المبحث السابع
حكم التيمم من غير ضرب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم ضرب الأرض باليد.
المطلب الثاني: حكم من وصل التراب إلى وجهه ويديه من غير ضرب.
المطلب الثالث: حكم التمعك في التراب بنية التيمم.
стр. 527
المطلب الأول
حكم ضرب الأرض باليد
اختلف الفقهاء في حكم من وضع يديه على الأرض بدون ضرب، فهل يجب ضرب الأرض باليدين أم لا؟ وذلك على قولين (١):
القول الأول: أنه لا يحب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب صح تيممه وأجزأه، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
القول الثاني: أن الضرب ركن، فلا يصح التيمم بدون ضرب الأرض، وهو قول للحنفية.
أدلة القول الأول:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح فقط، ولم يأمر بضرب الأرض (٢).
стр. 528
ثانيًا: من المعقول:
أن المقصود هو إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء (١).
دليل القول الثاني:
استدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الضرب من مسمى التيمم، فلا يصح التيمم إلا به (٣).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (٤).
الوجه الثاني: على التسليم بصحته، فلا دلالة فيه على أن الضرب من أركان التيمم، وإنما يحمل الحديث على أن الضرب أعم وأبلغ من وضع اليدين على الأرض، أو يكون الحديث خرج مخرج الغالب (٥).
стр. 529
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض صح تيممه وأجزأه، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.
مسألة: حكم من أحدث بعد الضرب وقبل المسح:
تقدم اختلاف الفقهاء في حكم ضرب الأرض باليد في المسألة السابقة، وأن الراجح هو أنه لا يجب ضرب الأرض باليد.
وينبني على الخلاف السابق ما لو ضرب المتيمم الأرض بيديه ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه، فهل يكمل المسح بتلك الضربة أم لابد من إعادة ضرب الأرض مرة أخرى، ثم المسح؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١)(٢).
القول الأول: أنه يبطل تيممه، وعليه إعادة ضرب الأرض، وهو قول للحنفية، والمذهب عند الشافعية، إلا أن الشافعية قالوا: إذا جدد النية قبل وصول التراب للوجه صح تيممه.
القول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، وليس عليه الإعادة، وهو قول للحنفية.
стр. 530
دليل القول الأول:
أنه أحدث بعد ما أتى ببعض التيمم، فكان كمن أحدث في خلال الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع، وذلك لأن المأمور به في التيمم هو مسح الوجه واليدين، وأما ضرب الأرض أو نقل التراب من الأرض إلى العضو الممسوح فليسا من أركان التيمم حتى يقال إن من أحدث بعد الضرب وقبل المسح فقد بطل تيممه كالوضوء، فليس هناك أي دليل يدل على أن الضرب أو النقل من أركان التيمم.
دليل القول الثاني:
استدلوا بأنه يجزئه تيممه ذلك، قياسًا على من ملأ كفيه ماءً للوضوء، ثم أحدث، ثم استعمله في الوجه فإنه يجزئه (٢).
المناقشة:
نوقش بأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب (٣).
стр. 531
الجواب:
يمكن أن يجاب بقلب المناقشة فيقال: هذه حجة عليكم لا لكم، وبيان ذلك بأنه إذا كان النقل ليس شرطًا في طهارة الماء، فكذلك النقل ليس شرطًا في طهارة البدل، إذ ليس هناك أي دليل يدل على أن النقل فرض أو شرط في التيمم.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأنه لا يبطل تيمم من أحدث بعد الضرب وقبل المسح، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.
стр. 532
المطلب الثاني
حكم من وصل التراب إلى وجهه
ويديه من غير ضرب
المقصود بهذه المسألة: لو انتقل التراب إلى الوجه واليدين بغير ضرب، كما لو سفت الريح التراب على وجه المتيمم ويديه فهل يصح تيممه أم لا؟
اتفق الفقهاء على أنه لوسفت الريح على المكلف ترابًا استوعب وجهه ويديه ولم يقصد طهارة التيمم لم يجزئه ذلك بلا خلاف (١).
واختلفوا فيما لو قصد الريح وصمد لها بنية التيمم، فهل يصح تيممه ويجزئه أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصح تيممه، وهو قول المالكية، والصحيح من مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
القول الثاني: أنه يصح تيممه إذا مسح وجهه ويديه وإلا فلا، وهو قول الحنفية، واختاره متأخرو الحنابلة (٣).
стр. 533
القول الثالث: أنه يصح تيممه ويجزئه، وهو قول للشافعية والحنابلة (١).
دليل القول الأول:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بقصد الصعيد، والنقل طريقه، فلابد من نقل التراب إلى الوجه واليدين (٢)، ولا يكفي أن يقف في مهب الريح وينوي التيمم (٣).
المناقشة:
نوقش بأن من تعرض لهبوب التراب على أعضاء التيمم مع القصد فقد قصد الصعيد الطيب (٤).
دليل القول الثاني:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح، ومرور التراب على الوجه لا يسمى مسحًا (٥)، فلابد من المسح حتى يتحقق بذلك التيمم على الصفة المشروعة.
стр. 534
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المسح إنما يلزم المتيمم لأن التراب على الأرض فيحتاج أن ينقله منها إلى أعضائه بالضرب عليها بيديه، أما هنا فقد أدت الريح عنه هذا العمل فنقلت التراب إلى أعضائه، فلا يحتاج للمسح.
أدلة القول الثالث:
٤٦ ـ أنه قد قصد التيمم (١).
٤٧ ـ القياس على المتوضئ إذا صمد للمطر حتى جرى على أعضائه، فإن ذلك يجزئه، فكذلك المتيمم لو قصد بوقوفه في مهب الريح التيمم أجزأه ذلك (٢).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بأنه يصح تيمم من قصد الريح وصمد لها بنية التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.
стр. 535
المطلب الثالث
حكم التمعك في التراب بنية التيمم
اتفق الفقهاء على أنه لو تمعك المتيمم في التراب فأصاب التراب وجهه ويديه ومسحهما به أجزأه إن كان ذلك لعذر كالأقطع وغيره (١)، وذلك لأن المقصود قد حصل (٢).
واختلفوا إن كان ذلك بغير عذر فهل يصح تيممه أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يصح تيممه، وهو قول الحنفية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (٣)؛ وعللوا ذلك بأن الأصل قصد التراب وقد حصل (٤).
القول الثاني: أنه لا يصح تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية (٥)؛ لأن وضع اليدين على الأرض فرض عند المالكية (٦)، وأما الشافعية فعللوا ذلك بأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التيمم إنما نقل العضو إليه (٧).
стр. 536
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه يصح تيمم من تمعك في التراب بنية التيمم، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن قول المالكية يحتاج إلى دليل يدل على أن الوضع من أركان التيمم، فإن المأمور به المسح ليس غير، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وأما تعليل الشافعية بأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التيمم فيمكن مناقشته بأن النقل قد حصل، وإن لم يكن بواسطة اليد (١)، وقد سبق أن ذكرنا أن النقل في الأصل ليس بفرض في التيمم كالوضوء (٢).
стр. 537
المبحث الثامن
حكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها
اتفق الفقهاء على أنه من قطعت يده وجب عليه مسح ما بقي من الفرض، فإن قطعت يده من الكوع فعلى قول من يرى أن التيمم إلى الكوع فقط قال بمسح موضع القطع، وعلى قول من يرى أن التيمم إلى المرفق قال بمسح ما بقي من القطع.
وإن كان القطع من المرفق فعلى القول الأول لا يجب عليه المسح، وأما على القول الثاني فإن كان القطع من المرفق فإنه يجب مسح موضع القطع، وإن كان القطع فوق المرفق فلا يجب المسح (١).
وكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢).
стр. 538
وجه الدلالة من الآية والحديث:
أن من استطاع أن يغسل بعض محل الفرض فإنه يجب عليه ذلك؛ لدخوله تحت قدرته، ويسقط عنه ما عجز عنه.
ثالثًا: من المعقول:
القياس على الوضوء، فكما أنه إذا قطع من المرفقين في الوضوء غسل ما بقي من محل الفرض فكذلك هاهنا، فإن البدل يأخذ حكم المبدل منه (١).
стр. 539
المبحث التاسع
حكم مسح الوجه بيد واحدة
أو ببعض أصابعه
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يجوز مسح الوجه، ولو بإصبع واحدة، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (١).
القول الثاني: أنه يشترط أن يمسح الوجه بجميع اليد أو أكثرها، فلا يجزئ المسح بأقل من ثلاثة أصابع، وهو قول الحنفية (٢).
أدلة القول الأول:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح، ولم يعين آلته (٣)، فكيف حصل المسح أجزأ.
стр. 540
ثانيًا: من المعقول:
أن المقصود هو إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز (١).
دليل القول الثاني:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله أمر بالمسح، والأمر بالمسح يقتضي آلة؛ إذ المسح لا يكون إلا بآلة وآلة المسح هي أصابع اليد عادة، وثلاث أصابع اليد أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل، فصار كأنه نص على الثلاث (٢).
المناقشة:
نوقش بالمنع؛ لأن الآية اقتضت المسح بأي طريق كان (٣).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو قول الجمهور القائل بأنه يجوز مسح الوجه ولو بإصبع واحدة، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.
стр. 541
الفرض الثاني
الترتيب
اتفق الفقهاء على مشروعية الترتيب في التيمم، بأن يمسح وجهه أولاً ثم يديه، واختلفوا في فرضيته، هل هو من فروض التيمم أو من سننه؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الترتيب سنة في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول عند الحنابلة (١).
القول الثاني: أن الترتيب فرض في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الشافعية (٢).
القول الثالث: أن الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو قول الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بسنية الترتيب في التيمم مطلقًا، بما يلي:
стр. 542
أولاً: من السنة:
حديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا»، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ عطف مسح الوجه على مسح اليدين بـ (ثم) الدالة على الترتيب، فدل ذلك على أنه لا يجب الترتيب فيجوز مسح الوجه ثم اليدين وبالعكس (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن الحديث يدل على عدم وجوب الترتيب في الحدث الأكبر دون الأصغر، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على سنية الترتيب في التيمم مطلقًا.
ثانيًا: من المعقول:
القياس على الوضوء، فكما لا يجب الترتيب في الوضوء فكذلك لا يجب في التيمم؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس.
стр. 543
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بفرضية الترتيب في التيمم مطلقًا، بما يلي:
من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله بدأ بالوجه قبل اليدين فوجب الترتيب بينهما؛ لقوله ﷺ : «نبدأ بما بدأ الله به» (١)، وفي رواية: «ابدأوا بما بدأ الله به» (٢) بصيغة الأمر (٣).
стр. 544
المناقشة:
نوقش بأن الرواية التي بصيغة الخبر لا حجة فيها؛ لأن غاية ما فيها الدلالة على السنية؛ لأن فعله ﷺ ليس بفرض إلا مع القرينة، ولا قرينة هنا (١).
وأما الرواية التي بصيغة الأمر فهي شاذة لا حجة فيها؛ لأن الرواية التي بصيغة الخبر أرجح منها؛ لحفظ رواتها وكثرتهم (٢).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بفرضية الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عمار المتقدم في أدلة القول الأول.
стр. 545
وجه الدلالة:
دل الحديث على ترك الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر؛ لأن ما وقع لعمار هو الجنابة، والنبي ﷺ علّمه ما يشرع لها.
ثانيًا: من المعقول:
القياس على الوضوء، فكما وجب الترتيب في الوضوء فكذلك يجب في التيمم؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (١).
المناقشة:
يمكنه مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بأن الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وذلك لما يلي:
أن الذين نقلوا صفة تيمم النبي ﷺ ذكروا أنه تيمم تيممًا مرتبًا فمسح بوجهه ثم يديه، فدل ذلك على وجوب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر، بخلاف التيمم عن الحدث الأكبر فقد جاء حديث عمار ﵁ المتقدم دالاً على عدم وجوب الترتيب فيه، فقلنا بعدم الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر لحديث عمار، وبقي الترتيب واجبًا في التيمم من الحدث الأصغر.
стр. 546
أنه قد ثبت اتفاق الفقهاء على أنه لا يجب الترتيب في الغسل بالماء (١)، فإذا لم يفترض الترتيب في الأصل وهو الاغتسال بالماء فلأن لا يفترض في بدله وهو التيمم من باب أولى.
أن بهذا القول يتم الجمع بين الأدلة، فلا يصار إلى الترجيح.
стр. 547
الفرض الثالث
الموالاة
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: حكم الموالاة بين أعضاء التيمم.
المبحث الثاني: حكم الموالاة بين التيمم والصلاة.
стр. 548
تمهيد
الموالاة في اللغة: المتابعة (١)، ولمعرفة ضابط الموالاة بين أعضاء التيمم لابد من الرجوع إلى القدر المذكور في ضابط الموالاة في الوضوء، والضابط في موالاة الوضوء هو: ألا يؤخر المتوضئ غسل عضو حتى يجف الذي قبله في الزمان المعتدل.
غير أن التيمم طهارة ترابية لا غسل فيها فكيف نحدد الموالاة فيه؟
تقدر الموالاة في التيمم بقدرها زمنًا في الوضوء، ويقدّر الممسوح مغسولاً، فتكون الموالاة هي: ألا يؤخر المتيمم مسح عضو حتى يجف ما قبله لو كان مغسولاً بزمن معتدل (٢).
فهل الموالاة فرض من فروض التيمم لا يصح التيمم إلا بها أو هي سنة من سنن التيمم؟
ثم هل تجب الموالاة بين التيمم والصلاة أم لا؟
الجواب سيتضح من خلال المبحثين التاليين:
стр. 549
المبحث الأول
حكم الموالاة بين أعضاء التيمم
اتفق الفقهاء على مشروعية الموالاة بين أعضاء التيمم، واختلفوا في فرضيته، هل هو من فروض التيمم أم من سننه؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الموالاة سنة في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الحنفية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (١).
القول الثاني: أن الموالاة فرض في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول المالكية (٢).
القول الثالث: أن الموالاة فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو قول الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
استدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما لا تلزم الموالاة في الوضوء والغسل فكذلك لا تلزم في البدل وهو التيمم (٤).
стр. 550
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس (١).
دليل القول الثاني:
استدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما تلزم الموالاة في الوضوء والغسل فكذلك في بدله (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الأول.
دليل القول الثالث:
استدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما تلزم الموالاة في الوضوء دون الغسل فكذلك في بدله (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الأول.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بأن الموالاة فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وذلك لما يلي:
стр. 551
أن القول بوجوب الموالاة في الغسل يحتاج إلى دليل شرعي، وليس هناك أي دليل شرعي يدل على وجوب الموالاة في الغسل، بل المأمور به في الغسل هو غسل البدن، فكيفما غسل فقد قام بما أوجب الله عليه، وإذا لم تجب الموالاة في الغسل فكذلك لا تجب في بدله، بخلاف الوضوء عن الحدث الأصغر فقد ورد في الحديث الصحيح ما يدل على وجوب الموالاة في الوضوء، كما في حديث جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع ثم صلى (١).
قال القاضي عياض (٢): «في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله ﷺ : «أحسن وضوءك» ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته» (٣).
وإذا وجبت الموالاة في الوضوء فإن التيمم بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل.
стр. 552
المبحث الثاني
حكم الموالاة بين التيمم والصلاة
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، فيجوز للمتيمم أن يتيمم في أول الوقت ويؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، وهو ظاهر مذهب الحنفية (١)، والمذهب عند الشافعية (٢)، وظاهر مذهب الحنابلة (٣).
القول الثاني: أنه تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، فإن فرق بينهما تفريقًا كثيرًا ـ ولو ناسيًا ـ بطل تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية (٤).
стр. 553
دليل القول الأول:
استدلوا بأن المتيمم إذا تيمم في أول الوقت وأخر الصلاة إلى آخر الوقت صح تيممه؛ لأنه تيمم في وقت يمكنه فعل الصلاة فيه (١).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، بما يلي:
أن التيمم ضعيف مما يقتضي لزوم الموالاة بينه وبين الصلاة (٢).
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن البدل يأخذ حكم المبدل، فما ثبت للبدل ثبت لمبدله.
أن التيمم طهارة ضرورة، فكانت كطهارة المستحاضة يلزمها تعجيل الصلاة عقيب طهارتها (٣).
المناقشة:
نُوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن حدث المستحاضة يتوالى عقيب الطهارة، فبطلت طهارتها بالتأخير، بخلاف التيمم فليس بعده حدث يمنع من التأخير (٤).
стр. 554
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن القول بالوجوب هو حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أجد دليلاً يدل على وجوب الموالاة بين التيمم والصلاة، والأصل عدم الوجوب إلا بدليل.
стр. 555
الباب الخامس
سنن التيمم ومكروهاته
وفيه فصلان:
الفصل الأول: سنن التيمم.
الفصل الثاني: مكروهات التيمم.
стр. 556
الفصل الأول
سنن التيمم
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: التسمية.
المبحث الثاني: تقديم اليد اليمنى على اليسرى.
المبحث الثالث: استقبال القبلة.
المبحث الرابع: تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.
المبحث الخامس: تفريج الأصابع.
المبحث السادس: تخليل الأصابع.
المبحث السابع: سنن أخرى تُستحب في التيمم.
стр. 557
المبحث الأول
التسمية
اختلف الفقهاء في حكم التسمية عند ابتداء التيمم بناء على اختلافهم في حكمها عند الوضوء، وكان اختلافهم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التسمية عند ابتداء التيمم سنة، وهو قول الحنفية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (١).
القول الثاني: أن التسمية عند ابتداء التيمم فضيلة يندب الإتيان بها، وهو قول المالكية (٢).
القول الثالث: أن التسمية عند ابتداء التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي، وهو الصحيح عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
استدلوا بأن التسمية مستحبة في الوضوء وجميع العبادات، وغيرها من الأفعال حتى عند الجماع، ولذا عقد البخاري في ذلك بابًا في صحيحه فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع، واحتج بحديث ابن عباس
стр. 558
رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره» (١).
فإذا كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال من باب أولى (٢).
دليل القول الثاني:
استدلوا بأن التسمية لما كانت مندوبة عند الوضوء والغسل، كانت كذلك مندوبة عند التيمم؛ لأنه بدل عنهما، والبدل يأخذ حكم المبدل (٣).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المقيس عليه مختلف فيه، فلا يصح القياس.
دليل القول الثالث:
استدل القائلون بأن التسمية عند التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٤).
стр. 559
وجه الدلالة:
دل الحديث على وجوب التسمية في الوضوء، والتيمم خلف عنه، فيثبت فيه ما ثبت في الأصل قياسًا عليه (١).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (٢).
الوجه الثاني: على التسليم بصحته، فإنه يجاب عنه بجوابين:
الأول: أن المراد بالذكر النية (٣).
الثاني: أنه محمول على نفي الكمال دون الإجزاء (٤).
стр. 560
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأن التسمية عند ابتداء التيمم سنة، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.
стр. 561
المبحث الثاني
تقديم اليد اليمنى على اليسرى
اتفق الفقهاء على استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في المسح، ولو خالف فقدم مسح اليد اليسرى على اليد اليمنى فاته الفضل، وصح تيممه (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
٤٨ ـ حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب التيامن في التيمم.
٤٩ ـ حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» (٣).
стр. 562
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب التيامن في التيمم؛ لأن قولها: «يعجبه» ظاهر في استحباب ما ذكر من التنعل والترجل والطهور، والتيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء.
قال النووي: «يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك، كلبس النعل، والخف والمداس، والسراويل والكم، وحلق الرأس وترجيله، وقص الشارب ونتف الإبط، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء، والغسل، والتيمم، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة، ونحو ذلك، ويستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق» (١).
стр. 563
المبحث الثالث
استقبال القبلة
ذهب فقهاء المالكية والشافعية إلى أنه يستحب للمتيمم أن يستقبل القبلة حال التيمم (١)، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أن جهة القبلة أشرف الجهات فاستحب أن يتوجه إليها حال التيمم (٣).
القياس على الوضوء فكما أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء، فكذا في بدله وهو التيمم (٤).
стр. 564
المبحث الرابع
تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه يستحب، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية، وحكم بجوازه الحنابلة، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا بذلك إذا كان التراب كثيرًا، وأما إذا كان قليلاً وخاف بالنفخ أن يذهب جميع التراب فإنه لا يجوز ذلك (٢).
القول الثاني: أنه يكره، وهو رواية عند الحنابلة.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون باستحباب النفخ وجوازه، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك هكذا»، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٣).
стр. 565
وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.
ثانيًا: من المعقول:
أن في تخفيف التراب المأخوذ بالنفض أو النفخ صيانة عن التلويث للوجه الذي يشبه المثلة (٢)(٣).
أن التخفيف لا يكره ابتداءً، فكذلك دوامًا (٤).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بكراهة النفخ، بما يلي:
أولاً: من الآثار:
ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب (٥).