← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمبهمة والمضمرة وأسماء الإشارة. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يعني أصحاب الأسماء، ولم يقل: عرضها لتغليب العقلاء كالعالمين. وفي الآية دليلٌ أَنّ أسماءَ الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، إذ لو انتفى لما قُدِرَ على تعيين المسميات في الأشخاص. ودليلٌ على أَنَّ المعدوم لا ينطلق عليه اسم الشىِء حقيقة لاستحالة عَرض المعدوم. ودليلٌ (١) على فضل النطق والعلم. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم، والصدق هو: الخبرُ الحقُّ. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قالت الملائكة عند التحدي: أنزهك! و"سبحان": مصدر حقيقي عند أهل الكوفة (٢)، كالغفران والحمران (٣) ولذلك انتصب، وعند البصريين كالمصدر وهو في محل خفض. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بأسماء هؤلاء ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ استثناء منقطعٌ (٤)، معناه

стр. 142

لكن ما علمتنا فذلك عَلِمْنَاهُ، وقيل: استثناء متصل، تقديره لا علم لنا إلا العلم الذي علمتنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بعواقب الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحققُ المتقنُ في صنعه البعيد عن الهزل والخسائس. ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ هذا وحي من الله إليه، وفيه دلالة على بعثه بالنبوة إلى الملائكة كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ (١)، وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ (٢) ويدل عليه قبل الزلة والتوبة عنها سبقُ التحدي والإعجاز له، وسبق العهد إليه بغير واسطة حيث قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ (٣)، وإنّ زلَّته لم تقع في نبوته، كما لم يقدح في نبوّة نوح سؤاله عما ليس له به (٤) علم وفي نبوة موسى سؤاله الرؤية (٥)، وفي نبوة داود ما خطر بقلبه وفتن (٦)، وفي نبوة نبينا ﷺ إذْنُ القاعدين عن الجهاد فعفا الله عنه (٧)، وإذ ثبتت نبوته إليهم كانت أعظم دليل على فضله على الملائكة (٨).

стр. 143

﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أي: قلت لكم، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١). فإن قيل: ثَمَّ: متى قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [قلنا هذا الإطناب في إيجاز قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ مكنوناتها. ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: تُخْفُون وتُسرّون. وإنما لم يقل: ما كنتم تبدون وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لأنه أراد إبداءهم العجز في الحال. وكتمانُهُم من قبلُ: كراهة الخليفة وحبّ المكثِ في الدنيا على وجه الأرض. وقيل: أراد به كتمان إبليس من قبل عزم العصيان والطغيان والإنكار على ربه، وقد يُسْنَدُ فعلُ الواحد إلى الجماعة مجازًا، كقوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٣). ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ واو استئناف أو لعطف قصة على قصة (٤). و"إذْ" صلة

стр. 144

على قول أبي عبيدة (١) (٢)، وظرفٌ على قول غيره. والسجودُ: ميلُ القامة إلى الأرض. قال حُمَيْد (٣) (٤): فُضُولَ أَزمَّتها أَسجَدت ... سجود النصارى لأربابها وفي الشرع عبارة عن: وضع الجبهة على الأرض تواضعًا لله تعالى وخضوع بين يديه. منهىٌّ عنه لغير الله، وكان غير منهيٍّ عنه في القديم تحيةً للانبياء أو بعضهم- ﵈ كما في قصة آدم وقصة يُوسُف ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٥). ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قيل: استثناء منقطع لأن إبليسَ لم يكن مِنَ الملائكة (٦)

стр. 145

لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ (١) ولأنه مخلوقٌ من النار وله نسلٌ وذريةٌ. ومتصلٌ على قول آخرين (٢)، لقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فلو لم يكن منهم لم يتوجَّه عليه الخطابُ، ولو لم يتوجَّه عليه الخطابُ لما لزمه الذمُّ والنكيرُ، ولَمَا كان أبيًا أمر ربِّه. وإنما قال: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأنه كان من خُزّان الجنان فاشتق لهم اسمٌ من الجَنَّة. وأما الذريةُ فقد حصلت له بعد المسخ، ويجوز تناسلُ الممسوخ عند أكثر الناس. وهو إفعيل من أبْلَيسَ، أي: يَئِسَ من رحمة الله، وقيل: إنّه اسمٌ أعجمي لذلك لا ينصرف (٣). ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ امتنع وتعظم في نفسه ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حين عزم (٤)

стр. 146

على العصيان والطغيان والإنكار على ربه. وقيل: صار من الكافرين. وقيل: إنه لم يزل في رتبة الكافرين لمقت الله عينه. ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾ نداءٌ مفرد مبنيٌّ على الضم لمشابهته قبلُ وبعد ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: انزلها واتخذها مَسْكنًا وأقمْ بها، كقوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ (١)، ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) وحقيقة السُّكون: ما يضاد الحركة (٣). و ﴿أَنْتَ﴾ للتأكيد، كقوله: اذهب أنتَ وأخوك، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٤) وإنما اقتضى هذا التوكيد عطف الظاهرِ المرفوع على الضمير المرفوع في الفعل، إذ ليس يجوز ذلك عند البصريين إلَّا بالتأكيد بضمير مرفوع منفصل، أو بنوع فاصل، كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٥) ولم يقل: وآباؤنا. ﴿وَزَوْجُكَ﴾ حواء، سُميت حواء (٦) لأنها خُلِقَتْ من شيء حي (٧). وسُمّيَت جنّةُ الثواب جنَّةً لأنها أُخفيتْ أو لأن الغالب فيها الجنان والأشجار، فدخلت الأقضية في الاسم تبعًا ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا من النِّعم التي [لا تقدير] (٨) فيه ﴿حَيْثُ﴾ اسمُ ظرف يُطلق على الزمان والمكان (٩)، وهاهنا للمكان، تقديره من حيثُ شئتما الأكلَ منه. وبُنيَ على الضم لتضمُّنِهِ معنى الجمع ولإبهامه وتعريته عن الاستفهام كـ: نحن بخلاف: أَيْنَ وَكَيْفَ. ﴿وَلَا

стр. 147

تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وهي شجرة السنبلة عن ابن عباس وأبي مالك (١) وعطية (٢) ووهب وقتادة (٣). وشجرة العنب عن ابن مسعود والسُّدي وجَعْدة بن هبيرة (٤)، هاحدى الروايات عن ابن عباس (٥). وشجرة العلم عن الكلبي (٦)، يعني: علم الخير والشر (٧) ﴿فَتَكُونَا﴾ نصبٌ على جواب النهي بالفاء، ويجوز

стр. 148

أن يكون جزمًا على العطف (١) على قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وإنما اقتضى النهي جوابًا مع استعماله نفسه، وكذلك الأمر لوجوب الجزاء عند ارتكاب النهي والائتمار بالأمر فصار أمرُ (٢) هذا الوجه كالشرط وإنما لم يقل: ظَالِمَيْن لوفق رؤوس الآي. والظُّلم: العدول عن الصواب. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أوقعهما في الزلل وحملهما عليه. وقُرئَ ﴿فأزالهما الشيطان﴾ (٣)، أي: نَحَّاهما. و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ هنا هو إبليس لعنه الله ﴿عَنْهَا﴾ عن الوصية على القراءة الأولى، وعن الجنة على القراءة الأخرى (٤) ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ خَلّى المكان عنهما, ولم يكن إبليسُ قادرًا على الإخراج، ولكن لَمَّا حصل خروجهما بسبب وسوستِهِ أسْند إليه، كما يقال: نفع الدواء وقتل السُّم. ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم ﴿وَقُلْنَا﴾ واو العطف ﴿اهْبِطُوا﴾ انزلوا. والهبوط ضد الصعود ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ خطاب لآدم وحواء والحية وإبليس وطاووس (٥)،

стр. 149

لأن حية دخلت بإبليس في الجنّة، وهي كانت تخدم آدم وحواء في الجنة ولها قوائمُ وصورة حسنةٌ. ورُوي أنّ إبليس طلب الوصول إلى آدم من خُزَّان الجنة فَأَبوا عليه إلا الطاووس فإنه دلّه إلى الحية، فأتاها وطلب منها الدخول فمكّنتْهُ حتى اختفى (١) في لحييها فدخلت به إليهما, ولم يشعر به سائر الخزنة فمسخ الله الحيّة وسلب قوائمها وجعل أكلَهَا التراب وأخرجها والطاووس من الجنّة وقال للجميع: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. وقيل: خطابٌ لآدم وحواء ومَنْ في صلبه، كقولك لإنسان: كأني بك وقد تزوجت ووُلِدَ أولادٌ وكَثُرتُم، إذن فيدخل أولاده في الخطاب ولم يكونوا بعد. ثمّ إنّ أكلَ آدم إنما كان طمعًا في القرب من الله تعالى كالبقاء في جواره أو القدرة على عبادة الله كملائكة الله. وكان ذلك عند غلبة الحرص وزوال التمالك، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢). فإن قيل: هل يجوزُ أن يعتقد نبيٌّ بأن (٣) الله تعالى نهاه عما فيه صلاحُهُ؟ قلنا: يجوز بأن يعتقد بأن الله نهاه عما فيه صلاحٌ من وجه وفسادٌ من وجه آخر، كقتل موسى القبطيَّ حيث صار سببًا لملاقاته شعيبًا ومفارقته فرعون، وكشُرْبِ أبي طيبة الحجّام (٤) دم (٥) النبي ﷺ صار سببًا لحرمة جسمه (٦) على

стр. 150

النار (١)، والله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) فكذلك ظَنَّ آدمُ- ﵇ نوعَ صلاح في المنهي عنه بغرور إبليس عليه اللعنة من غير أن ظن المحال بالله (٣). ﴿عَدُوٌّ﴾ مُبْغِضٌ (٤) ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع قرار واستقرار. ﴿وَمَتَاعٌ﴾ منفعةٌ وهو: اسم لما يتمتع وينتفع به من حياة أو ملبوسٍ أو مطعومٍ أو مشروبٍ أو غير ذلك. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ منتهى الآجال وقيام الساعة، وإنما ذكر ذلك لينبههم بالتوقيت على زوال الدنيا فلا يركنوا إليها. ﴿فَتَلَقَّى﴾ تلقى وأخذ وأصاب، وفي اللغة قريبٌ من الاستقبال (٥)، نهى ﵇ عن تلقي الرُّكبان (٦)، أي: عن استقبالهم. واختلفوا في الكلمات:

стр. 151

فعن ابن عباس والسُّدي وأبي العالية (١) وقتادة: [أَن آدَمَ] (٢) قال: يا رب، أَلَم تخلقني بيدك؟ قال الله تعالى: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تُسْكني جنتك؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تُبْتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى، وهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٣). وعن عُبيد بن عمير (٤) [أن آدم قال] (٥): يا رب خطيئتي التي أخطأتها أشيءٌ كتبته عليّ قبل أن تخلقني أم شيء ابتدعُتُه من قِبَلِ نفسي؟ فقال الله : بل شيء كتبتُهُ عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي (٦).

стр. 152

وعن الحسن وقتادة وابن زيد أنها قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية (١). وعن مجاهد: هي قوله: "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رَبِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فإنك أنت خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فارحمني فإنك أنت خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمتُ نفسي فَتُبْ عليَّ إنك أنت التَّواب الرحيم" (٢). قيل: هي قوله حين عطس فَحَمِدَ: يرحمك ربّك. وقيل: هي قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ الآية. وقيل: إنها قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ الآية. وقيل: إنها قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقيل: إنها جميع ما ذكرنا. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قَبِلَ توبته، والتَّواب: العود والرجوع، وإنما لم يقل "عليهما" لأَنَّ آدمَ (٣) استغفرَ لنفسه ولحواء فإذا ثبت استجابة دعوته ثبت غفران حواء. و ﴿التَّوَّابُ﴾ كثير المراجعة إلى قبول توبة التائبين (٤). ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ كرر الهبوط لأن الأول كان مِنَ الجنة إلى السماء فيما يروى،

стр. 153

والثاني من السماء للأرض (١)، وقيل: لتبين الحال التي يقع عليها الهبوط، هذا الهبوط على أنّ من ﴿تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. والهبوط الأول على عداوة بعضهم لبعض، فلما كان لهم حالتان عند الهبوط، ذكر الهبوط مرتين، كقولك: اذْهَبْ إلى فلان سريعًا وقُلْ له كذا وكذا، اذهب مخفيًا. وقيل: للتوكيد. وقيل: لأنه خطابٌ خاصٌّ يعقبه قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وهو خطاب لهما، والمراد: ذريتهما. ودخولُ النون في الشرط للتأكيد ولمراعاة اللفظ لأن حرف "ما" يُشْبه حروف القسم لأنّ لَهُ حظًا في القسم بدليل: أنّه يُجابُ به عن القسم فَيُقال: والله ما قام زيدٌ. وقيل: الجزاء إذا جاء في الفعل معهما النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها "ما" للتأكيد. وفتحت الياء لالتقاء الساكنين عند سيبويه وعند غيره كاسمين رُكّبا مثل: خمسة عشر (٢). ﴿مِنِّي هُدًى﴾ كتابٌ ورسولٌ. وقيل: وحيٌ وشريعة.

стр. 154

قال القُتَبي (١): في التوراة أنزل الله على آدم ﵇ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، هو أوّل كتاب كان في الدنيا حذا الله عليه الألسنة كلها ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ شرطٌ ثاني جوابه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾ فصارت الجملة جزاء للشرط الأول. وتَبع وأَتْبَع بمعنى ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلهم من العذاب. وقيل: إذا ذُبح الموت. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بالدوام على ما خَلَّفُوا من أهوال الدُّنيا، وقيلَ: إذا طُبقت النار، ويقال: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن يحشروا (٢) يوم القيامة في طاعة الله. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يوم تكون وجوهُهُم مُسْتقرةً ضَاحكةً مُسْتَبشرة. والحزنُ نقيضُ السُّرور. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ جمع بين الكفر والتكذيب للتأكيد ﴿بِآيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن. ثم ذكر منَّتهُ علي بني إسرائيل. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يا أولاد يعقوب (٣)، يعني بني قريظة والنضير (٤) وسُمّي

стр. 155

إسرائيل لأنه كان أساسًا للأسباط (١)، ومَنْ بعدهم إلى عيسى ﵇ و"أسرا" بالعبرانية هو الأساس و"إيل" اسم الله. وكذلك إيلوهيم، يعنون أساسُ الله تعالى تشريفًا له وتعظيمًا، كبيت الله وناقة الله. ثم لم يكن في لغة العرب ضمةٌ مشبعةٌ معجمة فَنَحوْا فيها نحو الألف، كما قالوا مكان (٢): أشمويل، إسماعيل. ﴿اذْكُرُوا﴾: اشكروا واحفظوا، أي كونوا ذاكرين شاكرين ولا تتركوا طاعتي. والذِّكر: ما يضاد النسيان وقد يكون ضد السكوت. وظاهر (٣) الأمر يقتضي الوجوب لجواز انتفاء لفظ الأمر عن غير الواجب لفظ افعل. وإن احتمل عشر معانٍ من الإيجاب، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤). والإرشاد، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥). والإباحة، كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). والإعجاز، كقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٧). والتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٨). والسؤال، كقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ (٩). والندب، كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (١٠). والحث على الاعتبار، كقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١). والإكرام، كقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (١٢). والامتنان، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (١٣). والظاهرُ من الجميع

стр. 156

الإيجاب، إنما يُحمل على غيره بدليل، ثم (١) هذا اللفظ يكون أمرًا لمن هو دونه في الرُّتبة لصيغته، لا يشترط إرادة الأمر, لأنّ الله تعالى أمر بذبح ابن إبراهيم ولم يُرِدْهُ، ولأنّ الإرادة انفصلت عن الأمر، يقال: أُريدُ أن تقصدَ بفعلك كذا, ولكن لا آمرك به، فيُفيدُ الإيجاب دون كونه مرادًا لعدم الإرادة في النهي (٢). ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ منّتي التي مننتُ على آبائكم بالكتاب والرسول والمنّ والسّلوى والنجاة من فرعونَ والغرق، ورزقتهم (٣) مِنَ الطيبات وفضلتُهُم على عالمي زمانهم ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أتموا عهدي الذي أخذتُ عليكم في هذا النبي الأُميّ. وقيل: قرائضي التي فرضْتُ عليكم. الإيفاء والوفاء بمعنى. والعهد: الوصية ﴿أَوْفِ﴾ (٤) مجزوم لأنه جواب الأمر ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فخافون في نقض العهد. وقيل: فاخشَوْا مِنْ عذابي في كتمان نعتِ محمَّدٍ ﵇ وصفته. وسقطت الياء لتساوي الفواصل. ﴿بِمَآ أَنْزَلْتُ﴾ بالكتاب الذي أنزلتُ جبريل به ﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا بالتوحيد وصفةِ محمَّدٍ ﵇ وببعض الشرائع ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة (٥). ومعكم: ظرف يقتضي المقارنة في الغالب وهو صفةٌ لـ "ما" ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ معشر قريظة والنضير أولَ حزب أو قبيلة أو فريق ﴿كَافِرٍ بِهِ﴾ بمحمَّد والقرآن. وقال الفراء (٦): تقديره: أولَ مَنْ كفر به. وعن أبي

стр. 157

حاتم (١): إنه اقتصر بالتأكيد الذي في لفظه أول عن تثنية اللفظ وجمعها، كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٢). فإن قيل: كيف نهاهم عن أن يكونوا أول كافر به وقد كفرت به قريش من قبلُ (٣)؟ قلنا: المراد به أولَ من كفر من بعدهم متابعًا لهم، كقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، ويحتمل عند حادثة بعينها. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ تختاروا (٥). ﴿بِآيَاتِي﴾ بكتمانِ نعتِ محمَّدٍ وصفته ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عَرَضًا يسيرًا مِنَ المأكل والهدايا من أهل اليسار، وقيل: حبّ الرئاسة لأنهم كانوا متبوعين، ولو آمنوا لصاروا أتباعًا. والآيات: علاماتُ خروج نبينا ﵇ في التوراة. والثمن: اسمٌ للبدل في البيع. والقليل ضدّ الكثير. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ ولا تَخلُطُوا، كقوله: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ (٦)، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (٧)﴾ (٨)، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٩). ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الصدق بالكذب وهو صفة النبي ﵇ بصفة الرجال. ويُحرفون التوراة عن

стр. 158

مواضعه. وإنما سُمي الصدقُ حقًّا والكذبُ باطلًا؛ لأن معنى الصدق: ما تحقق كونُهُ، ومعنى الكذب: ما عُدِمَ كونُهُ. وتحقيق الشيء: إثباته. وإبطالُهُ: نفيه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ معطوف على النهي مجزوم. وإن شئتَ جعلتَهُ منصوبًا على الصّرْف (١). والكتمان: الإخفاء ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تحريفه وكتمانه. وقيل: تعلمون الذي بَشَّر به موسى وعيسى والنبيون من قبل. قال قتادةُ: تعلمون أن الإِسلامَ دينُ الله (٢). ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوها إذا وجبت عليكم. والزكاة في اللغة: نُمو الخير زكا الزرعُ، إذا نما. وفي الشرع: عبارة عن جزءٍ معهود من النِّصابِ يُعتبرُ به الحلول. وإنما سمي زكاةً لأن الله تعالى يكثر وينمي ثوابَ مؤديها. وقيل: لوقوع التزكية بها (٣). قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤). ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلُّوا الصلوات الخمس مع محمَّدٍ وأصحابه في الجماعات. والركوع في اللغة: الانحناء (٥). وفي الشرع: انحناء معهودٍ في الصلاة.

стр. 159

وفي الآية دليلٌ أنَ الكفار مخاطبون بالشرائع بشرط تقديم الإيمان (١). وإليه ذهب كثيرٌ من أصحابنا. فإن قيل: لو كانوا مخاطبين لما سقط القضاءُ عنهم كالمسلمين. قلنا: القضاء فرضٌ مبتدأ لا يتبع المقتضي كفوت الجمعة، وفوت صلاة الحائض لا إلى قضاء. ومَنْ قال: الكفارُ غير مخاطبين بالشرائع، قال: نزلت الآيةُ في شأن المؤمنين من بني إسرائيل. ويجوز أن يقول للمؤمنين: آمِنوا. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ السفلة (٢). ﴿بِالْبِرِّ﴾ بالتوحيد واتباع محمَّد ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) تتركون فلا تتبعونه ﴿تَتْلُونَ﴾ تقرأون ﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة والإنجيل ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون أنّه حقٌّ فتؤمنوا به. والبرّ: ضد الفجور. والنسيان

стр. 160

هاهنا: التَّرْكُ (١)، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢). والنفسُ: الذات، والتلاوةُ: القراءة، وسُمّي بذلك لأن القارئ يتلو الحروف المنتظمة في الكلام، أي: يَتْبعُهَا. والعقلُ، نوعُ فهم يقع به التمييز والاستدلالُ بالمشاهدة على ما لم يُشَاهَدُ، ومواضعُهُ: القلب ونظامُهُ بالدماغ، وبه تعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب إذا انضمت إليه القدرةُ. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ واسأَلُوا الله التوفيقَ والإعانة على أداء الفرائض ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على كفِّ المعاصي بأداء الفرائض وكثرة الصلوات على تمحيص الذنوب ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني الاستعانة وقيل: الصلاة (٣) (٤). ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لثقيلةٌ، كقوله: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ (٥). وقال: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٦) ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ المتواضعين. الاستعانةُ: طلبُ العون ولا بدّ من مُسْتَعين ومُسْتعانٍ به ومُسْتَعان عليه. والصبر: الحبسُ عن المكاره أو عن الشهوات. والكنايةُ قد يرجع إلى المذكورَيْن حقيقةً، كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (٧) ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ (٨)، وقد يرجع إلى

стр. 161

أحدهما مجازًا، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (١). ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٣). والحقيقة: ما لا إشكال في وجهه ولم يُصرف عن ظاهره. والمجاز: ما تَوَسّع الناسُ فيه لفظًا واصطلحوا عليه واستجازوه إما ضرورةً كتسمية الرجل كلبًا وأسدًا، وإما اختيارًا للتخفيف والعادة، كقولهم: طَلَعَ الفجرُ وأظْلَم الليلُ ونبتَ الشجرُ. والإطناب، كقولنا في المصائب: انكسر الصلب، وفي العشق: تقطع القلب، وفي السرور: قُرّة العين. وللتفاؤل كتسميته الغلام: يُمنًا وسَعْدًا. وهو من البلاغة في الرسائل والخطب والقصائد، إذا عري عن التأكيد وعُرف منه مراد المريد. ثمّ نعت الخاشعين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يعلمون وَيَسْتَيقِنون (٤)، كقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ (٥)﴾ (٦) و ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ (٧) ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في الآخرة للمُجازاة، وقيل: إلى حكمه عائدون، يعني حال التعري عن المكاسب والدعاوى والمعذرة وحالَ التسليم والاستسلام، والظنُّ من الأضداد، يطلقُ على معنى اليقين وحقيقة العلم، ويطلقُ على معنى الحُسْبَان وهو مجاوزة الشك قليلًا والميلُ إلى أحد النقيضين.

стр. 162

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا﴾ للإطناب (١)، والتأكيد، ومِنَ البلاغة عند العرب العدولُ عن الإطناب إلى الإيجاز، وعن الإيجاز إلى الإطناب، وعن التجنيس (٢) إلى الإطباق (٣)، وعن الإطباق إلى التجنيس، وعن التصريح (٤)

стр. 163

إلى التعريض (١)، وعن التعريض إلى التصريح. وتركُ لزوم الفن الواحد من هذه الفنون، والله تعالى أنزل القرآن على نظم هو غاية الفصاحة عندهم على ما تعارفوه واعتادوه بلسان عربيّ مبين. ونظائرُ التكرار قوله في الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ (٢). وقوله في القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (٣) وقوله في المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ (٤)، وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ (٥). وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (٦). وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ (٧) (٨). وقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ (٩). ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالكتاب والرسولِ على عالمي زمانكم. وقيل: فضلتكم بإنزال المنّ والسَّلوى وتتابُع الأنبياء وفرق البحر والمُلكِ العظيم. وقيل: تفضيلهم على سائر الحيوانات، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾

стр. 164

وَنُوحًا﴾ (١) الآية، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢) الآية. وتخصيصهم هاهنا لأنهم هُمُ المخاطبون بهذا الخطاب. والتفضيلُ: هو التعبيرُ ذا فضيلة، والفضيلةُ هي: الخَصْلَةُ التي يترجحُ بها الشيءُ على غيره. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ عذابَ (٣) يومٍ أو حسابَ يوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ لا تنفعُ نفس كافرةٌ ولا نفسٌ مؤمنة لنفس كافرة، كقولهً: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ (٤) ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ (٥) وقال ﵇: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٦). وإنما لم يقل: لا تجزي فيه نفسٌ، لأن اليومَ إذا أضيف إلى الفعل حُذِفَ منه (٧) "فيه" كقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ (٨) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ (٩)، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (١٠). وهذا قول الأخفش (١١). وقيل: انتصاب الظرف يُشبَّه بالمفعول، كقوله: صُمْتُ يومًا ويومًا صُمْتُهُ، وقُمتُ ليلةً، وليلةً قمتها، فتقديره: واتقوا

стр. 165

يومًا لا تجزيه نفس، ثم أسقط الضمير كما أسقط عن صلة الموصول (١) كقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣). ﴿شَيْئًا﴾ نفعًا (٤)، مصدر. وقيل: قائم مقام اسم محذوف تقديره: جزى يجزي، أي: أسقط (٥) واجبًا أو دينًا أو حقًا، على لغة تميم أَجْزَأَ يجزئ عقابًا أو ملامًا أو وزْرًا (٦) ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ولا يشفع لها شافع ﴿وَلَا يُؤْخَذ﴾ لا يُقبل ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فِدَاءٌ (٧). لو جاء الكافر بعدل نفسه لا يقبل منه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون مما نزلى بهم من العذاب. والقَبُولُ: التمكين والارتضاء، والشفاعة: الاسْتيهاب والاسْتِعتاب. والشفيع الذي يصير شَفيعًا للمجرم في الاستعتاب، والأخذُ: القبض والعدل: الفداء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (٨). والنصر: المنع، كقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ (٩). وقد يكون بمعنى الإعانة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١٠).

стр. 166

﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ خَلَّصْناكم من آلِ فِرْعَوْن من عبودية فرعون وآله، كقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) وقال ﵇: "إنا آل محمَّدٍ لا تَحلُّ لنا الصدقة" (٣). وقال: "اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أوفى" (٤). وأصل الآل: الأهْل (٥)، فقُلبت الهاءُ همزةً، كما في هياك وهَراق ثم أبدل من الهمزة الساكنة ألفًا كآخر وآدم. وتصغير الآل: أُهَيْل إلا عند الكسائي (٦) (٧) فإن عنده أُوَيْل (٨). وآلُ الرجل مَنْ: يؤول إليه ويَؤُلون إليه ويعتمد عليه

стр. 167

ويعتمدون عليه من الذرية والعشيرة والأتباع (١). وفرعون: اسم (٢) لأي ملك من ملوك العمالقة (٣)، كقيصر في الروم وخاقان في الترك. واسم المراد هاهنا: الواجد بن مصعب (٤). ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُوْلُونَكُم (٥)، وقيل: يعذبونكم، وإن جعلتَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع حال يجوز معناه سائمين إياكم (٦). ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: أسوأ العذاب وأشد العذاب ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قطعًا لنسلكم. والأقرب أنه ابتداء كلام، ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٧) وقيل: تفسير العذاب (٨). وإنّما قال: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ على التكثير. وأصل الذبح الشق.

стр. 168

وأصل الابن: بَنَو نحو سَمَو وقيل بني نحو يدي (١)، وقيل: بنَو استدلالًا بقولهم: بنون وبنين وإنما انقلبت الواو والياء همزة لوقوعهما طرفًا وقبلهما الألف كالدُّعاء والقضاء, لأن تقدم الألف عليه كتقدم الحرف (٢) المفتوح فصار في التقدير ألفًا، فلما حُرّكت انقلبت همزة. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يستبقون إناثكم رجاءً لخدمتهنَّ، وهو أشد العذاب لمكان ضياعهن وبقائهن أيامَى بلا أكفاء، وذلك أنه رأى في المنام أنّ نارًا خرجت من قِبَلِ بيت المقدس فأحرقتْ بيوتَ القبط بمصر ولم تتعرضْ لبيوت بني إسرائيل، فاستفتى المعبّرين فأخبروه بخروج نبي من بني إسرائيل يُولدُ في تلك الأيام، فأخذ يقتلُ غلمانهم حتى خِيفَ الفناء، فكان بعد ذلك يذبح سنة ويترك سنة ليقلُّوا فلا يَغْلِبُوا ويَبْقَوا فيخدِمُوا، فولد هارون ﵇ في السنة التي لم يكن يقتل فيها. ووُلدَ موسى في السنة الأخرى، فأوحى الله إلى أُمّه إلهامًا ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣) فكان من أمره ما كان. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إنجاءُ اللهِ إياكم من عبودية آل فرعون ﴿بَلَاءٌ﴾ نعمةٌ عظيمةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) وقيل: وعذاب فرعون وذبحه الغلمان واستحياؤه النساء قهرٌ من ربكم عظيم حين سلط عليكم. وأصل البلاء: الاختبار، والاختبار قد يكون بالخير والشر (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ (٦). وإنما وصف بـ ﴿عَظِيمٌ﴾ لأنه يصغر بجنبه غيره. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ (٧) وفصلنا وشققنا ﴿بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ بعبوركم أو لعبوركم بحر قُلْزُم (٨)، فكان كل فِرْقٍ كالطود العظيم

стр. 169

﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من فرعون ومِنَ الغرق بعد قولكم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (١) ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أهلكناهُ وآله حين التطم البحر ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى التطامه عليهم بعد خروجكم منه. وقيل: إلى أشخاصهم بعد ثلاثة أيام حين لفظهُمُ البحر، وحقيقة النظر: تعمّد الرؤية، وهو مستعمل في العين والقلب والأبصار والرؤية والرأي. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز، والمراد به التخويف بالجائز الممكن (٢)، كقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (٣)، وقال ﵇ في دعائه: "يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا" (٤). وموسى اسمٌ أعجمي أصلُهُ: موشي، أي: الماء والشجر (٥) لأنهم التقطوه من بين الماء والشجر، فعرّبتهُ العرب. والموعود: ما كان أربعين ليلة من المناجاة ومشاهدة الملكوتِ والآيات وإعطاء التوراة. وقد صام ﵇ وتَنَزَّه عن الشهوات، فكان (٦) يصوم نهارًا ثم ينطلق إلى الميقات بأمر ربه ليلًا، وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٧) والدليل على أن المراد بالأربعين وقتُ المناجاة دون وقت صومه (٨) أنَّ بني إسرائيل

стр. 170

عدُّوا بعدَهُ عشرين يومًا وعشرين ليلة ثم اتخذوا العجلَ، وفي ذلك قوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ (١). وفي التوراة أربوعين يوم (٢)، أربوعين يوم، أربوعين يوم فحَمل بعضهم على إثبات ثلاث مواقيت. وإنما هو تكرار اللفظ للتأكيد. وحَدُّ الوعد في اللغة هو: الضّمان (٣)، يُقالُ: هذا الغلامُ يَعِدُ رشدًا، وهذه الغداةُ تَعِدُ بردًا إذا كان مضمنًا ذلك، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (٤)، أي: ضَمِنُوا لَهُ. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ مِنْ حُليكم (٥)، وإنما عَرَّفه لأنّه يُعرف بالوصف في سورة طه، وقيل: الألف والسلام للمعهود. وإنما سماه (٦) عجلًا مجازًا (٧). والعجلُ: ولد البقرة (٨). ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد انطلاقه إلى الجبل.

стр. 171

﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ مَحَوْنا الذنب عنكم من قولك: "عَفَتِ الريحُ الأثَرَ" (١) وقيل: تركناكم ولم (٢) نَسْتَأصلكم بالقتل. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد اتخاذكُمُ العجلَ. والكاف في ذلك موحد لأنه علامة الخطاب (٣) وليس باسم، ألا ترى لو قال: من ذا جازَ، فإذا جازَ إسقاطُهُ جاز توحيده ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تُظْهِرُوا ثناءَ الله وتحمدوه على عفوه عنكم، إذ الشّكرُ قضيّة الإحسان (٤) سواءٌ أريد أو لم يرد، فما أرادَ الله كان وما لم يُرِدْ لم يكن، وهو على كل شيء قدير. ﴿وَإِذْ (٥) آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ يعني التوراة. عن مجاهد: ذكرهما بأسمين كما يُقال: سُحْقًا وبُعْدًا (٦)، ويقال: الكتاب: التوراة،

стр. 172

والفرقان: نعته والواو زائدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ (١). وقيل: الفرقان النُّصرةُ على فرعون، كقوله: يَومَ اَئفُرْقَانِ يَومَ اَلئَقىَ اَلْجَضعَانِ (٢) يعني: يوم (٣) بدر. وقيل: الفرقان: فَرْقُ البحر (٤)، وهو مصدرٌ كالخُسران والرُّجحان. وقال قُطْرُب (٥): إنّا (٦) أعطينا موسى التوراة [كما أعطينا محمَّدًا الفُرقان، كأنه خَاطَبَ عبدَ الله بن سلام، فقال: قد أعطيناكم علمَ موسى ومحمَّد] (٧). وقيل: أعطينا موسى التوراة والفرقان يعني صُحُفًا كان قبلَ التوراة وفيه تبيان الحلالِ والحرام والأمر والنهي وغير ذلك. ثم عَدَل إلى المغايبة فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل. والقوم: اسمٌ للجماعة لا واحد له من لفظه، يطلقُ على العقلاء خاصة

стр. 173

﴿يَا قَوْمِ﴾ تقديره: يا قومي، إلا أنه اكتفى بكسرة الميم عن الياء، كما تقول: يا ربِّ (١) ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ أضررتم بأنفسكم في المآل بسلوك طريق الجَوْر. فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا؟ فقال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ خالقكم من اتخاذكم العجلَ إلهًا. قالوا: وما توبتُنا؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجلَ (٢). والقتل: إتلاف النفس. وقيل المراد به: سَلّموا أنفسكم للقتل، فكان الرجلُ يجلس بفنائه مُحْتَبيًا لتُضْرَبَ عنقُهُ، فإن حَلَّ حِبْوَتَهُ أو دافع لم تُقْبل توبته وإلّا كان كفارة له، فلمّا كان وقت العشية نسخ الله ذلك الحكم ورفع عنهم الإصر. ﴿ذَلِكُمْ﴾ القتل والتوبة أو أحدهما (٣) ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الإباء والعناد ﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: في حكمه (٤)، كما يُقال: عند أبي حنيفة (٥). ويُقال

стр. 174

بالعبرانية أنه (١) مكان قولنا: برأ الله: بوروا إيلوهيم. والبريّة في الأصل مهموزة وهي: الخليقة (٢). ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ خطابٌ للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات (٣)، فقالوا: لن نشهد لك بالحق عند بني إسرائيل إلّا أن ﴿نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ مُعَاينة. وإنما قالوا: ﴿جَهْرَةً﴾ ليؤكدوا قولهم وينفوا إيهامَ الرؤية والرؤية بالقلب (٤) ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ أحرقتكم ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ العذاب الذي فيه هلاك، إنما عُوقبوا لتمردهم وامتناعهم عن الشهادة إلى تحصيل منيتهم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى الصاعقة حين نزلت، أي: ينظرُ بعضكم إلى هلاك بعض (٥).

стр. 175

﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ حرقكم وهلاككم (١). وهذه الرجعة مثل رجعة الطيور الأربعة لإبراهيم (٢)، ورجعة عاميل في قصة البقرة (٣)، ورجعة الذين قال لهم الله موتوا ثم أحياهم، ورجعة عزير وحماره (٤) ورجعة الموتى لعيسى (٥)، خلاف قول المتناسخة (٦). ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ أي: جعلنا عليهم الغمام ظُلّة (٧). والظِّل: السِّتْر، والظُّلة:

стр. 176

السترة، والفرق بينهما أنّ الشيء يكون تحت الظل دون الستر إلا أنه يقال للشمس مُسْتَظلة إذا كانت محتجبة بالسحاب. فرقٌ آخر أن الرائي يتحيل الظلَّ ولا يتحيل الستر وجمع الظلّ: ظلال، وجمع الظُّلَّةُ: الظُّلَل. والظليل هو: الطيب. قال الله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (١) وقال في ضده: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ (٢). وأَظلّك الطائر إذا حاذاك وقَرُبَ منك وألقى ظله عليك، أعني ما يتحيل. ويُستعار للشهر والزمان فيقال: أَظَلَّ الشهرُ والزمان. ﴿الْغَمَامَ﴾ غيمٌ أبيض، وإنما سُمِّي غمامًا لأنه يَغُمُّ السماءَ ويسترها, وللِقاحِهِ بالماء لأنه يَغمُّ الماء في جوفه، وغمغمةُ السحاب: صوتُهُ، والغمام: واحدٌ وجماعة، قال الحُطَيئة (٣) يمدحُ رجلًا: إذا غِبْتَ عنَّا غابَ عنا ربيعُنا ... ونسْقى بالغمامِ حينَ تَؤوبُ و ﴿الْمَنَّ﴾ كان شيئًا من جنس التَّرَنْجُبين (٤). والسَّلْوَى كان طيرًا يُشبه

стр. 177

السُّمَاني (١)، ولا واحدَ له من لفظه عند الأخفش. وقال الخليلُ (٢) الواحد سَلواه. ويقال: السلوى: العسل. وقال: وقَاسَمَها باللهِ حقًا لأنتم ... اَلذُّ من السلوى إذا ما نشُورها وإنما أنعم عليهم بهذه في التيه حين احتاجوا إلى الطعام وتأذوْا من حرِّ الشمس. والقولُ هاهنا مضمرٌ تقديره: وقلنا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، كقوله: ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٣) وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ

стр. 178

﴿بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٢). وقال امرؤ القيس (٣) (٤): أفاطِم مهلًا بعض هذا التدلُّلِ ... وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجمِلِي و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض (٥). والطيبُ: ما لا تعافه طبعًا ولا تكرهُه شرعًا، وكان غير الطيب من رزقهم ما رفعوا للغد لأنهم كانوا منهيين إلا في يوم الجمعة للسبت. وهاهنا اختصارٌ تقديره: فَعَصَوْا (٦). ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بعصيانهم، وإنما لم يقل: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم (٧) لأن ذكر المظلوم كان أهم. ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الوحي كان إلى يوشع بن نون (٨) وهو ابن أخت موسى ووزيره بعد هارون، وهو أحد النقباء الذين قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٩). وجملةُ قصة بني إسرائيل أن الله تعالى لما أنجاهم من فرعون وفَرَقَ بِهِمُ البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾. ثم

стр. 179

كان انطلاق موسى إلى الميقات (١) ثم اتخاذهم العجل (٢) ثم التوبة (٣) ثم رجوعهم إلى ما أورثهم الله تعالى مما أخرج منه آل فرعون من جناتٍ وعيون وكنوز ومقام كريم (٤)، وهناك حديث حادثة البقرة (٥)، والخرْجة إلى مجمع البحرين مع يوشع (٦)، وخسف قارون في إحدى الروايتين (٧). ثم خرج بهم موسى ﵇ إلى قتال الجبابرة وقال لقومه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ الآية. فغضب عليهم وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. ثم أخذ عصاه وتشمر وخرج من بينهم فَلَقي عوج بن عنق، فوثب وثبةً وضربه بعصاه فأصاب كعبه فخرَّ عوج ميتًا، ففرح موسى ورجع إلى قومه وبَشَّرهم بذلك وحرضهم على الإقدام، فإذا الله تعالى حَرَّمها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض (٨)، ثمَّ أنَّ الله تعالى ظلَّل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهمُ المنَّ والسلوى، وفَجَّر لهم من الحجر اثني عشر عينًا ثم عادوا إلى الكفران والعصيان (٩) وقالوا: ﴿يَا مُوسَى (١٠) لَنْ نَصْبِرَ عَلَى

стр. 180

طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ فقال موسى تهديدًا وتقريعًا: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (١)، وليس لهم إلى ذلك سبيل لحبس الله إياهم في التيه إلى أن توفي الله هارون وموسى ﵈ أو استأثرهم وهم في التيه بعد، ثم قادهم يوشع بن نون بعد ذلك من التيه إلى قتال الجبابرة [وأخذ الأرض المقدسة ففتح اللهُ له أريحا ثم إيليا ثم بلقاء وهي العظمى، فكان بالق مالك الجبابرة]، (٢) وبلعم بن باعوراء صاحب الاسم الأعظم فيها، فخذلهم اللهُ وفيها أُنْزِلَتْ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقيل: نزلت في إيليا وهي آخر بيت المقدس، وبابُ حطة معروف بها (٣)، وفتح الله على يديه بعد ذلك الجبال وسائر بلاد العواصم، والدخول هو الولوج، و (هذِهِ) تأنيث (القريَةَ) بقعة يجتمع الناس فيها، ويُقال للحوض: المِقْرَاة؛ لأنَّ الماء يجتمع فيه (٤)، وقريةُ النمل: جُحرها. والمراد بها بلدة. والأكل: حقيقة التلف والاستراط ويستعمل في الإنفاق مثل: أكل الدراهم والدنانير، ويستعمل في الاستيلاء (٥)، قال ﵇: "أُمِرْتُ بقريةٍ تأكُلُ القُرى" (٦) يعني المدينة. وأراد هاهنا: الإنفاق والتوسعة. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منحنين (٧) متواضعين لله (٨). ورُوِيَ أنه ﵇ دخل يوم الفتح مَكَّة وقد بلغ عُثْنُونُهُ (٩) سرجه تواضعًا لله.
следующие страницы →