← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

﴿يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى، وهي توطئة المسير، وأصله من توثير الفراش. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾ قال قطرب (١): قيل: التنزيل ومن قبله للمطر، وقيل: تكرار للتأكيد (٢). ﴿فَرَأَوْهُ﴾ أي أثر رحمة الله وهو الزرع والثمر مصفرًا جافًا قبل أوانه، وقيل: مصفرًا مدركًا ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يزرعون (من ضعف) من ضعيف كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، وقيل: هو كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وضعف الطرفين دليل على الحدوث والفناء والابتداء والانتهاء. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] واستخفاف الإنسان ضد توقيره. عن أبي بن كعب عنه ﵇ (٣): "من قرأ سورة (٤) الروم كان له الأجر عشر حسنات بعدد كل من يسبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع من ليلته" (٥). ...

стр. 1367

سُورَةُ لُقْمَانَ مكية (١)، وعن ابن عباس: ما خلا ثلاث آيات (٢) وهن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيات، وهي ثلاث وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن ابن عباس (٤) في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء، وزاد ابن فضيل: الاستماع إليه. عن أبي أمامة عن رسول الله (٥): "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في التجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية" (٦)، ومن قرأ قوله ﵇ (٧):

стр. 1368

"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يديه خير له من أن يمتلئ شعرًا" (١) وكل شعر يلهي عن ذكر الله حرام وعن الصلاة؛ لأن النبي ﵇ (٢) استمع الشعر وقال: "إن من الشعر حكمة" (٣). ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ كما خلقها الله تعالى. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ كان لقمان عبدًا حبشيًا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه مالًا، واسم ابنه ثاران (٤)، ولم يكن نبيًا في قول أكثرهم. وعن سعيد بن المسيب: كان لقمان النبي ﵇ خياطًا (٥)، قال طاووس: الحكمة التي أوتيها، فمن كان عاقلًا فهو عند الله حكيم. عن أنس أن النبي ﵇ (٢) قال: "رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس" (٦). وعن أنس عنه ﵇ (٧) أنه قال: "من أعطي (٨) أربع خصال فقد

стр. 1369

أعطي الدنيا والآخرة: قلب شاكر ولسان ذاكر وبدن صابر وزوجة صالحة" (١). إنما خص لقمان ابنه من بين سائر الناس لاعتبار الأهم فالأهم، ألا ترى قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال ﵇: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن" (٢). وقال ﵇: "لآن يؤدب ولده خير من أن يتصدق كل يوم بصاع" (٣)، وعن علقمة (٤) وعن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﵇ فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله (٥): "ليس كما تظنون (٦) إنما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ كفر برسول الله فإن الشرك أخفى في هذه الأمة من أثر النملة في الصخرة الصماء" ولهذا كره هذا (٧) للإمام الراكع إذا سمع خفق نعل أن ينتظره. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ نزلت في شأن سعد ابن أبي وقاص (٨) وحسن كونه عارضًا في أثناء الكلام من ثلاثة أوجه: أحدها: اعتبار ما يجري بين لقمان الوالد وولده. والثاني: اعتبار النهي عن الشرك.

стр. 1370

والثالث: الأمر بالشكر الذي هو حكمة لقمان. وإنما لم يكن للوالدين إلا حق المصاحبة في الدنيا بمعروف لأن الولد ليس بفرع للوالدين إلا على حكم المشاهدة، فأما في المعقول فكل مخلوق مفرد بالإنشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١]. الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عماد كما في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وما ثبت قوله ﴿إِنْ تَكُ﴾ (١) لاعتبار الحبة وهذه الآية كقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ من الصخور، وفي التفسير: المراد بالصخرة السجين وهي تحت (٢) وفيها نسخ أعمال الفجار. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء بالقول، ألا ترى أن نوحًا وهودًا وصالحًا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق (٣) ولوطًا وشعيبًا وغيرهم من الأنبياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بألسنتهم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇ (٤): "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه" (٥) ولأنهم لو لم يفعلوا إلى أن يهذبوا أنفسهم لسقطت الأحكام وخربت دار الإسلام. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ ولا تتكبر على الناس ولا تعرض عنهم تكبرًا ﴿خَدَّكَ﴾ يعني ما تحت الوجنة العارض، ﴿مَرَحًا﴾ شرًا وبطرًا.

стр. 1371

كون صوت الحمير ﴿أَنْكَرَ﴾ لأنه يكلف خلقه من الصوت ما تختنق به. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵇ (١): "ليس المؤمن بالطعان (٢) ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "إن هذه الأخلاق متاع فإذا أحب الله عبدًا منحه خلقًا حسنًا وإذا أبغض عبدًا منحه (٤) خلقًا سيئًا" (٥). ﴿وَأَسْبَغَ﴾ الآية عامة فالنعمة الظاهرة صحة الجسد وكثر العَدد والعِدد، والنعمة الباطنة تيسير اعتبار، والاختبار والتمكين من الاحتبار، وإن كانت خاصة، فالنعمة الظاهرة هي التوفيق لإدلال الطبيعة على استعمال الشريعة، والنعمة الباطنة هي التوفيق للاتحاد بعد حسن الاعتقاد. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ قال ابن عباس: هذه الآية مدنية والسبب في نزولها أن النبي ﵇ (٦) لما (٧) قرأ قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أتته أحبار اليهود فقالوا: إنك إن عنيت بها قومك فأنت أعلم (٨) بهم، وإن عنيتنا فكيف تقول ذلك وأنت تعلم أن الله أنزل التوراة على موسى وفيها أنباء كل شيء وخلفها موسى ميتًا وهي معنا، فقال النبي ﵇ (٦) لليهود: "التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله " فأنزل (٩).

стр. 1372

وذكر الكلبي أن السبب في نزولهن دعوى المشركين التناقض بين قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فبينت هذه الآية أن الحكمة خير كثير في جنب علم العالمين وهي قليل في جنب كلمات الله. ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال الفراء: التشبيه واقع بمضاف مضمر تقديره: كخلق نفس واحدة وبعثها (١)، ووجه الاتصال من حيث ذكر الكلمات التي هي علم الله. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقت استقراره الطوالع. ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال ابن عرفة: الختر الفساد يكون ذلك في الغدر وغيره، يقال: ختره الشراب إذا فسد نفسه، قال الأزهري: الختر أقبح الغدر (٢)، قال أحمد بن فارس: الختر الغَدْر والتختر مشية الكسلان (٣). ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال مقاتل: أتى وارث بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فسأله عن هذه المسائل فأنزل (٤)، واتصال الآية من حيث قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أو من حيث قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 1373

عن ابن عمر قال النبي ﵇ (١): "مفاتيح الغيب خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ... " إلى آخر الآية (٢). وعن ابن مسعود قال: "من كل شيء أوتي نبيكم علمًا إلا من خمس، قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ " (٣). من قرأ سورة "لقمان" كان له لقمان رفيقًا يوم القيامة وأعفي من الحساب (٤) بعدد من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر (٥). ...

стр. 1374

سُورَةُ السَّجْدَةِ مكية (١)، وقيل عن ابن عباس وعطاء والكلبي: إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة: ١٨] الآيات (٢)، وهي ثلاثون آية في غير عدد أهل البصرة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم من أيام الدنيا، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة، وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب (٤)، فإن صحت ويحتمل أنه فسر هذه الآية لتوقيف أو لدلالة قامت له، ويحتمل أن ما سبق قوله الأول وهذه قوله الثاني استفاده من غيرهما أو فتح عليه بالإلهام وأدركته دعوة النبي ﵇ (٥): "اللهم فقهه في الدين وعلمه

стр. 1375

التأويل" (١). ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ويحتمل أن كل ما يحدث في العالم ما بين السماء والأرض كقولك: فلان يسوس الرعية من جيحون إلى فرات. ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ عند صيانة شكله إليه، ويعطف مثله إليه وإن كان قبيحًا من وجه، كما قيل: القرناء في عين أمها (٢) حسنة. ﴿مَهِينٍ﴾ حقير ذليل. ﴿ضَلَلْنَا﴾ أي ضعنا وغبنا، يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكًا فيه. ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ عزرائيل ﵇ (٣) يتوفى الأنفس بحول الله وقوته (٤). ﴿كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي الإيمان الاختياري الذي شاءه الله للمؤمنين ويسَّره لهم لم يشأه للكفار فعسره عليهم، دون الضروري عند معاينة العباس، وفيها رد على القدرية. عن أنس بن مالك أن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة (٥).

стр. 1376

عن (١) أنس عنه ﵇ (٢): "ما من إنسان يصلي في بيت مظلم ركعتين بركوع تمام وسجود تمام إلا وجبت له الجنة بلا حساب ولا عذاب" (٣). وعن جابر عنه ﵇ (٢): "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد يسال الله فيها شيئًا إلا أعطاه، وهي في كل ليلة" (٤). عن أسماء بنت يزيد عنه ﵇ (٢) قال: "يحشر الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ثم يقوم منادٍ ينادي: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، فيقولون: أين الذين يحمدون الله في السراء والضراء؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم فينادي: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم ينادي: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يؤمر بسائر الناس فيحاسبون (٥). ﴿تَتَجَافَى﴾ تتنحى وتتباعد. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﵇ (٢) قال: "قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت (٦) ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وتصديقه في كتاب الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ﴾ (٧) الآية (٨). ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ ظاهرها عامة.

стр. 1377

ولذلك قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وقيل: إن الوليد بن عقبة قال لعلي: أنا أفصح منك لسانًا وأحد سنانًا (١) وأردُّ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق (٢)، وذلك لا يبطل مذهب العموم؛ لأن أكثر آي القرآن على هذا السبيل ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ المغيرة بن شعبة، عنه ﵇ (٣): "أن موسى ﵇ (٣) سأل ربه: أي رب أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل فيقول: كيف أدخل نزلوا منازلهم (٤) وأخذوا أخذاتهم! فيقال: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقال: نعم أي رب (٥) فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثالها فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك" (٦). عن مسروق عن عبد الله قال: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ يوم بدر (٧). وقال إبراهيم النخعي: آفة السنون (٨) لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعود إلى قوله ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. والثاني: أن يكون ملاقاة محمَّد رسول الله وموسى ﵉ ببيت المقدس ليلة الإسراء. والثالث: أن يكون المراد ملاقاتهما يوم البيت وذلك يوم الجمع يوم لا ريب فيه، ويحتمل أن يكون المراد به لقاء موسى الجبل الذي جعله الله دكًا وتلقيه الكتاب من عند الله.

стр. 1378

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ الهداية مسندة إلى الكمية، تقديره: أفلم يبين لهم أمر كمية هلاك من ﴿أَهْلَكْنَا﴾ أو لم يروا علمه في الظاهر. وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي أرض باليمن، ﴿هَذَا الْفَتْحُ﴾ قيل: فتح مكة، وقيل: يوم القيامة و (متى) ظرف حل محل الخبر المقدم على المبتدأ، التقدير: ﴿هَذَا الْفَتْحُ﴾ متى كان أو متى يكون؛ لأن الظرف لا يصلح أن يكون خبرًا. ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ نصب بالظرف والعامل ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ فإن حملنا الآية الأولى على يوم بدر فنفي النفع نفي العفو عنهم بغير فداء، وإن حملناه على فتح مكة فنفي النفع كونهم مهاجرين غير طلقاء. وذكر الكلبي أن المراد بالفتح فتح مكة وبنفي نفع الإيمان، فسئل خالد بن الوليد جماعة من خزاعة بعد ما أسلموا لأخيه كانت بينه وبينهم في الجاهلية وكان أبو قتادة مع خالد يومئذ، فاعتزل الحرب ثم أخبر رسول الله (١) فوداهم من غنائم خيبر حتى أرضاهم، وإن حملنا على يوم القيامة فنفي النفع بنفي دخولهم الجنة وخلاصهم من النار (٢). عن أبي بن كعب عنه ﵇ (٣): "من قرأ سورة ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كان له من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر" (٤). ...

стр. 1379

سُورَةُ الأَحْزَابِ مكية (١)، وهي ثلاث وسبعون آية (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن زُر قال: قال رسول الله ﷺ لأُبي بن كعب: "كأيِّن تعدُّ الأحزاب؟ " قلت: اثنين وسبعين أو ثلاثًا وسبعين (٣) قال: "فإنها تعدل سورة البقرة كانت فيها آية الرجم" قلت: وما آية الرجم؟ فقال: " (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله والله عزيز حكيم) " (٤). وعن عائشة قالت: كانت سورة "الأحزاب" تعد على عهد رسول الله (٥) مائتي آية فإذا كتب المصحف لم تقدر منها إلا على ما هي الآن (٦)، قال أبو بكر الأنباري: اللفظ المذكور في آية الرجم يرجمه

стр. 1380

بالتنزيل لأن التنزيل معجز وهذا غير معجز، قال ﵁: فلا يبعد أن يكون اللفظ لفظ القرآن بعينه لكنه لما نسخت تلاوته نسخ (١) إعجازه. ذكر الكلبي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا عرار السلمي قدموا على رسول الله (٢) المدينة في الموادعة التي كانت بينهم فنزلوا على ابن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس، فتكلموا فيما بينهم، فلما أجمعوا أمرهم أتوا رسول الله فعرضوا أشياء كرهها منهم، فهمَّ بهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٣) في إحالة مجاز القوم، وذلك لنقلهم أحكام الحقائق إلى المجاز كمن يسمي إنسانًا شهابًا ثم يعتقده أنه نار فيرفع إليه فتيله مستوقدًا، ويعتقد أن الشهاب الحقيقي إنسان ويأمره وينهاه، واتصالها من حيث ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ فإن النفل كان من صنيعهم. وسئل ابن عباس عن (٤) هذه الآية قال: قام نبي الله ﵇ (٥) يومًا يصلِّي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلُّون معه: ألا ترى له قلبين قلبًا معكم وقلبًا معهم، وأنزل بمعنى قوله (٦)، وقال ابن جريج: هو رجل من بني فهر كان يقول: إن لي قلبين أعقل بأحدهما ما يعقل محمَّد بقلبه وكذب (٧)، زاد الكلبي بيان اسم الرجل معمر بن أسد (٨)، قال: وتلقاه أبو سفيان بن حرب يوم بدر وهو معلق إحدى نعليه والأخرى في رجليه فقال: يا أبا معمر ما فعل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما

стр. 1381

جميعًا في رجلي، فعرفوا يومئذ جميعًا أنه قلب واحد ولو كان له قلبان لما نسي نعله في يده من شدة الخوف (١)، وهذا التأويل يروى عن مجاهد (٢) وابن بريدة وغيرهما. ويحتمل نفي اجتماع عقيدتين مختلفتين في قلب واحد على سبيل الإنكار على المنافقين الذين كانوا يقولون لرسول الله بوجه والكفار بوجه. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ سنذكر أحكامها في سورة "المجادلة" ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ فسنذكر في قصة زيد. و (الأدعياء): جمع دعي وهذا الذي يدعيه على سبيل الاتخاذ والاتحاد وسبيل الافتراء والإلحاد. عن سالم بن أبي الجعد لما نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لم يعرف لسالم أب، فقال: "سالم من الصالحين" (٣)، وعن ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمَّد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤). ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى (٥) بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ في تشريف رسول الله ﷺ (٦) المجاوزة به من رتبته إلى رتبة الولاية، وكان أولى بنا لكونه في غاية الاتحاد بروح (٧) الله، وكون الشهادة به شطر الإيمان، و (أزواجه أمهاتنا) لأن الأمومة غاية مراتب الحرمة والتعظيم في حق النساء ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ اللوح المحفوظ مستورًا مكتوبًا في كتاب الوصية على سبيل اعتبار غالب أحوال الوصية.

стр. 1382

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ عن قتادة: كان النبي ﵇ (١) آخرًا وبدئ (٢) به أولًا (٣). ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ﴾ تبليغهم وتأديتهم الصدق لوجه الله. ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ عن مجاهد قال: كانت الصَّبَا تكبُّ القدور على أفواهها وتقطع الفسطاط حتى أظعنتهم (٤)، وعنه ﵇ (٥) قال: "نُصِرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدبور" (٦). قال الأمير ﵁: كانت هذه الوقعة سنة خمس في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق، وكان سببها أن النبي ﵇ (٧) لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر ورأسهم أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، فخرج حُيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وأبو عمار اليهودي في بضعة عشر رجلًا إلى مكة فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله ﷺ ودعوة سائر القبائل كذلك، فسارت قريش وأتباعها في (٨) أربعة آلاف قائدهم أبو سفيان وفيهم ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير، وسارت غطفان وفزارة في ألف يقودهم عتبة بن حصين الفزاري، وسارت سليم في تسعمائة يقودهم أبو الأعور السلمي، وسارت بنو أسد في عدد كثير يقودهم طلحة بن خويلد، وسارت أشجع في أربعمائة يقودهم مسعر بن دحيلة، وأقبلت يهود في عدد كثير، فلما انتهوا إلى المدينة استغاثوا ببني قريظة

стр. 1383

فأغاثوهم (١) وصاروا معهم إلى أن فرق الله بينهم وعسكر رسول الله ﵇ (٢) خارج المدينة نحوهم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة. ثم شاور أصحابه بإذن الله، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق فأعجب المسلمين رأيه، فجعل رسول الله ﷺ سلعًا (٣) خلفه وخندق بين يديه مقدار ما كان عورة، وكان سائر المدينة كالحصن من جهة البنيان، وأرسل النسوان والصبيان (٤) إلى الآطام، وعن البراء بن عازب: كان النبي عليه الصلاة (٥) والسلام ينقل معهم التراب يوم الخندق وهو يقول: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" (٦)، ويقول: "والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا فأنزل سكينة علينا ... وثبت الأقدام (٧) إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا" (٨) ورفع بها (٩) صوته بـ "أبينا". وقتل علي ﵁ عمرو بن ود وقد أعطاه رسول الله ﷺ (١٠) سيفه فقتله، وقتل الزبير نوفل بن عبد الله المخزومي، ورمى (١١) صبار بن العرقة سعد بن معاذ فقطع أكحله ولم يمت حتى حكم حكمه في بني قريظة بإذن الله ، ثم سأل الله الشهادة فانفجرت الجراحة.

стр. 1384

وجاء نعيم بن مسعود الأشجعي فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله (١): "إن استطعت أن تخذل عنا الناس فافعل" فأتى نعيم بن مسعود بني قريظة؛ فأشار عليهم أن لا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهائن تستوثقون بهم، فصوَّبوا رأيه، ثم أتى أبا سفيان فأعلمه أن قريظة قد عزمت على أن تأخذ رهائن منكم تسلمهم إلى محمَّد ﵇ (٢)، وحذرهم أن يدفعوا إليهم الرهائن، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فوقع بين القوم وأيس بعضهم من بعض، وأرسل الله ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وقطعت أطناب فساطيطهم وأظلم الجو عليهم بقسطل سد الأفق، فكان الرجل لا يهتدي إلى رحله فارتحلوا منهزمين. وكان من دعاء رسول الله ﷺ يومئذ: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم أهل الأحزاب" (٣) وكان المشركون قد شغلوا رسول الله عليه الصلاة (٤) والسلام يومئذ عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كشفهم الله تعالى، فأمر ﵊ بلالًا فأذن وأقام الظهر (٥) وأقام لكل صلاة بعدها فقضاهن على الترتيب. ورجع إلى المدينة وقد استخلف عليها عبد الله بن أم مكتوم، وكان زيد بن حارثة يومئذ يحمل لواءه الأعظم لواء المهاجرين، وكان سعد بن عبادة صاحب لواء الأنصار، وكان حسان بن ثابت قد التجأ إلى حصن مع جماعة من النساء فيهن صفية بنت عبد المطلب، فقصده عشرة من اليهود يرمون وصفية تقول: دونك يا أبا الوليد وهو يأبى ولا يتجاسر عليهم، فدنا أحدهم من الباب يريدون أن يدخل، وأيست صفية وسائر النساء من حسان

стр. 1385

فاحتجزت صفية بثوبها ونزلت إليه، فهذه غزوة الخندق على سبيل الاختصار (١). ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال الكلبي (٢): هذه في مجيء أبي الأعور السلمي منِ أسفل الوادي واعترض إلى أبي سفيان من قبل الخندق ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ عبارتان عن شدة الخوف، و (الحناجر) جمع حنجرة وهي رأس الفلصمة. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال الكلبي: هو رجل واحد معتب بن قشير، وإنما قال ذلك حين أخبرهم بفتح فارس وملك الروم (٣). ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ في المتخلفين عن العسكر والزاحفين إلى الحصن والمشيرين على أصحابهم بذلك يريدون به خذلان رسول الله (٤)، فكانوا يعتذرون إلى رسول الله بأن بيوتنا عورتنا (٥) ﴿عَوْرَةٌ﴾ نخاف عليهم السرق، وهم كاذبون فيما يقولون. ﴿يَثْرِبَ﴾ اسم المدينة في الجاهلية سماها رسول الله "طيبة" فكانوا يلحدون إلى الاسم الأول لنفاقهم وبغضهم رسول الله (٤) (٦).

стр. 1386

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾ أي المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أطرافها ونواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أي طلبوا الكفر ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي لو أتوا الفتنة لما أمهلهم الله إلا قليلًا، ويحتمل أنهم أتوها ولم يلبثوا بها لأتوها (١) وبالثبات على الإيمان إلا قليلًا عاهدوا الله من قبل، يعني بيعة العقبة قبل الهجرة فعقد عليهم ذلك العقد العباس بن عبد المطلب لرسول الله (٢) بإذن الله تعالى. ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ المثبطين، والعائق الصارف عن القصد (٣) ﴿هَلُمَّ﴾ كلمة دعوة، قيل: أصلها هل الاستفهام (٤) والأمر من أم يؤم. ﴿أَشِحَّةً﴾ الظاهر أنه الشح يمنع الموالاة والنصر. وذكر الكلبي أنه يمنعهم النفقة عن إخوانهم الذين كانوا في المعسكر ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في مماليقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ للدهش والحيرة ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ سلخوكم نقول سلقته بالسوط وسلقت اللحم عن العظم ومنه السلاق، وهو يقشر جلد اللسان، ولكنه مستعار في الجهر بالقول السيء ورفع الصوت، ومنه خطيب سلاق. وفي الحديث: "ليس منا من سلق أو حلق" (٥) وفي الحديث: "لعن الله السالقة" (٦) ﴿حِدَادٍ﴾ جمع حديد وهو ذو الحدَّة.

стр. 1387

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ في الذين صدوا عن القتال ولم يصدقوا المؤمنين في انهزام الأحزاب ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ مرة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾ هؤلاء المنافقون أن يكونوا متميزين عنكم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ﴾ يستميلون الناس ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ كالأحاديث. ﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة، و (التأسي): الاقتداء. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأن النبي ﵇ (١) كان قد أخبرهم قبل (٢) مجيء الأحزاب بسبع أو تسع أنهم يجيئون. عن أنس بن مالك أن عمه النضر بن أنس غاب عن قتال بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله (٣) المشركين؛ لئن الله أشهدني قتالًا للمشركين ليرين الله كيف أصنع. فلما كان يوم الأحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه، ثم تقدم فلقيه سعد فقال: يا أخي ما فعلت فأنا معك، قال: فلم أستطع أن أصنع ما صنع فوُجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قال: فكنا نقول فيه وفي أصحابه نزلت قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (٤). وعن عائشة في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله يوم أحد أصيب فقال رسول الله: "أوجب طلحة الجنة" (٥).

стр. 1388

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٥] الأول أظهر لأن الآية تليها ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عائدة إلى أول القصة على سبيل رد عجز الكلام على صدره. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ نزلت في غزوة بني قريظة، والسبب في ذلك أن النبي ﵇ لما علم بقدوم الأحزاب أرسل إليهم سعد بن معاذ الأنصاري وخوات بن جبير يستنصرهم على الأحزاب، على قضية الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، فأبوا أن ينصروه ونقضوا العهد وشتموا الرسول والمرسل وأظهروا حقدهم وتعصبهم لبني النضير الذين كان رسول الله (١) أجلاهم إلى الشام قبل ذلك بسنتين، فلما نزل المشركون بساحتهم استنصرهم حيي بن أخطب وكان من بني النضير، وامتنعوا (٢) منه بعض الامتناع ثم أجابوه وضمنوا إعانته على شريطة أن يدخل معهم الحصن إن كانت الدبرة عليهم، ثم تخلفت اليهود عن المشركين لمكان السبت، وغضب أبو سفيان بن حرب فلم ينتظرهم فهزم الله الأحزاب بما ذكرنا ودخل حيي بن أخطب الحصن مع بني قريظة. ورجع رسول الله إلى المدينة فجعل يغسل رأسه مما لقي يوم الخندق، فقالت عائشة: يا رسول الله إني لأرى دحية الكلبي (٣) عند

стр. 1389

المنبر، فنظر ﵇ (١) فإذا هو جبريل ﵇ فخرج إليه يمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبريل: والله يا محمَّد ما وضع أهل السماء أسلحتهم وقد وضعتم أسلحتكم! اخرج إلى بني قريظة. فقال النبي ﵇ (١): "كيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟ " قال: اخرج إليهم والله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم. فنادى رسول الله في الناس يأمرهم بالخروج إلى بني قريظة، وخرج هو بنفسه على مقدمته علي بن أبي طالب، وعلى الميمنة زيد بن حارثة، وعلى الميسرة ثابت بن أثرم الأنصاري، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري. فلما انتهى إليهم استنزلهم فقال: "انزلوا على حكم الله ورسوله يا إخوة القردة" فنزل أسد وأسيد وثعلبة بنو سعية بن عمرو مسلمين مؤمنين وامتنع الباقون عن النزول، فأرسل رسول الله ﵇ (٢) أبا لبابة بن المنذر وقال: "قل لحلفائك ينزلون على حكم الله ورسوله" فأشار إليهم أبو لبابة ووضع يده على حلقه ينذرهم بالذبح إن نزلوا، وقالوا: لا ننزل، فقال رسول الله: "يا أبا لبابة خنت الله ورسوله" قال: نعم يا رسول الله. وندم على صنيعه فارتبط على سارية من سواري المسجد بضع عشرة ليلة حتى نزلت توبته، فلبثوا خمسًا وعشرين ليلة ثم استنزلهم على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وكان سعد بن معاذ حكمًا؛ فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقسموا أموالهم وقتل سراتهم، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلًا، وقيل: أربعمائة وخمسين. وجيء بحيي بن أخطب وعليه مقطعة حمراء فشقها على نفسه مخافة أن يسبى، فأمر رسول الله (٣) بضرب عنقه.

стр. 1390

وكانت الخيل في هذه الغزوة في عسكر رسول الله ستة وثلاثين فرسًا (١). وروي في بعض التاريخ أن النبي ﵇ (٢) اصطفى من السبي ريحانة بنت عمرو بن قنافة (٣) وليس بمعروف، وكان يحمل رايته علي بن أبي طالب، وكانت امرأة من قريظة ألقت رحى من فوق الحصن فقتلت جُلاد بن سويد، فأمر رسول الله بقتل تلك المرأة فقتلت (٤)، ونهى في هذه الغزوة أن يفرق بين الأم وولدها، وبين الأختين إذا كانتا صغيرتين، وبلغ عدد السبي تسعمائة. ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جمع صيصية، وهي كل ما يقع به الامتناع والتحصن، وصياصي البقر قرونها، وصيصيتا الديك شوكتاه. وفي حديث أبي هريرة: "أصحاب الدجال شواربهم كالصياصي" (٥). ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ مزارعهم وبساتينهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ بيوتهم وخزائنهم. وذكر الكلبي أن الأرض التي لم تطؤوها خيبر أي سيورثكم، ويحتمل أن الآية نزلت بعد فتح (٦) خيبر، وأراد بالأرض ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] لم يوجفوا خيلًا ولا ركبًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جابر بن عبد الله قال: مكث رسول الله (٧)

стр. 1391

يوماً (١) في بيته لم يخرج، فحضر الناس في المسجد ينتظرونه، فجاء أبو بكر وعمر ﵄ وقالوا: لو أن أبا بكر استأذن على رسول الله (٢) فاستأذن أبو بكر فردّ، ثم استأذن عمر فرد، فجلسا مع الناس ساعة فقال القوم لأبي بكر: استأذن، فاستأذن (٣) فأذن له (٤)، ثم استأذن عمر فدخلا على رسول الله ونساؤه كلهن حوله وهو ناكس رأسه، ثم رفع رأسه فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد وقد سألتني النفقة والكسوة فقمت إليها فوجأت رقبتها، قال: فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ثم قال: "والله ما حبسني عنكم منذ اليوم إلا من تسألني النفقة والكسوة". فقام أبو بكر إلى عائشة فضربها، فأمسكه رسول الله، وقام عمر إلى حفصة فقال: والله لا تسألين بعد هذا اليوم شيئاً، ثم خرج رسول الله (٢) فصلى ثم نزل التخيير فبدأ بعائشة فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمراً فلا تعجلي حتى يأتيك أبوك وأمك فتسأليهما" فلما عرض (٥) عليها قالت (٦): "إني أستشير فيك أبي وأمي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأحرج عليك أن تخبر أحداً من نسائك ممن تحب أن تفارقني ماذا قلت"، فقال رسول الله (٢): "معاذ الله من ذلك إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً ولا متعنتًا ولكن بعثني معلماً ميسراً فلا تسألني امرأة إلا أني أخبرتها أنك اخترت الله ورسوله والدار الآخرة" فعرض عليهن فقلن ما قالت عائشة فأخبرهن ما قالت فقلن: ونحن اخترنا الله ورسوله والدار الآخرة (٧). ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ أزواجه وبناته وسائر الهاشميات، والخطاب قد

стр. 1392

تناولهن جميعًا ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ لأن المحنة على قدر النعمة بدليل اختلاف المحصن وغير المحصن في حكم الزنا. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تلنّ الكلام ولا تلطفن الصوت ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لا نفخ فيه ولاريبة. عن ابن عباس قال: الجاهلية الأولى كانت بين إدريس ونوح ﵈ وكانت ألف سنة (١)، وقيل: إن الجاهلية الأولى كانت في أيام نمرود (٢). وعن عمر بن سلمة ربيب النبي ﵇ (٣) قال: لما نزلت ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كان في بيت أم سلمة فدعا فاطمة والحسن والحسين فجللها بكساء وعلي خلف ظهره ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا " قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: "إنك على مكانك وأنت على خير" (٤)، وفي بعض الروايات قالت أم سلمة: ألست من أهل بيتك يا رسول الله؟ قال: "بلى" فأدخلها معهم في كسائه (٥)، ولكن الرواية الأولى أشهر فإن لم يدخلها فلاستغنائها بظاهر الكتاب فلتطمئن (٦) قلبها أو كونها متأخرة في تزوجه (٧) عن نزول الآية. وعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله تذكر الرجال في كل شيء ولا تذكرنا فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (٨)، وإنما أحبت

стр. 1393

أم سلمة إفراد النساء بالذكر على سبيل الإتباع والإجمال ليتشرفن بذلك ويتبركن لأن ظاهر الخطاب لا يتناولهن، فإن طريقة العرب مشهورة أنهم إذا جمعوا بين مذكر ومؤنث وعاقل وغير عاقل ومفرد ومضاف أن يغلبوا المذكر والعاقل والمفرد. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ نزلت في شأن زينب (١) بنت جحش بن رياب بن يعمر ابن ضمرة بن مرة بن كثير بن غثم (٢) بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس من مضر الأسدية، وأمها أميمة (٣) بنت عبد المطلب عمة رسول الله، توفيت زينب في زمن عمر بن الخطاب فسترت على جنازته بنعش، وهي أول من سترت بنعش، فشيع الجنازة عمر ﵁ فلما رأى النعش استحسن ذلك وقال: نعم جنا الطبيعة. وكان السبب في ذلك أن النبي ﵇ (٤) أمرها أن تتزوج بمولاه زيد بن حارثة بن شراحبيل بعد وفاة أم أيمن مولاة رسول الله (٥) وأم أسامة بن زيد، وزيد هذا الذي ابتلاه الله تعالى بنفي نسبته عن رسول الله (٥) بعد ثبوته، وابتلاه الله بمراجعة رسوله (٦) إياه وامرأته على ما سنذكره، وكان راضيًا عن الله تعالى مطمئنًا بقلبه على الإيمان, فعوضه الله من مجاز النسبة والمرأة الغائبة ذكرًا مخلدًا، وهو أن صرح باسمه ووصفه بالجميل في كتابه المعجز وهو حي مكلف يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهذه رتبة كانت مختصة برسول الله (٧)، قبل ذلك لم ينلها حمزة وعباس وعلي ولا أبو بكر وعمر وعثمان ولا فاطمة والحسن والحسين ولا خديجة وعائشة وحفصة.

стр. 1394

وسئل الزهري: مَن أول من أسلم؟ قال: من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة. وعن سليمان بنيسار قال: أول من أسلم زيد بن حارثة (١). روي أن حارثة (٢) تزوج إلى طي بامرأة من بني نبهان، فأولدها جبلة وزيدًا وأسماء، فتوفيت أمهم وبقوا في حجر جدهم لأمهم، وأراد أبوهم حملهم فأبى عليه جدهم، ثم تراضوا على أن حمل جبلة وأسامة وترك زيدًا عند جده، فجاءت خيل من تهامة فاغارت على طي فسبت زيدًا وجاؤوا به إلى سوق عكاظ، فرآه النبي ﷺ (٣) من قبل أن يبعث فقال لخديجة: "يا خديجة رأيت في السوق غلامًا صفته كيت وكيت- يصف عقلًا وأدبًا وجمالًا (٤) - لو أن لي مالًا لاشتريته" فأمرت خديجة ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النبي ﵇ (٥):"يا خديجة هذا الغلام بطيبة من نفسك" فقالت: يا محمد إني رأيت غلامًا رضيًا وأحب أن أتبناه وأخاف أن تبيعه أو تهبه فقال: "يا موفقة ما أردت إلا أن أتبناه" فقالت له (٦): خذه يا محمد، فرباه وتبناه وكان يقال له زيد بن محمد، فجاء رجل من الحي فرأى زيدًا فعرفه فقال: ألست زيد بن حارثة؟ قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بلى أنت زيد بن حارثة نسبة أبيك وعميك وإخوتك كيت وكيت، وقد أتعبوا الأبدان وأنفقوا الأموال في سبيلك فقال: ألكني إلى قومي وإن كنت نائيًا ... وإني قطين البيت عند المشاعر فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الآرض نص الأباعر

стр. 1395

فإني بحمد الله في خير أسرة ... خيار معد كابر بعد كابر وإني مولى للنبي محمد ... حويت به سهم الفريع المفاخر فمضى الرجل وأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شعر يقول: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيٌّ يرجى أم أتي دونه الأجل فوالله ما أدري وإني لسائل ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فياليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا ... ولا أسأم التطواف إذ تسأم الإبل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره ... فيا طول أحزاني عليه ويا وجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا عسعس الطفل حياتي أو تأتي عليَّ منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل ثم إن حارثة أقبل مكة وأخواه وولده وبعض عشيرته فإذا النبي ﵇ (١) في فناء الكعبة في نفر من أصحابه وزيد فيهم، فلما نظروا إليه عرفوه وعرفهم فقالوا: يا زيد، فلم يجبهم انتظارًا منه لرأي رسول الله ﵇ (١)، فقال له رسول الله: "من هؤلاء يا زيد؟ " فقال: يا رسول الله هذا أبي وهذان عمَّاي وهذا أخي وهؤلاء عشيرتي، فقال له: "قم يا زيد فسلِّم عليهم"، وسلَّم عليهم وسلَّموا عليه (٢) فقال (٣): امض معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله بدلًا ولا أؤثر عليه أحدًا، قالوا: يا محمد إنا معطوك بهذا الغلام ديات فسم ما شئت فإنا حاملوها إليك، فقال: "أسألكم (٤) أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني خاتم أنبيائه" فأبوا وتلكؤوا (٥) وتلجلجوا وقالوا: نعطي ما عرضنا عليك يا محمد قال: "ها هي (٦) خصلة

стр. 1396

غير هذه" قال: "قد جعلت الأمر إليه إن شاء فليرحل" قالوا: يا محمد ما بقي قضيت ما عليك (١)، يا زيد فانطلق معنا، قال: هيهات هيهات ما أريد برسول الله بدلًا ولا أؤثر عليه أحدًا، قال أبوه: يا نبي الله أما إني أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله، فآمن حارثة وأبى الباقون ورجعوا إلى البرية، والحديث مختصر (٢). وعن أبي عمرو الشيباني أن جبلة بن حارثة قال: قدمت على رسول الله (٣) فقلت له: يا رسول الله أبعث معي أخي زيدًا قال: "هوذا فإن انطلق معك لم أمنعه" قال زيد: يا رسول الله والله لا أختار عليك أحدًا، قال جبلة بن حارثة: فرأيت رأي أخي أفضل (٤). وعن عمر أنه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف فقال عبد الله لأبيه: لم فضلت أسامة عليَّ فوالله ما سبقني إلى مشهد، قال: لأنَّ زيدًا كان أحب إلى رسول الله من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله (٥) منك فآثرت حبّ رسول الله على حبي (٦). وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ (٧) بعث بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته فقال: "إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ وإن هذا من أحب الناس إلى بعده".

стр. 1397

فلما كان زيد من رسول الله ﷺ (١) بهذه المنزلة أحب إكرامه وتشريفه بأن تزوج منه بنت عمته فترفعت المرأة عن ذلك فأنزل الله هذه الآية فسلمت لحكم الله ورسوله وتزوجت يزيد بن حارثة (٢). ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ إنعام الله توفيقه للإيمان وإنعام رسول الله هو عتقه وتزويجه ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ من كلام رسول الله له ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾. والسبب في نزولها أن المرأة مكثت عند زيد ما شاء الله، ثم إن رسول الله أتى بيت زيد ذات يوم وهو غائب عن بيته فوقع بصره على المرأة وهي قائمة في درع وخمار، فألقى الله حبَّها في قلبه، فأعرض عنها مدبرًا وهو يقول: "سبحان الله مقلب القلوب" فلما سمعت المرأة تلك اللفظة علمت بما (٣) ابتلي به رسول الله، فجلست متسترة ولم تكلم رسول الله (٤). ورجع رسول الله إلى بيته ورجع زيد إلى بيته (٥) فأخبرته المرأة بالقصة فلم يثبت زيد أن جاء إلى رسول الله وهو يشكو زينب بأنها متكبرة ذات نخوة ما تطيعه في أمر ولا تبر قسمه وإنه يريد أن يطلقها (٦)، فزجره النبي ﵇ تمسكًا بالنصيحة الشرعية وفي قلبه ما في قلبه، فأظهر الله ذلك عليه (٧). وعن عائشة ﵂ قالت (٨): لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم

стр. 1398

هذه الآية (١)، فلما نزلت الآية أذن النبي ﵇ (٢) لزيد (٣) في طلاقها وفي أن خطبها بعد ذلك لرسول الله (٤)، فرجع زيد وأخبر المرأة بأنه شكا منها إلى رسول الله (٤) فاستأذن في طلاقها فأذن له في ذلك ثم قال لها: جزاك الله خيرًا إن كنت لتطيعيني وتبرين قسمي، فبكت المرأة، ثم أخبرها بأنه وكيل من جهة رسول الله في أن يخطبها له فضحكت. ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي استوفى حاجته من النظر والمفاكهة والملاعبة إلى ما وراء ذلك من المسيس (٥) وغيرها. و (الوطر): الإرب والحاجة. وعن الشعبي أن زينب بنت جحش قالت للنبي ﵇ (٦): إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن؛ إحداهن أن جدي وجدك واحد، والثاني أن الله تعالى زوجنيك من السماء، والثالث أن السفير جبريل ﵇ (٧) (٨). ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ يبين أن فعل النبي ﵇ كان فعلًا ظاهرًا يدل على جوازه لأمته ما لم تقم دلالة لتخصيص فيها فرض الله له وفي استباحة ما خصه الله بالإباحة له مما يراه الناس محظورًا عليه بعقولهم أو بأوهامهم. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر أي سنَّ الله فيك سنته ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي كان قضاؤه مقدرًا. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ في محل الخفض بدلًا من ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾.

стр. 1399

﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي من رجال الدنيا، فإن الله استأثر بنبيه أطفالًا لم يبلغوا مبلغ الرجال. وقال الشعبي: ما كان ليعيش فيكم له ولد ذكر (١)، وتسمية الفاطمية حي رسول الله على المجاز كقوله ﵇ (٢) لأغيلمة [بني عبد المطلب] (٣) ليلة الجمع بالمزدلفة حين قدم ضَعَفة أهله: "أبني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس" (٤). ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله" (٥). وعن أنس قال: قال رسول الله ﵇ (٦): "ذكر الله علم الإيمان وبراءة من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النار" يحتمل الوحي فرقًا للنبي ﵇ (٧)، ويحتمل التوفيق. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ واترك مراعاة جانبهم والتودد إليهم باحتمال مشقتهم، وإنما أمره بذلك لأن النبي ﵇ (٦) ما كان يحتمل أذاهم إلا لوجه الله تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ فيه دليل على أن جواز الجمع بين الحقيقة في لفظ إذا تجانسا ولم يتنافيا؛ لأن قوله: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ حقيقة في حق

стр. 1400

أزواجه وفي غيرهن إذ هو في معنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فأما (١) أزواجه اللواتي آتاهن أجورهن فخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب توفيت قبل الهجرة، وسودة بنت زمعة من مهاجري الحبشة تزوجها بمكة وطلقها بالمدينة فسألته لوجه الله أن يراجعها بمكة وهي بها، بالمدينة، وحفصة بنت عمر تزوج بها بالمدينة بعد موت خنيس بن حذافة، وكان رسول الله أرسله إلى كسرى، وزينب بنت خزيمة من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة توفيت قبل رسول الله وكانت تدعى أم المساكين، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان الأموية، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية أم الفضل التي هي أم الخلفاء ﵃، وصفية بنت حيي النضيرية أعتقها ثم تزوج بها، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. فهؤلاء إحدى عشرة (٢) امرأة أمهات المؤمنين توفيت اثنتان قبله ومات عن تسع منهن، وروي أنه ﵇ (٣) تزوج بحمنة بنت ذي اللجية من بني بكر بن كلاب (٤) فدخل بها ليلة فطلقها، وتزوج بأميمة بنت النعمان الكندية (٥) فقالت ملكة تحت (٦) سوقة فلم يطأها وطلقها، وتزوج بامرأة فلما دخل عليها وبسط يده إليها قالت: أعوذ بالله منك، فقال ﵇ (٣): "لقد عذت بمعاذ" فطلقها (٧)، وأما ما ملكت يمينه من السراري فمارية القبطية أم إبراهيم (٨) احتجبت بعد نزول آية الحجاب،

стр. 1401

وريحانة بنت شمعون القرظية (١) قيل: إنها احتجبت بعد نزول آية الحجاب. ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (الإفاءة) في اللغة: الرد، إنما سميت الغنيمة فيئًا لأن النعمة يستحقها المؤمنون فكأن الكفار اغتصبوها أو جميع ما في الأرض للمؤمنين في عصر آدم ﵇ (٢) ونبيه، فما يغنمه المسلمون فكأنهم يرتجعونه ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ فضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت المقداد، وأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت الربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٣)، وأم هانئ فاختة بنت أبي طالب وعمانة بنت أبي طالب لا نعرف لهما زوجًا، وأم حبيب بنت عباس من أم الفضل، وآمنة وصفية ابنتا عباس من أمهات الأولاد لا نعرف أزواج بنات عباس، وأم أبيها بنت حمزة لا نعرف زوجها، وهند بنت المقدام بن عبد المطلب كانت (٤) تحت عبد الله بن أبي مسروح أخي بني سعد بن بكر بن هوازن، وبنات لأبي لهب، وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب، لم يتزوج رسول الله بواحدة منهن (٥) من هؤلاء فيما مضى ولا فيما استقبل من عمره.

стр. 1402

وأما بنات عماته فغير مسميات في المعارف والتاريخ ما خلا زينب ابنة جحش فإنها ابنة عمة رسول الله ﵇ (١)، وأما بنات خاله فغير مسميات لا نعرف لوالدة رسول الله (٢) ولا لمرضعته أخ من الأم ولكن بني زهرة أخوال رسول الله (٢) على طريق الإجمال لمكان آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وبنو سعد بن بكر بن هوازن أخواله لمكان مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وأما بنات خالاته فغير مسميات ولا نعرف أختًا لوالدة رسول الله ﵇ (٣) ولا لمرضعته، ولكن الزهريات والسعديات خالاته على طريق الإجمال لمكان آمنة وحليمة (٤). وظاهر من قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وصف لبنات الخالات، وروى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي﴾ الآية، فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر كنت من الطلقاء، فالظاهر من قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ أنه عام في جميع المؤمنات مهاجرات وغير مهاجرات، وقال ابن عباس: نهي رسول الله عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ منصوبة بمضمر؛ أي جعلنا هذه خالصة أو هذه الفريضة خالصة لك، والتخصيص هو عدم العوض لأن (٥) الواهبة معطوفة على ذوات (٦) الأجور، والمعطوف عليه في الظاهر، يدل عليه ما روي أن خولة بنت حكيم (٧) وهبت نفسها للنبي ﵇ (٨) وكانت من المهاجرات الأُول، قالت عائشة:

стр. 1403

كنت إذا ذكرت أستحيي امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر وكانت من أغير الناس، وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: يا رسول الله إن ربك ليسارع في هواك (١). وعن ابن عباس قال: ألقى الله في قلب أم شريك بنت جابر الإسلام فأسلمت وهي بمكة، وهي إحدى نساء قريش، ثم إحدى بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي العكبر الأزدي، فأسلمت وجعلت تدخل على نساء قريش سرًا تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها فقالوا (٢): لولا قومك لفعلنا بك ولفعلنا ولكن سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء من وطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني ولا يسقونني قالت: فما أتت عليَّ ثلاث وما في الأرض شيء أسمعه قالت: فنزلوا وكانوا إذا نزلوا منزلًا أوثقوني في الشمس ثم استظلوا، فهم فيها حتى يرتحلوا، قالت: فبينا هم قد نزلوا منزلًا وأوثقوني في الشمس أتاني شيء برد على صدري، فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلًا، قالت: فصنع بي ذلك مرارًا، ثم تركت فشربت منه حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي فاستيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوا فيَّ حسنة الهيئة فقالوا: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه حتى رويت، قلت: ما فعلت ولكنه من الأمر كذا وكذا، قالوا: إن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها (٣) كما تركوها فاسلموا عند ذلك. قال: فأقبلت إلى النبي ﵇ (٤) ووهبت نفسها للنبي ﵇ (٥) بغير

стр. 1404

مهر فقبلها ودخل بها فرأى أنها قد علتها كبرة فطلقها، وفي قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ دليل على أن لفظة الهيئة من ألفاظ النكاح. والظاهر من قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إرجاء الواهبات أنفسهن ليبقين موقوفات غير مقبولات ولا مردودات. وذكر الحدادي في تاريخه أن النبي ﵇ (١) أرجى سودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وميمونة وآوى عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة (٢)، فالإرجاء على هذا القول الإخراج من القسمة والثوبة من غير طلاق فإن كان كذلك لم يكن إلا برضاهن على سبيل المصالحة كما في قصة سودة بنت زمعة ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ إيواءها ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في إيوائها و ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي الإيواء بعد الإرجاء أقرب من مسرتهن كلهن تأكيد للضمير المكتسي بقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ دون الضمير في قوله: ﴿آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ في تحريم ذوات المهور في المستقبل من غير الأصناف المذكررة دون الواهبات أنفسهن وما تملكه بيمينه في باقي عمره إن رزقه الله تعالى، ولم يبلغنا أنه قبل نفس واهبة أو ملك سريته ملك اليمين بعد هذه الآية ما كان فعل شيئًا من ذلك. وفائدة الآية استعمالها وفائدتها اعتقادها. وعن مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد (٣) ما سمى لك من يهودية لكون الذمية في رتبة المؤمنين أو تحريم عسيلته على أهل النار فإن أبا طيبة شرب دمه وحرمت عليه النار.

стр. 1405

وعن عائشة قالت: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء (١)، فقد فهمت من الآية تحريم الحرائر بعد التسع، ثم شاهدت من سنته ما استدليت به على نسخ الآية بالسنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله (٢) فدخل بأهله وصنعت -أي أم سلمة (٣) - حيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله (٢) فقل له: وجهت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، قال: فذهبت به إلى رسول الله (٢) فقلت: إن أمّي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل، فقال: "ضعه" ثم قال: "اذهب فادع فلانًا وفلانًا ومن لقيت" وسمّى رجالًا، فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: كم عددهم كانوا؟ قال: زهاء ثلثمائة. قال (٤): فقال رسول الله: " [يا أنس هات بالتور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ﷺ : "ليتخلف] (٥) عشرة عشرة وليأكل كل (٦) إنسان مما يليه" قال (٧): فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال: "يا أنس ارفع" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ورسول الله (٨)
следующие страницы →