← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال النووي (١): «والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة» (٢).

стр. 37

المطلب الثاني سبب مشروعية التيمم سبب نزول فرض التيمم هو ما وقع لعائشة ﵂ في غزوة بني المصطلق (المريسيع) (١) حينما أضاعت عقدها، وحان وقت الصلاة وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم. فعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء ـ أو بذات الجيش ـ انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في

стр. 38

خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم (١) فتيمموا، فقال أسيد

стр. 39

بن الحضير (١): ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته» (٢).

стр. 40

من فوائد الحديث: في هذا الحديث فوائد عظيمة يجدر بنا أن نقف على بعض منها، ومن أهم تلك الفوائد ما يلي: ١ ـ جواز خروج النساء في الأسفار مع أزواجهن، سواء كان السفر للجهاد أو لغيره، إلا أن خروجهن إلى الجهاد مع ذوي المحارم والأزواج إنما يصح إذا كان العسكر كثيرًا تؤمن عليه الغلبة (١). ٢ ـ جواز الإقامة بموضع لا ماء فيه لحوائجه ومصالحه، فإنه لا يجب الانتقال عنه؛ لأن فرضه إما الطهارة المائية أو التيمم عند عدم الماء (٢). ٣ ـ جواز تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب، وإن كان بالغًا أو امرأة كبيرة متزوجة (٣). ٤ ـ استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة أو يحصل به تشويش لغيره من نائم أو مصلي أو مشتغل بعلم؛ لأن عائشة ﵂ منعها من التحرك خشية استيقاظ رسول الله ﷺ (٤).

стр. 41

٥ ـ فيه دليل على أن الوضوء كان واجبًا على النبي ﷺ قبل نزول آية الوضوء ولهذا استعظم الصحابة نزولهم على غير ماء، ومن المعلوم عند جميع أهل السير أن النبي ﷺ منذ افترض عليه الصلاة بمكة لم يصلِّ إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم. والحكمة في نزول آية الوضوء ـ مع تقدم العمل به ـ ليكون فرضها المتقدم متلوًا في التنزيل، ولهذا قالت عائشة: «فنزلت آية التيمم» ولم تقل: فنزلت آية الوضوء، مما يدل على أن الذي طرأ على الصحابة رضوان الله عليهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء (١).

стр. 42

المطلب الثالث الحكمة من مشروعية التيمم تمتاز الشريعة الإسلامية باليسر والسهولة والسماحة؛ حيث راعت أحوال الناس، ولم تغفل أي جانب من جوانب حياتهم، فخففت عنهم في أحكام شتى من أحكام شريعتهم، ومن مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية التيمم، فقد شرعه الله تيسيرًا على المكلف ودفعًا للحرج عنه. وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم الحكمة من مشروعية التيمم في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. فهذه الآية بينت الحكمة من مشروعية التيمم غاية البيان والإيضاح، وهي كالآتي: ١ ـ رفع الحرج؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وهو الضيق والمشقة. قال ابن كثير (١): «أي فلهذا سهَّل عليكم ويسَّر ولم يعسِّر، بل أباح التيمم

стр. 43

عند المرض، وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء» (١). ٢ ـ إرادة التطهير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. قال ابن جرير الطبري (٢): «ولكن يريد أن يطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والأحداث، والغسل من الجنابة والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهروا به أجسامكم من الذنوب» (٣). ٣ ـ إتمام النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن جرير: «أي يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورًا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر نعمه التي أنعم بها عليكم أيها المؤمنون لعلكم تشكرون الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه» (٤).

стр. 44

فمن رحمة الله بعباده أن شرع لهم التيمم منَّة منه وفضلاً، ودفعًا للحرج والمشقة، ولو شاء الله لضيَّق علينا ولكن الله بالناس لرؤوف رحيم. ومن أهم الحكم التي تتجلى في مشروعية التيمم ـ غير ما سبق ـ ما يلي (١): ١ ـ أن الله لما علم من النفس الكسل، والميل إلى ترك الطاعة، شرع لها التيمم عند عدم الماء؛ لئلا تعتاد ترك العبادة فيصعب عليها معاودتها عند وجود الماء. ٢ ـ ليستشعر الإنسان بعدم الماء موته، وبالتراب إقباره فيزول عنه الكسل، ويسهل عليه ما صعب من العمل. ٣ ـ تحقيق معنى الطاعة والخضوع لأمر الله تعالى، والإذعان لشرعه، بتحقيق وامتثال ما أمر الله به. ٤ ـ أن من الحكمة في كون التيمم بالتراب لتوفره، فلا يكاد يخلو منه مكان، ومع أن التراب موجود في كل مكان إلا أن الشارع لم يأمر إلا بالمسح دون التمرغ (٢) وتعفير (٣) أعضاء الوضوء في التراب؛ لأن فيه حرجًا ومشقة على العباد.

стр. 45

٥ ـ أن في التيمم بالتراب شعورًا بالذل لله، والتواضع له، والإفتقار إليه. ٦ ـ أن الغرض من التيمم التخفيف والتيسير، ولهذا نجد أن الشارع الحكيم جعل المسح في التيمم قاصرًا على بعض الأعضاء دون بعض؛ دفعًا للحرج والمشقة في تعميمه لسائر الأعضاء. قال الإمام ابن القيم (١) ﵀: «وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرِّجْلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله، والذل له، والإنكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن يُتَرِّب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: «تَرِّب وجهك» وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين.

стр. 46

وأيضًا فموافقة القياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جُعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تُمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح» (١). ومما سبق يتضح جلياً رحمة الله بعباده حين شرع لهم التيمم حتى لا ينقطع الإنسان من عبادة ربه بل يعبده ويتقرب إليه في كل مكان وعلى كل حال، وهذه سنة الله في خلقه، كلما ازداد أمر عبده ضيقًا وحرجًا زاد له فرجًا ومخرجًا.

стр. 47

المبحث الثالث اختصاص الأمة بالتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام فضيلة التيمم، والتي تفردت بها هذه الأمة المباركة على غيرها من الأمم، لطفًا من الله بها وإحسانًا. فالتيمم خاصية لهذه الأمة المحمدية، فلم يكن مشروعًا لأمة من الأمم قبلها، كما صرح بذلك النبي ﷺ في أحاديث كثيرة (١)، وسأكتفي هنا بذكر الأحاديث التالية: ١. حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصةً وبُعثت إلى الناس عامة» (٢).

стр. 48

٢. حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون» (١). ٣. حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، وذكر خصلة أخرى (٢). قال الإمام الخطابي (٣) ﵀: «وقوله: «جُعلت لي الأرض مسجدًا

стр. 49

وطهورًا»، فإن أهل الكتاب لم تكن أُبيحت لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ورخَّص الله تعالى لهذه الأمة أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وذلك من رحمة الله تعالى ورأفته بهم تيسيرًا للطاعة وتكثيرًا لها لتكثر عليها مثوبتهم» (١). وقد اتفق الفقهاء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، ومما فضلهم الله تعالى به على غيرهم من الأمم، فلم يجعله الله طهورًا لغيرها، رحمة من الله بها، وتوسعة عليها (٢). جاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق: «ثم اعلم أن التيمم لم يكن مشروعًا لغير هذه الأمة، وإنما شرع رخصة لنا» (٣). وجاء في الفواكه الدواني: «وهو ـ أي التيمم ـ من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن

стр. 50

مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعًا وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاة» (١). وجاء في المجموع: «وهو ـ أي التيمم ـ رخصة وفضيلة اختصت بها هذه الأمة زادها الله شرفًا لم يشاركها فيها غيرها من الأمم، كما صرحت به الأحاديث الصحيحة المشهورة عن رسول الله» (٢). وجاء في المبدع شرح المقنع: «وهو ـ أي التيمم ـ من خصائص هذه الأمة؛ لأن الله لم يجعله طهورًا لغيرها، توسعة عليها وإحسانًا إليها» (٣).

стр. 51

الباب الأول الأسباب الموجبة للتيمم ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: فقد الماء. الفصل الثاني: عدم القدرة على استعمال الماء. الفصل الثالث: الخوف من استعمال الماء.

стр. 52

الفصل الأول فقد الماء وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: طلب الماء قبل التيمم. المبحث الثاني: شراء الماء. المبحث الثالث: نسيان الماء. المبحث الرابع: التيمم لمن وجد ماء لا يكفي للطهارة. المبحث الخامس: التيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه ولم يترك ما يتطهر به.

стр. 53

المبحث الأول طلب الماء قبل التيمم وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: حكم الطلب. المطلب الثاني: وقت الطلب. المطلب الثالث: مسافة الطلب. المطلب الرابع: صفة الطلب. المطلب الخامس: تكرار الطلب.

стр. 54

المطلب الأول حكم الطلب مَن عَدِمَ الماء وأراد الطهارة لفعل صلاة مكتوبة أو نافلة فإنه لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتيقن العادم من وجود الماء في المكان الذي هو فيه أو يغلب ذلك على ظنه كما إذا أخبره عدل بكون الماء قريبًا، أو يجد علامة ظاهرة دالة على قربه كما إذا رأى خضرة أو طيورًا، فإن وجودها دليل على قرب الماء، فإنه في هذه الحالة يلزمه الطلب باتفاق العلماء (١). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 55

وجه الدلالة: أن الله شرط لجواز التيمم عدم وجود الماء، وهذا واجد للماء في الظاهر فيلزمه طلب الماء. ثانيًا: من المعقول: ٢ ـ أنه يعد واجدًا للماء نظرًا للدليل وهو غلبة الظن، لأنها قائمة مقام العلم في العبادات (١). ٣ ـ أنه إذا كان يسعى لأشغاله الدنيوية القريبة فلأن يسعى لما يعتبر شرطًا من شروط الصلاة أولى (٢). ٤ ـ قياسًا على من علم أن بقربه ماء لم يجز له التيمم، فكذا إذا غلب على ظنه (٣). الحالة الثانية: أن يتيقن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، أو يغلب ذلك على ظنه، كأن يكون في بعض رمال البوادي، أو ما أشبه ذلك، أو يخبره عدل عن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، فإنه في هذه الحالة يتيمم ولا يجب عليه طلب الماء باتفاق الفقهاء (٤).

стр. 56

واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ ـ أن طلب ما يعلم استحالة وجوده محال (١). ٢ ـ أن الطلب مع يقين العدم عبث ولا فائدة منه (٢)، وهو ليس من الحكمة في شيء (٣). ٣ ـ أنه إذا طلب الماء في هذه الحالة قد يلحقه الحرج والمشقة فربما ينقطع عن أصحابه، وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج (٤). الحالة الثالثة: أن يشك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين، وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على قولين: القول الأول: يجب طلب الماء لصحة التيمم في هذه الحالة، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب (٥).

стр. 57

القول الثاني: ليس عليه طلب الماء في هذه الحالة ويصح التيمم، وهو قول الحنفية، ورواية عند الحنابلة (١). سبب الخلاف: سبب اختلاف الفقهاء في هذه الحالة هو: هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غيرَ واجد للماء أو لا يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده (٢)؟ فمن يرى أنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب قال: باشتراط الطلب، ومن يرى أنه يثبت أنه غير واجد للماء بدون طلب قال: بعدم اشتراط الطلب. أدلة القول الأول: استدل القائلون بوجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب، وهذا يفيد وجوب الطلب (٣)؛ لجواز أن يكون بقربه الماء ولا يعلمه (٤).

стр. 58

المناقشة: نوقش بأن الوجود لا يقتضي سابقة الطلب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ولا طلب، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لاستحالة الطلب على الله، وبقوله ﷺ : «من وجد لقطة ... » الحديث (١)، ولا طلب من الملتقط (٢). الجواب: أجيب عن الآية الأولى والحديث بأن الكلام في جانب النفي لا الإثبات (٣)، فالوجود لا يفتقر إلى طلب، وإنما يفتقر عدم الوجود إلى طلب، ومسألة التيمم إنما هي في عدم الوجود لا في الوجود (٤). وأما استدلالهم بالآية الأخرى فلا يصح؛ لأن الله طلب منهم الثبات على العهد، أي أمرهم بذلك، فهو يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد، فلذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (٥).

стр. 59

ثانيًا: من السنة: حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل، وفيه: « ... ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء ... » الحديث (١). وجه الدلالة: دل الحديث على أن الطلب شرط في صحة التيمم. ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أن التيمم بدل عن الماء عند فقده، فلا يجوز العدول إليه إلا عند عدم المبدل وهو الماء، ولا يتحقق العدم إلا بالطلب، كالصيام في الكفارة مع العتق والإطعام، فإن الله لما أمر في الظهار بتحرير رقبة قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، لم يبح له الصيام حتى يطلب الرقبة، ولم يعد قبل ذلك غير واجد، وكالهدي في حج التمتع، فإنه لا ينتقل إلى بدله وهو الصوم إلا بعد طلبه، وكالقياس مع النص في الحادثة فإنه لا ينتقل إلى القياس إلا بعد طلب النص في مظانه (٢).

стр. 60

٢ ـ أن البدل من شرطه الضرورة، وهي بعد الطلب متحققة حسب الإمكان، أما قبله فمشكوك فيها، فلا تثبت الرخصة، ولهذا لو قال لوكيله: اشتر لي رطبًا فإن لم تجد فعنبًا، لا يجوز أن يشتري العنب قبل طلب الرطب (١). ٣ ـ أن الماء شرط لصحة الصلاة يختص بها، فإذا أعوزه لزمه الاجتهاد في طلبه كما يجتهد إذا شك في جهة القبلة (٢). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بعدم وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه، بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. ثانيًا: من السنة: حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (٣).

стр. 61

وجه الدلالة من الآية والحديث: في الآية والحديث رتب إباحة التيمم على عدم وجدان الماء مطلقًا عن قيد الطلب لعدم اشتراطه فيها، فيعمل بإطلاقه، وهذا ليس بواجد قبل الطلب، فهو عادم (١). المناقشة: يمكن مناقشته بأنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عنده، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده (٢). ثالثًا: من المعقول: ١ ـ أنه غير عالم بوجود الماء فأشبه ما لو طَلَبَ فلم يجد (٣). المناقشة: نوقش من وجهين: الوجه الأول: بالمنع؛ لافتراق حال من تيقن العجز ومن لم يتيقنه، كما لا يستوي حال من جهل القبلة من غير طلب، ومن عجز عنها بعد الطلب (٤).

стр. 62

الوجه الثاني: أن هذا التعليل خلاف تعليل القرآن؛ لأن الله تعالى جعل العلة في جواز التيمم ثبوت عدم الماء، وعندهم العلة فيه ألا يعلم بالماء (١). ٢ ـ أن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط، كالمال في الحج والزكاة (٢). المناقشة: نوقش بأن ما كان شرطًا في وجوب العبادة لم يلزم طلبه كالمال في الحج، وما كان شرطًا في الانتقال عن العبادة لزم طلبه كالرقبة في الكفارة، وعدم الماء شرط في جواز الإنتقال فلزم فيه الطلب (٣). ٣ ـ أنه عادم للماء في الظاهر، فلم يلزمه الطلب كالفقير لا يلزمه طلب الرقبة (٤). المناقشة: نوقش بأن هذا القياس غير سديد؛ لأنه يجب عليه أن يطلب الرقبة في المواضع التي جرت العادة بطلبها فيها مثل سوق الرقيق ونحوها (٥).

стр. 63

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الجمهور القائل بوجوب طلب الماء لصحة التيمم، وذلك لقوة أدلتهم، ودلالتها على إفادة المطلوب، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشتها.

стр. 64

المطلب الثاني وقت الطلب اتفق جمهور الفقهاء ـ القائلون باشتراط طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين ـ على أنه لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول الوقت، فإن طلب الماء قبل دخول الوقت لم يصح تيممه وعليه إعادة الطلب والتيمم؛ لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع، ولأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم، ولو طلب الماء في أول الوقت وأخر التيمم إلى آخر الوقت جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب (١). قال الحافظ ابن حجر (٢) ـ عند شرحه حديث عائشة ﵂ في

стр. 65

سبب مشروعية التيمم ـ: «واستدل به على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله: وحضرت الصبح «فالتمس الماء فلم يُوجد» (١)» (٢). وأما الحنفية فظاهر المذهب عندهم أن له الطلب في كل وقت ولو قبل دخول وقت الصلاة (٣). قلت: يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن منشأ الخلاف بين الجمهور والحنفية في هذه المسألة هو: هل التيمم بدل مطلق أم بدل ضروري؟ (٤). فمن قال: إن التيمم بدل مطلق ـ وهم الحنفية ـ أجازوا التيمم وطلب الماء قبل الوقت، ومن قال: إن التيمم بدل ضروري ـ وهم الجمهور ـ اشترطوا للتيمم ولطلب الماء دخول الوقت (٥).

стр. 66

المطلب الثالث مسافة الطلب إذا لم يجد المكلف الماء وأراد التيمم، فهل ينتقل إلى التراب مباشرة أم يشترط لذلك مسافة معينة لانتقال عادم الماء إلى التيمم؟ اختلفت أقوال المذاهب في هذه المسألة وفق ما يلي عرضه: أولاً: الحنفية (١): يجب عليه طلب الماء إذا غلب على ظنه وجوده في مسافة تكون أقل من الميل (٢)، فإذا بلغت المسافة ميلاً فصاعدًا فلا يلزمه حينئذ الطلب. واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ ـ أن التيمم إنما شرع لدفع الحرج، وإليه وقعت الإشارة في آية التيمم

стр. 67

وهو قوله تعالى على أثر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا حرج فيما دون الميل، فأما الميل فصاعدًا فلا يخلو من حرج. ٢ ـ لئلا ينقطع عن رفقته. ثانيًا: المالكية (١): ذهب المالكية إلى أنه يلزمه طلب الماء لكل صلاة طلبًا لا يشق عليه في مسافة تكون أقل من الميلين، فإذا بلغت المسافة ميلين فصاعدًا فلا يلزمه الطلب. ويمكن أن يستدل لهم بما يلي: أنه ليس في طلب الماء أقل من ميلين أي حرج أو مشقة وبالتالي يلزمه الطلب، وأما الميلان فصاعدًا فمظنة المشقة وإن لم تحصل بالفعل. ثالثًا: الشافعية (٢): ذهب الشافعية إلى التفصيل الآتي: ١ ـ أن يتيقن عدم الماء حوله، كبعض رمال البوادي، فيتيمم ولا يحتاج إلى طلب الماء؛ لأن الطلب مع تيقن العدم عبث.

стр. 68

٢ ـ أن لا يتيقن العدم بل يشك في وجوده وعدمه، فيجب عليه طلبه في حد الغوث (١)، وهو مقدار غلوة (٢)، فإن زاد على هذا فلا يلزمه الطلب ويتيمم. ٣ ـ أن يتيقن وجود الماء حواليه، فله ثلاث مراتب: الأولى: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النازلون للحطب والحشيش والرعي، فيجب السعي إليه ولا يجوز التيمم؛ لأنه إذا كان يسعى إليه لأشغاله الدنيوية فللعبادة أولى، وهذا فوق حد الغوث الذي يقصده عند التوهم، وقدروه بنصف فرسخ (٣). الثانية: أن يكون بعيدًا عنه، بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت، فيتيمم ولا يسعى إليه؛ لأنه فاقد في الحال. الثالثة: أن يكون بين المرتبتين، فيزيد على ما ينتشر إليه النازلون، ويقصر عن خروج الوقت، فالمذهب جواز التيمم، وأن علم وصوله إلى الماء في آخر الوقت.

стр. 69

رابعًا: الحنابلة (١): ذهب الحنابلة إلى أنه يلزمه طلب الماء فيما قرب منه عرفًا (٢) وعادة (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الحنابلة في إرجاع مسافة الطلب إلى العرف والعادة، وذلك لما يلي: ١ ـ أن هذا القول أرفق بالناس، وذلك لأن كثير من الناس يجهل مثل هذه المسافات التي نص عليها الفقهاء. ٢ ـ أن التقدير بالمسافة المعينة لم يرد به الشرع، ومحل ما لم يحد شرعًا فيرجع فيه إلى العرف (٤) لاسيما وأن التيمم قد شرع لدفع الحرج، والتحديد

стр. 70

بمسافة معينة لجميع الناس فيه حرج ومشقة (١). ٣ ـ أن من قدر مسافة الطلب بالميل أو بالميلين أو بالفرسخ ونحو ذلك إنما نظر إلى المشقة التي تلحق الإنسان في ذلك العصر، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، وما دام أن الأمر ليس فيه توقيف من الشارع فيرجع فيه إلى العرف (٢). ٤ ـ لأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة (٣).

стр. 71

المطلب الرابع صفة الطلب اتفق الفقهاء على أنه يجب على عادم الماء أن يطلبه في رحله (١) بأن يبدأ بتفتيش رحله وأثاثه؛ لأنه أقرب الأشياء إليه، ثم ينظر في الناحية التي هو فيها يمينًا وشمالاً، وأمامًا وخلفًا، وهذا إذا كان في سهل من الأرض لا يحول دون نظره شيء، فإن كان دونه حائل من ربوة أو شيء قائم أتاه وطلب عنده، وكذا إن كانت له رفقة (٢) سألهم وطلب منهم، وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن الماء، فإن لم يجد فهو عادم، وإن دُل على الماء لزمه قصده ما لم يخف ضررًا على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته (٣).

стр. 72

المطلب الخامس تكرار الطلب سبق القول بأن جمهور الفقهاء اتفقوا على وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين وهم المالكية والشافعية والحنابلة (١)، وهذا إذا لم يسبق تيممه تيمم آخر، وطلب للماء. وأما إذا سبق له طلب الماء، وتيمم، وأراد تيممًا آخر إما لبطلان التيمم الأول بحدث أو غيره، أو لدخول وقت صلاة أخرى، أو لغير ذلك، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب؟ (٢) اتفق جمهور الفقهاء ـ وهم المالكية والشافعية والحنابلة ـ على أن من انتقل من موضع التيمم الذي كان فيه وقت طلب الماء للصلاة الأولى، او كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء كأن رأى سحابة أظلت بقربه، أو طلع عليه ركب، أو رأى طيورًا أو خضرة وما أشبه ذلك مما يشك معه في وجود الماء، فإنه يجب عليه تكرار الطلب؛ لأن التيمم الثاني في حكم التيمم الأول في توجيه الخطاب بالطلب (٣).

стр. 73

واتفقوا أيضًا على أنه لو لم ينتقل من موضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، وتيقن بالطلب الأول أن لا ماء، فإنه لا يلزمه حينئذ لأنه قد تحقق عدمه (١). واختلفوا إذا لم ينتقل عن موضع التيمم، ولم يتيقن العدم في الطلب الأول، بل ظن العدم، فهل يحتاج في التيمم الثاني إلى إعادة الطلب؟ على قولين (٢): القول الأول: يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو قول المالكية والأصح عند الشافعية وقول الحنابلة؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على ماء فيتطهر به. وعلى هذا يكون الطلب الثاني أخف من الأول. القول الثاني: لا يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو وجه للشافعية؛ لأنه لو كان ثم ماء لظفر به بالطلب الأول. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، القائل بإعادة الطلب في التيمم الثاني وذلك لقوة تعليلهم، ولأن بالطلب الأول لم يحصل له يقين العدم، فيعيد الطلب احتياطًا، والاحتياط في العبادة أولى.

стр. 74

المبحث الثاني شراء الماء وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم شراء الماء لمن فقده. المطلب الثاني: حكم الاقتراض لشراء الماء. المطلب الثالث: شراء الماء في الذمة. المطلب الرابع: حكم قبول الماء الموهوب.

стр. 75

المطلب الأول حكم شراء الماء لمن فقده اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله (١)، وكان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه (٢)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن من وجد الماء بثمن مثله وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له (٣). ثانيًا: من المعقول: ٥ ـ أن القدرة على ثمن الشيء كالقدرة على الشيء نفسه، قياسًا على الرقبة في الكفارة، حيث أنه لا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، إذا كان يملك الرقبة أو يملك ثمنها (٤).
следующие страницы →