميز فيصح منه التيمم ولا يجب عليه؛ لكونه غير مكلف (١).
والمميز هو الذي بلغ سن التمييز، وهي تلك السن التي إذا انتهى إليها الصغير عرف مضاره ومنافعه (٢).
واعتبار العقل والتمييز شرط لصحة العبادة أمر متفق عليه عند الفقهاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يمييز فأقواله كلها لغو في الشرع، فلا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين» (٣).
стр. 424
وقال ابن نجيم (١): «فلا تصح عبادة صبي غير مميز ولا مجنون» (٢).
والمميز تصح عبادته ولا تجب عليه؛ لأن من شرط التكليف البلوغ وهو ليس ببالغ، فالبلوغ شرط لوجوب التيمم، والتمييز شرط لصحته.
стр. 425
الشرط الرابع
انقطاع دم الحيض والنفاس
اتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم انقطاع ما ينافي التيمم من نحو حيض ونفاس وحدث وغير ذلك من نواقض الوضوء أو موجبات الغسل، كما هو شرط بدله (١).
وعلى هذا إذا كان التيمم عن الوضوء فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من نواقض الوضوء، وإن كان عن حدث أكبر فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من حدث أكبر.
стр. 426
الشرط الخامس
إزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم
من الشروط التي اشترطها الفقهاء في المتيمم أن لا يكون على العضو حائل يحول بين المسح وبين البشرة، كالدهن والشمع وما أشبه ذلك (١).
وعللوا ذلك بأن المسح يقع على الحائل لا على البشرة (٢).
стр. 427
الشرط السادس
طلب الماء وإعوازه بعد الطلب
وإنما يشترط هذا الشرط لمن يتيمم لعذر عدم وجود الماء، وقد اتفق الفقهاء في اعتبار طلب الماء شرطًا لصحة التيمم، وذلك في حالة ما إذا كان المتيمم على طمع من وجود الماء.
وأما إذا كان المتيمم على شك من وجود الماء فقد وقع الخلاف في هذه الحالة بين الجمهور والحنفية، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مبحث: طلب الماء قبل التيمم (١).
واتفق الفقهاء أيضًا على أنه يشترط لصحة التيمم إعواز (٢) الماء بعد الطلب (٣)، وقد حكى الاتفاق على ذلك ابن قدامة (٤).
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
стр. 428
ثانيًا: من السنة:
قوله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (١).
وجه الدلالة:
في الآية والحديث دليل على أنه يشترط لصحة التيمم عدم الماء.
ثالثًا: من المعقول:
أن التيمم طهارة ضرورة، فلا يجوز إلا عند الضرورة، ومع وجود الماء لا ضرورة (٢).
стр. 429
الشرط السابع
دخول الوقت
اتفق جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، على أنه يشترط لصحة التيمم دخول وقت الصلاة المتيمم لها، فلا يصح التيمم قبل دخول الوقت.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط دخول الوقت لصحة التيمم، بل الأوقات كلها وقت للتيمم، فيجوز التيمم بعد دخول وقت الصلاة وقبل دخوله.
وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مبحث: وقت التيمم (١).
стр. 430
الشرط الثامن
التيمم بالصعيد
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: حكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض.
المبحث الثاني: التيمم على الخشب والزرع والحشيش.
المبحث الثالث: التيمم على الثلج.
المبحث الرابع: التيمم بالتراب المختلط بغيره.
المبحث الخامس: حكم التيمم بالطين المحترق.
المبحث السادس: التيمم بالأرض النجسة.
المبحث السابع: حكم التيمم بالتراب المستعمل.
المبحث الثامن: حكم التيمم بالتراب المغصوب.
стр. 431
المبحث الأول
حكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التيمم بغير التراب.
المطلب الثاني: حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم.
المطلب الثالث: حكم التيمم بغبار اللبد ونحوه.
стр. 432
المطلب الأول
التيمم بغير التراب
أجمع العلماء على جواز التيمم بالتراب الطاهر (١)، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا من شذ منهم» (٢).
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز» (٣).
ومستند الفقهاء على جواز التيمم بالتراب حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فضلنا على الناس بثلاث: وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (٤).
وإذا ثبت إجماع العلماء على جواز التيمم بالتراب فإنهم اختلفوا في حكم التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، وبما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها (٥)، من تراب، أو رمل (٦)، أو حجر، أو
стр. 433
جص (١)، أو نورة (٢)، أو زرنيخ (٣)، أو غير ذلك، وبذلك قال الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة إذا لم يجد ترابًا، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، وبذلك قال أبو يوسف من الحنفية، وابن شعبان من المالكية، وهو قول الشافعية والحنابلة (٥).
القول الثالث: أنه يجوز التيمم بالتراب والرمل دون غيرهما، وهو قول لأبي يوسف من الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٦).
стр. 434
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين (١):
الأول: اختلاف الفقهاء في المراد من الصعيد (٢) الطيب في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، فإن اسم الصعيد مشترك في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الطاهرة، فمن قال باختصاصه بما على جميع أجزاء الأرض، ذهب إلى جواز التيمم بكل ما كان من أجزاء الأرض سواء كان ترابًا أو غيره.
ومن قال بأن المراد من لفظ الصعيد في الآية هو التراب، ذهب إلى عدم جواز التيمم بما عدا التراب من أجزاء الأرض.
الثاني: أنه قد ورد حديث عام وهو قول النبي ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣)، وهناك من قال عن هذا الحديث بأنه مطلق، وجاءت رواية أخرى لهذا الحديث وقد ورد فيها: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا» (٤)، فجعل البعض هذه الرواية مخصصة للحديث
стр. 435
السابق، وجعلها الآخرون مقيدة له، وهؤلاء القائلون بالتخصيص أوالتقييد، هم الذين ذهبوا إلى عدم جواز التيمم بما عدا التراب من أجزاء الأرض.
وأما القائلون بجواز التيمم بكل ما كان من أجزاء الأرض أبقوا الحديث على عمومه، ولم يقبلوا دعوى التخصيص أو التقييد.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
ثانيًا: من السنة:
حديث عمران بن حصين ﵁ وفيه قوله ﷺ : «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (١).
وجه الدلالة من الآية والحديث:
في الآية والحديث دليل على جواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، وذلك لأن الصعيد هو كل ما يصعد على وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وهذا منقول أئمة اللغة (٢)، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به، إلا ما خصه الدليل (٣).
стр. 436
المناقشة:
نوقش بعدم اختصاص الصعيد بما تصاعد على الأرض، بل هو لفظ مشترك يطلق على وجه الأرض وعلى التراب وعلى الطريق، وإذا كان كذلك لم يخص بأحد الأنواع إلا بدليل، وقد دل الدليل الشرعي على تخصيص التيمم بالتراب كما في حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا» (١)، فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه (٢).
الجواب:
أجيب من وجهين:
الوجه الأول: أن الاسم المشترك إذا جمع المسميات بمعنى واحد جاز حينئذ استعماله في معانيه، كالأخ الذي يتناول الإخوة المختلفين لاجتماعهم في معنى واحد، وهو الانتساب إلى أحد الأبوين، كذلك الصعيد فيما تصاعد (٣).
الوجه الثاني: أن القول بأن حديث حذيفة ﵁ قد خصص التيمم بالتراب لا يصح، وذلك لما يلي:
стр. 437
٥ ـ أنه قول يحتاج إلى دليل (١).
٦ ـ أن حديث حذيفة ﵁ ليس من باب التخصيص أو التقييد، وإنما من باب النص على بعض أشخاص العموم كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فخص النخل والرمان في الآية الأولى من بين الفاكهة وهذا لا يخرجهما عن كونهما من الفاكهة، وخص جبريل وميكائيل في الآية الثانية من بين الملائكة، وهذا لا يخرجهما عن كونهما من الملائكة، فكذلك حديث حذيفة ﵁، وذلك لأن شرط المخصص أن يكون منافيًا، والتراب ليس بمناف للصعيد؛ لأنه بعض منه، فالنص عليه في حديث علي (٢) وحذيفة لبيان أفضليته على غيره لا لأنه لا يجزئ غيره (٣).
٧ ـ أنه يمكن الجمع بين حديث حذيفة ﵁ «وجعلت تربتها لنا طهورًا» وحديث: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وذلك بأن نحمل
стр. 438
المقيد على تقييده فيدل على جواز التيمم بالتراب، ونحمل المطلق على إطلاقه فيدل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض (١)، إذ ليس في قوله: «وتربتها لنا طهورًا» نفي لغيره (٢).
ثانيًا: من السنة:
٩ ـ حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (٣).
وجه الدلالة:
أن الحديث يفيد العموم فأي بقعة من الأرض جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم منها، فلا يجوز تخصيص التيمم وتقييده بالتراب (٤).
المناقشة:
نوقش بأن حديث جابر ﵁ عام مطلق، وقد ورد ما يخصص عمومه، ويقيد إطلاقه بالتراب، كما في حديث حذيفة ﵁ وفيه: « ... وجعلت تربتها لنا طهورًا»، فدل ذلك على أن المقصود بالأرض ترابها (٥).
стр. 439
الجواب:
هذه المناقشة قد وردت على الاستدلال بالدليل الأول، وأجيب عنها في الوجه الثاني، ويجاب عنها هنا بما أجيب هناك (١).
١٠ ـ حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نكون في الرمل وفينا الحائض والجنب والنفساء، ولا نجد الماء أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فقال النبي ﷺ : «عليكم بالأرض» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم بكل ما كان من الأرض (٣).
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (٤).
стр. 440
٣٨ ـ حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم بغير التراب لأنه ﵊ تيمم بالجدار، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب إذ لا تراب على الجدار (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه محمول على جدار عليه تراب (٣)، ولهذا جاء في رواية الشافعية لهذا الحديث أن النبي ﷺ حت الجدار بالعصا (٤).
الجواب:
يمكن أن يجاب بأن الجدار إذا كان من حجر فإنه لا يحتمل التراب؛ لأنه لا يثبت عليه، خصوصًا وحيطان المدينة من حجارة سوداء (٥). وأما رواية الحت، فهي ضعيفة (٦).
стр. 441
٣٩ ـ حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما على وجهك وكفيك» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن التيمم لا يختص بتراب ذي غبار يعلق بالعضو، وأن المقصود هو وضع اليد على ما كان من الأرض، بدليل أن النبي ﷺ نفخ في يديه ليتناثر ما عليها من تراب (٢).
المناقشة:
نوقش بأن هذه قضية في عين، وحكاية حال، فيحتمل أنه قصد أن يبين مقدار ما يمسح من أعضائه لأنه أخبره أنه تمعك في التراب، ولم يكن قصده الطهارة والصلاة، ويحتمل أنه صعد على يديه تراب كثير فخففه بالنفخ وذلك جائز فلم يكن فيه حجة (٣).
الجواب:
أجيب بأن هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان
стр. 442
الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، ثم إن النبي ﷺ قال له: «ثم تنفخ» ولم يفصل له صفة النفخ، وقد ثبت أيضًا عن النبي ﷺ أنه نفض يديه (١)، فدل ذلك على أنه ليس المقصود حصول التراب في وجهه ويديه (٢).
ثالثًا: من المعقول:
أن ما سوى التراب من الأرض أسوة بالتراب في كونه مكان الصلاة فكذلك في كونه طهورًا (٣).
أن هذه الأجزاء طاهرة من الأرض لم تتغير عن جنس الأصل فجاز التيمم بها قياسًا على التراب (٤).
المناقشة:
نوقش بأن القياس على التراب منتقض بالفضة والذهب، فإنه لا يصح التيمم عليهما (٥).
الجواب:
أجيب بالمنع؛ وذلك لأنه ينبغي التفريق بين ما هو من جنس الأرض وما
стр. 443
كان من غير جنسها، فكل ما لا يلين ولا ينطبع (١) بالنار كالجص والنورة والزرنيخ فهو من جنس الأرض، وكل ما يلين وينطبع كالحديد والنحاس والذهب والفضة ونحوها فليس من جنس الأرض؛ لأن من طبع الأرض أن لا تلين بالنار (٢).
ويؤيد هذا أن الذهب والفضة لا يوجد فيها التفتت والغبار كالجص ونحوه، فدل ذلك على أنها من غير جنس الأرض، وإنما هما من الجواهر المودوعة في الأرض (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
في الآية دليل على أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، وذلك من وجهين:
стр. 444
الوجه الأول: أن الله أمر بالتيمم الصعيد وهو التراب كما فسره ابن عباس ﵄ بذلك حيث قال: «أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث» (١).
المناقشة:
نوقش بأن الصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، أي تصبح أرضًا ملساء لا شيء فيها، ولا يقال تراب زلق (٢).
وأما تفسير ابن عباس ﵄ للصعيد بأنه تراب الحرث فهو تفسير بالأغلب (٣)، ثم إنه ليس في تفسير ابن عباس ﵄ ما يدل على تخصيص الصعيد بالتراب؛ لأن قوله: «أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث»، يفيد أن غير أرض الحرث يسمى صعيدًا، لكن أرض الحرث أطيب منها (٤).
стр. 445
الوجه الثاني: أن الله أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي ببعضه، ولا يحصل المسح بشيء منه إلا أن يكون ذا غبار يعلق باليد (١).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ في الآية ليست دالة على التبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، فيكون ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه، فيمسح من وقت الضرب لا قبله (٢).
الجواب:
أجيب بالمنع؛ وذلك لأن (من) في حقيقة الوضع للتبعيض، فإنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسح برأسه من الدهن، إلا معنى التبعيض، وأما القول بأن ابتداء الفعل بالأرض فلا يصح؛ لأن ابتداء المسح بإمرار اليد على الوجه لا بالأخذ من الأرض (٣).
стр. 446
اعتراض:
اعترض بأنه على فرض التسليم بأن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ في الآية دالة على التبعيض فإن المراد بـ ﴿مِنْهُ﴾ الموضع الطاهر من الأرض أو مما تصاعد من الأرض، فإن الهاء كناية عن الصعيد، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرمل والجص وغير ذلك (١).
الوجه الثاني: أن آية التيمم في سورة النساء ليس فيها كلمة ﴿مِنْهُ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فدل ذلك على عدم اشتراط أن يعلق التراب باليد (٢).
ثانيًا: من السنة:
حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله، نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الغيب، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم» (٣).
حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا» (٤).
стр. 447
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النبي ﷺ عم الأرض بحكم المسجد، وخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، إذ لو كان غير التراب طهورًا لذكره فيما منَّ الله به عليه (١).
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بما أجيب به في الوجه الثاني على مناقشته الاستدلال بدليل الكتاب من أدلة أصحاب القول الأول (٢).
ثالثًا: من المعقول:
أن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم ثبت أنها في المائع تختص بأعم المائعات وجودًا وهو الماء، فكذلك في الجامد يجب أن تختص بأعم الجامدات وجودًا وهو التراب (٣).
المناقشة:
نوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن الطهارة بالمائع تعلقت بجنس يجوز منه ما يعم وجوده وما لا يعم وجوده، كماء الشجر، وماء زمزم، وكذلك بالجامد، فتعلق بما يعم وبما لا يعم (٤).
стр. 448
الوجه الثاني: أن التيمم قد تعلق بما يعم وجوده وما لا يعم وجوده، فكان أوسع من الأصل الذي يتعلق بنوع واحد، وما شرع التيمم إلا عند الضرورة، فيجوز أن يتسع لأجل الضرورة (١).
الوجه الثالث: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (٢).
أو نقول: إن هذه العبادة غير معقولة المعنى فلا قياس فيها.
أن غير التراب جوهر مستودع في الأرض فلم يجز التيمم به كالفضة والذهب (٣).
المناقشة:
نوقش بما أجيب به على مناقشة دليل المعقول من أدلة القول الأول.
أن الله إنما نقلنا عن الماء عند عدمه وتعذره إلى ما هو أيسر وجودًا وأهون فقدًا، والكحل والزرنيخ أعز في أكثر الأحوال وجودًا من الماء، فلم يجز أن ننتقل عن الأهون إلى الأعز (٤).
стр. 449
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأنه ليس المقصود استعمال الكحل أو الزرنيخ بخصوصه، بل المقصود جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض، وفي ذلك نفي للحرج عن الناس؛ لأن تكليف الناس استعمال التراب بخصوصه في الأرض الرملية والجبلية مشقة وحرج كبير.
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بجواز التيمم بالتراب والرمل دون غيرهما، بما يلي:
حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نكون في الرمل وفينا الحائض والجنب والنفساء، ولا نجد الماء أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، فقال النبي ﷺ : «عليكم بالأرض» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم بالرمل.
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (٢).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، وذلك لما يلي:
стр. 450
لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامة أكثرها من الاعتراضات القادحة.
اتفاق أهل اللغة على أن الصعيد ليس خاصًا بالتراب، بل يشمل كل ما كان على وجه الأرض، من تراب، أو رمل، أو حجارة، أو غير ذلك.
أن النبي ﷺ لما سافر هو وأصحابه ﵃ في غزوة تبوك (١) قطعوا الرمال في طريقهم، ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وماؤهم في غاية القلة، وهي مفاوز (٢) معطشة، حتى شكى الصحابة إلى رسول الله ﷺ ، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، فدل ذلك على جواز التيمم بغير التراب (٣).
مسألة: نقل التراب للتيمم:
هذه المسألة تعتبر ثمرة للقول القائل باشتراط أن يكون المتيمم به ترابًا، كما هو قول الشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية والمالكية الذين أجازوا التيمم بكل ما هو من جنس الأرض.
стр. 451
فإذا أراد المرء السفر في أرض ليس فيها تراب لكونها جبلية أو رملية، فهل يستحب له أن ينقل معه ترابًا ليتيمم به أم لا؟
للفقهاء في هذه المسألة على قولان (١):
القول الأول: أنه يستحب نقل التراب للتيمم به، وهو رواية عند أحمد، وهي المذهب (٢)، لأن نقل التراب معه للتيمم أحوط للعبادة، فقد تدركه الصلاة ولا يجد ماء ولا ترابًا، فيصلي صلاةً بدون ماء ولا تراب، والصلاة ـ والحالة هذه ـ يرى كثير من الأئمة لزوم إعادتها (٣).
القول الثاني: أنه يكره نقل التراب للتيمم به، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم، وابن مفلح (٤)، والمرداوي (٥).
стр. 452
واستدلوا على ذلك بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه أنهم كانوا ينقلون معهم التراب ليتيمموا به مع كثرة أسفارهم في مفاوز الرمال فيها أكثر من التراب (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بكراهة نقل التراب ليتيمم به، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.
стр. 453
المطلب الثاني
حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها ومسح بها وجهه ويده أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، وقول المالكية (١).
القول الثاني: أنه يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها لم يجزه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وقول الشافعية والحنابلة (٢).
سبب الاختلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى اختلافهم في حرف (من) في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وذلك أن (من) قد ترد للتبعيض، وقد ترد لابتداء الغاية، فمن ذهب إلى أنها هاهنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم، ومن رأى أنها لابتداء الغاية، قال: ليس النقل واجبًا (٣).
стр. 454
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقًا من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل (١).
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على عدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم؛ لأن النبي ﷺ تيمم بالجدار، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب؛ إذ لا تراب على الجدار (٣).
стр. 455
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة (١).
حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما على وجهك وكفيك» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وأن المقصود هو وضع اليد على ما كان من الأرض، بدليل أن النبي ﷺ نفخ في يديه ليتناثر ما عليها من تراب (٣).
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة (٤).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بوجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 456
وجه الدلالة:
أن الله أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: ببعضه، وهذا يدل على أنه لابد من نقل التراب إلى محل التيمم.
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذه الآية بالتفصيل (١)، فلا داعي للتكرار.
ثانيًا: من المعقول:
أن المتيمم مأمور بالمسح، وهذا يقتضي ممسوحًا به قياسًا على مسح الرأس في الوضوء (٢).
المناقشة:
نوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن هذا القياس منقوض بما ورد في حديث عمار من نفخ اليد أو نفضها قبل المسح، ومن تيممه ﷺ على الجدار (٣)، وكل قياس يقابل نصًا فهو باطل.
الوجه الثاني: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (٤).
стр. 457
الوجه الثالث: أنه إذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف (١).
أن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة، من غير استعمال جزء منه فضرب من السفه (٢).
المناقشة:
نوقش بأن المأمور به هو مس وجه الأرض باليدين وإمرارها على العضوين، فإذا تحقق ذلك صح التيمم؛ لكونه تعبدًا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها (٣).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة.
стр. 458
المطلب الثالث
حكم التيمم بغبار اللبد (١) ونحوه
اختلف الفقهاء في حكم التيمم بغبار التراب إذا كان على لبد أو ثوب أو مخدة أو جدار أو حصير أو نحو ذلك، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجوز التيمم بغبار اللبد والثياب ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢).
القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول المالكية، إلا أن أبا يوسف قال: لا يجوز التيمم بالغبار في حال القدرة على الصعيد وإلا فيجوز (٣).
سبب الخلاف:
سبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في الغبار، هل هو تراب خالص أو غالب أم لا؟ فمن قال بالأول قال بجواز التيمم بالغبار، ومن قال بالثاني قال بعدم الجواز (٤).
стр. 459
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن (من) للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، والغبار جزء من الصعيد (١).
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم بالغبار؛ وذلك لأن التيمم بالجدار محمول على جدار عليه غبار؛ لأن جدرانهم من الطين ولا تراب عليها (٣).
ثالثًا: من الأثر:
عن عمر ﵁ أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفَّة
стр. 460
سرجه (١)، أو معرفة دابته (٢)» (٣).
قال الكاساني: «ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا» (٤).
رابعًا: من المعقول:
أن الغبار تراب رقيق، ويدل على ذلك أن من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب، فإذا جاز التيمم بالتراب الخشن جاز بالرقيق لاتحاد الجنس (٥).
أنه قصد الصعيد، ولا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها (٦)، كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول (٧).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي: