المبحث الأول
تحديد أعضاء التيمم
اتفق الفقهاء على أن الوجه واليدين هما من فروض التيمم، فلا يكون التيمم إلا فيهما، سواء أكان التيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر (١)، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
ثانيًا: من السنة:
٤٢ ـ حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (٣).
٤٣ ـ حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحر بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٤).
стр. 492
وجه الدلالة:
أن هذه الأدلة تدل على فرضية مسح الوجه واليدين في التيمم.
стр. 493
المبحث الثاني
تحديد مسح اليدين
اتفق الفقهاء على أن مسح اليدين من فروض التيمم، واختلفوا في تحديد الواجب مسحه من اليدين، وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين (١)، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، ومذهب الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد) (٢).
القول الثاني: أنه يجب مسح الكفين (٣) فقط، وهو قول الشافعي في القديم، ومذهب الحنابلة (٤).
القول الثالث: أن الواجب هو المسح إلى الكفين، ويستحب إلى المرفقين، وهو المشهور في مذهب المالكية، واختاره القاضي أبو يعلى (٥) من الحنابلة (٦).
стр. 494
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين (١):
الأول: اشتراك اسم اليد في لغة العرب، وذلك أن اليد في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والساعد (٢)، وعلى الكف والساعد والعضد (٣).
الثاني: اختلاف الأحاديث الواردة في كيفية التيمم (٤).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الآية أطلقت اليد فقيدت بالمرفق؛ لكونه الغاية في الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل (٥).
стр. 495
المناقشة:
نوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن القياس هنا غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي (١):
الأول: أن الوضوء في أربعة أعضاء بخلاف التيمم فإنه في عضوين.
الثاني: أن الوضوء شرع فيه التثليث بخلاف التيمم.
الثالث: أن الوضوء يغسل فيه الفم والأنف وباطن الشعر الخفيف بخلاف التيمم.
الرابع: أن طهارة التيمم مبنية على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ (٢).
الوجه الثاني: أن القول بأن البدل لا يكون إلا على صفة المبدل منه لا يصح، فإن البدل يأخذ حكم مبدله لا صفته (٣)، ولهذا أوجب الله تعالى الرقبة في الظهار، وفي كفارة اليمين، وكفارة قتل الخطأ، وكفارة المجامع عمدًا في نهار رمضان وهو صائم، ثم عوضها الله تعالى وأبدل من رقبة كفارة اليمين صيام
стр. 496
ثلاثة أيام، ومن رقاب القتل والجماع والظهار صيام شهرين متتابعين، وعوض من ذلك إطعامًا في الظهار والجماع ولم يعوضه في القتل، فلا يشترط أن تكون صفة البدل في المبدل منه (١).
الوجه الثالث: أن هناك دليلاً على التقييد بالكف، وهو حديث عمار ﵁ فقد تيمم النبي ﷺ إلى الكف فقط، وتقييد النص بالنص أولى من تقييد النص بالقياس.
ثانيًا: من السنة:
حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين» (٢).
المناقشة:
نوقش بأن الصواب في هذا الحديث أنه موقوف عن جابر ﵁ (٣).
стр. 497
حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (١).
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (٢).
حديث عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إلى المرفقين» (٣).
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (٤).
стр. 498
حديث الأسلع (١) ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لي: «يا أسلع قم، فارحل لنا»، فقلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية التيمم، فقال لي: «يا أسلع، قم فتيمم صعيدًا طيبًا: ضربتين، ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما» فلما انتهينا إلى الماء، قال: «يا أسلع قم فاغتسل» (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة (٣).
حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال في التيمم: «ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (٤).
стр. 499
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (١).
حديث أبي أمامة (٢)
﵁ عن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين» (٣).
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف جدًا (٤).
حديث أبي الجهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇» (٥).
стр. 500
المناقشة:
نوقش بأن هذا الحديث بهذه الرواية: «وذراعيه» ضعيف (١)، والحديث ورد في الصحيحين وليس فيه مسح الذراعين.
عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة (٢) من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى (٣) في السكة ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر» (٤).
стр. 501
المناقشة:
نوقش بأن الحديث ضعيف (١).
ثالثًا: من المعقول:
قياس التيمم على الصلاة، وذلك أن الصلاة في السفر سقط منها ركعتان، وبقي ركعتان كاملتان، فكذلك التيمم؛ حيث الذي سقط منه عضوان عن الوضوء، وبقي عضوان فيكون التيمم فيهما كاملاً كالوضوء (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه قياس في مقابلة النص، وهو حديث عمار الثابت في الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، فهو قياس فاسد الاعتبار (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه يجب مسح الكفين فقط، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أطلق اليد هنا ولم يقيدها، ومطلق اسم اليد يتناول الكف
стр. 502
فقط كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٨]، وكانت السنة في القطع من الكفين، فكذا المسح في التيمم يكون إلى الكفين (١).
المناقشة:
نوقش بأن قياس التيمم في الكفين على القطع في السرقة لا يصح؛ وذلك لأنه في القطع عقوبة لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط (٢).
الجواب:
أجيب بأن الله لما أراد في الوضوء الزيادة على الكفين قيدها بالمرفقين، فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين ـ في التيمم ـ فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكفان، كما فعلنا في السرقة، فهذا أخذ بالظاهر فلا قياس للعبادة على العقوبة (٣).
ثانيًا: من السنة:
حديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٤).
стр. 503
وفي رواية: قال عمار لعمر: تمعكت فأتيت النبي ﷺ فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ مسح وجهه وكفيه ولم يمسح إلى المرفقين مما يدل دلالة واضحة على أن الواجب في مسح اليدين إنما هو إلى الكفين.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن حديث عمار فيه اضطراب (٢)؛ لأنه روى في رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: «إلى المرفقين» والمضطرب لا يكون حجة (٣).
стр. 504
الجواب:
أجيب بأن رواية المرفقين ضعيفة (١)، بخلاف رواية الكفين فإنها في الصحيحين وهي سالمة من القدح والمعارضة، وعليه فلا اضطراب في حديث عمار؛ لكون رواية المرفقين مرجوحة ضعيفة بالنسبة إلى غيرها، فسقط الاعتبار بها.
قال ابن حجر: «وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال ... » (٢).
الوجه الثاني: أن المراد بالكفين الذراعين إطلاقًا لاسم الجزء على الكل أو المراد ظاهرهما مع الباقي (٣).
الجواب:
أجيب بأنه لا يعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين (٤).
ثالثًا: من المعقول:
أنه حكم علق على مطلق اليد فلم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج (٥).
стр. 505
أن من مسح يده إلى الكوع (١) فقد مسح مفصلاً من اليد تجب بإصابته الدية (٢).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بأن الواجب هو المسح إلى الكفين مع استحباب المسح إلى المرفقين، بما يلي:
استدلوا بمجمل أحاديث القولين الأولين، حيث حملوا حديث عمار الثابت في الصحيحين على الوجوب، وأحاديث المرفقين على الاستحباب (٣).
المناقشة:
نوقش بأنه إنما ينبغي أن يصار إلى هذا القول إن صحت أحاديث المرفقين (٤).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأن الواجب هو مسح الكفين فقط، وذلك لما يلي:
стр. 506
أن حديث عمار ﵁ صحيح وصريح في وجوب الاقتصار على مسح الوجه والكفين، ولهذا عقد البخاري في صحيحه باب «التيمم للوجه والكفين» (١)، وأتى بذلك على صيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله (٢).
أنه لم يثبت حديث مرفوع إلى النبي ﷺ بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفًا على بعض الصحابة، وقول الصحابي إذا خالف قول النبي ﷺ فلا عبرة به.
أن عمارًا الراوي للحديث كان يفتي بعد النبي ﷺ بأن الواجب هو الاقتصار على الوجه والكفين، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره (٣).
стр. 507
المبحث الثالث
تحديد القدر الواجب من الضرب
في التيمم
للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الواجب ضربتان، واحدة للوجه، وأخرى لليدين، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، وهو المذهب عند الشافعية (١).
القول الثاني: أن الواجب والمسنون ضربة واحدة فقط للوجه واليدين، وهو مذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث: أن الواجب ضربة واحدة، لكن يسن ضربة أخرى، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها القاضي أبو يعلى (٣).
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ثلاثة أمور (٤):
стр. 508
الأول: الإجمال الوارد في آية التيمم.
الثاني: التعارض بين الأحاديث الواردة في المسألة، إذ أفاد بعضها أن التيمم ضربة واحدة، وأفاد بعضها الآخر أنه ضربتان.
الثالث: معارضة المعقول للمنقول، وذلك أن قياس التيمم على الوضوء يقتضي تخصيص كل من الوجه واليدين بضربة مستقلة، وهذا يعارض النص الوارد في أن التيمم ضربة واحدة.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن التيمم ضربتان، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الآية وإن لم تتعرض للأمر بتكرار التيمم من الصعيد نصًا، إلا أنها تعرضت له دلالة؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين مختلفين عند الوضوء، فكذلك في التيمم لا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين مختلفين أيضًا؛ لأن البدل لا يخالف المبدل (١).
стр. 509
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه قياس في مقابلة النص، وهو حديث عمار الثابت في الصحيحين في الاقتصار على ضربة واحدة (١).
ثانيًا: من السنة:
ما رواه عبيد الله بن عبد الله (٢) عن عمار ﵁: «أنه كان يحدث أنهم تمسحوا مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (٣).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الواجب في التيمم الضرب على الصعيد ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
стр. 510
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لانقطاعه، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر (١).
الجواب: أن الحديث صحيح لاتصال إسناده من طرق أخرى (٢).
الوجه الثاني: على التسليم بصحته، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن عمارًا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي ﷺ علمه صفة التيمم، فالحجة فيما أمر به النبي ﷺ ، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علمهم بعد النبي ﷺ في ولايته أيام عمر على الكوفة أن التيمم ضربة للوجه والكفين (٣).
الثاني: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، قاله الشافعي وغيره (٤).
стр. 511
استدلوا بالأحاديث التي نصت على ذكر الضربتين، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث في المبحث السابق عند ذكر أدلة من قال بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين (١).
المناقشة:
تقدم مناقشة هذه الأحاديث التي اشتملت على ذكر الضربتين (٢)، فلا داعي للتكرار.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الواجب المسنون ضربة واحدة فقط، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالتيمم مطلقًا فلم يقيده بضربة أو بضربتين، وامتثال هذا الأمر يحصل بضربة واحدة، فلا يجب أكثر منها (٣).
стр. 512
ثانيًا: من السنة:
حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك هكذا»، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (٢).
وجه الدلالة:
أن الحديث نص في أن المشروع المجزئ في التيمم ضربة واحدة، ولو كان المشروع أكثر من ضربة لعلم النبي ﷺ ذلك لعمار ﵁، إذ يبعد أن يقتصر النبي ﷺ على تعليمه الجائز فقط، ويدع تعليمه فيما هو أفضل منه.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث لا يدل على أن الواجب ضربة واحدة؛ لأن المراد بالحديث هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التعليم (٣).
стр. 513
الجواب:
أجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن سياق الحديث يدل على أن المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: «إنما كان يكفيك» (١)، فحمله على مجرد تعليم صورة الضرب حمل بعيد (٢).
الثاني: أن النبي ﷺ كان في معرض بيان الحاجة، فلو لم يكن المقصود من التعليم بيان جميع ما يحصل به التيمم لكان ذلك سكوتًا في معرض الحاجة، وهو غير جائز من صاحب الشرع (٣).
الوجه الثاني: أن تعليم النبي ﷺ لعمار ﵁ وقع بالفعل، وقد وردت الأحاديث القولية بأن الضرب على الصعيد ضربتان، والراجح تقديم القول على الفعل (٤).
الجواب:
أجيب بأن تعليم عمار ﵁ وإن كان بالفعل لكن انضم إليه قول النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا»، وعليه فإن هذا الحديث يكون في حكم الحديث القولي (٥).
стр. 514
وقد ورد في رواية أخرى للحديث قوله ﷺ : «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (١)، وهذا يدل على أن تعليمه ﷺ لعمار وقع بالقول أيضًا.
أدلة القول الثالث:
يمكن أن يستدل لهم بمجمل أحاديث القولين الأولين، فيحمل حديث عمار الثابت في الصحيحين على أن الواجب ضربة واحدة فقط، وأما أحاديث الضربتين فتحمل على الاستحباب.
المناقشة:
يمكن مناقشته بالتسليم على أن الواجب ضربة واحدة فقط، ولكن لا نسلم بحمل أحاديث الضربتين على الاستحباب؛ وذلك لأن أحاديث الضربتين أحاديث ضعيفة جدًا، وبعضها الصحيح فيه أنه موقوف، وقد سبق بيان ذلك (٢)، وعليه فلا تكون تلك الأحاديث حجة على استحباب الضربة الثانية.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأن الواجب والمسنون في التيمم ضربة واحدة فقط، وذلك لما يلي:
أن حديث عمار ﵁ صريح في أن الضربة الواحدة كافية، ولم يأت دليل صحيح صريح بالزيادة على ذلك.
стр. 515
أن ما عدا حديث عمار ﵁ من أحاديث الضربتين، فهو إما ضعيف، أو موقوف، ومعلوم أن الضعيف لا يصلح للاحتجاج به، والموقوف لا يُسقط المرفوع.
قال الشوكاني ﵀: «والحاصل أن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة، ... وجميع ما ورد في الضربتين لا يخلو من ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل به حتى يقال إنه مُشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، ... فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار ﵁ من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على هذا المقدار) (١).
٤٤ ـ أن ما ثبت عن عمار ﵁ أنه كان يعلم الناس التيمم بعد وفاة النبي ﷺ ضربة واحدة للوجه واليدين، يوافق أثبت ما روي عن النبي ﷺ ولا يقوى على معارضته أحاديث الضربتين.
٤ ـ ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.
стр. 516
المبحث الرابع
حكم استيعاب المسح للوجه واليدين
اختلف الفقهاء في حكم استيعاب عضوي التيمم بالمسح، فهل يجب الاستيعاب أم لا؟ وذلك على قولين (١):
القول الأول: أنه يجب الاستيعاب، فإن ترك موضعًا كان يغسله بالماء في الوضوء لم يمسحه بالتراب في التيمم لم يجزئه وإن قل، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
القول الثاني: أنه لا يجب الاستيعاب، بل إذا مسح الأكثر فإنه يقوم مقام الكل، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال ابن مسلمة من المالكية.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنه يجب استيعاب عضوي التيمم بالمسح، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح في الآية، والأمر بالمسح تعلق باسم
стр. 517
الوجه واليدين، وهذا يقتضي أن يكون المسح لجميع الوجه واليدين، إذ إن الباء هنا للإلصاق وليست للتبعيض فوجب الاستيعاب (١).
ثانيًا: من المعقول:
أن التيم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الوضوء من تمام الركن فكذا في البدل (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن البدل إنما يقوم مقام المبدل عنه في حكمه فقط، لا في صفته، ولهذا لايجب في التيمم المضمضة والاستنشاق بخلاف الوضوء، ولا يستحب في التيمم تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء، فلما ثبت الفرق بين المقيس والمقيس عليه بطل القياس.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه لا يجب الاستيعاب، بما يلي:
١ - أن هذا مسح فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس والخف (٣).
٢ - أن ذلك مما تكثر به البلوى فوجب التخفيف (٤).
стр. 518
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بعدم وجوب الاستيعاب في التيمم، وذلك لقوة دليلهم، ولما يلي:
١ - عدم الدليل الصريح على وجوب الاستيعاب في التيمم، وكل الأحاديث الواردة في ذلك لم تذكر أنه ﷺ مسح جميع وجهه ويديه، وإنما ورد فيها «ومسح وجهه وكفيه»، وعادة الشرع في المسح لا تقتضي الاستيعاب.
قال ابن حزم ﵀: «إن لفظة المسح لم تأتِ في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسح على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان» (١).
١ - أن اشتراط مسح الكل فيه حرج، والحرج منفي في الشريعة.
٢ - أن الاستيعاب لو كان واجبًا لشرع تكرار المسح للمتيمم حتى يحصل الاستيعاب، فلما لم يشرع تكرار المسح للمتيمم علم أن الاستيعاب ليس بواجب.
وينبني على الخلاف في هذه المسألة مسألة أخرى وهي: حكم نزع الخاتم عند مسح اليد، فعلى القول الأول يجب نزع الخاتم، وعلى القول الثاني لا يجب (٢).
стр. 519
الترجيح:
والراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأنه لا يجب نزع الخاتم، وذلك لما ذكرنا من عدم وجوب الاستيعاب في التيمم، ولأن القول بالوجوب ينافي التيمم المبني على اليسر والتخفيف.
стр. 520
المبحث الخامس
حكم إيصال التراب إلى ما تحت
الشعر الخفيف
اختلف الفقهاء في حكم إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف كالعنفقة (١)، وشعر الحاجبين، وشعر اللحية الخفيف، فهل يجب إيصال التراب إليها أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (٢).
القول الثاني: أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف، وهو قول الحنفية، ووجه عند الشافعية والحنابلة (٣).
стр. 521
دليل القول الأول:
استدل القائلون بأنه لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف بأن ما ورد من صفة تيمم النبي ﷺ في حديث عمار وغيره يدل على أنه ﷺ مسح وجهه بضربة واحدة، وبالضربة الواحدة لا يصل التراب إلى منابت الشعر (١).
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بأنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف بأن الوضوء يجب فيه إيصال الماء إلى منابت الشعر، والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل له حكم مبدله (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه قياس مع الفارق؛ لأن طهارة التيمم مبنية على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ. وقد تقدم بيان وجه الفرق بين التيمم والوضوء بالتفصيل (٣)، فلا داعي للتكرار.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بعدم وجوب إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف، وذلك لقوة دليلهم، ولحصول المشقة في إيصال التراب إلى منابت هذه الشعور، وما شرع التيمم إلا للتيسير على المكلف ولرفع الحرج عنه، فالقول بعدم الوجوب هو المتناسب مع الرخصة والتيسير.
стр. 522
المبحث السادس
صفة مسح الوجه واليدين
تقدم اختلاف الفقهاء في حد اليد المأمور بمسحها في التيمم، وكذلك اختلافهم في عدد ضربات التيمم، وبناء على الاختلاف في هاتين المسألتين اختلفوا في صفة مسح الوجه واليدين في التيمم، وفيما يلي بيان أقوال المذاهب في صفة المسح:
أولاً: الحنفية:
يضرب المتيمم بيديه على الأرض ضربة واحدة يقبل بهما ويدبر (١)، ثم يرفعهما وينفضهما أو ينفخ فيهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما الأرض مرة أخرى فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ (٢)، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك (٣).
стр. 523
ثانيًا: المالكية:
يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضًا خفيفا، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكف، ويفعل باليسرى كذلك (١).
ثالثًا: الشافعية:
يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع (٢) ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب الضربة الثانية ويضع بطون أصابع اليد اليسرى سوى الإبهام على ظهر أصابع اليمنى سوى الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع ويمرها على المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعًا إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه (٣).
رابعًا: الحنابلة:
يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، فيمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه بباطن راحتيه (٤).
стр. 524
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو أن يقال أن صفة المسح هي: أن يضرب المتيمم بيديه الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع، ويمسح الوجه بالكفين، ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض، وكيفما مسح أجزأه وحصل المقصود.
وأسباب ترجيح هذه الصفة ما يلي:
أن هذه الصفة هي الموافقة لما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ كما في حديث عمار الثابت في الصحيحين.
أن ماذكره الفقهاء من تخصيص مسح الوجه واليدين بصفة معينة مخالف لما جاءت به الأدلة الشرعية، حيث لم يأت دليل شرعي يدل على ما ذكروه من صفة المسح، بل وقد نص بعض الفقهاء من كل مذهب على أن ما ذكروه من صفة المسح هو خلاف ما جاءت به السنة.
قال النووي: «قال الرافعي: وزعم بعضهم أن هذه الكيفية منقولة عن فعل الرسول ﷺ ، وليس هذا بشيء، قال أصحابنا: كيف أوصل التراب إلى وجهه واليدين بضربتين فأكثر بيده أو خرقة أو خشبة جاز، ونص عليه في الأم» (١).
وقال ابن تيمية: «وما ذكره بعض الأصحاب، من أنه يجعل الأصابع للوجه، وبطون الراحتين لظهور الكفين، خلاف ما جاءت به الأحاديث، وليس في كلام أحمد ما يدل عليه، وهو متعسر أو متعذر وهو بدعة لا أصل لها في الشرع» (٢).
стр. 525
وكذلك ذكر العيني من الحنفية، والقرافي (١) من المالكية بأن هذه الصفة ـ أي صفة المسح عند الحنفية والمالكية ـ لم ترد في السنة (٢).
فإذا لم يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى على ما ذهبوا إليه دليلًا من كتاب الله أو سنة، فإن قولهم حينئذ يكون مردودًا؛ لأن المسح عبادة، والعبادة توقيفية تحتاج إلى دليل.
أن إطلاق مسح الوجه واليدين دون تخصيص المسح بكيفية معينة هو الموافق ليسر الشريعة ورفع الحرج، بخلاف ما ذكره الفقهاء من تخصيص المسح بصفة معينة، فإن فيها من التكليف والحرج ما يخالف نفي الحرج في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 526
المبحث السابع
حكم التيمم من غير ضرب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم ضرب الأرض باليد.
المطلب الثاني: حكم من وصل التراب إلى وجهه ويديه من غير ضرب.
المطلب الثالث: حكم التمعك في التراب بنية التيمم.
стр. 527
المطلب الأول
حكم ضرب الأرض باليد
اختلف الفقهاء في حكم من وضع يديه على الأرض بدون ضرب، فهل يجب ضرب الأرض باليدين أم لا؟ وذلك على قولين (١):
القول الأول: أنه لا يحب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب صح تيممه وأجزأه، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
القول الثاني: أن الضرب ركن، فلا يصح التيمم بدون ضرب الأرض، وهو قول للحنفية.
أدلة القول الأول:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح فقط، ولم يأمر بضرب الأرض (٢).
стр. 528
ثانيًا: من المعقول:
أن المقصود هو إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء (١).
دليل القول الثاني:
استدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الضرب من مسمى التيمم، فلا يصح التيمم إلا به (٣).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (٤).
الوجه الثاني: على التسليم بصحته، فلا دلالة فيه على أن الضرب من أركان التيمم، وإنما يحمل الحديث على أن الضرب أعم وأبلغ من وضع اليدين على الأرض، أو يكون الحديث خرج مخرج الغالب (٥).
стр. 529
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض صح تيممه وأجزأه، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.
مسألة: حكم من أحدث بعد الضرب وقبل المسح:
تقدم اختلاف الفقهاء في حكم ضرب الأرض باليد في المسألة السابقة، وأن الراجح هو أنه لا يجب ضرب الأرض باليد.
وينبني على الخلاف السابق ما لو ضرب المتيمم الأرض بيديه ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه، فهل يكمل المسح بتلك الضربة أم لابد من إعادة ضرب الأرض مرة أخرى، ثم المسح؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١)(٢).
القول الأول: أنه يبطل تيممه، وعليه إعادة ضرب الأرض، وهو قول للحنفية، والمذهب عند الشافعية، إلا أن الشافعية قالوا: إذا جدد النية قبل وصول التراب للوجه صح تيممه.
القول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، وليس عليه الإعادة، وهو قول للحنفية.
стр. 530
دليل القول الأول:
أنه أحدث بعد ما أتى ببعض التيمم، فكان كمن أحدث في خلال الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع، وذلك لأن المأمور به في التيمم هو مسح الوجه واليدين، وأما ضرب الأرض أو نقل التراب من الأرض إلى العضو الممسوح فليسا من أركان التيمم حتى يقال إن من أحدث بعد الضرب وقبل المسح فقد بطل تيممه كالوضوء، فليس هناك أي دليل يدل على أن الضرب أو النقل من أركان التيمم.
دليل القول الثاني:
استدلوا بأنه يجزئه تيممه ذلك، قياسًا على من ملأ كفيه ماءً للوضوء، ثم أحدث، ثم استعمله في الوجه فإنه يجزئه (٢).
المناقشة:
نوقش بأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب (٣).