﴿أَلِيمٌ﴾ مؤْلِم (١). وقال ابن عرفة: ذو الألم (٢). ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) أي: بسبب كونهم (٤) كاذبين أو مُكذبين.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ نزلت في المنافقين عند أكثر العلماء (٥). و"إذا" للتوقيت في المستقبل يحل محل الظرف، وقيل: لما يليها من الأفعال على صيغة الماضي. ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا تعملوا بالعمل الفاسد فيها. وفسادُ الشيء: تغيُّرُهُ عن استقامة الحال. والأرض مأخوذٌ من الإراض وهو: البساط. والإرَاض مأخوذٌ منها (٦). ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ بأن نأتي كلَّ قوم بوجه ونَتَذبذبَ فيما بينهم تقيَّةً على أنفُسِنَا. "وما" في "إنّما" ما الكافة (٧)
стр. 107
ولولاها لنصب إنّ الضمير بعدها، فلما دخلت هي قبض إنّ عن العمل. تقول: إنَّكَ وإنّما أَنتَ و ﴿نَحْنُ﴾ جمع أنا من غير لفظه, لأنَ (أنا) لما لم يُجمع مفكوكًا لم يجمع مَسْبُوكًا، بخلاف (أنت) و (هو) (١).
﴿أَلَا﴾ كلمةٌ وُضعَتْ للتنبيه والإعلام قبل الكلام، وهي مركبة من ألف الاستفهام و (لا) النفي (٢). و"لكن" حرفُ عطفٍ خُصتْ لاستدراكٍ (٣) بعد نفي أو تَرْكِ جُملةٍ إلى جُملةٍ. وإنما جَمَع بين حرفي العطف لأنّ الواو أمُّ حروف العطف فجاز إدخالها على حرف عطف لقوتها، كما أنّ الألف أمُّ حروف الاستفهام فجاز أن يقال: أهَلْ رأيتَ زيدًا؟
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤) نزلت في المنافقين الذين سبق ذكرهم ﴿آمِنُوا﴾
стр. 108
أي: أيقنوا الإيمان, ها هنا هو الإيقان دون الإقرار ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أبو بكر (١) مع المهاجرين والأنصار (٢).
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ على وجه التعجب والإنكار، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ (٣) ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ الجهالُ والسَّفيه: الخفيفُ العقلِ. يقال: تَسَفَّهَتِ الرياحُ الشيء إذا: اسْتَخَفَّتْه وحَرَّكتْهُ (٤). وقيل: نزلت الآية في كعب بن الأشرف (٥) وأصحابه. والمراد بالناس: عبد الله بن سَلام (٦) وأصحابه (٧).
стр. 109
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في ابن أبيّ بنِ سلول وأصحابه. استقبل ذاتَ يومٍ أبا بكر وعمَر (١) وعليًا ﵃، فأخَذ بيد أبي بكر وقال: مرحبًا بسيّد بني تيم خير النّاسِ بعد رسول الله، ثاني اثنين معه في الغار، الباذِلِ نفسَهُ ومالَهُ له. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبًا بسيّد بني عدي خير النّاسِ بعد رسولِ اللهِ، الشديد في دين الله، القَائلِ بالحقّ. ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبًا بسيّد بني هاشم ما خلا رسول الله أخيه وابن عمه وخَتنِه. فقال له علي: يا عبد الله لا تنافق، فإنّ المنافقين شرُّ خليقة الله في الأرض. فقال: مه يا علي، فإني آمنتُ مِثلَ إيمانكم. ثم قفى ومَضَوا، فلمّا انفرد بأصحابه قال لهم: كيف رأيتم وُدّي هؤلاء السُّفهاء عنكم؟ قالوا: لا نزالُ بخير ما عشت لنا. فأَنْزَل الله هذه الآية (٢).
واللقاء: رؤية تقتضي مُصادفةً ومعاينةً، وتُستعارُ لإصابة الخير والشرِّ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٣). ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ مضوا (٤) ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ كهنتهم، قيل: إنهم كانوا خمسة نفر (٥): كعب بن الأشرف، وأبو بُردة الأسلمي، وعبد الدار الجُهني، وعوف بن عامر
стр. 110
الأسدي وابن السوداء (١). ﴿إِنَّا﴾ مركبة من "إنّ" التي هي للإثبات و" (نا) " كناية للجمع (٢) الذين تَكَلَّمَ منهم، فلما اجتمعت النونات اكتفى بنون مُشددة (٣) ﴿مَعَكُمْ﴾ بالقلوب. وقيل: في التكذيب سِرًّا (٤). ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بأصحاب محمَّد (٥)، بإظهار قول لا إله إلا الله. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ يجازيهم على استهزائهم (٦). كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧)، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وقال الشاعر (٩):
ألا لا يَجْهَلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهلِ الجاهلينا
стр. 111
وفي الخبر: أن جزاء استهزائهم أنهم يُدْعَوْنَ إلى الجنة وهم في النار، فيسحبون أحقابًا حتى يقتربوا من أبوابها فتغلقُ الأبوابُ دونهم، فيرجعون بحسرة (١). ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يُمهلهم (٢). وفي اللغة قريبٌ من البسط والتطويل. ﴿طُغْيَنهِمْ﴾ تماديهم ومُجاوَزَتِهِمُ الحدَّ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ويتحيرون (٣). ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ اختاروا (٤) الكفر على الإيمان. وقيل: استبدلوه به. وقيل: إنها في شأن اليهود إذ هم قبلوا التحريف وتركوا التوراة بعد تحصيلها. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي: فما ربحوا في تجارتهم. والربح: ضد الخسران.
стр. 112
﴿وَمَا كَانُوا﴾ للجحد، والكينونة إذ اقتضت جوابًا فهي بمعنى الصيرورة كما هي ها هنا. إذ الاهتداء خبرٌ لها. والاهتداء يقرُبُ من البَصَارة والإصابة.
﴿مَثَلُهُمْ﴾ شبّه المنافقين. والمثَل (١): صفةٌ يوجد لها المثلُ على وجه المقاربة والموافقة (٢) دون المُشاكلة والمُجانسة، ثم تؤولُ هي ومثلها جميعًا إلى مدحٍ أو ذم. والكلام الذي يُسمى مثلًا هو: قولٌ سائرٌ يتلفظُ به عند تشبه حال الثاني بالأول. وضَرْبُ المثل: وضعُهُ (٣).
﴿اسْتَوْقَدَ﴾ (٤) أي: أوقد (٥) وهي ضد أطفأ. والنارُ هي: الجسمُ اللطيفُ المحرق، والنورُ عَرَضٌ فيه.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ و"لما" ظرفُ زمانٍ ماضٍ لا يتم إلا
стр. 113
بِصِلَتِه (١)، وصلَتُهُ أولُ العاملَيْن، ولا يستقيم إلا بالعامل الثاني. تقول: لمَّا دعوتك أَجَبْتَني. وحَوْلُ الشيء: موضعُ حركتِهِ ومَبْدَأُ تَحَوُّلِهِ. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، أي أَذْهَبَ اللهُ نُورَهُم (٢) ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ شدائد جهنم (٣) ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يرون وجهَ الرَّجاء والفرج (٤). والنور: ما بين المحسوس والمعقول. والظُّلمة عَرَضٌ يفسخُهُ النورُ وينافيه.
وتمثيل مثل المنافقين بمثل المُسْتَوقد من حيثُ إِنَّ المستوقد طفئت نارُهُ وحبط عملُهُ لما طفئتْ. فكذلك المنافقون افْتُضِحُوا وحبط إظهارهُمُ الإيمان لِمَا تستروا به نفاقًا وتقيَّةً.
وقيل: إنها نزلت في أولئك المنافقين الذين أخلصوا ثُمَّ ارتابوا.
стр. 114
وهذا أقرب من الأول (١). وقيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم نزلوا يثرب انتظار المبعث وكانوا يستنظرون باسم النبي ﷺ في وقائعهم، [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾] (٢)، فإن صَحَّ هذا القول فإنها في المنافقين منهم دون الكل, لأنَّ دلالات النفاق ظاهرة فيما تقدم تقرير الآية، فلما أضاءت النار ما حول المستوقد طفئت. كقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ (٣)، أي: فإذا أمنتم فاقضوا ما أحصرتم عنه.
وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ في المنافقين دون المستوقد. وإنما يذكر اقتباسَهُمُ النورَ أولًا ثم الذهاب بنورهم لأن المثل السابق دلَّ عليه فاكتفى بتلك الدلالة. وقيل: الضمير في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ عائدٌ إلى المستوقد وأصحابه (٤). والمعتقد في الجملة ما هو عند الله تعالى.
﴿صُمٌّ﴾ من حيث لايستمعون إلى الحق. ﴿بُكْمٌ﴾ من حيث لا ينطقون بالحَق ﴿عُمْيٌ﴾ من حيث لا ينظرون إلى الحق ولا يلتفتون إليه (٥) ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإخلاص [في الحال] (٦) لأنَّ بعضهم أخلص بعد
стр. 115
ذلك ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ "أو" ها هنا للعطف (١)، كقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢).
قال جرير (٣)(٤):
نَالَ الخلافةَ أو كانت له قَدَرًا ... كما أتى رَبَّه موسى على قَدَرِ
وقيل: "أو" للتخير كما في كفارة اليمين، فكأنما خير المخاطب بين ضرب المثَلين لهؤلاء المنافقين، إذ كُلُّ واحدٍ منهما يليقُ بحالهم. ﴿كَصَيِّبٍ﴾ كأصحاب صيّب، حذف المضافَ وأقام المضاف إليه مقامه (٥)،
стр. 116
كقوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (١) [أي: ذوو درجات] (٢). وإنما سمي المطرُ صيبًا لأنه يَصُوبُ من نحو السماء.
قال الشاعر (٣):
فَلستُ لإِنسيٍّ ولكن لِمَلاَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جوِّ السماءِ يَصُوبُ
وأصلُ الصيّب: صَيْوِب. عند الفرّاء (٤): صَوِيْب (٥). ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ظلمة السحاب، والماء، والليل (٦) ﴿وَرَعْدٌ﴾ صوتٌ يسمع عند المطر من مُصوِّت تسبيحًا لله تعالى ﴿وَبَرْقٌ﴾ نور يلمع من صفاء الماء في الهواء.
стр. 117
وقيل: من نار ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ يُصيّرون بنانهم في العضو المختص بالسمع (١).
والصّاعقةُ: صوتٌ فيه نارٌ لا تأتي على شيء إلا أحرقته. وقيل: اسمٌ للعذاب على أيّ وجه كان؛ لأن عادًا أهلكتْ بالريح وثمود بالرجفة ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). المراد بالصواعق هاهنا: شدةُ الظُّلمة وشدّةُ صوت الرعد، وشدّةُ لمعان البرق، إذْ كلُّ واحدٍ منها هائلٌ (٣).
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي لحذر الموت (٤)، كقولك: زُرتُكَ طمعًا في برّك. وقال حاتم الطائى (٥):
وأغفرُ عوراءَ الكريم ادخارَهُ ... وأَعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيم تكرُّما
أي: لادخاره وللتكرم. والموت: ذهابٌ للحياة. ﴿مُحِيطٌ﴾: عالمٌ بأعمالهم، وهذا عارضٌ دَخَل في أثناء المَثَل ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ ﴿كُلَّمَا﴾:
стр. 118
ظرف زمان (١) ماضٍ في محل النصب، وعلّة الظرف إضمارُ في المعنى دون اللفظ كالاسم بنزع الخافض، وهو مبهم يحتاج إلى الصلة، وصلتُهُ ﴿أَضَاءَ﴾، والعامل فيه ﴿مَشَوْا﴾ مضوا في الضوء ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: صاروا ذا ظلمة (٢)، كقولك: ليلٌ مظلم وبيتٌ مظلم، وقوله تعالى: ﴿قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٤). أي: يَخلُصُون في الظلمة. وإنما قال: "عليهم" لأن وبال الظلمةِ راجعٌ إليهم.
﴿يَكَادُ﴾ فعلٌ ليس له مصدرٌ ولا اسمٌ، كادَ يَكادُ إذا أوهمَ أن يفعل ولَمَّا يفعل، قال الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ (٥) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٦) ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧) ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٨) إذا أوهم أن يفعل ثم فعل. وقيل: يكادُ يَغْرُبُ إلا أنه يستعمل بغير حرف "أن" بخلاف لفظ المقاربة والمداناة (٩). ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يستلبُ ويختلسُ أَبصارَ المنافقين، نظيرُهُ:
стр. 119
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ معنى "لو" كمعنى الشرط (٢)، وهو يكون في الماضي والمستقبل، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣) وأكثر جوابها باللام (٤). وعدم ما يليها من الفعل لعدم الفعل الذي هو جوابُهَا، والموجبُ مما يليها ومن حولها في اللفظ منفيّ في المعنى، والمنفيُّ في اللفظ موجبٌ في المعنى. والمشيئة: إرادة تشمل المكروهَ والمحبوبَ جميعًا (٥) [﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ إنما وحَّدَ السمعَ اكتفاءً بجمع المضاف إليه من جمع المضاف (٦)، أو أراد
стр. 120
الجنس، (١)، كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٢) وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٣) ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) كُلّ: اسمٌ يتناول آحاد الجماعة على سبيل الإفراد، يضاف إلى جماعة وواحدٍ مُنكَّر. والشيء: اسمٌ عامٌّ ﴿قَدِيرٌ﴾ قادرٌ (٥). وتقديرُ مَثَل المنافقين من أصحاب الصيّب من حيث إِنَّ القرآن نازلٌ عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهاتٌ ومحكماتٌ وبشارةٌ وإنذارٌ. كما أن في الصيب رعدًا وبرقًا.
والمنافقون يكرهون ذلك ويُعرِضُون عنه ويكبر ذلك عليهم، وتارةً ينظرون إلى مبلغه نظر المغشيِّ عليه من الموت، كما أن أصحاب الصيب يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت. والقرآن يكادُ [يهديهم أو يكادُ يميتُهُم غيظًا كما أن البرق] (٦) يكاد يخطف أبصار (٧)
стр. 121
أصحاب الصيب، وهم كلما رَأوْا دولةً أو طمعوا في بشارة قصدوا الإخلاص، وإذا حدثتْ نكبةٌ أو نزل تكليف بقوا متحيرين شاكين، كما أنّ أصحاب الصيب كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ للجميع (١) لأنه ذكر فيه النعمة العامة، وهي الخلق والرزق. وقيل: نزلت في المشركين بدليل قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ و"يا" حرف نداء، تقول: يا زيدُ، وأيُّ (٢): اسمٌ مبهمٌ تقول: أعطِ أيّهم شئت. و"هاء": حرف التنبيه و ﴿النَّاسُ﴾ كالوصف لـ "أي" لأنك تقول: يا أيّها الفقيهُ، ولا تقولُ: يا أيّها زيدٌ.
﴿اعْبُدُوا﴾ وحِّدوا وأَخْلِصُوا وأطيعوا ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ابتدأ خلقكم، وقيل: الخلق هو: الإيجاد مقدرًا، والواو في ﴿وَالَّذِينَ﴾ واو عطف و ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) لابتداء الغاية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تتقوا مخالفة الخالق. وقال سيبويه (٤): كلمة لعل: للرجاء والطمع (٥).
стр. 122
﴿الَّذِي﴾ أي هو الذي، ويقال: اعبدوا ويقال الذي جَعَلَ صَنَع وخَلَقَ (١)، وقيل: صَيَّر ﴿فِرَاشًا﴾ بساطًا ووطاءً ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سقفًا (٢)، مأخوِذٌ من السمو، وأراد به السماء المعروفة ذات البروج المزينة بالكواكب ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب مطرًا.
والماء هو: الجسمُ اللطيفُ المُضادّ للنار بانحداره ورطوبته وبرودته. وهو في الأصل مَوَهٌ لأنّك تقول في الجمع والتصغير: أَمْواهٌ ومُوَيهٌ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ فأنبت وأبرز بالمطر من التراب من ألوان ﴿الثَّمَرَاتِ﴾ كما في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: لا تَصِفُوا لله أمثالًا ونظراء (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخلوقون ومرزوقون لواحد قديم (٥).
стр. 123
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي [رَيْبٍ﴾ كما قال] (١) ابن عباس: نزلت في اليهود (٢)، وهي تحتمل العموم أيضًا (٣). وفي ترتيب إثبات النُّبوة على إثبات التوحيد دليلٌ على أَنَّ الرسولَ يُعْرفُ مِن قِبَلِ الله تعالى، وأَنَّ وجوب (٤) معرفة الله مقدم على وجوب معرفة الرسول. "إنْ" حرف شرط، والشرط قوله ﴿كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾. ثم هذا الشرط مُعَلّقٌ بشرط آخر في آخِرِ السورة (٥) وهو قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وجوإبها قوله: ﴿فَأْتُوا﴾، وهذا كمن قال لعبده: إنْ دخلت الدار فأنت حر إن قعدت فيها. ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ يعني القرآن، والتنزيل والإنزال والإرسال: من علو إلى سَفَل (٦) وفي قوله ﴿نَزَّلْنَا﴾ ضميرٌ
стр. 124
محذوفٌ وتقديره: نزلناه (١) إلاَّ أن الضمير في صلة الاسم الناقص المبهم يجوز حذفه لدلالة الحال عليه، كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمَّد ﷺ ، وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ تحذيرٌ وإعجاز (٣)، كقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ (٤) الآية. وحدُّ الإعجاز هو: الإتيان بناقض العادة الخارج عن طوق مَن هو مثل صاحب المعجزة في الخلقة، وذلك الشيء يزينه ولا يشينه، ويكونُ برهانًا على صحة دعوى النبوة. وإنما وقع التحدي هاهنا بنظمٍ عجيبٍ بديع تضمّن (٥) معنى صحيحًا غير متناقضٍ ولا هزال فيسميه الفصحاء لطيبه وذوقه وبدو أحكامه: شعرًا أو سحرًا ولا يكون كذلك. ونظائره: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٦) وقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ (٨) الآية و ﴿مِن﴾ زائدة (٩)، بدليل النظائر.
стр. 125
والسورةُ: اسم لقطعة من القرآن تشتمل على آيات وَفِقَ عليها بتوقيف من جهة النبي ﷺ مأخوذة من تسور البناء (١)، وقيل: من السُّؤْر في الإناء وهو القطعة الباقية منه، وهو بالهمز إلا أن لغَة النبي ﷺ تركُ الهمز ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ استعينوا (٢) بآلهتكم، وإنما سُمُّوا شهداءَ لزعمهم أنهم يشهدون ما قُدّر لهم من الخير والشر فيقدرون على تغييره أو يشهدونهم على احتياجهم إليهم فيتصرونهم، كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ (٣) على زعمهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أنّ القرآن ليس من عند اللهِ.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ شرط (٤)، وجوابه ﴿فَاتَّقُوا﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ عارضٌ دخل بين الشرط والجواب، و"لم": حرف نفي في الماضي جازم. و"لن": نفي المستقبل ناصب، معناه: إن لم تأتوا بمثله ولن تأتوا أبدًا
стр. 126
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾ تحذروا عنها بترك مُوجبها وهو الريب والتكذيب على ما سبق ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ ولم يقل: الكفار لئلا يأمن العصاة من أهل الإيمان ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ حجارة الكبريت عن ابن عباس وابن مسعود (١) وابن جريج وغيرهم (٢). وقوله ﴿أُعِدَّتْ﴾، أي: هُيَّئَتْ وخُلِقتْ، دليلٌ على أنّها موجودةٌ مخلوقة (٣). وإنما خصّ الكافرين لأنهم هم المخاطبون بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ لا أن النار تصيب المؤمن الفاسق كتخصيص المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ﴾ (٤) الآية.
فلما ذكر مآل الكافرين أعقبه مقرَّ المؤمنين جميعًا بين الإنذار والتبشير على قضيّة قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) الآية. فقال:
﴿وَبَشِّرِ﴾ أي: فرّح قلوب الذين آمنوا. والبشَارةُ: اسمٌ للخبر الذي يقع به التبشير وقد يُسْتعملُ فيما يسوء. قال الله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٦) وهو على
стр. 127
المجاز، كقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (١) وقيل: هو على الحقيقة لأن ما يسوء من الخبر مؤثر في بشرة الوجه أيضًا. ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ الطاعات ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ أي بساتين كثيرة الشجر، سُمِّي جنةً لاستتار بقاءه واجتنانها بالأشجار والأنوار (٢). ﴿تَجْرِي﴾ تنسكب ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت شجرها ﴿الْأَنْهَار﴾ الأخدود الذي يجري فيه الماء. وإنما أُسند إلى الأنهار مجازًا (٣)، كقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وكما في قصة فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (٤) ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ أُطْعِمُوا من الجنة من ألوان الثمرات ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من نوع ما رزقنا من قبل، كقولك لإنسان: إنَّ فلانًا أعدّ لك طبيخًا وشواءً، فتقول: هذا من طعامي في منزلي كلّ يومٍ، يريد نوعه لا عينه.
стр. 128
وعن ابن عباس وابن مسعود وقتادة (١) ومجاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا (٢). وقال يحيي بن أبي كثير (٣)(٤): ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد كما كان (٥) فلذلك يقول: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ وارتفع ﴿قَبْلُ﴾ على الغاية (٦)، كقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٧)، وتفسير الغاية أنه ظرفٌ قُطِعَ عن الإضافة التي هي غايته، فصار كبعض الاسم في استحقاق البناء على الحركة لالتقاء الساكنين، وضُمَّت لأنها تُضَمُّ في حالة الإضافة
стр. 129
فكانت أدلَّ على البناء ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ بالرزق ﴿مُتَشَابِهًا﴾ متجانسًا، دون مشتبه، إذ الإنسان على الشيء المألوف أقدر، وإذا وجد فيه فصلَ لذةٍ كان أَسرَّ. ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو للاستئناف ﴿فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ حواري، واسم الزوج يشمل على الذكر والأنثى (١) قال الله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والنفاس والأخلاق الردية والآفات. والوصفُ بالطهر أبلغ من الوصف بالحُسْن, لأن الحُسْنَ ربما يتضمن خُبثًا، قال ﷺ : "إياكم وخضراء الدِّمن" (٢). ﴿خَالِدُونَ﴾ دائمودن مقيمون، لا يموتون ولا يخرجون منها أبدًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ نزلت في المنافقين. قال ابن عباس وابنُ مسعود: إن الله لما ضرب المثلين اللذين سبق ذكرهما، قالوا: إنَّ الله أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثال، فأنزل الله الآية (٣). وقال
стр. 130
الحسنُ (١) وقتادة ومقاتل (٢) وغيرهم: إنّ الله تعالى ضَرَبَ للأوثان المَثَلَ بالذباب، وللكفار المثل بالعنكبوت، فقال المشركون: إنّ رب محمَّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فأنْزَلَ اللهُ الآية (٣). والاسْتحياءُ: امتناعٌ يقتضيه الكرم. وقد ورد وَصْفُهُ تعالى به. قال ﵇ مخبرًا عن الله تعالى: "الشَّيْبُ نُوري وأَنا أستحي أنْ أحرقَ نوري بناري" (٤). وقال ابن عباس: إن الله حيي كريم (٥). والكرم هاهنا لا يقتضي الامتناع عن وصف ما اقتضت الحكمة إيجاده وتدبيره وحفظه. ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ﴿مَا﴾ أصلية (٦)،
стр. 131
كقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أكبر منها مثل الذباب والعنكبوت، وقيل: من فوقها في الصغر، والفاء لإسقاط إلى (٢) أو العطف ﴿فَأَمَّا﴾ يقتضي جوابًا بالفاء كالشرط ولا عمل له (٣). قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٤)، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٥)، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أن المثل واجبٌ كونُهُ ووجوده.
﴿مَاذَا﴾ أي شيء (٦)، وقيل: ما الذي. و"ما": استفهام، و"ذا" إشارة
стр. 132
إلى المراد (١) ﴿بِهَذَا﴾ بذكر البعوضة والعنكبوت ﴿مَثَلًا﴾ انتصب على القطع، فكأنه قال: بهذا المثل، فلما قطعت الألف واللام انتصب، وعند البصريين انتصب على الحال (٢)، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٣). قال الله: قل يا محمَّد ﴿يُضِلُّ﴾ يَخْذُلُ ويهلك ﴿بِهِ﴾ بالمثل والإضلال هو: الإيقاع في الضلالة (٤) على وجه التمكين والتقوية والمدّ فيما يستلهوا به على قضية العلم والتقدير الأزلي، لا على معنى الإجبار والخداع ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجين من الطاعة، قال الكلبي (٥): عني به اليهود.
стр. 133
وأصل الفسق الخروج عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الرُّطبةُ من قشرها (١) إذا خرجت. ثم نعت الفاسقين (٢)، فقال:
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ينكُثُون وصية الله وأمره، وهو ما أخذه اللهُ على النبيين ومَن اتبعهم أنْ لا يكفروا بالنبي ﷺ ويبيّنوا لغته وصفته، دليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣) الآية. والميثاق (٤): اسمٌ لعقد من عقود الأحكام بالثقة والإحكام ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يعني الأرحام (٥) ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ المغبونون (٦) في الآخرة.
стр. 134
﴿كَيْفَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار (١)، وفيه تبيينٌ أنّه موضعٌ للتعجب المتعجب حيث يكفرون بمن تولى إنْشاءَهُم وحفظهم وإفناءَهُم وإعادتهم من النشأة الآخرة. ويخالفون قضية اللبّ ويكابرون العقل ﴿وَكُنْتُمْ﴾ الواو فيه (٢) للحال و"قد" فيه مضمر (٣) ﴿أَمْوَاتًا﴾ ترابًا غير مُنْتَفعٍ به عن الضحاك (٤) عن ابن عباس (٥)، وقيل: أجسادًا لا روح فيها، يعني في الأرحام ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الروح ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بنزع الروح وإذهاب الحياة. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عند البعث بنفخ الروح ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عند البعث للمجازاة. [وقيل: ثُمَّ يحييكم وقت السؤال في القبر] (٦) ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف على سبيل المهلة والتراخي.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يدلُّ على أنَّ جميع ما في الأرض من أجساد مخلوق لله تعالى. ويدل على أنّ الأشياءَ على الإباحة في
стр. 135
الأصل (١)، ما لم يكن في تناوله إضرارٌ بخلق الله تعالى والتحريم ثبت بالشرع ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ عَمَد وقصد (٢)، كما يقال: فرغ الأميرُ من بلد كذا واستوى إلى بلد كذا. وقال ابن عباس: صعد أمره (٣) ﴿السَّمَاءِ﴾ لفظه لفظ الوحدان (٤)
стр. 136
ومعناه معنى الجمع فجمع (١) ما بعد في المعنى، ويجوز أن يكون واحدًا يراد به الجنس، كما يقال: أكثر الدراهم والدنانير في أيدي الناس، ويجوز أنه أراد بالجمع نواصيها، كما يقال: ثوب أخلاق، ويحتمل أنه كنى عما لم (٢) يسبق ذكرهُ، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾.
وفي الآية (٣) دليلٌ أنّ خلق الأرض وما فيها من الجماد مُقَدَّمٌ على
تسوية السماوات، وعن النبي ﷺ : "إنّ الله خلق الأرض (٤) يوم
الأحد والاثنين وخلقَ الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، وخلق يوم الأربعاء الشجرَ
والماءَ والعمرانَ والخرابَ، وخلق يوم الخميس السَّماءَ وخلق يوم الجمعة
النجومَ والشمسَ والملائكة وآدم ﵇" (٥).
стр. 137
وأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ (١) لا ينقض هذه الآية، يجوز أنه بسطها بعد ما كانت ربوةً مجتمعة الأجزاء مضمنة الأشياء. وقال مجاهد (٢): بَعْدَ ذلك دحاها، أي: مع ذلك، كقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ (٣) ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤).
وقيل: ثم لا تقتضي تأخر خلقِ السماء عن خلق الأرض لأنها تقتضي التراخي في الإخبار لا في المخبر عنها، كقوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ﵇.
﴿عَلِيمٌ﴾ (٥): عالم بخلقهن، وغير ذلك. والعلم: رؤيةٌ تنفي الجهالة.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نزلت في خُزَّان الجنان وهم ملائكةٌ خلقوا من نار السَّموم، وكان إبليس معهم، وكانوا يُسَمَّونَ الجن، وهذا في رواية الضحاك والسُّدي عن ابن عباس (٦)، وأحدهما يزيد على الآخر. ويحتمل في شأن جميع الملائكة.
واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ وابتدأ خلقكم إذ قال والألف واللام في ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾ للجنس. وعن ابن عباس: للمعهود, لأن ذكر هؤلاء كان متقدمًا في الكتب المتقدمة. وواحد الملائكة: ملك، وفي الأصل: مَلأك مقلوب من مَالَك، فقلبت الهمزة استخفافًا (٧)، فقيل: ملك. مأخوذٌ من
стр. 138
المألُكة، أي: الرسالة (١).
وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ دليلٌ على أن ثبوت صفاتِ الفعل قبل المفاعيل.
﴿خَلِيفَةً﴾ آدم وذريته. والهاء للمبالغة والتأكيد. وهذا اسمٌ لِمنْ يخلُفُ الغير ويقومُ مقامه فيما أُسندَ إليه. وآدمُ خَلَفَ الملائكة في اتخاذ الأرض مسكنًا (٢).
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أتخلفُ (٣) فيها. والألف: ألف الإيجاب (٤)، كما
стр. 139
قال جرير (١):
ألسْتُم خَيرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأندى العالمين بطون راحِ (٢)
واستخبارهم على وجه الاستسلام (٣) والتعرف دون الإنكار، كأنهم قالوا: يا ربّ إنْ كان هذا ظنَّنَا (٤) فعرّفنا وجه الحكمة فيه، وإنما علموا الفساد وسفك الدماء بإخبار الله تعالى في رواية السُّدي (٥) وبالقياس على الحال في رواية الضحاك. [وقيل أنَّ إبليس كان منهم في الخلقة ومِنَ الملائكة] (٦) في الرتبة، فسلّطه اللهُ بمَنْ معه من الملائكة عليهم حتى أفسدوا وسفكوا الدماء، فأجلوهم (٧) إلى الجَزائر والخراب في الأرض. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يَصُبُّ.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نبرئك من السوء ونصلِّي لك. وقيل: نعبدك بالتحميد أو نسبحك مع حمدك. وقيل: نسبحك بتوفيقِك المستوجب حمدك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نطهِّر أنفسنا أو الأرض لك (٨). أو لابتغاء
стр. 140
مرضاتك. وفي قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ زجرٌ لهم عن السؤال. ودلالة أنّ المعلوم مقَدَّرٌ كائن لا محالة.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ ألهم ووفّق لا أنه أخبر ولقَّن لأنّه لو لقَّنهُ لما كان له مزيةٌ على الملائكة. و ﴿آدَمَ﴾: مشتقٌّ من أديم الأرض أو أدمة اللون (١). ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: أسماء جميع المخلوقات حتى القَصْعَة والسُّكْرُجَة (٢)، وعن الربيع بن أنس (٣): [أسماء الملائكة (٤)، وعن ابن زيد] (٥): أسماء ذريته (٦). وقيل: أسماء آحاد الجنس دون المشتركة
стр. 141
والمبهمة والمضمرة وأسماء الإشارة. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يعني أصحاب الأسماء، ولم يقل: عرضها لتغليب العقلاء كالعالمين. وفي الآية دليلٌ أَنّ أسماءَ الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، إذ لو انتفى لما قُدِرَ على تعيين المسميات في الأشخاص. ودليلٌ على أَنَّ المعدوم لا ينطلق عليه اسم الشىِء حقيقة لاستحالة عَرض المعدوم. ودليلٌ (١) على فضل النطق والعلم.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم، والصدق هو: الخبرُ الحقُّ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قالت الملائكة عند التحدي: أنزهك! و"سبحان": مصدر حقيقي عند أهل الكوفة (٢)، كالغفران والحمران (٣) ولذلك انتصب، وعند البصريين كالمصدر وهو في محل خفض.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بأسماء هؤلاء ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ استثناء منقطعٌ (٤)، معناه
стр. 142
لكن ما علمتنا فذلك عَلِمْنَاهُ، وقيل: استثناء متصل، تقديره لا علم لنا إلا العلم الذي علمتنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بعواقب الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحققُ المتقنُ في صنعه البعيد عن الهزل والخسائس.
﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ هذا وحي من الله إليه، وفيه دلالة على بعثه بالنبوة إلى الملائكة كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ (١)، وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ (٢) ويدل عليه قبل الزلة والتوبة عنها سبقُ التحدي والإعجاز له، وسبق العهد إليه بغير واسطة حيث قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ (٣)، وإنّ زلَّته لم تقع في نبوته، كما لم يقدح في نبوّة نوح سؤاله عما ليس له به (٤) علم وفي نبوة موسى سؤاله الرؤية (٥)، وفي نبوة داود ما خطر بقلبه وفتن (٦)، وفي نبوة نبينا ﷺ إذْنُ القاعدين عن الجهاد فعفا الله عنه (٧)، وإذ ثبتت نبوته إليهم كانت أعظم دليل على فضله على الملائكة (٨).
стр. 143
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أي: قلت لكم، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١). فإن قيل: ثَمَّ: متى قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [قلنا هذا الإطناب في إيجاز قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ مكنوناتها. ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: تُخْفُون وتُسرّون. وإنما لم يقل: ما كنتم تبدون وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لأنه أراد إبداءهم العجز في الحال. وكتمانُهُم من قبلُ: كراهة الخليفة وحبّ المكثِ في الدنيا على وجه الأرض.
وقيل: أراد به كتمان إبليس من قبل عزم العصيان والطغيان والإنكار على ربه، وقد يُسْنَدُ فعلُ الواحد إلى الجماعة مجازًا، كقوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٣).
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ واو استئناف أو لعطف قصة على قصة (٤). و"إذْ" صلة
стр. 144
على قول أبي عبيدة (١)(٢)، وظرفٌ على قول غيره. والسجودُ: ميلُ القامة إلى الأرض. قال حُمَيْد (٣)(٤):
فُضُولَ أَزمَّتها أَسجَدت ... سجود النصارى لأربابها
وفي الشرع عبارة عن: وضع الجبهة على الأرض تواضعًا لله تعالى وخضوع بين يديه. منهىٌّ عنه لغير الله، وكان غير منهيٍّ عنه في القديم تحيةً للانبياء أو بعضهم- ﵈ كما في قصة آدم وقصة يُوسُف ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٥).
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قيل: استثناء منقطع لأن إبليسَ لم يكن مِنَ الملائكة (٦)
стр. 145
لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ (١) ولأنه مخلوقٌ من النار وله نسلٌ وذريةٌ. ومتصلٌ على قول آخرين (٢)، لقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فلو لم يكن منهم لم يتوجَّه عليه الخطابُ، ولو لم يتوجَّه عليه الخطابُ لما لزمه الذمُّ والنكيرُ، ولَمَا كان أبيًا أمر ربِّه. وإنما قال: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأنه كان من خُزّان الجنان فاشتق لهم اسمٌ من الجَنَّة.
وأما الذريةُ فقد حصلت له بعد المسخ، ويجوز تناسلُ الممسوخ عند أكثر الناس. وهو إفعيل من أبْلَيسَ، أي: يَئِسَ من رحمة الله، وقيل: إنّه اسمٌ أعجمي لذلك لا ينصرف (٣).
﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ امتنع وتعظم في نفسه ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حين عزم (٤)