← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 122171

أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة

رائد بن حمدان الحازمي

Полный текст (664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وجه الدلالة: أن الله أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: ببعضه، وهذا يدل على أنه لابد من نقل التراب إلى محل التيمم. المناقشة: وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذه الآية بالتفصيل (١)، فلا داعي للتكرار. ثانيًا: من المعقول: أن المتيمم مأمور بالمسح، وهذا يقتضي ممسوحًا به قياسًا على مسح الرأس في الوضوء (٢). المناقشة: نوقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن هذا القياس منقوض بما ورد في حديث عمار من نفخ اليد أو نفضها قبل المسح، ومن تيممه ﷺ على الجدار (٣)، وكل قياس يقابل نصًا فهو باطل. الوجه الثاني: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (٤).

стр. 457

الوجه الثالث: أنه إذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف (١). أن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة، من غير استعمال جزء منه فضرب من السفه (٢). المناقشة: نوقش بأن المأمور به هو مس وجه الأرض باليدين وإمرارها على العضوين، فإذا تحقق ذلك صح التيمم؛ لكونه تعبدًا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة.

стр. 458

المطلب الثالث حكم التيمم بغبار اللبد (١) ونحوه اختلف الفقهاء في حكم التيمم بغبار التراب إذا كان على لبد أو ثوب أو مخدة أو جدار أو حصير أو نحو ذلك، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: أنه يجوز التيمم بغبار اللبد والثياب ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول المالكية، إلا أن أبا يوسف قال: لا يجوز التيمم بالغبار في حال القدرة على الصعيد وإلا فيجوز (٣). سبب الخلاف: سبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في الغبار، هل هو تراب خالص أو غالب أم لا؟ فمن قال بالأول قال بجواز التيمم بالغبار، ومن قال بالثاني قال بعدم الجواز (٤).

стр. 459

أدلة القول الأول: استدل القائلون بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن (من) للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، والغبار جزء من الصعيد (١). ثانيًا: من السنة: حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على جواز التيمم بالغبار؛ وذلك لأن التيمم بالجدار محمول على جدار عليه غبار؛ لأن جدرانهم من الطين ولا تراب عليها (٣). ثالثًا: من الأثر: عن عمر ﵁ أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفَّة

стр. 460

سرجه (١)، أو معرفة دابته (٢)» (٣). قال الكاساني: «ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا» (٤). رابعًا: من المعقول: أن الغبار تراب رقيق، ويدل على ذلك أن من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب، فإذا جاز التيمم بالتراب الخشن جاز بالرقيق لاتحاد الجنس (٥). أنه قصد الصعيد، ولا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها (٦)، كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول (٧). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بعدم جواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:

стр. 461

أن الغبار ليس من جنس الصعيد؛ لأنه ليس بتراب خالص، بل هو تراب من وجه دون وجه فلا يجوز التيمم به (١). المناقشة: يمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن الغبار تراب من كل الوجوه ولكنه رقيق، ورقته لا تخرجه من كونه ترابًا، فدل ذلك على أنه من جنس الصعيد. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القول بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه مأثور عن بعض الصحابة والتابعين (٢).

стр. 462

المبحث الثاني التيمم على الخشب والزرع والحشيش اختلف الفقهاء في حكم التيمم على الخشب أو الزرع أو الحشيش، وذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز التيمم عليها، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وهو قول الشافعية والحنابلة (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي: ٤٠ ـ أن هذه الأشياء مما يحول بين المتيمم وبين الأرض، فلا يصح التيمم بها (٢). ٤١ ـ أن الله جعل الصعيد بدلاً من الماء، فلا يجوز إثبات بدل منه إلا بتوقيف، وإلا لجاز أن يضرب المكلف بيده على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به (٣). القول الثاني: أنه يجوز التيمم عليها بشرط ألا يجد غيرها، وألا يمكن

стр. 463

قلعها، وضاق الوقت، وإلا فلا يجوز، وهو الراجح عند المالكية (١)، لأن هذه الأشياء صاعدة على الأرض (٢). المناقشة: نوقش بالمنع؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى صعيدًا، ولا تشبه الصعيد (٣). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجوز التيمم على الخشب أو الزرع أو الحشيش، وذلك لقوة تعليلهم، ولضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.

стр. 464

المبحث الثالث التيمم على الثلج للفقهاء في هذه المسألة قولان (١): القول الأول: أنه لا يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، ورواية عند المالكية، وهو قول الشافعية، وقول عند الحنابلة، وهو قول ابن المنذر. القول الثاني: أنه يجوز التيمم به، وهو رواية عند المالكية، والصحيح عند الحنابلة، إلا أن الحنابلة قالوا: إذا وجد ثلجًا ولم يمكن تذويبه، فإنه يلزمه مسح أعضاء وضوئه به ويصلي ولا يعيد إذا جرى الماء على الأعضاء بالمس؛ لوجود الغسل المأمور به وإن كان خفيفًا. وأما إذا لم يجر على الأعضاء بالمس فإنه يعيد الصلاة؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة بلا طهارة كاملة. أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنه لا يجوز التيمم بالثلج، بما يلي:

стр. 465

أولاً: من الأثر: عن عمر ﵁ أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفة سرجه، أو معرفة دابته» (١). ثانيًا: من المعقول: أن الثلج ليس بصعيد فلم يجز التيمم به كالنبات (٢). أنه لم يأت في التيمم على الثلج نص ولا إجماع، فلا يصح التيمم به (٣). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بجواز التيمم بالثلج، بما يلي: أولاً: من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٤). وجه الدلالة: دل الحديث على أن المكلف يعبد الله بحسب استطاعته، وهذا لا يقدر على استعمال الماء إلا كذلك، فوجب أن يستعمل الاستعمال المقدور عليه (٥).

стр. 466

ثانيًا: من المعقول: أن الثلج أشبه بجموده الحجر فالتحق بأجزاء الأرض (١). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم جواز التيمم بالثلج، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن النصوص الشرعية تدل على أن التيمم لا يكون إلا بالتراب ـ وذلك باتفاق الفقهاء ـ أو بالصعيد وهو كل ما صعد على وجه الأرض من جميع أجزائها ـ وذلك على القول الراجح ـ، والثلج بعيد عن مسمى التراب أو مسمى الصعيد. وبناء على القول الراجح في هذا المطلب، والمطلب الذي قبله، فإن من لم يجد ما يتيمم به مما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها فإن حكمه كحكم العادم للماء والمتيمم به (٢)، والله أعلم.

стр. 467

المبحث الرابع التيمم بالتراب المختلط بغيره اتفق الفقهاء على جواز التيمم بالتراب، واختلفوا في حكم التيمم بتراب خالطه جص، أو زعفران (١)، أو دقيق، أو غير ذلك من الطاهرات التي تعلق بالعضو، فهل يصح التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يصح التيمم به، سواء أكان الخليط قليلاً أم كثيرًا مستهلكًا، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول بعض الحنابلة (٢)، لأن الخليط ربما علق بالعضو فيمنع وصول التراب إليه (٣). القول الثاني: أنه يصح التيمم به، إذا كان الخليط مستهلكًا في التراب، ولم يغلب عليه، وهو ظاهر مذهب الحنفية والمالكية (٤)، ووجه للشافعية، وقول الحنابلة (٥)، لأن حكمه حكم الماء الذي خالطه مائع طاهر، واستهلك المائع في الماء ولم يؤثر فيه (٦).

стр. 468

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بجواز التيمم بتراب خالطه جص أو زعفران أو غير ذلك إذا كان هذا الخلط مستهلكًا في التراب، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن هذه الأشياء طاهرة مستهلكة في التراب، ولم يؤثر فيه، فبقي التراب على صلاحيته للتيمم. وأما القول بأنه قد يسبق الخليط التراب إلى الأعضاء، فقد سبق أن رجحنا في مسألة حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم بأنه لا يشترط في التيمم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم (١).

стр. 469

المبحث الخامس حكم التيمم بالطين المحترق اختلف الفقهاء في حكم التيمم بالطين المحترق إذ دُق، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين (١): القول الأول: أنه لا يجوز التيمم به، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، وبه قال أكثرهم، وهو الصحيح عند الحنابلة؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب، كطبخ الخزف (٢)، والآجر (٣) (٤). القول الثاني: أنه يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية، رجحه الرافعي والنووي، وهو قول للحنابلة (٥)؛ لأن المتغير لون التراب لا ذاته، فهو لا يزال يسمى ترابًا (٦).

стр. 470

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم بمدقوق الطين المحترق، وذلك لقوة تعليلهم. وأما قياس الطين المحترق على الخزف والآجر فلا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن طبخ الخزف والآجر يسلب اسم التراب، ويجعله جنسًا آخر، بخلاف الطين المحترق فإن اسم التراب لا يزول عنه بمجرد الطبخ.

стр. 471

المبحث السادس التيمم بالأرض النجسة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم التيمم بالأرض النجسة. المطلب الثاني: حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة فزال أثرها بالشمس أو الريح. المطلب الثالث: التيمم بتراب المقبرة.

стр. 472

المطلب الأول حكم التيمم بالأرض النجسة اتفق الفقهاء على اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة (١)، قال العيني (٢): «لو كان التراب نجسًا لم يجز التيمم به إجماعًا» (٣). وذكر ابن قدامة أنه لا يعلم خلافًا في عدم جواز التيمم لمن ضرب بيديه غير طاهر (٤). وعللوا ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].

стр. 473

وجه الدلالة: أن المراد بالطيب في الآية هو الطاهر، والنجس ليس بطيب (١). قال الإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾: «يعني: طاهرًا نظيفًا غير قذر ولا نجس» (٢). ثانيًا: من السنة: حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم ... » الحديث (٣). ثالثًا: من المعقول: أن التيمم طهارة، فلم يجز بغير طاهر، كالوضوء (٤).

стр. 474

المطلب الثاني حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة فزال أثرها بالشمس أوالريح اختلف الفقهاء في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة (١)، فهل تطهر الأرض بذلك فيجوز له أن يتيمم بها أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (٢): القول الأول: أنها لا تطهر بذلك فلا يجوز التيمم بها، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (وهو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة، وقول زفر من الحنفية. القول الثاني: أنها تطهر بذلك فيجوز التيمم بها، وهو قول للحنفية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، وهو قول للحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. القول الثالث: أنها تطهر بذلك طهارة للصلاة دون التيمم، وبهذا قال أكثر الحنفية، وهو ظاهر الرواية عندهم.

стр. 475

أدلة القول الأول: استدل القائلون بعدم طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح، بما يلي: أولاً: من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ : «دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً (١) من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بتطهير الأرض بالماء، والأمر يقتضي الوجوب (٣)، ولو كان جفافه بالشمس أو الريح ونحو ذلك مطهرًا للأرض لبين ذلك رسول الله ﷺ وهو في معرض بيان وتعليم لأصحابه، ولما كان للتكليف في طلب الماء معنى، فدل ذلك على اختصاص الماء بالتطهير دون غيره (٤). المناقشة: نوقش هذا الدليل بأن المراد بالحديث يحمل على أحد الاحتمالات التالية: الاحتمال الأول: أن المقصود بالحديث تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره (٥)، فليس في الحديث ما يدل على حصر

стр. 476

التطهير بالماء ولا المنع من تطهير الأرض النجسة بالشمس أو الريح. الاحتمال الثاني: أنه إنما أمر بالمبادرة بإزالة بول الأعرابي بالماء خشية تنجس أحد به، أو لكي لا ينتقل بالمشي إلى مكان آخر في المسجد (١). الاحتمال الثالث: أن بول الأعرابي كان نهارًا، والصلاة في المسجد تتابع في النهار، بخلاف الليل، فإنه مدته تطول (٢). الاحتمال الرابع: أن النبي ﷺ أراد بصب الماء أكمل الطهارتين (٣). ثانيًا: من المعقول: أنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل كالثوب النجس (٤). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بطهارة الأرض النجسة بالشمس أو بالريح، بما يلي: أولاً: من السنة: حديث ابن عمر ﵁ قال: «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» (٥).

стр. 477

وجه الدلالة: أنه نص في المسألة، إذ لو كانت النجاسة باقية لوجب غسلها بالماء مما يدل على أنها طهرت بالريح أو الشمس (١). المناقشة: نوقش بأنه محمول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، فيكون إقبالها وإدبارها في المسجد بعد بولها في مواطنها (٢). الجواب: أجيب بأنه تأويل بعيد، وذلك لما يلي: أن قوله: «في المسجد» ليس ظرفًا لقوله: «تقبل وتدبر» وحده، بل هو ظرف أيضًا لقوله: «تبول وتقبل وتدبر» جميعًا. أن قوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» يمنع التأويل؛ لأنها لو كانت تبول في مواطنها، ما كان يُحتاج إلى ذكر الرش؛ إذ لا فائدة فيه. أن أبا داود بَوَّبَ على هذا الحديث بقوله في ترجمة الباب: «باب طهور الأرض إذا يبست» (٣)، وفي هذا رد على التأويل الذي ذكروه (٤).

стр. 478

ثانيًا: من الآثار: ما روي عن محمد بن الحنفية (١) أنه قال: «إذا جفت الأرض فقد زكت (٢)» (٣). وجه الدلالة: أن أثر محمد رجاله رجال الجماعة (٤)، وهو مما لا يدرك بالقياس فله حكم الرفع (٥). ثالثًا: من المعقول: أن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، ومعلوم أن الشمس تحرق النجاسة، وتفرقها الريح، وتحول عينها الأرض، وينشفها الهواء، فلا تبقى عينها بعد تأثير هذه الأشياء فيها، فتعود الأرض كما كانت قبل الإصابة (٦). أن النجاسة قد استحالت أرضًا بذهاب أثرها؛ لأن من شأن الأرض جذب الأشياء إلى طبعها، وذهاب الأثر طهارة كاملة للصلاة والتيمم (٧).

стр. 479

أدلة القول الثالث: استدل القائلون بأن الأرض النجسة تطهر بالشمس أو الريح طهارة للصلاة دون التيمم، بما يلي: أولاً: استدلوا على طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح بمجموع ما تقدم ذكره من أدلة أصحاب القول الثاني. ثانيًا: استدلوا على التفريق بين الصلاة والتيمم، بما يلي: أن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما أصبحت طاهرة غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، بخلاف التيمم فإنه يشترط له الطهورية لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، وحديث ابن عمر السابق يدل على الطهارة دون الطهورية، فالأرض قبل التنجس كانت طاهرة وطهورًا، وبالتنجس زال الوصفان، ثم بالجفاف ثبتت الطهارة دون الطهورية، وحتى يتيمم بالتراب لابد من ثبوت الوصفين معًا (١). المناقشة: يمكن مناقشته بأن القول بالتفريق بين الصلاة والتيمم يحتاج إلى دليل صريح، فإن الكتاب العزيز اشترط أن يكون التراب طاهرًا، وقد ثبت لنا بحديث ابن عمر أن الجفاف يجعله طاهرًا، فلذا صحت عليه الصلاة، فكذلك يصح التيمم، إذ إن كل أرضٍ جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم بها كالأرض الطاهرة.

стр. 480

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بجواز التيمم والصلاة على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، وذلك لما يلي: لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة. أن القول بأن الأرض تطهر بالجفاف مأثور عن بعض التابعين (١). أنه إذا كان التراب يطهر غيره، فلأن يطهر نفسه من باب أولى (٢). أن الإنسان إذا كان في سفر ونحوه فأراد أن يتيمم لعدم الماء فإنه يجوز له التيمم من الصعيد مع احتمال أن هذا الصعيد وقع عليه نجاسة من إنسان أو حيوان، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالجفاف.

стр. 481

المطلب الثالث التيمم بتراب المقبرة تقدم نقل اتفاق الفقهاء على اشتراط طهارة المتيمم به، وأنه لا يصح التيمم على المكان النجس. فإن تيمم المتيمم بتراب المقبرة، فما الحكم؟ جملة القول في هذه المسألة: التفريق بين أن تكون أرض المقبرة قد نُبشت أو لم تنبش. فإن كانت المقبرة لم تنبش أو غلب على ظنه عدم نجاستها فإنه يجوز التيمم بترابها. قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبًا طاهرًا نظيفًا، جائز» (١). وأما إذا نبشت، كأن يتكرر الدفن فيها مرارًا، فترابها نجس لا يجوز التيمم به؛ لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم (٢). وكذا لو غلب على ظنه نجاسة ترابها فإنه لا يجوز التيمم بها (٣).

стр. 482

قلت: ويمكن أن يتخرج على المطلب السابق في الطهارة بالجفاف القول بجواز التيمم من المقبرة وإن نبشت، إذا كان أثر النجاسة قد زال بفعل الشمس والريح واستحالت، كالقول في طهارة الأرض النجسة بالجفاف، والله أعلم.

стр. 483

المبحث السابع حكم التيمم بالتراب المستعمل اتفق الفقهاء على أن تيمم الجماعة من الموضع الواحد جائز؛ لأن التراب المستعمل هو ما علق باليدين أما ما بقي على الأرض فلم يكن مستعملاً في عبادة، فأشبه الماء الباقي في الإناء فيكون طاهرًا بلا خلاف (١). واختلفوا في حكم التيمم بالتراب المستعمل الذي يصيب العضو ثم يتناثر منه، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين (٢): القول الأول: أنه يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، والمالكية، ووجه للشافعية، صححه الماوردي، ووجه عند الحنابلة؛ لأن المستعمل منه ما بقي على العضو، وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به (٣). واستدل الماوردي أيضًا: بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولكن يجيز الصلاة فقط، فلا يصير التراب مستعملاً به، بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث فصار مستعملاً برفعه (٤).

стр. 484

القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم به، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة؛ لأنه مستعمل في طهارة أباحت الصلاة فأشبه الماء المستعمل (١). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم بالتراب المستعمل، وذلك لقوة تعليلهم، وأما ما استدل به الماوردي بأن التيمم لا يرفع الحدث فقد تقدم مناقشة هذا القول (٢)، وأن الراجح أن التيمم يرفع الحدث كالماء (٣). ومن أسباب الترجيح ما يلي: أن الماء المستعمل يخالف التراب المستعمل؛ وذلك لأن الماء لا يدفع بعضه بعضًا، وأما التراب فيدفع بعضه بعضًا، حيث دفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه (٤). أنه ليس هناك أي دليل صحيح يدل على عدم كون المستعمل طهورًا لا في الماء، ولا في التراب (٥).

стр. 485

المبحث الثامن حكم التيمم بالتراب المغصوب للفقهاء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه يصح التيمم به، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية (١). القول الثاني: أنه لا يصح التيمم به، وهو قول الحنابلة (٢). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنه يصح التيمم بالتراب المغصوب، بما يلي: أن التيمم صحيح؛ لأن النهي من التيمم بالتراب المغصوب لا يعود إلى الطهارة، فالغاصب مأذون له بالطهارة، وإنما النهي من جهة الغصب، فيصح فعله مع الإثم، ونظير ذلك أن يقول السيد لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فإن امتثلت أعتقتك وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثوب في الدار فإنه يحسن من السيد حينئذ عتقه وعقوبته (٣).

стр. 486

أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأنه لا يصح التيمم بالتراب المغصوب، بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. ثانيًا: من السنة: حديث أبي بكرة (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٢). وجه الدلالة من الآية والحديث: في الآية والحديث النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، ومن تيمم بتراب مغصوب فإن استعماله لهذا التراب محرم منهي عنه؛ لأنه داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف ما أمر الله به رسوله ﷺ فلا يصح تيممه (٣).

стр. 487

المناقشة: يمكن مناقشته بأن نص الكتاب والسنة يدلان على حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وهذا لا يستلزم بطلان التيمم بالمغصوب؛ لأن التحريم والصحة غير متلازمين، ففعله من حيث إنه تيمم مطلوب، ومحرم من حيث إنه غصب، فالنهي لا يعود إلى التيمم وإنما إلى أمر خارج وهو الغصب (١). حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). وجه الدلالة: أن كل عمل لا يوافق ما كان عليه رسول الله ﷺ فهو باطل مردود على صاحبه، ولم يكن من أمره ﷺ التيمم بالمغصوب، فيكون باطلاً مردودًا على صاحبه (٣). المناقشة: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما نوقش به الاستدلال بالدليلين السابقين. ثالثًا: من المعقول: أن التيمم وهو عبادة لا يتأدى بما هو منهي عنه، فلا يستعمل هذا التراب

стр. 488

المنهي عنه لأنه ممنوع شرعًا فهو كالمعدوم حسًا، فتكون صورة التطهير معدومة حسًا مع العمد، وذلك مبطل للطهارة والصلاة (١). المناقشة: نوقش بالمنع؛ وذلك لأن الله حين أمر بالطهارة لم يشترط فيها أن تكون الأداءة مباحة، بل إنه أوجب الطهارة مطلقًا، وحرم الغصب، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطًا، كما لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم، فكذلك ها هنا (٢). الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بصحة التيمم بالتراب المغصوب، وذلك لقوة دليلهم، ولأن أدلة القول الثاني تم مناقشتها. ويؤيد ذلك أنه لم يثبت دليل صحيح يدل على عدم صحة التيمم بالتراب المغصوب.

стр. 489

الباب الرابع فروض التيمم وفيه ثلاثة فروض: الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب. الفرض الثاني: الترتيب. الفرض الثالث: الموالاة.

стр. 490

الفرض الأول مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: تحديد أعضاء التيمم. المبحث الثاني: تحديد مسح اليدين. المبحث الثالث: تحديد القدر الواجب من الضرب في التيمم. المبحث الرابع: حكم استيعاب المسح للوجه واليدين. المبحث الخامس: حكم إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف. المبحث السادس: صفة مسح الوجه واليدين. المبحث السابع: حكم التيمم من غير ضرب. المبحث الثامن: حكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها. المبحث التاسع: حكم مسح الوجه بيد واحدة أو ببعض أصابعه.

стр. 491

المبحث الأول تحديد أعضاء التيمم اتفق الفقهاء على أن الوجه واليدين هما من فروض التيمم، فلا يكون التيمم إلا فيهما، سواء أكان التيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر (١)، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٢). واستدلوا على ذلك بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. ثانيًا: من السنة: ٤٢ ـ حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (٣). ٤٣ ـ حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحر بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٤).

стр. 492

وجه الدلالة: أن هذه الأدلة تدل على فرضية مسح الوجه واليدين في التيمم.

стр. 493

المبحث الثاني تحديد مسح اليدين اتفق الفقهاء على أن مسح اليدين من فروض التيمم، واختلفوا في تحديد الواجب مسحه من اليدين، وذلك على قولين: القول الأول: أنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين (١)، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، ومذهب الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد) (٢). القول الثاني: أنه يجب مسح الكفين (٣) فقط، وهو قول الشافعي في القديم، ومذهب الحنابلة (٤). القول الثالث: أن الواجب هو المسح إلى الكفين، ويستحب إلى المرفقين، وهو المشهور في مذهب المالكية، واختاره القاضي أبو يعلى (٥) من الحنابلة (٦).

стр. 494

سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين (١): الأول: اشتراك اسم اليد في لغة العرب، وذلك أن اليد في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والساعد (٢)، وعلى الكف والساعد والعضد (٣). الثاني: اختلاف الأحاديث الواردة في كيفية التيمم (٤). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين، بما يلي: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الآية أطلقت اليد فقيدت بالمرفق؛ لكونه الغاية في الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل (٥).

стр. 495

المناقشة: نوقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن القياس هنا غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي (١): الأول: أن الوضوء في أربعة أعضاء بخلاف التيمم فإنه في عضوين. الثاني: أن الوضوء شرع فيه التثليث بخلاف التيمم. الثالث: أن الوضوء يغسل فيه الفم والأنف وباطن الشعر الخفيف بخلاف التيمم. الرابع: أن طهارة التيمم مبنية على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ (٢). الوجه الثاني: أن القول بأن البدل لا يكون إلا على صفة المبدل منه لا يصح، فإن البدل يأخذ حكم مبدله لا صفته (٣)، ولهذا أوجب الله تعالى الرقبة في الظهار، وفي كفارة اليمين، وكفارة قتل الخطأ، وكفارة المجامع عمدًا في نهار رمضان وهو صائم، ثم عوضها الله تعالى وأبدل من رقبة كفارة اليمين صيام
следующие страницы →