المبحث الثاني
تقديم اليد اليمنى على اليسرى
اتفق الفقهاء على استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في المسح، ولو خالف فقدم مسح اليد اليسرى على اليد اليمنى فاته الفضل، وصح تيممه (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
٤٨ ـ حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب التيامن في التيمم.
٤٩ ـ حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» (٣).
стр. 562
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب التيامن في التيمم؛ لأن قولها: «يعجبه» ظاهر في استحباب ما ذكر من التنعل والترجل والطهور، والتيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء.
قال النووي: «يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك، كلبس النعل، والخف والمداس، والسراويل والكم، وحلق الرأس وترجيله، وقص الشارب ونتف الإبط، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء، والغسل، والتيمم، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة، ونحو ذلك، ويستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق» (١).
стр. 563
المبحث الثالث
استقبال القبلة
ذهب فقهاء المالكية والشافعية إلى أنه يستحب للمتيمم أن يستقبل القبلة حال التيمم (١)، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أن جهة القبلة أشرف الجهات فاستحب أن يتوجه إليها حال التيمم (٣).
القياس على الوضوء فكما أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء، فكذا في بدله وهو التيمم (٤).
стр. 564
المبحث الرابع
تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ
للفقهاء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه يستحب، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية، وحكم بجوازه الحنابلة، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا بذلك إذا كان التراب كثيرًا، وأما إذا كان قليلاً وخاف بالنفخ أن يذهب جميع التراب فإنه لا يجوز ذلك (٢).
القول الثاني: أنه يكره، وهو رواية عند الحنابلة.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون باستحباب النفخ وجوازه، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما كان يكفيك هكذا»، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٣).
стр. 565
وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.
ثانيًا: من المعقول:
أن في تخفيف التراب المأخوذ بالنفض أو النفخ صيانة عن التلويث للوجه الذي يشبه المثلة (٢)(٣).
أن التخفيف لا يكره ابتداءً، فكذلك دوامًا (٤).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بكراهة النفخ، بما يلي:
أولاً: من الآثار:
ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب (٥).
стр. 566
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه حديث موقوف، والموقوف لا يسقط المرفوع.
ثانيًا: من المعقول:
القياس على الوضوء فكما يكره نفض الماء عن اليدين في الوضوء، فكذا في بدله وهو التيمم (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
الوجه الأول: أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن التيمم مبني على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ.
الوجه الثاني: أن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في صفته.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل باستحباب النفخ، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
стр. 567
المبحث الخامس
تفريج الأصابع
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنه يستحب للمتيمم أن يفرج أصابع يديه عند ضرب الصعيد (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أن في استحباب التفريج زيادة تأثير الضرب في إثارة الغبار (٢).
أن في التفريج مبالغة في التطهير (٣).
وهناك قول لبعض الشافعية بأنه لا يجوز التفريج في الضربة الأولى (٤)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أنه يصير ناقلاً لتراب اليد قبل مسح الوجه، فيكون ماسحًا لجزء من يديه قبل وجهه، وذلك لا يجوز؛ لوجوب الترتيب (٥).
стр. 568
المناقشة:
نوقش بأنه لا بأس بأخذ تراب اليد قبل مسح الوجه؛ لأن الترتيب واجب في المسح لا في أخذ التراب (١).
أن غبار الضربة الأولى يكون باقيًا بين الأصابع، فيمنع وصول غبار الضربة الثانية إلى البشرة، فيصير كما لو كان على وجهه تراب فنقل إليه ترابًا آخر من غير أن ينفض الأول، فإنه لا يجوز (٢).
المناقشة:
نوقش بأنه ليس في تفريج الأصابع في الضربة الأولى إلا حصول تراب غير مستعمل بين أصابعه، فإن فرج في الضربة الثانية حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل، فيقع المجموع عن الفرض.
ولم يوجب أحد من العلماء على من يريد التيمم أن ينفض الغبار عن وجهه ويديه أولاً، ثم يبتدئ بنقل التراب إليهما، مع العلم بأن المسافر في تقلباته لا يخلو من غبار يغشاه (٣).
الترجيح:
ليس فيما ذكر من التعليلات ما يدل على استحباب تفريج الأصابع أو منعه، ولعل الأولى القول بعدم استحباب التفريج، وذلك لما يلي:
стр. 569
أنه لم يثبت دليل من الكتاب ولا من السنة يدل على استحباب التفريج، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فإذا لم يوجد الدليل لم يكن هناك استحباب.
أنه لو كانت هذه الصفة مشروعة لذكرها الله في كتابه العزيز، ولما أغفل الصحابة ﵃ عن ذكرها، ولم أقف على أثر صحيح يدل على مشروعية التفريج.
أن القول بعدم مشروعية التفريج هو القول الموافق لأدلة التيمم، والأصل عدم المشروعية حتى يرد دليل صحيح يدل على المشروعية.
стр. 570
المبحث السادس
تخليل (١) الأصابع
اختلف الفقهاء في حكم تخليل الأصابع عند المسح على اليدين، وذلك على قولين:
القول الأول: أن تخليل الأصابع مستحب، وهو رواية عند الحنفية، والمذهب عند الشافعية والحنابلة، إلا أن الشافعية استحبوا التخليل إذا فرّج أصابعه في الضربتين أو في الثانية، وإلا وجب التخليل عندهم (٢).
القول الثاني: أن تخليل الأصابع واجب، وهو مذهب الحنفية والمالكية (٣).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون باستحباب تخليل الأصابع عند المسح على اليدين بأن التخليل يسن في الوضوء فكذلك في التيمم لكونه بدلاً عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (٤).
стр. 571
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن التيمم مبني على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بوجوب تخليل الأصابع عند المسح على اليدين بأن تخليل الأصابع في التيمم أولى من الوضوء؛ لبلوغ الماء ما لا يبلغه التراب (١).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن القول بوجوب تخليل أصابع اليدين لا يناسب طهارة المسح المبنية على التخفيف، فطهارة التيمم مبنية على اليسر والسهولة والقول بالوجوب ينافي الحكمة من مشروعية التيمم.
الترجيح:
يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن الأولى هو القول بعدم مشروعية تخليل الأصابع، فضلاً عن أن يكون التخليل واجبًا، وذلك لما يلي:
أن آية التيمم في كتاب الله ، وأحاديث التيمم التي نقلت لنا في كتب السنة لم تذكر التخليل، ولو كانت هذه الصفة مشروعة لذكرها الله في كتابه ولفعلها ﷺ وأرشد إليها، فالقول بعدم المشروعية هو الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 572
أن هذه الصفة لو كانت مشروعة لفعلها الصحابة ﵃ ونقلت لنا، ولم أقف على أثر صحيح يدل على مشروعية تخليل الأصابع.
ضعف أدلة القائلين بالوجوب أو الاستحباب بما حصل من مناقشة.
стр. 573
المبحث السابع
سنن أخرى تستحب في التيمم
قد ذكر بعض الفقهاء سننًا أخرى تستحب في التيمم غير ما ذكر، منها ما يلي:
ذكر فقهاء الحنفية أنه يستحب إقبال اليدين وإدبارهما حال الضرب، وذلك مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (١).
وقال فقهاء المالكية: يستحب الصمت أثناء التيمم إلا عن ذكر الله (٢)، واستحبوا أيضًا نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح وذلك بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسح بشيء قبل ذلك كره وأجزأ التيمم (٣).
وقال فقهاء الشافعية: يستحب البداءة بأعلى الوجه حين المسح (٤)، واستحبوا أيضًا أن يديم يده على العضو لا يرفعها حتى يفرغ من مسحه (٥).
قلت: لعل الأولى القول بعدم استحباب ما ذكره الفقهاء مما سبق، وذلك لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أقف على دليل يدل على استحباب ما ذكروه، والله أعلم.
стр. 574
الفصل الثاني
مكروهات التيمم
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تجديد التيمم.
المبحث الثاني: تكرار المسح.
стр. 575
المبحث الأول
تجديد التيمم
قال النووي: «ويتصور تجديد التيمم في حق المريض والجريح ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء إذا تيمم وصلى فرضًا ثم أراد نافلة، ويتصور في حق من لا يتيمم إلا مع عدم الماء إذا تيمم وصلى فرضًا ولم يفارق موضعه» (١).
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يستحب تجديد التيمم، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أنه لم ينقل في ذلك سنة، وليس فيه تنظيف (٣).
أن التيمم ليس مقصودًا لذاته، وإنما يؤتى به عند الحاجة، وهي فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، فلا يجعل مقصودًا كالوضوء (٤).
القول الثاني: أنه يستحب تجديد التيمم، وهو وجه للشافعية (٥).
стр. 576
واستدلوا على ذلك بالقياس على الوضوء، فكما يستحب تجديد الوضوء فكذا في بدله وهو التيمم (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يستحب تجديد التيمم، وذلك لقوة ما استدلوا به.
стр. 577
المبحث الثاني
تكرار المسح
اختلف الفقهاء في حكم الزيادة على مسحة واحدة لكل من الوجه واليدين في التيمم، على قولين:
القول الأول: أنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
القول الثاني: أنه يستحب تكرار المسح للمتيمم، وهو وجه ضعيف للشافعية (٢).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن ظاهر الآية الكريمة يدل على وجوب مسح الوجه واليدين دون تكرار في ذلك (٣).
стр. 578
ثالثًا: من السنة:
حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنما يكفيك هكذا»، ومسح وجهه وكفيه واحدة (١).
وجه الدلالة:
أن تأكيد الراوي على المرة بقوله: «واحدة» يدل على عدم استحباب التكرار في التيمم (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأنه يستحب تكرار المسح للمتيمم بالقياس على الوضوء، فكما يستحب في الوضوء التكرار فكذا في بدله وهو التيمم (٣).
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن السنة فرقت بينهما (٤)، كما في حديث عمار المتقدم أن النبي ﷺ مسح وجهه وكفيه واحدة.
стр. 579
الوجه الثاني: أن في تكرار الغسل زيادة تنظيف بخلاف التيمم (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، وذلك لما يلي:
قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.
صراحة دلالة السنة الصحيحة على عدم تكرار المسح.
أن التيمم مبني على التخفيف، والقول بتكرار المسح يستلزم نفي ذلك، فلا يستحب.
стр. 580
الباب السادس
مبطلات التيمم وفاقد الطهورين
وفيه فصلان:
الفصل الأول: مبطلات التيمم.
الفصل الثاني: فاقد الطهورين.
стр. 581
الفصل الأول
مبطلات التيمم
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: مبطلات الوضوء.
المبحث الثاني: وجود الماء.
المبحث الثالث: خروج وقت الصلاة.
المبحث الرابع: زوال العذر المبيح للتيمم.
المبحث الخامس: الردة عن الإسلام.
المبحث السادس: الفصل الطويل بين التيمم والصلاة.
المبحث السابع: خلع ما يجوز المسح عليه.
стр. 582
المبحث الأول
مبطلات الوضوء
مبطلات: جمع مبطل، وهو اسم فاعل من أبطل الشيء يبطله إبطالاً، ومعناه: أفسده، أو أسقط حكمه (١)، والمراد بمبطلات التيمم: الأمور التي يبطل بها التيمم، أو يسقط حكمه بسببها.
وقد اتفق الفقهاء على أن كل ما ينقض الوضوء (٢) أو الغسل (٣) فإنه ينقض
стр. 583
التيمم (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، وفي رواية: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ... » الحديث (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وكل منهما أصل للتيمم، فإذا حدث ما يبطل الأصل فإن البدل يبطل من باب أولى.
стр. 584
ثانيًا: الإجماع:
نقل ابن حزم الإجماع على انتقاض التيمم بما ينتقض به الوضوء، فقال: «وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا مما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام» (١).
стр. 585
المبحث الثاني
وجود الماء
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وجود الماء قبل الصلاة.
المطلب الثاني: وجود الماء أثناء الصلاة.
المطلب الثالث: وجود الماء بعد الصلاة.
стр. 586
المطلب الأول
وجود الماء قبل الصلاة
اتفق الفقهاء على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل شروعه في الصلاة، بطل تيممه، وعليه أن يستعمل الماء (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الصعيد الطيب وضوء المسلم إلى غاية وجود الماء، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجودها (٣).
ثانيًا: الإجماع:
أجمع الفقهاء على أنه يبطل التيمم بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٤).
стр. 587
قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنقض، وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي» (١).
وقال الوزير بن هبيرة: «وأجمعوا على أن المحدث إذا تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة أنه يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء قبل الدخول» (٢).
ثالثًا: من المعقول:
أن التيمم بدل من مبدل يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه، كوجود النص قبل إنفاذ الحكم بالقياس المخالف له (٣).
стр. 588
المطلب الثاني
وجود الماء أثناء الصلاة
إذا تيمم المصلي لعدم الماء وشرع في الصلاة، ثم وجد الماء في أثنائها، فهل يبطل تيممه ويلزمه استعمال الماء أم لا؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يبطل تيممه، وعليه أن يقطع صلاته ويستعمل الماء، وهو قول الحنفية، والشافعية إذا كان الفاقد ممن تلزمه الإعادة (١)، وقول الحنابلة (٢).
القول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، بل يمضي في صلاته ولا يقطعها، وهو قول المالكية، والشافعية إذا كان الفاقد ممن لا تلزمه الإعادة، ورواية عند الحنابلة (٣).
стр. 589
أدلة القول الأول:
استدل القائلون ببطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء في أثناء الصلاة، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وجه الدلالة:
أن الله اشترط لطهارة التيمم عدم الماء، وقد وجد هنا فبطلت الطهارة، وإذا بطلت بطلت الصلاة (١).
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديث بمفهومه على أن التيمم لا يكون طهورًا عند وجود الماء، ودل بمنطوقه على وجوب استعمال الماء عند وجوده (٣).
стр. 590
المناقشة:
نوقش استدلالهم بالآية والحديث بأنهما محمولان على واجد الماء قبل الدخول في الصلاة (١).
ثالثًا: من المعقول:
٥٠ ـ أن التراب بدل عن الماء، فإذا وجد الماء خلال الصلاة فقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود، والمبدل يبطل حكم البدل، فتعلق الحكم بالأصل (٢).
٥١ ـ أن ما أبطل الطهارة خارج الصلاة أبطلها فيها كالحدث (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم بطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء أثناء الصلاة، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث عبد الله بن زيد (٤)
﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل (٥) إليه الشيء في الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٦).
стр. 591
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ نهى عن قطع الصلاة بأي حال إلا بخروج الحدث المتيقن، ووجود الماء أثناء الصلاة ليس بحدث (١).
المناقشة:
نوقش استدلالهم بالحديث بأنه ليس بشيء؛ لأن معنى الحديث إذا خيل إليه بشيء فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، فليس في الحديث تعرض لغير التخييل (٢).
ثانيًا: من المعقول:
أنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة، وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (٣).
المناقشة من وجهين (٤):
الوجه الأول: أن القول بأنه غير قادر لا يصح؛ لأن الماء قريب، وآلته صحيحة، والموانع منتفية.
стр. 592
الوجه الثاني: أن القول بأنه منهي عن إبطال الصلاة غير مسلم؛ لأنه لا يحتاج إلى إبطال الصلاة، بل هي تبطل بزوال الطهارة.
أن المتيمم وجد المبدل بعد التلبس بمقصود البدل، فلم يلزمه الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام (١).
المناقشة:
نوقش بأن القياس غير صحيح؛ لأن الصوم هو البدل نفسه، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه، ثم الفرق بينهما: أن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف مسألتنا (٢).
أن المتيمم قد دخل في الصلاة كما أمر، فلا يجوز له أن ينقضها إلا بنص أو إجماع (٣).
المناقشة:
نوقش بأنه قد ثبت الاتفاق على أن وجود الماء يبطل التيمم، فهو مأمور باستعمال الماء حين وجوده في الصلاة، وغير الصلاة (٤).
أن رؤية الماء ليست حدثًا يقطع الصلاة؛ لأن هذا المصلي مأذون له في الدخول فيها بالتيمم، والأصل بقاء ذلك الإذن، فلا يجوز له قطعها (٥).
стр. 593
المناقشة:
نوقش بأن وجود الماء لما كان مانعًا من صحة الابتداء وجب أن يمنع البقاء، كالحدث لما منع الابتداء منع البقاء (١).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل ببطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء في أثناء الصلاة، وذلك لقوة أدلتهم، ولأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة، وينقضها في غير الصلاة (٢).
стр. 594
المطلب الثالث
وجود الماء بعد الصلاة
أجمع الفقهاء على أن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، فلا إعادة عليه (١)، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من تيمم وصلى ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه» (٢).
واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه، إلا أن الشافعية فرقوا بين الحضر والسفر، فأوجبوا الإعادة في الحضر دون السفر (٣).
واستدل الفقهاء على عدم الإعادة، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا
стр. 595
ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أفضلية عدم إعادة الصلاة لقوله ﷺ : «أصبت السنة» (٢)، والأخذ بالسنة أفضل من تركها.
ثانيًا: من الأثر:
ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة (٣).
ثالثًا: من المعقول:
أن المتيمم أدى فرضه كما أمر فلم يلزمه الإعادة، كما لو وجد الماء بعد الوقت (٤).
أن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة كالمرض (٥).
стр. 596
وأما تقسيم الشافعية فهو مبني على القول بوجوب الإعادة على المتيمم في الحضر؛ لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، وقد تقدم مناقشة هذا القول وبيان ضعفه (١).
стр. 597
المبحث الثالث
خروج وقت الصلاة
اختلف الفقهاء في بطلان التيمم بخروج وقت الصلاة على قولين:
القول الأول: أن التيمم يبطل بخروج الوقت، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
القول الثاني: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وهو قول الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٢).
سبب الخلاف:
أصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أم مبيح؟ فمن رأى بأن التيمم لا يرفع الحدث قال ببطلان التيمم بخروج وقت الصلاة، ومن رأى بأن التيمم رافع للحدث قال بعدم البطلان.
وقد تقدم بحث مسألة: هل التيمم يرفع الحدث أم لا؟ (٣) وأن الراجح أن التيمم كالوضوء في رفع الحدث.
стр. 598
وتقدم أيضًا بحث هذه المسألة ـ بطلان التيمم بخروج الوقت ـ في مطلب: إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة؟ (١) حيث إن المالكية والشافعية أوجبوا التيمم لكل صلاة، وأما الحنابلة فأوجبوا التيمم لوقت كل صلاة ما لم يخرج الوقت، وذكرنا أن الراجح هو قول الحنفية القائل بأن المتيمم يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث.
стр. 599
المبحث الرابع
زوال العذر المبيح للتيمم
اتفق الفقهاء على بطلان التيمم بزوال العذر المبيح له كذهاب عدو يخاف منه، وشفاء مريض من مرضه، ووجود آلة يستقي بها الماء، ونحو ذلك مما يجعل الإنسان قادرًا على استعمال الماء بعد أن كان معذورًا بعدم القدرة على استعماله (١).
وعللوا ذلك بأن ما جاز لعذر بطل بزواله (٢).
стр. 600
المبحث الخامس
الردة عن الإسلام
الردة: هي قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل مكفر (١).
إذا تيمم المسلم ثم ارتد عن الإسلام ـ والعياذ بالله ـ ثم أسلم، فهل يبطل تيممه أم لا؟ للفقهاء في هذه المسألة قولان (٢):
القول الأول: أنه يبطل تيممه، وهو قول زفر من الحنفية، ومذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، وهو مذهب الحنفية، ووجه للشافعية.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنه يبطل التيمم بالردة، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وجه الدلالة:
أن الله أخبر أن الشرك يحبط العمل، والطهارة عمل، فيجب