← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الشهداء، ويحتمل سائر الوجوه المذكورة ﴿عَطَاءً﴾ أي أعطيناهم عطاءً (١) ﴿مَجْذُوذٍ﴾ مقطوع. والفائدة في ذكر موسى ﵇، وكتابه: هو التنبيه على جواز التمهيل مع وجود الاختلاف كيلا يظن ظان أنه معنى اختص بالقرآن. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ ولا تميلوا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية كالعارض بين مس النار وابتغاء النصرة. ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الفجر والظهر والعصر (٢)، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته المترادفة أراد صلاة المغرب والعشاء (٣) والوتر، وعن موسى بن طلحة عن أبي اليَسْر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت وأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر ﵁ فذكرت له ذلك، فقال: استُرْ على نفسك وتُبْ، فأتيت عمر ﵁ فذكرت له ذلك، فقال: استر على نفسك وتبْ ولا تخبر أحدًا، ولم أصبر فأتيت النبي- ﷺ فذكرت له ذلك فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، وأطرق رسول الله ﵇ (٤) طويلًا حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية، قال أبو اليسر: فأتيت رسول الله ﵇ فقرأها عليّ، فقال أصحابي: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟! قال: "بل للناس عامة" (٥).

стр. 982

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أن الآية نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع منه تمرًا فأعجبته فقال: إن في البيت تمرًا أجود من هذا فانطلقي حتى أعطيك منه، قال: فانطلقت معه المرأة فلما دخلت المرأة بيته فوثب إليها فلم يترك شيئًا مما يصنع الرجل بالمرأة إلا وقد فعله إلا أنه لم يجامعها وحذف شهوته، فلما حذف شهوته ندم على ما صنع بالمرأة فاغتسل، ثم أتى النبي ﵇ يسأله عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أدري ما أردّ عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله" قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت العصر فلما فرغ من صلاته نزل جبريل ﵇ بتوبته فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية فقرأها رسول الله من القرآن، فقال عمر بن الخطاب: أخاص أو عام؟ قال: "لا، بل عام" (١). ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أُولُو بقاء على أنفسهم لتمسكهم بالدِّين، ويحتمل بقية سنن الصّالحين، أي هذا كان منهم من يتمسك بالبقية من سنن آدم وشيث وإدريس ﵈ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ﴾ البدع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء (٢)، (الإتراف): الإنعام فوق المقدار والكفاية. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي ما كان ليهلكهم بذنب وأهلها موحدون، وقيل: ما كان ليهلكها وأهلها متمسكون بعدل السيرة، وقيل: ما كان ليهلكها بظلم نادر واهلها غير مستحقين للعقاب، وقيل: ما كان بظالم لو أهلكها وإن كان أهلها مصلحين. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إشارة أن يكونوا أمة واحدة على الإسلام، وقيل: للاختلاف، وقيل: للإمساك عن الاختلاف، وقيل: للاستثناء بالرحمة. ﴿فِي هَذِهِ﴾ إشارة إلى السورة.

стр. 983

سُورَةُ يُوسُف مكية (١)، وعن ابن عباس إلا أربع آيات؛ ثلاث من أولها والرابع ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وهي مائة وإحدى عشرة آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير عائد إلى الكتاب ﴿قُرْآنًا﴾ اسم من القراءة أو مصدر ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، قال ﵇: "إن العربية ليست بأب والد ولكن مَنْ تكلم بالعربية فهو عربي" (٣). ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ما كان غاية في إفادة الصّدق والعجب الباعث على مكارم الأخلاق، الزاجر عن اللوم بنظم سهل منتفع؛ وهو (٤) القرآن لتضمنه أقاصيص الأنبياء والأولياء وذكر عاقبة المتقين، وقصارى عمل المفسدين، وقيل: قصة يوسف ﵇ لاستمالة على حسن تعبير يعقوب، وحسن موعظة يوسف (٥)، وحسن

стр. 984

صبره في حزنه، وحسن تعزيه في مصيبته، وحسن رجائه من الله، وحسن معاشرته فيه حيث لم يهاجرهم ولم ينابذهم، ولاشتماله على حسن صورة يوسف، وحسن رؤياه في صباه، وحسن إمساكه عن زليخا (١)، وحسن اختياره السجن، وحسن تعبيره رؤيا الفتيان (٢)، وحسن صبره في السجن، وحسن تدبيره في ادِّخار الميرة، وحسن كيده في حبس أخيه، وحسن ردِّه على إخوته بضاعتهم، وحسن عفوه عنهم، ولاشتماله على حسن اختيار (٣) زليخا والنسوة والملك، وحسن توبة إخوة يوسف، وحسن اعترافهم واعتذارهم، وحسن عاقبة الجميع، وحسن ذكر الله إياهم، والقول الأول الأصح (٤) لقوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عن مصعب بن سعد (٥) عن أبيه قال: أنزل الله تعالى القرآن على رسول الله ﷺ (٦) فتلاه عليهم زمانًا فقيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى ﴿الر تِلْكَ﴾ الآية فتلا عليهم زمانًا، قيل: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، وروي فقيل: لو خوفتنا (٧) فأنزل ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] الآية (٨). ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل الوحي إلا (٩) عاقلًا عن هذه الأنباء. ﴿يَا أَبَتِ﴾ قال الفراء (١٠): كانت ها وقفة (١١)، واستجازوا تحريكها

стр. 985

كتحريك هاء (١) الندبة (٢)، ثم قلبوها تاء، فهاء التأنيث، فأدخلوا عليها الإضافة بالكسر، والندبة بالفتح، وقيل: التاء عوض عن ياء المتكلم لأنها لا (٣) تثبت مع الياء، وإنما جمع جمع العقلاء لاعتبار فعل العقلاء وهو السجود أو لأن تأويل (٤) أبواه وإخوته. ﴿لَا تَقْصُصْ﴾ لأنه علم غيرتهم ومنافستهم في طريق المشاهدة أو من طريق القياس على أمر أخيه عيصو (٥)، وذكر الشيطان لأنه كان يعلم أنهم يفهمون التأويل؛ لأن البيت كان بيت النبوة والعلم فيتخوف على يوسف البوائق وعلى إخوته البغي من وسوسة الشيطان. وعن وهب: رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثنتي عشرة سنة (٦) وكان رأى قبل ذلك وهو ابن سبع سنين (٧) إحدى عشرة (٨) عصًا طوالًا مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصًا صغيرة تثب على هذا العصي فتغلبها وتفوقها. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارة إلى السجود أو لاختصاصه بالرؤيا (٩)، فإنما بشره بالاجتباء لرؤياه؛ فإنّ الرؤيا من الله والعلم (١٠) من الشيطان، وبشره بعلم

стр. 986

التأويل (١) لافتتاح أمره بخصلة نبوته وهي الرؤيا، وبشره بإتمام النعمة عليه لأنَّ الله متمم نوره، وعلم بذلك لوقوع أمثلتهم في الرؤيا كواكب (٢). والكواكب نور يهتدى به إذ قالوا فيما بينهم وإخوة لأمه (٣) ﴿عُصْبَةٌ﴾ ما بين العشرة إلى الأربعين (٤)، وضللوا آباءهم في تدابير (٥) الدنياوي لكون يوسف وأخيه غلامين ضعيفين وكونهم عصبة أقوياء على الحماية والانتصار من العدو، ولم يقصدوا إيذاءهم وإنما قصدوا العقاب. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ بغير حق لأنهم لم يكونوا بلغوا رتبة النبوة ولا يوسف بعد، وقتل غير النبي ليس بكفر، والكبائر قبل النبوة ممكنة (٦)، ويحتمل أنهم قالوا نصيحة لأبيهم وصرف محبته إليهم إذ هو الأصلح فيما بينهم ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ﴾ أسقطوه ﴿أَرْضًا﴾ بأرض من غير أرضهم ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ يفرغ ويحصل لكم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا الذنب ﴿صَالِحِينَ﴾ تائبين عن ابن عباس (٧)، وقال مقاتل: أراد إصلاحهم فيما بينهم (٨). ﴿قَالَ قَائِلٌ﴾ قتادة وابن إسحاق: روبيل (٩)، مجاهد: شمعون (١٠)،

стр. 987

وقيل: يهودا ﴿الْجُبِّ﴾ الرَّكية لم تطو فإذا طويت فهي بئر (١)، و (الالتقاط) دفع المنبوذ ﴿السَّيَّارَةِ﴾ مارة الطريق وهي (٢) العير ﴿فَاعِلِينَ﴾ حائلين بين يوسف وأبيه لا محالة فحولوا (٣) كذلك. ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ كان يعقوب يتخوف على يوسف بين (٤) إخوته لما كان يعلم من غيرتهم ومنافستهم، وكان لا يرسله معهم للحس (٥) ولا التماشي ويحبسه عند نفسه فلذلك قالوا ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ على اعتقادهم أن إخراجه من بين أظهرهم خير له ولهم. أرادوا بقولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حفظه وحبسه في البئر إلى (٦) أن يلتقطه بعض السيارة. فقال (٧) حزنني وأحزنني، وإنما خاف أكل (٨) الذئب لأنه كان رأى في المنام أن الذئب قد اختطفه، وقيل لأن الذئاب كانت كثيرة عائدة في أرض كنعان، وإنما أظهر هذه العلة دون تخوفه من كيدهم للرفق وحسن العشرة. لما قالوا: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ سكن إلى قولهم وأحب أن يرسله معهم لعل الله يؤلّف بينهم، ولئلا يزيدهم حقدًا (٩) بردِّهم خائبين ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ واو مفخمة كما في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]

стр. 988

قيل: إيحاء جبريل، وقيل: الإلهام إليه وإلى يوسف ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾ وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩]. ﴿يَبْكُونَ﴾ يكلفون البكاء كعادة الجاني إذا تبارأ من البكاء. ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نسابق (١) بالرمي والتعادي، ويحتمل أنهم لم يقصدوا الكذب بخبرهم من الاستباق وتركه لأنه ممكن، وعنوا بالذئب ما كان رآه أبوهم في المنام وتأويله السارق أو الغاصب مثلًا أو مجازًا، وإنما قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ لشدة خوفهم كما يقال: كاد المريب يقول خذني. ﴿عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي الدم المكذوب، كانوا قد لطخوا القميص بدم جدي (٢) يوهمون أنه دم يوسف، وإنما اعتذروا بهذا لما يرجون من تصديق أبيهم وتسليمه لهم هذا العذر بعد خوفه عليه من قبل هذا المعنى، وإنما علم الخلاف بوحي أو إلهام أو صدق فراسته أو اعتبار القميص غير ممزق ﴿سَوَّلَتْ﴾ زيّنت ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي فعلى صبر جميل (٣) وهو ما عري من الشكوى والعويل ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ على استبانة ما تصفون. ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ الرفقة كانوا من خزاعة يريدون مصر ﴿وَارِدَهُمْ﴾ مالك بن ذعر الخزاعي (٤)، ﴿فَأَدْلَى﴾ فأرسل إلى أسفل البئر ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾

стр. 989

يحتمل إخوة يوسف ويحتمل السيارة (١) ﴿بِضَاعَةً﴾ قطعة من المال يتجر بها، وهي منصوبة على الحال (٢). ﴿وَشَرَوْهُ﴾ يحتمل البيع من إخوة يوسف ويحتمل الاشتراء من السيارة. ذكر في التواريخ (٣) أن إخوة يوسف لما رجعوا من الغد إلى البئر لم يجدوا يوسف فيها فافتقدوه فوجدوه في هذه الرفقة فأوهموا أنه عبد آبق باعوه منهم بعشرين درهمًا (٤)، وقيل: باثنين وعشرين (٥) ﴿بَخْسٍ﴾ باخس أو مبخوس ﴿دَرَاهِمَ﴾ مضروب من الفضة للمعاملة، (الزهد في الشيء): الرغبة عنه. ﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو عزيز مصر اسمه قُطيفَرع، وقيل: قُطْفير (٦) اشتراه من مالك بن ذعر دخل به السوق وعرضه للبيع، فبلغ ثمنه في العرض مقدارًا من المسك وحرير وذهب وفضة، فاشتراه العزيز بذلك لامرأته زليخا، وقيل راعيل (٧) وإنما وكله إليها لتربّيه تربية الأم ولدها ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ اجعلي منزلته حميدة حسنة لئلا يفسد بتربية السوء فيتطرق إليه خيانة العبيد ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ تفرس لما فيه من مخايل (٨) الكرم (٩)

стр. 990

وشمائل الأحرار، كفراسة ابنة شعيب في موسى ﵇، وفراسة خديجة في نبينا ﵇ (١) ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأنه كان غنيًا لا وارث له، عنّينًا (٢) لا يولد له. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي وكما (٣) نخبرك ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ معطوف على ضمير أي ليتمكن ولنعلمه ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾ قيل: أمر الله، وقيل: أمر يوسف. وقيل: إن يوسف إذ وقع بمصر كان عمره سبع عشرة سنة، فلما بلغ ثماني عشرة سنة (٤). ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وآتاه (٥) الحكم والحلم وذلك حين رأى برهان ربه. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ ثم بقي بعد ذلك على حالته ست سنين ثم ابتلاه الله بالسجن سبع سنين (٦) واتاح له الفرج على رأس ثلاثين سنه من عمره. وقيل: بلوغ أشده بلوغه ثلاثين سنة، والمراد بـ"الحكم" ما حكم بين الناس، وبـ "العلم" ادخار الميرة وغيره. ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ طالبته عن نفسه (عن) للتعدية، كما يقال: سأل عن كذا ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ لئلا يدخل عليهما (٧) داخل ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي ألتزم

стр. 991

معاذ الله، وأعوذ بالله من هذا الفعل القبيح ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي (١) الله تعالي (٢) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ الزانون (٣). وتقديم جواب ﴿لَوْلَا﴾ علقه كتقديم الجزاء على الشرط، وجواب (لو) هاهنا همّ يوسف، تقديرها ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ و ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لهمَّ بها ﴿بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قيل: صورة يعقوب عاضًا على إصبعه يقول: مثلك قبل المواقعة كذا وبعد المواقعة (٤) كذا (٥). مقاتل: سمع صوتًا: إياك ومواقعتها فإنك إن واقعتها صرت كالطير الواحد، وقيل: سمع صوتًا: أتَهُمُّ بعمل السفهاء وأنت مكتوبٌ في الأنبياء (٦)، وقيل: رأى مكتوبًا في السقف ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (٧) [الإسراء: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي عصمناه عن الفاحشة كذلك. ﴿وَاسْتَبَقَا﴾ تبادرا إلى ﴿الْبَابَ﴾ أما يوسف فللإعراض عن الفاحشة، وأما المرأة فللولوع بيوسف ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خلف لأنها لحقته وتعلقت به لئلا يخرج من الباب ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ زوجها ﴿قَالَتْ مَا﴾

стр. 992

جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ قالت لخوفها من ان يفضحها يوسف عند زوجها، وإنما أشارت بالسجن لصرفه عن بيعه وقتله، وقيل: لانعكاس المحبة لأن الشيء إذا تناسى (١) انعكس. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا (٢)﴾ مقاتل والضحاك: رجل كبير ابن عمها (٣)، وقيل: رجل حكيم من قرابتها (٤)، وقيل: ابن خالها وهو صبي في المهد (٥)، وشهادته على طريق الاستدلال كشهادة خزيمة بن ثابت ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ قدام، واستدل بدلالة الحال، رجع الزوج إلى شهادته فتبين له أن الجناية (٦) من قِبَلها. ﴿يُوسُفُ﴾ يا يوسف تغافل عن هذا الحديث فلا تذكره لأحد ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ دليل أن الزنا والبهتان كانا محظورين عندهم، وإنما لم يجاوز إنكاره وغيرته لأن عنته (٧) كانت ذهبت بحميته. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ اللائمات كن خمسًا؛ امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب (٨)، أفشين حديثهما في البلد على ما جرت به عادة النساء ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي أصاب يوسف شغاف قلبها من حب، كما يقال كبده ورأسه إذا أصاب ذلك. والشغاف غلاف القلب، وقيل: حبة القلب، وهي (٩) علقة سوداء في

стр. 993

صميمه، وإنما ضللنها (١) في رأيها لإيثارها عبدًا مملوكًا مقدورًا عليه موجودًا عنده على عزيز مصر. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ دعتهن للضيافة ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أحضرت وحصّلت ﴿مُتَّكَأً﴾ معتمدًا عليه، قيل: الطعام، وقيل: متكأً، قيل: هو الأترج، وقيل: الزماورد ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ دليل على طعام أو فاكهة يحتاج فيه إلى السكين، والسكين: الشفرة ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أمرتْه (٢) لأنه كان لا يجد من الخدمة والائتمار بأمرها بُدًّا ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه من أن يكون ﴿بَشَرًا﴾ نصب (٣) (بشرًا) لنزع الخافضة (٤) ﴿كَرِيمٌ﴾ في حسن الصورة وصفاء الخلقة، وإنما عرضت المحبوب على صواحباتها لكون المحبوب مصونًا مأمونًا، أو لرجاء العون والإعانة. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ استمسك بالرشد والعصمة ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ وعيد منها، وذلك في حال امتزاج المحبة بحظوظ النفس قبل صفائها، فلما صفت المحبة قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ الفعل منه مسندًا إلى الجملة متركبة من جواب (٥) وقسم، وتقديره: ثم بدا لهم أن والله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وهذا كقوله: نويت لأذهبن إلى فلان، وإنما بدا لهم ذلك لأنهم رأوا محبة يوسف وحبه، وتبرئة المرأة أسهل من تبرئة الغلام، وفضيحة المرأة وتشويش البيت، فاقدموا على تنحية البريء الصادق وتخلية الجانية الخائنة لمصلحة الحال بعد مشاهدة الآيات على الكيفية.

стр. 994

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ حصل معه داخل ﴿السِّجْنَ﴾ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال وهب: كانا عبدين لفرعون أحدهما خبازه والآخر ساقيه (١)، وكان سبب وقوعهما في السجن أن جماعة من أهل مصر خرجوا على فرعون وأرادوا المكر به، فرشوا إلى هذين، فضمنوا لهما مالًا ليسمّا فرعون فأجاباهم إلى ذلك. ثم ندم الساقي، وقبل الخباز الرشوة فسمّ طعام فرعون، فلما حضروا منه قال الساقي: أيها الملك لا تأكل فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال فرعون للساقي: اشرب أنت هذا الشراب فشرب ولم يضره، وقال للخباز: كل هذا الطعام فأبى أن يأكله، فجرب الطعام على حيوان فنفذ السمّ فيه. فأمرهما الملك إلى السجن، فكانا في السجن سنة (٢) فأتياه وقصّا عليه الرؤيا، قيل: إن الساقي قال: إني أرى وأنا في بستان فإذا أنا بأصل حَبَلة (٣) عليها ثلاث عناقيد عنب فقطعتها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيها وسقيتُه (٤) الملك فشربه، فقال يوسف: نِعْمَ ما رأيت، أما العناقيد الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه (٥)، فقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فى أعلاها الأطعمة وإذا سباع الطير تقع عليها فتأكل منها، قال يوسف: أما السلال الثلاث فثلاثة أيام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك فقال: إني لم أر شيئًا وإنما كنت ألعب، فقال يوسف: إن رأيتما رؤياكما أو لم ترياها (٦) فقد ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ

стр. 995

﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١) و (العصر) استخراج المائع من الشيء بالغمز، وإنما سمي العنب خمرًا لأنه يؤول إليها ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لعلم التعبير. وقول يوسف ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية ليس بجواب عن سؤالهما ولكنه دعوة نبوته (٢) وإظهار المعجزة، فإن ذلك عند وجود الفرصة كان أوجب عليه وأهمّ عنده من تعبير الرؤيا، فلذلك ابتدأ به. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ الضمير عائد إلى ما رأياه وسألا، وقيل: إلى الطعام، فإن أخذنا بالقول الأول ففائدته سرعة الجواب وذلك لا يكون إلا بوحي إلهي، فإن المستنبط يحتاج إلى تأمل واستخراج، وإن أخذنا بالقول الثاني فهو كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (٣)﴾ [آل عمران: ٤٩] في محل الرفع لإسناد الإتيان إليه أو للابتداء وخبره ثم أخبر أن المعجزة النبوية مختصة بأولياء الله لا يؤتيها الكاذبين لئلا يلتبس النبي بالمتنبىء وقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وتكرارهم للتأكيد. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي شيئًا؛ فـ (من) صلة مؤكدة للنفي ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ دليل أن أسباب التوحيد مبتدأ من الله، وأن نعمة الدعوة عامة على الموقعين للإجابة، والمخذولين عنها بعد التمكين. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ سؤال على سبيل الإلجاء ومزية المدين الواجد، ظاهره يقال: لا يصلح سيفان في غمد وروحان في جسد. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ إن كان المراد عبادة المسميات أو عبادة ذوات الأسماء لم يتوجه الذم فإن الموحد يعبد شيئًا مسمى ونفى ذات اسم وهو محمود (٤)، وإن كان المراد عبادة مسمّيات بغير أسمائها لم

стр. 996

يتوجه أيضًا، فإن تغير الاسم غير تغير الصفة، فثبت أن المراد بعبادة الأسماء عبادة ألفاظ لا معاني لها لأنهم توهموا أرواحًا (١) قادرة (٢) مدبرة وأنفسًا إلهية، فوضعوا الأسماء وزعموا أنها تحل (٣) ما استحيوه في المشاهدة من جسد أو حجر أو شجر، وما توهموه معدوم، وما يشاهدونه يكون قبله فلا يبقي المعدوم إلا ألفاظًا مهملة لتدعوها بها، أي العبادة أو الأسماء أو الموهومات المسماة، ﴿سُلْطَانٍ﴾ بحجة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ دليل أن الله منفرد بمشيئة التكوين والإبقاء والإفناء لينفرد باستحقاق العبادة. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْرًا﴾ وصاحبه ﴿ظَنَّ﴾ تيقن (٤) وعلم، وقيل: أراد غلبة أحد النقيضين من الموهوم؛ لأن يوسف لم يتيقن وإنما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بأن الأمور معلقة بالأسباب، وطلب الخير مباح بالاكتساب كقوله لأعرابي: "اعقل ناقتك وتوكل" ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي الغلام الناجي ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عند ربه ﴿بِضْعَ﴾ ما بين الثلاث إلى التسع وأراد سبع سنين، وقيل: لبث سبعًا بعد خمس سنين. ﴿إِنِّي أَرَى﴾ وإنما لم يذكر النوم لدلالة الحال، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات: ١٠٢] لئلا يلتبس الرأي بالرأي الذي هو العزم ﴿سِمَانٍ﴾ جمع سمين كغلاظ وغليظ، وهو ضد المهزول، و (العجاف): المهازيل ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ جمع سنبلة والسنابل جمع تكسير. ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف كقوله: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] و (الضغث) حزمة أو باقة من بقل أو حشيش أو حطب، وإنما

стр. 997

وصفوا بها لاختلاطها في الظاهر المعقول، و (الأحلام) جمع حلم (١). وأسباب الفكرة الرؤية في اليقظة وما رآه الملك كان رؤيا لا حلمًا فجعلوه (٢) من الأحلام لقصور علمهم. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد أجل معدود، وخطاب الغلام إن توجه للملك فهو على سبيل التعظيم كقوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وإن توجه للملأ فهو ظاهر. سألوا وقالوا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ سموه لتوحيده أو لتأويله. ﴿دَأَبًا﴾ لزومًا للزراعة واستمرارًا للعبادة جمع بين التعبير والنصيحة لأنه أراد مصالح العباد والبلاد. ﴿يَأْكُلْنَ﴾ أسند الأكل إلى السنين على طريق المجاز كقولك: ليل نائم وسيوف قائمة ﴿قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ ادخاره لأجله لأجلهن ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ على سبيل التدريج تحرزون. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ إنما توصل إلى هذا العلم؛ لأن العجاف والسنبلات اليابسات كن عددًا محصورًا فعلم أن حكم ما وراءهن بخلافهن، وهذه السنون كانت معجزة إلهية ليوسف ﵇ بسببها يخلص عن إفك النسوة وكيدهن، وبها تمكن من فرعون وقومه، وبها تسلط على إخوته فعفا عنهم، وبها وجد أبويه فرفعهما على العرش، ودعا نبينا ﵇ على قريش سنين كسني يوسف (٣) فابتلاهم الله بها.

стр. 998

﴿مَا بَالُ﴾ وما شأن، سؤال عن حال وأمر تقديره: ما بالهن إذ قطعن أيديهن. ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ﴾ أسند إليهن قبل اعترافهن لأنهن كن قد تعاون وتظاهرن (١) في المراودة، ولذلك اختار السجن، وكان الأمر قد فشا في البلد واستفاض ولكن لا يعلمون هل مال إليهن يوسف أم لا؟ وهل أطاع بعضهن أم لا؟ فكان السؤال لاستبانة هذا المستتر فبرأنه و ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ و ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر وتبين الحق أي (٢) حقيقة الأمر. ﴿ذَلِكَ﴾ أي توقفي في السجن ومطالبتي بالسؤال إنما كان ﴿لِيَعْلَمَ﴾ الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بتحريف (٣) الغيب الذي أوحاه الله إليّ في تأويل رؤياه كما لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته في ظهر الغيب (٤)، وقيل: إنه من كلام المرأة، أي أعترف (٥) بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه بظهر الغيب في الافتراء عليه، إلا أنه يشكل بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة فإنه معطوف على المعلوم الأول وذلك لا يكون إلا من يوسف.

стр. 999

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أراد التنبيه على توفيق الله وعصمته ونفي الزنا والعجب ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ﴾ استثناء منقطع (١)، أي لكن من رحم ربي فهو المعصوم، وقيل: استثناء متصل تقديره إلا رحمة من ربي، وقيل: هو كلام المرأة برأت يوسف ولم تبرىء نفسها. ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعله من خواصي كي لا يشغل إلا بمصالح أمري، فلما دخل عليه يوسف كلمه بلسان أهل مصر فجعل الملك يكلمه بألسنة أخرى وجعل يوسف يجيبهُ بتلك الألسنة حتى تكلما سبعين لغة، ثم إن يوسف دعا له بالعبرية وأثنى عليه بالعربية فلم يعرفها الملك وانقطع عن الجواب، واستحسن جميع ذلك من يوسف فقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ المكين اسم من المكان والتمكين قيل: دعاه إلى توحيد الله فأجابه الملك في هذا اليوم طائعًا راغبًا فقوله: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ إيمان واعتراف منه له، وقيل: جعله مكينًا أمينًا هذا اليوم في أمور الدنيا والإِسلام تأخر عن ذلك اليوم إلى سنتين، وقيل: تأخر إسلامه إلى سني القحط. ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ خطب هذا العمل بإذن الله تعالى ليتم القضاء المعدود فيه وفي إخوته في (٢) أهل مصر أجمعين. جاء في التواريخ أن الملك ولاه حفظ خزائن الارتفاعات يومئذ، ومات العزيز بعد ذلك فولاه جميع ما كان يتولاه العزيز، وزوَّجه امرأته فوجدها بكرًا لم تفض، ثم تأمل في حسن تدبيره وكيفية ادِّخاره الميرة وإنفاقها وبيعها من الناس، زاد في رتبته وسلم إليه الخاتم والسرير والتاج، فقال يوسف ﵇: أما

стр. 1000

الخاتم فأستعمله لإصلاح مملكتك، وأما السرير فأجلس عليه لنظام أمرك، وأما التاج فليس من لباسي في الدنيا، قال الملك: إن لم تلبس التاج لم ألبسه إجلالًا لك واستنانًا بسنتك واقتداءً بك، فإنما أنا تابع لك، وبقيا بعد ذلك كذلك، أما يوسف فكالملك وأما الملك فكالطفل المولى عليه حتى اشترى بالميرة المدخرة صنوف أموال أهل مصر العين والحلي والمواشي والعقار (١) والرقيق، ثم استرق (٢) بها أولادهم ورقابهم وهم شاكرون له معترفون برفقه ورحمته وحسن تدبيره، ثم قال للملك (٣): كيف ترى ما صنع الله بي من لطفه وما خولني من نعمته، قال الملك: الرأي رأيك والأمر أمرك وأنا لك كبعض أهل مصر. فعند ذلك أعتقهم يوسف لوجه الله تعالى ورد إليهم أموالهم وردّ الخاتم والسرير إلى الملك بشرط الثبات على الملة الحنيفية وحسن الجوار مع أهل بيته، قالوا: فوفى له (٤) الملك إلى أن توفي هذا الملك وقام مقامه قابوس بن مصعب (٥) فهو الذي نكث العهد وارتد عن الرشد. ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عام في المؤمنين وغيرهم، والدليل استفادة (٦) الكافر المحسن في سيرته بقاء (٧) الملك وحسن الثناء عليه، ولذلك خص المؤمنين في الآية الثانية بأجر الآخرة وهو ما أعدَّ الله للمؤمنين (٨) في الآخرة فذلك خير. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ لما عزت الميرة بأرض كنعان وسمعوا بأن رجلًا يمير الناس قصدوه مع كل واحد منهم بعيره، فدخلوا عليه على زيّهم

стр. 1001

المعهود، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ وهم لم يعرفوه لأنهم شاهدوه على غير زيّه المعهود، ﴿وَهُمْ لَهُ﴾ إياه ﴿مُنْكِرُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ والتجهيز أن تصحب الغائب حاجته والجهاز اسم منه، ﴿بِأَخٍ لَكُمْ﴾ بنيامين (١)، فيه دليل أن يوسف ﵇ بدأ بذكره ولو بدأوه لقال بالأخ لكم أو بأخيكم، روي أنه قال لإخوته: من أنتم؟ قالوا: نحن أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقال: ولدكم ثلاثة من الأنبياء ما تشبهون أن تكونوا كذلك، وأوعز إلى الوكيل بإكرامهم وحُسْن قِراهم، فلما دخلوا عليه ثانيًا من الغد فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: أخبرناك بالأمس، قال: أنتم باللصوص أشبه، وتجمعهم ونظر إليهم شزرًا، فقالوا فيما بينهم: هذا العزيز يكرمنا ويحسن قرانا إذا غبنا عنه ويتجهمنا وينظر إلينا شزرًا إذا حضرناه! فلا يكونن سامعًا بما صنعنا بأخينا فإنه قاصمة الظهر والبلاء الفادح والأمر الفاضح. ودخلوا عليه بعد ذلك والصاع بين يديه، فقال للحاجب: انقره نقرة، فنقر الحاجب فطنَّ طنينًا، قال لإخوته: أتدرون ما يقول هذا الصالح؟ قالوا: لا، قال: يقول: إنكم خائنون سارقون خنتم أباكم وبعتم أخاكم وأحلتم الذنب على الذئب، ثم أمر الحاجب فنقر الصاع نقرة أخرى قال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقول: طرحتم أخاكم في البئر وبعتموه بثمن يسير، فتعجبوا وألجموا (٢) عن الجواب وخرجوا من عنده، ثم أمر الوكيل بتجهيزهم ودس بضاعتهم في أحمالهم وهم لا يعلمون، وقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ ووعدهم على ذلك إيفاء المكيل (٣) وحسن القرى. ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ﴾ هذا وعيد من يوسف ﵇، وإنما

стр. 1002

عطف المجزوم على المرفوع حكمًا لحسن دخول الفاء الموجبة للرفع على هذا المجزوم. ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ جمع رحل وهو ما ترحل به الدابة من بيت أو أثاث أو طعام ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ (١) يميزونها من سائر ما في رحالهم إذا فتحوا فلا يتعذر عليهم الرجوع لإعواز البضاعة. ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ في المستقبل لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ﴾ الآية. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ (٢) قَبْلُ﴾ ذكرهم حديث يوسف ﵇ ليعلم أن جريمتهم الأولى جرّت تهمتهم في سائر الأمور، فيندموا عليها ولا يقدموا على مثلها. ﴿مَا نَبْغِي﴾ بمعنى الاستفهام، أي أيش نطلب بعد هذا، وقيل: التمسوا بضاعة للرحيل فلم يقدروا عليها، ثم فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم الأولى ردّت إليهم، فقالوا: يا أبانا وجدنا الذي كنا نبغيه، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نجلب إليهم الميرة، يقال: مار فلان أهله (٣)، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأن يوسف ﵇ ما كان يكيل رجلًا واحدًا إلا حمل بعير واحد، وذلك إشارة إلى ما حملوه فيكون اليسير القليل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ازدادوه فيكون اليسير سهل المأخذ. ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ من الحلف بالله، وفيه دلالة على صحة الكفالة بالنفس ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ﴾ يحيط ﴿بِكُمْ﴾ أمر من الله تعالى فيعذركم ﴿وَكِيلٌ﴾

стр. 1003

المتوكل عليه على حفظ ميثاقنا، أو الشهادة على هذا الميثاق موكولة (١) إليه لا يشهد عليه أحد سواه. ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ تخوفًا من العين، وقال جبريل ﵇ لنبينا ﵇: "يا محمَّد صدّق بالعين فإن العين حق" (٢). ما كان أبوهم يغني عنهم من قضاء الله وقدره شيئًا بتحذيره إياهم العين ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ لكن تحذيره ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أمضاها وأظهرها، والحاجة قضية النفس جمعه حوائج، وقيل: أصله حائجة ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ لتعليمنا إياه وللذي علمناه من الأنبياء. ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قيل: إن يوسف أقعدهم على مائدته وأخذ كل اثنين قصعة وجلس بنيامين وحيدًا، فسأله يوسف عن حاله فقال: إني مصاب بأخي من أمي فبقيت فردًا، فرقَّ عليه يوسف ﵇ وضمَّه إلى نفسه على المائدة وقال: أنا وحيد مثلك، ثم تعرف إليه وقال: لا تبتئس ولا تكتئب بصنيعهم إليّ فإن الله قد عصمني ونصرني، فاستبشر (٣) بنيامين بقول أخيه وسكن إليه ولم يظهر ذلك على سائر إخوته لاستيحاشه. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ روي أن بنيامين لما عرف يوسف ووجده بعد اليأس اشتد عليه فراقه وأحبَّ المقام معه فطلب من يوسف أن يمسكه، فقال له يوسف: قد علمت ما فيه أبونا من الحزن والغم ولا يمكنني حبسك إلا بأن أتهمك بما لا يحل، قال: لا أبالي بما اتهمتني به ولست براجع معهم، ففكر (٤) يوسف في ذلك فألهمه الله تعالى هذه الحيلة

стр. 1004

ليتم قضاؤه في ابتلاء آل يعقوب، و (السقاية): مكيال الملك عن مجاهد (١)، وعن أبي عبيدة: مكيال كان يسمى سقاية، ابن عباس والحسن والضحاك (٢): الصّاع والسقاية شيء واحد، ويحتمل أنها كانت مكيالًا يكيلون به الخمر كالدورق فاتخذها يوسف ﵇ مكيالًا للطعام، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ الإبل والحمير التي يحمل عليها كقولك: يا خيل الله اركبي، ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قول المؤذن لم يكن أمره يوسف إلا بتعريف الصاع فقط، ويحتمل على أنه على سبيل الاستفهام، ويحتمل أنه وصفهم بالسرق لاستراقهم يوسف من أبيه. ﴿قَالُوا﴾ يعني إخوة يوسف، ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ على أصحاب يوسف تقديره: قالوا وقد أقبلوا ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ يطلبون الغائب. ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وعد بالجُعْل ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ صريح بالكفالة والتزام للضمان وإليه يعود قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ [القلم: ٤٠] قال ﵇: "المنحة (٣) مردودة والدين مقضي والزعيم غارم" (٤) والكفالة لا تصح إلا بقبول (٥) المكفول له؛ لأنه عقد ضمان كالبيع، أو عقد تبرّع كالهبة. ﴿تَاللَّهِ﴾ يمين، قال الفراء: لا تدخل التاء على غيره من الأسماء؛ لأنه لما كثر دورها على ألسنتهم بالواو جعلوا الواو كأنها من نسج الكلمة، فتارة حذفوها وتارة أبدلوها بالتاء (٦).

стр. 1005

﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ حكمه وحده والهاء عائد إلى الفعل وهو السّرق، إنما سألهم يوسف ليحكموا بشيء فيأخذ بحكمهم ولا يأخذ بحكم أهل مصر. ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ أي السرقة، وحدُّها هو حبس ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ واسترقاقه ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ فما بينا شريعتنا، (الوعاء): الظرف، والمراد به الجوالق، وإنما بدأ بأوعيتهم لئلا يعلموا بأنه حيلة ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي الصاع وهو يذكر ويؤنث. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في سلطان الملك (١) وطاعته إلا بمشيئة الله، قيل: شاء الله ذلك وأذن له فيها بإلهامه الكيد، ويقال: لم يشأ الله ذلك ولذلك وفقه لسؤال إخوته ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فأخذ بقولهم وحكمهم دون حكم الملك. ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ يعنون يوسف، وهب: أنه خبأ طعامًا من المائدة للفقراء وكان صبيًا (٢)، كعب: رفع عناقًا عن السائمة إلى السائل، قتادة وابن جبير: سرق (٣) صنمًا كان لأبي أمه في بيت يعقوب فألقاه بين الجيف وغطاه في التراب، مجاهد (٤): أن عمّته رحمة بنت إسحاق احتضنته بعد موت أمه، فلما شب ألفَتْه ولم تحب أن ينتزعه يعقوب ﵇ منها، فشدت على وسطه من تحت القميص منطقة أبيها، ثم افتقدتها فأوهمت أنها وجدته عند يوسف وأنه كان استرقها، فأمسكته عند نفسها بهذه

стр. 1006

الحيلة، فلما ذكر إخوة يوسف ذلك الأمر بأقبح صورة، فساء يوسف قولهم: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلة. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقل: إلا السارق لأنه علم أن بنيامين ليس بسارق، فلذلك عرض قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إن أمسكنا غير بنيامين لأن بنيامين (١) كان راضيًا بالإمساك وغيره لم يكن راضيًا به. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ افتعال من اليأس أو من الإياس (٢)، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ خرجوا متناجين ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ تفريطكم فيه من قبل ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ كعب: أنه روبيل أكبرهم سنًا (٣)، وهب: يهودا كان أرجحهم عقلًا (٤)، ﴿أَبْرَحَ﴾ أزول ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ في تخليص بنيامين والرجوع معه. ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي بما علمنا من طريق المشاهدة، وهو استخراج الصاع من رحله ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾ لما لم نشاهده من كيفية (٥) الدس: أكان كدس البضاعة في رحالنا أول مرة، أو كان خيانة من جهة بنيامين؟. كان يعقوب ﵇ برده عليهم بقوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (٦) صادقًا لأن بنيامين لم يكن سرق في الحقيقة، وفي ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ صادقًا أيضًا؛ لأن هذه الحادثة الثانية كانت من جريرة أنفسهم إياهم أول مرة في شأن يوسف ﵇ ﴿بِهِمْ﴾ بيوسف وبنيامين وكبيرهم.

стр. 1007

﴿يَا أَسَفَى﴾ تأسف ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ والتأسف التلهف (١)؛ لأن المحن توالت بعد غيبته فتأسف على حالة وجوده وحضوره عنده، ﴿تَفْتَأُ﴾ لا تفتؤ، أي لا تزال، وحذف (لا) مع الأيمان جائز (٢)، ﴿حَرَضًا﴾ والحرض الحزن وفساد الجسم بشيء (٣). (البث) أشد الحزن (٤) و ﴿إِنَّمَا﴾ جمع (٥) للتأكيد، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ من لطفه وصنعه. ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ كان يعقوب ﵇ غير شاكِّ في يوسف أنه لم يأكله الذئب، ولم يقتله (٦) إخوته، ولم يقبضه ملك الموت بعلمه بأن الله

стр. 1008

سيجتبيه ويعلِّمه من (١) تأويل الأحاديث، وبحق رؤياه، ولكنه كان يحزن لفقده، فلذلك أمر بنيه أن يتحسسوا من أمره، وإنما أمر الذين غيّبوه لأنه (٢) لا يجد غيرهم أو لأنه كان أحس بشيء من ندامتهم، و (التحسس) طلب الإخبار بالحس. ابن عباس: التحسس والتجسس مقاربان إلا (٣) أن الحاء في الخير والجيم في الشر (٤). ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الروح الرحمة (٥) والراحة والفرج. ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ من متاع البادية، وهو الصوف والسمن والأقط، عن عبد الله بن [الحارث (٦). والصنوبر والحبة الخضراء عن أبي صالح (٧). والحِبال، عن ابن] (٨) زيد (٩). والمزجاة: القليلة اليسيرة التى تبتلغ (١٠) به ويزجى به العيش ولا يدخر، وقيل: هى التى لا تصلح للنقل من يد إلي يد فهي مصرف إلي الوجوه، ولا تمسك ولا تكنز ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ قيل: المحاباة فى البيع، وقيل: الصدقة الظاهرة لأن الصدقة لم تكن محرمة عل آل نبينا ولو كانت محرمة (١١) على آل إبراهيم لحرمت على ربيعة ومضر، ولو كانت محرمة على آل يعقوب كانت محرمة على بني إسرائيل اليوم.

стр. 1009

﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ على سبيل العتاب لئلا يعتقدوا أن لا ملام عليهم في الحقيقة أو الندامة والخجل عند العتاب، وإنما ذكر جهلهم ليمهّد لهم عذرًا فلا يخافوا (١) كل الخوف كقوله: ﴿يَعْمَلُونَ (٢) السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] وأراد علمهم بقبح صنيعهم (٣) فكأنه يقول (٤): هل تبين؟ هل وضح لكم قبح ما صنعتم بيوسف وأخيه إذ كنتم جاهلين فالعامل (٥) في (إذْ) صنعهم (٦)، أما صنيعهم (٧) بيوسف فظاهر وصنيعهم بأخيه سلبهم أخاه وتركه فردًا وحيدًا، وتركهم إياه عند يوسف متهمًا بالسرقة من غير بينة واعتراف، إذ يمكنهم أن يقولوا أنت أمرت بدس الصاع في رحله (٨)، كما أمرت بدس بضاعتنا في رحالنا أول مرة. ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ زاد الجواب لئلا يفرد نفسه بالثناء عليها فيتداخله العجب فيردّه من حيز الشكر إلى حيز الفقر. ﴿آثَرَكَ﴾ اختارك ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ آثمين من الخطأ (٩)، والخطيئة: الإثم وتعمد الخطأ. ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ لا تقريع وتقرير الذنوب. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ قيل: كان القميص من كسوة الجنة كساه الله

стр. 1010

إبراهيم وإبراهيم إسحاق وإسحاق يعقوب، ثم طيه في قصته وعلقها من يوسف ﵇، وقيل: هذا القميص الذي قدّ مِنْ دبر جعله الله آية له ومعجزة على صدق دعواه ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يعود كما كان لا بياض في مقلته. ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ إنما وجد لرفع الله الابتلاء وكشفه حجب الفراق وتعويضه منها أسباب الوصال، قال النبي ﷺ : "إن لربكم نفحاتٍ في أيام دهركم فتعرضوا لها فعسى أن تدرككم فلا تشقوا أبدًا" (١) ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ نسبة إلى الفند وهو الخوف وضعف الرأي، فكأنه يقول: إني لأفندكم علمًا بوجودي ريح يوسف لولا تفنيدكم إياي، وذلك لامتناع (٢) وقوع العلم لهم بصدق مخبره بعد تفنيدهم إياه. ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قول أولاد أولاده ضللوه مثل آبائهم من قبل، ﴿الْقَدِيمِ﴾ المقدوم كونه (٣). ﴿جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ هو الذي كان ابتدأ بقوله: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ و ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، وقيل: هو الذي كان تخلف بأرض مصر (٤) وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ عجل يوسف الاستغفار عند اعترافهم ورجا (٥) يعقوب استغفارهم

стр. 1011

﴿سَوْفَ﴾ (١) عند مطالبتهم إياه به، والانتفاع من المصلحة، وهذا مَثَل في وقار المشايخ، (دخلوا عليه) في ناحيته ومعسكره، وكان قد استقبلهم في الطريق واستقبلهم فرعون كذلك إكرامًا ليوسف، والمراد بأبويه أبوه وخالته (٢) وهي بعض إخوته، ولفظة ﴿ادْخُلُوا﴾ على معنى الخبر كقول الشاعر (٣): ... لدوا للموت وابنوا للخراب ولذلك دخله الاستثناء، وقيل: الاستثناء للأمن لا للدخول، ﴿آمِنِينَ﴾ نصب على الحال، وذكر الأمن لئلا يظن إخوته أنهم يكونون في مصر كالأسارى والأرقاء. ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ذكر السجن ولم يذكر البئر لأن البئر كانت سجنًا كذلك فالاسم مشتمل عليهما، وقيل: لئلا يخجل إخوته ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ البادية، ﴿لَطِيفٌ﴾ ملطف (٤) ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ من الأعمال، وقيل: رقيق العمل لما يشاء (٥) قوله: ﴿آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ اعتراف بالنعمة وسكن (٦) للمنعم، وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ توكل على الله وانقطاع إليه، وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ تقرب إلى الله بسؤال ما

стр. 1012

أوجبه الله تعالى له حتمًا ليكون الواجب موجودًا على سبيل الاختيار دون الاضطرار ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عند إخوة يوسف ﵇. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ تعزية للنبي ﵇. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ المرور على الشيء وبالشيء واحد وهو الطواف، والمراد به مشاهدة هذه الآيات. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ إيمان باللسان، وأهل الملك يوحدون الله بألسنتهم ثم يشركون. ﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى السبيل؛ أي هذه السبيل ﴿سَبِيلِي﴾ وهي الملة الحنيفية ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بيان ويقين ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ خلفاؤه والأئمة المهديون والعلماء الراسخون والمؤمنون ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ من أن يشاركه شريك أو يزاحمه مليك. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ نزلت (١) لنفي تعجبهم من نبوة نبينا ﵇ متوهمين أن النبي ﵇ لا يكون بشرًا أو لا (٢) يسكن فيما بين العشيرة والأهل، وليس في الآية امتناع ذلك. ﴿وَظَنُّوا﴾ أي المنافقين والكفار بأن الرسل ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ فيما وعدوا أو ظن الرسل بأن أصحابهم كذبوهم في إظهار الموالاة. ...

стр. 1013

سُورَةُ الرَّعْدِ مكية (١)، وعن قتادة: مدنية (٢)، وعن الحسن (٣): مدنية إلا آيتين ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ [الرعد: ٣١]، الكلبي: الآية نزلت في عبد الله بن سلام (٤)، وقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: ٤٣]. وهي أربع وأربعون آية حجازي (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ رفع بالابتداء والحق (٦)، ثم الجملة عطف

стр. 1014

على الجملة الأولى، وقيل: خفض بالعطف على الكتاب ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي ذلك الحق. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع عماد كأهَبْ وإهاب على سبيل الخلقة والطبيعة، وقيل: على سبيل القهر والحبس، وقيل: بعمد لا ﴿تَرَوْنَهَا﴾ لأن الفتق بالرياح (١) وهي أجسام غير ملونة ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة، وقيل: وقت الغروب وكذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]. ﴿رَوَاسِيَ﴾ هي (٢) الجبال الراسية جعلها الله تعالى للأرض كالأوتاد فهي من السهلة بمنزلة العصب والعظم من اللحم ليعتمد الرخو الصلب فلا تنحل، والصعيد والأرض بتناول السهل والجبل ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الذكر والأنثى إن كان المراد بالثمرات ثمرات النفوس (٣) المتشابهات المتجانسات، وإن كان ثمرات النبات، ووجه التأكيد نفي التوحيد كما في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] ويحتمل أن المراد بالزوجين اثنين الرطب واليابس، أو الجيد والرديء، أو المستطاب والمستبشع، أو الريعي والحرفي، أو ما يصلح للناس والدواب.

стр. 1015

﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ عرصات متلاصقات (١) وفائدتها الامتنان أو التنبيه على لطف الصنعة في المخالفة مع طبائعها مع قرب المجاورة في حق الطوالِع والغوارب والرياح والأمطار، ﴿صِنْوَانٌ﴾ جمع صنو مثلها الثابت من أصلها (٢)، والفائدة في ذكر الصنوان وغير صنوان الامتنان بالنوعين أو التنبيه على أن الفرع معدوم وموهوم أو مظنون. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ عجبوا لبعده عن قياس العقل ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي إنا لنبعث في خلقة جديدة ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المستعجبين ﴿الْأَغْلَالُ﴾ جمع غل وهو طوق إصر وصغار، والمراد به الذنوب والذي أُعدَّ لهم من أغلال (٣) النار في دار القرار. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ بالكفر قبل الإيمان لمن قدر له الإيمان، وقيل: امتياز الخبيث من الطيب، وليس ذلك من سُنّة الله تعالى لأنه قد ﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ والأشباه والنظائر (٤) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]؛ لأنَّ الأمم لم يهلكوا إلا بعد امتيازهم من المؤمنين. عن ابن المسيب، قال: لما نزلت ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ الآية قال ﵇:

стр. 1016

"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا عيشٌ، ولولا وعيده وعقابه لاتّكلَ كلُّ أحدٍ (١) " (٢). ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ملجئة من ربه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ قال قتادة: إنما أنت منذر وهادٍ (٣) لكل قوم ولست بملجىء قاهرٍ، وقال مجاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ولست بملجىء ولا قاهر (٤). ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ فيما مضى كان ﴿هَادٍ﴾ ومنذر مثلك، وقيل: إنما أنت منذر ولست بقادر على إنزال الآيات وخلق الهداية فيهم، ولكل قوم هادٍ واحد لا ثاني له اتصال ما بعدها بها من حيث تكرار التعريف والتنبيه على التوحيد. ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ ماهية وكيفية ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ كمية وتغيرًا (٥) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ دليل أن الكمية متناهية إلى المقدار. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قيل: خمس لا يعلمها إلا الله وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ﴿وَسَارِبٌ﴾ خارج، يقال: ضلَّ سربه أي طريقه. ﴿لَهُ﴾ عائد إلى الرجلين ممن أسر القول أو جهر أو من استخفى بالليل وسرب بالنهار. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ جماعات من الملائكة تعقب جماعة جماعة وتعقيب بعضهم بعضًا ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ على الحالة الرضية، وعن الحسن:

стр. 1017

معقبات أمراء وولاة (١)، وقيل: كلمات الأمن والعافية (٢) ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله ﴿لَا يُغَيِّرُ (٣)﴾ ما اقترن بقوم من الثواب العاجل بالعقاب العاجل ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ بتغيير ما أسلفوه وقدموه، وذلك لسبق رحمته، ولو شاء لابتدأ الشر غير ظالم ولاستلب الخير غير جابر. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ منصوبات على أنه مفعول لهما (٤)، فـ (الخوف): خوف المسافرين والنازلين في مجاز السبيل ومهابط (٥) الصواعق، و (الطمع): طمع أصحاب الزرع (٦) وأيدي الكلأ، ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ قيل: السحاب شيء متركب من غبار البر (٧) وبخار البحر فيلبد (٨) في الجو ومنه طبعه (٩) إلا أن الحرارة المنعكسة وقيل: الريح بعينها تنكدر وتتلبد في البعاد من الجو لبعدها عن حرارة الشمس، وإنما يكون هذا في النواحي الجنوبية والشمس في البروج الشامية حينئذ والزمان قيظ، ثم إذا جاوزت الشمس نقطة الاعتدال الميزاني الخريفي وانحدرت إلى البروج الجنوبية أثارت بحرارتها ما تكدرت هناك وساقته إلى نحو الشمال.

стр. 1018

﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ وقيل: الرعد اسم مَلك (١)، وقيل: صوت ملك (٢) يزجر السحاب (٣)، وهي اضطراب الرياح واضطرامها، وقيل: هي زفرات الشياطين في الهواء ﴿الْمِحَالِ﴾ الحوال (٤) والحيلة (٥)، والميم عند الأزهري أصلية وعند القتيبي غير أصلية (٦). ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ العبادة، كان النبي ﵇ يقول: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" (٧)، وكان داود ﵇ يقول: "سجد وجهي متعفرًا في التراب لخالقي وحق له" (٨). ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي الداعي كباسط كفيه، وقال الفراء: هو الظمآن المشرف على الماء في البئر يدعوه بيديه وليس معه آلة الاستقاء (٩). وقال مجاهد: هو الذي يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيديه (١٠)، ويحتمل أنه الذي يعتمد بكفيه على الماء ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ فلا يتم له المقصود لتعذر الاعتماد، ويحتمل أنه الذي شلّت يده مبسوطة لا تنقبض عند الاغتراف. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى الطاعة والانقياد. عن الأحنف بن قيس قال: مررت برجل يصلِّي يكثر السجود قلت: يا عبد الله

стр. 1019

على شفع انصرفت أم على وتر؟ فقال: إن (١) أك لا أدري فإن الله يدري، ثم حدثني حبيبي أبو القاسم ﷺ أنه "ليس عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع بها درجة وحط عنه بها سيئة" قال: قلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: أبو ذر صاحب رسول الله، فتقاصرت إلى نفسي (٢). فائدة قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الإفحام، وفائدة الإتيان بالجواب هو (٣) الإثبات بعد الزوال أو بمعنى الاستفهام، وهو متصل بما مضى ﴿شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أي: خالقين مثله (٤) ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي التبس عليهم أقسام المخلوقات فأوجب ذلك الالتباس عبادتهم وإشراكهم بالله ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبرنا من طريق الوحي أنه خالق الظلمات والنور، والمنافع والمضار، والخير والشر، والحسن والقبيح، والصامت والناطق، وهو خالق أفعال العباد من الطاعة والمعصية، والمباح والمضطر إليه، وما يخطر ببالهم، لا خالق على سبيل الابتداء والإيجاد إلا هو الله (٥) الواحد القهار. ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادي، كنادٍ وأندية ﴿بِقَدَرِهَا﴾ (٦) بمقدارها الذي يسعه ويحتمله السيل، وما (٧) يسيل من الماء فوق عادته ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ فالزبد ما يجتمع على وجه الماء من الوسخ والدرن، و (الربوّ) النمو، ونماء الزبد بانتفاخه وطفوه، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ واو الاستئناف، أي: ومن الأشياء التي يذيبونها بالنار ليتخذوا منها حليًا وأمتعة زبد مثل زبد السيل

стр. 1020

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي المثل الحق والمثل الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي كل واحد من الزبدين يزول على وجه ما تربد (١) عليه متلاشيًا فيصفو ما تحته كما تصحو السماء إذا انقشع عنها الغيم. قال أبو عمرو بن العلاء (٢): أجفان القدر إذا غلت فعلاها الزبد فإذا سكنت لم يبق منه شيء، وقال أبو عبيد الهروي (٣): جفا الوادي (٤) وأجفى (٥) إذا لقي غثاء على جانبيه وأجفان القدر إذا ألقت زبدها فيمكث فيلبث، هذا هو المثل المضروب للحق والباطل، فالماء المنزل مثل القرآن والوحي والإلهام والرؤيا النبوية، والأودية مثل القلوب من هذه العلوم مقدار ما تسعه، والسيل مثل العلم الحاصل من هذه الجهات، وزبده مثل ما يلقي الشيطان في الأمنية أو يوسوس في التأويل، وما يذوب على النار من جواهر الحلي والأمتعة مثل العلم المكتسب بالقرائح وإعمال الفكر في الاعتبار والاجتهاد وزبده هو أحسن النفس الأمارة بالسوء ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ويهدي الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ويبطل الآراء المدخولة بالرأي المتين الحنيفي ليتم نوره ولو كره الكافرون (٦). ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ عليهم اللعنة، والسلام مكان على، ويحتمل أن اللام لازدواج الكلام واعتبار قوله: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ويحتمل أن المراد به حظهم ونصيبهم ونعمتهم، وهذه الأشياء تضاف باللام. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يعطي الفضل ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في عطي ما لا يكفي الأقل منه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة وإضافتها إليها.
следующие страницы →