← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وريحانة بنت شمعون القرظية (١) قيل: إنها احتجبت بعد نزول آية الحجاب. ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (الإفاءة) في اللغة: الرد، إنما سميت الغنيمة فيئًا لأن النعمة يستحقها المؤمنون فكأن الكفار اغتصبوها أو جميع ما في الأرض للمؤمنين في عصر آدم ﵇ (٢) ونبيه، فما يغنمه المسلمون فكأنهم يرتجعونه ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ فضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت المقداد، وأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت الربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٣)، وأم هانئ فاختة بنت أبي طالب وعمانة بنت أبي طالب لا نعرف لهما زوجًا، وأم حبيب بنت عباس من أم الفضل، وآمنة وصفية ابنتا عباس من أمهات الأولاد لا نعرف أزواج بنات عباس، وأم أبيها بنت حمزة لا نعرف زوجها، وهند بنت المقدام بن عبد المطلب كانت (٤) تحت عبد الله بن أبي مسروح أخي بني سعد بن بكر بن هوازن، وبنات لأبي لهب، وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب، لم يتزوج رسول الله بواحدة منهن (٥) من هؤلاء فيما مضى ولا فيما استقبل من عمره.

стр. 1402

وأما بنات عماته فغير مسميات في المعارف والتاريخ ما خلا زينب ابنة جحش فإنها ابنة عمة رسول الله ﵇ (١)، وأما بنات خاله فغير مسميات لا نعرف لوالدة رسول الله (٢) ولا لمرضعته أخ من الأم ولكن بني زهرة أخوال رسول الله (٢) على طريق الإجمال لمكان آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وبنو سعد بن بكر بن هوازن أخواله لمكان مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وأما بنات خالاته فغير مسميات ولا نعرف أختًا لوالدة رسول الله ﵇ (٣) ولا لمرضعته، ولكن الزهريات والسعديات خالاته على طريق الإجمال لمكان آمنة وحليمة (٤). وظاهر من قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وصف لبنات الخالات، وروى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي﴾ الآية، فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر كنت من الطلقاء، فالظاهر من قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ أنه عام في جميع المؤمنات مهاجرات وغير مهاجرات، وقال ابن عباس: نهي رسول الله عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ منصوبة بمضمر؛ أي جعلنا هذه خالصة أو هذه الفريضة خالصة لك، والتخصيص هو عدم العوض لأن (٥) الواهبة معطوفة على ذوات (٦) الأجور، والمعطوف عليه في الظاهر، يدل عليه ما روي أن خولة بنت حكيم (٧) وهبت نفسها للنبي ﵇ (٨) وكانت من المهاجرات الأُول، قالت عائشة:

стр. 1403

كنت إذا ذكرت أستحيي امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر وكانت من أغير الناس، وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: يا رسول الله إن ربك ليسارع في هواك (١). وعن ابن عباس قال: ألقى الله في قلب أم شريك بنت جابر الإسلام فأسلمت وهي بمكة، وهي إحدى نساء قريش، ثم إحدى بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي العكبر الأزدي، فأسلمت وجعلت تدخل على نساء قريش سرًا تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها فقالوا (٢): لولا قومك لفعلنا بك ولفعلنا ولكن سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء من وطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني ولا يسقونني قالت: فما أتت عليَّ ثلاث وما في الأرض شيء أسمعه قالت: فنزلوا وكانوا إذا نزلوا منزلًا أوثقوني في الشمس ثم استظلوا، فهم فيها حتى يرتحلوا، قالت: فبينا هم قد نزلوا منزلًا وأوثقوني في الشمس أتاني شيء برد على صدري، فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلًا، قالت: فصنع بي ذلك مرارًا، ثم تركت فشربت منه حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي فاستيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوا فيَّ حسنة الهيئة فقالوا: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه حتى رويت، قلت: ما فعلت ولكنه من الأمر كذا وكذا، قالوا: إن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها (٣) كما تركوها فاسلموا عند ذلك. قال: فأقبلت إلى النبي ﵇ (٤) ووهبت نفسها للنبي ﵇ (٥) بغير

стр. 1404

مهر فقبلها ودخل بها فرأى أنها قد علتها كبرة فطلقها، وفي قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ دليل على أن لفظة الهيئة من ألفاظ النكاح. والظاهر من قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إرجاء الواهبات أنفسهن ليبقين موقوفات غير مقبولات ولا مردودات. وذكر الحدادي في تاريخه أن النبي ﵇ (١) أرجى سودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وميمونة وآوى عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة (٢)، فالإرجاء على هذا القول الإخراج من القسمة والثوبة من غير طلاق فإن كان كذلك لم يكن إلا برضاهن على سبيل المصالحة كما في قصة سودة بنت زمعة ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ إيواءها ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في إيوائها و ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي الإيواء بعد الإرجاء أقرب من مسرتهن كلهن تأكيد للضمير المكتسي بقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ دون الضمير في قوله: ﴿آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ في تحريم ذوات المهور في المستقبل من غير الأصناف المذكررة دون الواهبات أنفسهن وما تملكه بيمينه في باقي عمره إن رزقه الله تعالى، ولم يبلغنا أنه قبل نفس واهبة أو ملك سريته ملك اليمين بعد هذه الآية ما كان فعل شيئًا من ذلك. وفائدة الآية استعمالها وفائدتها اعتقادها. وعن مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد (٣) ما سمى لك من يهودية لكون الذمية في رتبة المؤمنين أو تحريم عسيلته على أهل النار فإن أبا طيبة شرب دمه وحرمت عليه النار.

стр. 1405

وعن عائشة قالت: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء (١)، فقد فهمت من الآية تحريم الحرائر بعد التسع، ثم شاهدت من سنته ما استدليت به على نسخ الآية بالسنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله (٢) فدخل بأهله وصنعت -أي أم سلمة (٣) - حيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله (٢) فقل له: وجهت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، قال: فذهبت به إلى رسول الله (٢) فقلت: إن أمّي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل، فقال: "ضعه" ثم قال: "اذهب فادع فلانًا وفلانًا ومن لقيت" وسمّى رجالًا، فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: كم عددهم كانوا؟ قال: زهاء ثلثمائة. قال (٤): فقال رسول الله: " [يا أنس هات بالتور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ﷺ : "ليتخلف] (٥) عشرة عشرة وليأكل كل (٦) إنسان مما يليه" قال (٧): فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال: "يا أنس ارفع" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ورسول الله (٨)

стр. 1406

جالس (١) وزوجته مولية وجهها إلى الحائط (٢)، فثقلوا على رسول الله (٣)، فخرج رسول الله (٣) فسلَّم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله (٣) قد رجع ظنوا أنهم ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله (٣) حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج علي، وأنزلت عليه هذه الآية، فخرج رسول الله وقرأها على الناس، قال أنس: أنا [حدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي ﷺ (٤). ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ في محل الخفض معطوفًا على قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ وعن عائشة قالت: كنت آكل أنا ورسول الله ﷺ (٥) حيسًا في قعب، فمرَّ عمر فدعاه رسول الله ﷺ (٦) فأكل معنا، فأصابت إصبعه إصبعي فقال: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب (٧). وعن الشعبي: أن نبي (٨) الله ﵇ (٩) تزوج قتيلة بنت قيس (١٠) ومات عنها، ثم تزوجها عكرمة بن أبي جهل، فأراد أبو بكر أن يقتله فقال له عمر: إن النبي ﵇ لم يحجبها ولم يقسم لها (١١) ولم يدخل بها،

стр. 1407

وارتدَّت مع أخيها عن الإسلام وبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى تركه (١). وما روي عن طلحة في عائشة لا نراه إلا فرية بعض روافض أهل الكوفة، أخذ الكلبي منهم ثم تابعه عليه مقاتل ثم أخذه الفراء من تفاسيرهما (٢). وكل تحريم ثبت بالنسب يثبت بالرضاع لقوله ﵇ (٣): "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٤) ولما روي عن عائشة قالت: جاء عمي من الرضاعة بعد ما ضرب علينا الحجاب، فقلت: والله لا آذن لك حتى يأتي رسول الله (٥) فاستأذنه، فجاء رسول الله فقلت: جاء عمي من الرضاعة فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك قال: "فليلج عليك عمك" قالت: قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال ﵇: "إنه عمك فليلج عليك" (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﵇ (٣). عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى (٧) آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٨).

стр. 1408

وعن ابن عباس عنه ﵇ (١) قال: "من قال: جزى الله عنا محمدًا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبًا ألف صباح" (٢)، وقال (٣) ﵇: "من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي فقد خطىء طريق الجنة" (٤). ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ إيذاء الله على سبيل المجاز كخداع الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، قيل: كانت الحرائر والإماء يخرجن من بيوتهن في زيٍّ واحد، وكان السفهاء يتعرضون للحرائر والنظر إلى وجوههن كما يتعرضون للإماء لا يميزون بينهن فيتأذى الحرائر بذلك، فأنزل (٥). ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الإزار. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المولدون للأقوال المضطربة التي لا قرار لها ولا حقيقة، و (أرجف الناس في الشيء): إذا خاضوا فيه واضطربوا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا قليلين، أو إلا زمانًا قليلًا. ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ فعلى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصب على الحال أو البدل، وعلى قوله (إلا زمانًا قليلًا) نصب على الذم والشتم كقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، وفي الآية دليل على جواز قتل المنافق إذا ظهر نفاقه ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أنبياء الله الذين ينصرهم على من آذاهم، وقيل: الذين خلوا من قبل بني قريظة والنضير. ﴿يَسْأَلُكَ (٦) النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ كان الناس يكثرون السؤال عن الساعة متى هي، فلذلك كثر الجواب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ لم يذكر سبب نزول

стр. 1409

الآية، والظاهر أن سبب نزولها قول السفهاء: تزوج رسول الله بامرأة ابنه، أو قول المنافقين: هو ذو قلبين في جوفه، أو كراهة من كره الحجاب، وأما الذين آذوا موسى ﵇ (١) فهم الذين اتهموه بقتل هارون ﵇ (١) فأراهم الله هارون مضطجعًا على سرير من أسرة الجنة انشق عنه قبره ثم عاد إلى مكانه (٢)، وقيل: اتهموه بالطمع في مال قارون فخسف الله به وبداره الأرض، وعن أبي هريرة عنه ﵇: "إن موسى ﵇ كان حييًا ما يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، قالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدْرة وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا موسى يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذه من بني إسرائيل، فرأوه أحسن الناس خلقًا وأبرأه مما كانوا يقولون قال: وقام الحجر فأخذ ثوبه ولبسه" (٣) الذين آذوه هم الذين اتهموه في التوراة وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ لا خلل فيه لصدقه ومتانته، وأصدق الأقوال قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ تبديل سيئاتنا حسنات أو قبوله صالح أعمالنا بعد الشهادتين. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إن كان المراد أهلوها وسكانها العقلاء من الملائكة والجن فالعرض على سبيل التخيير، و (الإباء والإشفاق) على سبيل الاجتهاد، وإن كان المراد سائر الحيوان فالغرض ابتلاء طبائعها، والإباء والإشفاق على سبيل الكراهة الطبيعية، وإن كان

стр. 1410

المراد بأعيانها التي هي جماد فالعرض على سبيل (١) الإصرار والاضطرار والإباء والإشفاق كذلك. فائدة العرض الأول بيان اجتهاد، وفائدة (٢) العرض الثاني بيان التفاوت بين طبائع لا يحملها الحرص على المخاطرة وطبائع يحملها الحرص عليها (٣)، وفائدة العرض الثالث تفخيم الأمر، والظاهر من الأمانة في هذه الأقوال كلها أنها الذمة الصحيحة التي يتعلق بها الحقوق، والظاهر من حملها اعتداء الإنسان وصحة ذمته أنها فضيلة لا يرضى بعدمها البتة، فأول ما ثبت ذمة الإنسان اعتزال الشجرة لم يتضرع إلى الله ليحول بينه وبينها، ثم ثبت في ذمته رعاية (٤) امرأته لم (٥) يتضرع إلى الله ليكفيه أمرها، فأكل من الشجرة وقصَّر في رعاية المرأة حتى أكلت من الشجرة، فسرى شؤم المعصية إلى الكمنى في صلبه ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾. وعن ابن عباس قال: الأمانة المعترض على العباد عرض ذلك على السموات والأرض والجبال، فقلن: ما هي؟ قيل: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا (٦) وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعني آدم ﵇ (٧)، وقال قتادة في قوله: ﴿ظَلُومًا﴾ أي لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ بما حمل (٨) أي جهولًا بثقل ماحمل. قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ السبب العرض أو الحمل أو كينونة الإنسان ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

стр. 1411

وعن أبي حاتم السختياني أنه لام قسم سقطت نونها فانكسرت. وعن أبي بن كعب عنه ﵇ (١): "من قرأ سورة الأحزاب وعلمه أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من العذاب والجواز على الصراط" (٢). ...

стр. 1412

دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر تَأليِف عَبد القَاهِر بن عَبد الرّحمن الجرجَاني المتوفى (٤٧١ هـ) تَحقِيق وَليد بِن أحمَد بْن صَالِح الحُسَيْن إيَاد عَبد اللَطيفْ القَيْسيْ مِنْ سُورَة سّبَأ إِلي سُورَة النَّاس المجلَّد الرابَّع

стр. 1413

سُوْرَةُ سَبَإٍ مكية (١)، وهي أربع وخمسون آية في غير عدد أهل الشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الواو في ﴿وَيَرَى﴾ للاستئناف وهو عطف الجملة و ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله، و ﴿الْعِلْمَ﴾ نصب لأنه (٣) مفعول ثانٍ، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ في محل النصب لوقوع الرؤية عليه، وكذلك ﴿الْحَقَّ﴾ لأن الرؤية إذا كانت في معنى العلم أو الظن اقتضت مفعولين. ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ بأجسامكم، والتمزيق بالإجزاء وفسخ التأليف ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالكسر, لأن قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في معنى القول. ﴿أَفْتَرَى﴾ لم يدخل المد لأن الهمزتين (٢) مختلفتان، وفي قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] متفقان (٤). ﴿أَوِّبِي﴾ سبِّحي معه كل النهار إلى الليل (٥) ورجعي بالتسبيح، ﴿وَأَلَنَّا﴾

стр. 1414

الإلانة تصييره سهل المشي سهل الثني سهل الاستعمال، ضد الحزن والصعب والشد (١). و ﴿السَّرْدِ﴾ تنسيق حلقها وتشميرها. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي عين الصفر، فسالت ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، هكذا ذكر الكلبي، وذكر أبو عبيد الهروي أن القطر النحاس، وقوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ حكاية أحوالهم التي كانوا عليها. ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهو شيء أعظم من الصحفة تجتمع عليها جماعة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية. وقال مجاهد: الجابية حوض الإبل (٢)، وقال ابن عرفة: الجابية كالحوض. وعن مسعر بن كدام قال: إنه لما قيل (٣): ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لم يأتِ عليهم ساعة من ليل ولا (٤) نهار إلا ومنهم مصلٍّ يصلي. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ وعن ابن عباس أن سليمان ﵇ (٥) كان لا يصلي صلاة إلا وجد شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول (٦) كذا وكذا، فيقول: لما أنتِ؟ فتقول (٧): لكذا أو كذا، وإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء علم ذلك الدواء. قال: فصلّى ذات يوم فإذا شجرة بين يديه نابتة (٨) فقال: ما اسمك؟ قالت: الخروبة لما

стр. 1415

نبت، قال: لما أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت -يعني بيت المقدس- فقال سليمان: اللهم غيّب الجن موتي حتى يعلم الإنس أنهم كانوا لا يعلمون الغيب. قال: فأخذ عصا فتوكا عليها حولًا ثم أكلتها الأرضة فسقط فعلموا عند ذلك بموته فشكرت الشياطين تلك الأرضة وإنه لما (١) كانت الأرضة جاءها الشياطين فقالوا: قدروا مقدار أكل العصا فكانت (٢) سنة، والأرضة دويبة تأكل الخشب (٣). ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ سخرة سليمان ﵇ وتكليفه بإذن الله. ﴿آيَةٌ﴾ اسم كان، وخبره في الجار والمجرور، و ﴿جَنَّتَانِ﴾ رفع على أنهما بيان الآية ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يدل على كون حجة الله فيهم من رسول الله أو نبي أو صديق أو صالح أو عاقل يذكرهم بالإله ونعمائه. وذكر الكلبي أن الله تعالى (٤) بعث إليهم ثلاثة عشر نبيًا وكانوا في ثلاث عشرة قرية ﴿بَلْدَةٌ﴾ أي هذه ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ الطين ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي ولكم رب غفور إن شكرتموه. ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن الشكر ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ (سيل) (٥) مصدر قائم مقام الاسم و (العرم) المسناة التي هي السد (٦) والسكر.

стр. 1416

قيل: العرم اسم وادي (١)، وقال ابن الأعرابي (٢): العرم والبرّ من أسماء الفأرة، وقيل: العرم المطر الشديد. ذكروا في التاريخ أن الله تعالى لما هيأ أسباب (٣) سيل العرم، وذلك في ملك ذي الأذعار بن حسان أقبلت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر بن (٤) أم أخيه عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة وكان بينه وبين كهلان بن سبأ وكان جالسًا في نادي قومه فوقفت على رأسه ثم قالت: والظلمة والضياء ليقبلن إليكم الماء كالبحر إذا طما فيدع أرضكم يسقى عليها الصبا، قالوا: ومتى يكون؟ قالت: بعد سنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد فيأتيكم السيل العرم (٥) بفيض هميل وخطب جليل وأمر وبيل، فتخرب الديار وتضمحل القرار. قال لها عمران: ويحكِ يا طريفة لقد أفجعتنا بأموالنا فبيِّني مقالك، فقالت: آتيكم أمر عظيم وسيل ركيم ودهر وخيم وخطب جسيم (٦)، فاحرسوا السد (٧) لئلا يمتدّ، وإن كان لا بد من الأمر المعدّ فانطلقوا إلى رأس الوادي فسترون العادي نحو كل حجر صخاد بأنياب له حراد. فانطلق عمران بن عامر في نفر من قومه حتى أتوا رأس الوادي فإذا بجرذ يحفر الجبل بأنيابه ويدفع برجله الحجر الذي يستنقله مائة رجل فيسد

стр. 1417

مسيل الوادي مما يلي البحر ويفتح مما يلي البلاد، فاستشار عمران عظماء بني كهلان فأجمعوا أن يكتموا الأمر عن إخوانهم من أولاد حمير ليبيعوا منهم حدائقهم وضياعهم ثم يرتحلوا عن تلك، ففعلوا (١) ذلك. ثم جاء السيل ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ وهم الذين بقوا في ديارهم. وقيل: الذين نزلوا الحجاز وأرض تهامة وسائر البوادي المتاخمة بهذه الديار و ﴿خَمْطٍ﴾ ثمر الأراك (٢) وكل شجر لا شوك له ويقال له: البربر، وقيل: البربر ثمر الأثل، والأثل شجر يشبه الطرفا يصنع منه النضار، والنضار القدح المتخذ من شجر الأثل، و ﴿سِدْرٍ﴾ شجر يستظل به ويؤكل من ثمره، وذكر الفراء عن بعضهم أنه السمر (٣)، ولا يبعد إلطاف الله لهؤلاء المعاقبين بأن يكونوا رزقوا من هذه الأشجار في أيامهم رزقًا صالحًا يتبلغ به كما رزق بني إسرائيل في التيه من المن, والمواضع التي تنبت فيها هذه الأشجار في أيامنا المفاوز دون السلتين، ذلك إشارة إلى سيل العرم وتبديل الذي هو خير بالذي هو أدنى. ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ الجزاء والمجازاة بمعنى، والجزاء يتعدى إلى مفعولين. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٤١]. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ قال الكلبي أنهم ندموا على صنيعهم ومقاومتهم الرياح فوعدوا الرسل أن يؤمنوا إن كشف الله عنهم الشر، فدعت لهم الرسل فكشف الله عنهم وجعل من أرض سبأ إلى أرض فلسطين قرى متصلة يبيتون بقرية ويقبلون بقرية لا يحل المسافر عقده حتى يرجع إلى أهله، وكان مقدار سيرهم شهرًا في أمن وسلامة يمتارون الميرة إلى أهليهم حتى نكثوا العهد ورجعوا إلى الكفر والطغيان.

стр. 1418

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لسؤالهم معنيان: أحدهما: أنهم سألوا ذلك على سبيل الاستهزاء وقلة المبالاة كقول آخرين ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. والثاني: أنهم تبرّموا بالعافية فحملهم السفاهة (١) على أن يشتهوا البلاء كقول بني إسرائيل: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] الآية. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ له معنيان على سبيل المجاز: أحدهما: أن الله -عَزَّوَجَلَّ- جعل أخبارهم مستفيضة يتحدث الناس على سبيل الاعتبار. والثاني: أن الله تعالى خرب ديارهم ومحا آثارهم وأبقى (٢) أحبارهم فكأنهم صاروا أحاديث، ويعني على الحقيقة وهو تقليب (٣) الجوهر عرضًا. وبقاء العرب من نسل هؤلاء ليس بمخالف الآية لأن الله تعالى إذا أهلك قومًا أنشأ من ذريتهم قومًا آخرين، هذه سنة الله في عباده، ولقد صدق عليهم الظاهر أنهم في شأن آل سبأ، ويحتمل في شأن جميع الناس. ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ له معنيان: أحدهما: التمكين من غرورهم وسوستهم بتمكين. والثاني: الشبهة التي خلقها الله تعالى ليستدل بها الشيطان فيما يوسوس به الناس ويريه أنها البرهان. ﴿زَعَمْتُمْ﴾ من دون الله أنهم آلهة فبيّن الله تعالى أنهم لا يملكون شيئًا وهم مملكون ولا يعينون الله على شيء وهم معانون.

стр. 1419

عن أبي هريرة عنه ﵇ قال: "إذا قضى الله أمر الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا، لقوله: كأنها سلسلة على صفوان ﴿حَتَّى (١) إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: والشياطين فوق (٢) بعضهم فوق بعض، فإذا سمع الأعلى منهم الكلمة رمى بها إلى الذي تحته وربما أدرك الشهاب قبل أن ينبذها وقبل أن يدركه فينبذها بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى الأرض فيلقى على لسان الكاهن أو الساحر فيكذب فيصدق بالكلمة التي يسمع بين السماء" (٣) ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ غاية للحالة الغائبة المتقدمة عليها، والغاية لا تدل على مخالفة حكم ما وراءها ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني خلا الفزع عن قلوبهم، قالوا: يعني ملك الملائكة دون الملأ الأعلى [﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا: جواب الملأ الأعلى الذين (٤)] (٥) يلونهم ﴿الْحَقَّ﴾ يحتمل الإجمال لقطع السؤال (٦) ويحتمل البيان لاستراق الشيطان، ويحتمل أنهم يجهلون الجواب مرة ويفسرونه بإذن الله. ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ على سبيل الإيجاز تقديرها: هانا ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وهذا كقولك لخصمك: الله يعلم أن أحدنا لكاذب. ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ المراد بالسؤال الأخذ والمطالبة. ﴿أَلْحَقْتُمْ بِهِ﴾ أي لله شركاء على زعمكم وأن الملائكة متولدة منه، وأن الانفعال قديم بقدم الفعل، وأن المعدوم شيء لا أول له، وأن المكان قديم بقدم الأنية، وأن الإيجاد واقع بين الله والعباد. ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ الذي عزّ فلا يطاق وعز فلا يناله الإلحاق

стр. 1420

﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي تعالى بحكمته عن تمكين المخاذيل من صفته. ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي إلا جاء معه للناس بالبشارة والإنذار، والهاء في ﴿كَافَّةً﴾ للمبالغة كما في النسابة والعلامة والراوية. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ في أول أمرهم وحسرهم بعد ذلك ﴿الْأَغْلَالَ﴾ جمع غل وهو طريق ذلّ وصغار. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ في (١) ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في ردّ استدلالهم بكثرة الأموال والأولاد على نفي العذاب في المعاد. ﴿بِالَّتِي﴾ إشارة إلى الأشياء إن شاء الله أو إلى الخصلة أو إلى الحسنة ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ إن كان الاستثناء متصلًا فالتقدير فيه الأموال الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأولادهم وذلك لكون أموالهم منفعة في سبيل الله وكون أولادهم متابعة بإيمان، وإن كان الاستثناء منقطعًا لمن آمن وعمل صالحًا شرط (٢). وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ﴾ عن أنس عن النبي ﵇ (٣) قال: "ينادي مناد كل ليلة: لدوا للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، ونادى منادٍ: اللهم هب للمنفق خلفًا، وينادي آخر: اللهم وللمسك تلفًا، وينادي منادٍ: ليت الخلق لم يخلقوا" (٤).

стр. 1421

﴿مِعْشَارَ﴾ عشير، وقيل: عشير العشير، وهذه الآية في معنى قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]. ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ لتلك الخصلة ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي في محمد هل هو مجنون أم ليس بمجنون، وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ كلامًا مبتدأ على هذا التقدير وهو تزكية من الله تعالى لمحمد ﵇، ويحتمل أن التقدير فيه ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي شيء بصاحبكم من جنون، فإن كان التقدير هكذا لم يحسن الوقف على قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطل فيدمغه، الواو في ﴿وَمَا يُبْدِئُ﴾ لعطف الجملة، وهذه الآية في معنى قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قائمًا ﴿أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي إن سلكت طريق الشر ودعوتكم إلى الشر فأنا شريككم فيه ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ﴾ أي إن سلكت طريق الخير ودعوتكم إلى الخير فبوحي الله وإذنه، وإن كان ذلك من جهة الله تعالى لزمكم قبوله. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ تذكير وقت إحساس اليأس، واليأس عن الناس وانقطاع الأنفاس، وذلك حين ينخفض الصوت ويقترب الموت ويتعذر الفوت. عن سمرة قال: قال ﵇ (١): "مثل الذي يفر من الموت كالثعلب فطالبته الأرض بدين يسعى حتى إذا عيَّ وابتهر دخل جحره (٢) فقالت له الأرض عند سبلته: يا ثعلب ديني ديني، فخرج، فلم يزل كذلك حتى انقطع عنقه فمات" (٣). ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أنه الذي قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ كيف لهم منازل الإيمان وطلب الأمان. ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ لبُعد معاينة البأس عن رتبة الاختيار والاختبار.

стр. 1422

﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مثل رجمهم بالغيب، وهو ظنهم بالنبي ﵇ الظنون الفاسدة ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾ لبُعد السفهاء عن إصابة العقلاء. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ في المشركين متصلة بما قبلها يدل عليه فحوى الخطاب، ولكن عموم قوله: ﴿مَا يَشْتَهُونَ﴾ جعل مما يجوز اقتباسه لوصف المؤمنين وذلك لأن كل واحد من الناس يشتهي أن يعيش ويشك في ساعة موته الذي يفنى به، وهذا النوع من الاقتباس كاقتباس علي ﵁ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. وعن أُبي بن كعب عنه ﵇ (١): "مَن قرأ سورة سبأ لم يبقَ رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة مصافحًا" (٢). ...

стр. 1423

سُوْرَةُ فَاطِرٍ سورة الملائكة: مكية (١)، وهي خمس وأربعون آية في غير عدد أهل الشام، والمدني الآخر (٢) والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ في محل النصب على أنه نعت للرسل (٣)، ويحتمل أنه في محل الخفض بدلا من الملائكة، ويجوز إبدال النكرة من المعرفة، وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ عائد إلى الملائكة أو الرسل ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ (٤)﴾ أي في الأجنحة. عن عقيل بن شهاب أن النبي ﵇ سأل جبريل أن يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنك لن تطيق ذلك، قال: "فإني أحب أن تفعل"، فخرج رسول الله (٥) إلى المصلى ليلة مقمرة فأتاه جبريل ﵇ (٦) في صورته فغشي على رسول الله (٥) حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده واضعًا إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول الله (٥): "ما كنت أرى أن

стр. 1424

شيئًا من الخلق هكذا" فقال جبريل ﵇ (١): كيف لو رأيت إسرافيل؟ إنه له اثني عشر جناحًا؛ جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوضع، والوضع عصفور صغير حتى ما يحمل عشرة إلا عظمته (٢). وعن ابن مسعود (٣) قال: إن لله (٤) ملكًا يقال له صندفيل: البحار كلها في نقرة إبهامه (٥). وعنه ﵇ (٦) قال: "أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنيه العرش وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير سبعمائة سنة يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت" (٧). ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ كمن يعرف الخير من الشر، وقد سبق القول في الاقتصار على أحد طرفَي الكلام وقيل تقديره: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ كقولك لأخيك: أحمار عصاك فإن الله لم يجعل له عقلًا فلا يضجر منه يريد بذلك: أحمار عصاك فضجرت منه فلا تضجر منه إن الله لم يجعل له عقلًا (٨) ولكنك اكتفيت لما أيقنت دليلًا على ما ألقيته. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ذهب الكلبي أن العمل الصالح رافع الكلم

стр. 1425

الطيب. وروى الأشج عن الضحاك (١) موافقته للكلبي، وروى صالح بن محمَّد عنه مخالفته، وكلا القولين محتمل لأن عمل اللسان هو رافع الكلم الطيب الذي هو في الصدر، والكلم الطيب على لسانه هو رافع أعماله الصالحة بالأركان، والكلم الطيب (٢) الشهادتان، والصعود إلى الله الارتفاع إلى محل الكرامة والقبول، ويحتمل التقدير: إلى الله يصعد الكلم الطيب والله يرفع العمل الصالح. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ والذين يعملون السيئات. قال سعيد بن جبير: هم الذين يعملون بالرياء (٣) وهكذا عن مجاهد (٤)، وهذا لأن المرائي يظهر محبوب الطاعة ويضمر مكروه النفاق. وعن أُبي بن كعب عنه ﵇ (٥): "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد ما لم يعملوا عمل الآخرة للدنيا، ومن يعمل عمل الآخرة للدنيا لم يقبل منه وليس له في الآخرة من نصيب" (٦) ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أي يحبط العمل. ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ واللحم الطري موجود في البحرين وأطيبه الذي في بحر الملح، واللؤلؤ غير معهود وجوده في العذب لامتناع أن يصل الغوّاص إلى قعره ولسائر الآفات، وأما الصدف فلا يبعد تقلبه في البحرين جميعًا، وأما الياقوت والعنبر وسائر ما يتحلى به من الشك والخرز فغير ممتنع وجوده في كل واحد من البحرين.

стр. 1426

عن أبي هريرة عنه ﵇ (١) قال: "كلم البحران فقيل للبحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عبادًا لي يسبِّحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبِّرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم. قال الله تعالى: إني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواصيك، وقال للبحر الذي باليمن: إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل (٢) فيك عبادًا لي يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهللك وأكثرك معهم وأحملهم في بطني. قال الله تعالى: فإني أفضلك على البحر الآخر بالحلية والطري" (٣) ومعنى الحمل في بطن الماء عمل الغواصين. ﴿قِطْمِيرٍ﴾ حبة في بطن نواة التمر، وقيل: لفافة نواة التمر (٤)، يضرب به المثل في القلة والحبة كالنقير والفتيل. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ معطوف على مضمر تقديره: أحطنا بالغيب والشهادة خبيرًا، ولا ينبئك بالأمر أحد مثل خبير به كالمثل السائر: ما حكّ جلدك مثل ظفرك (٥).

стр. 1427

﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ليس بعطفه على قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ لكونه موقوفًا عليه، ولكن العطف للتنبيه على كمال القدرة والحث على العبرة، يدل عليه قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الشرط الذي هو المشيئة لم يكن ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يكون شأنها سبيل الاختصار دون الاضطرار، ويحتمل أنه إشارة إلى الإذهاب أو الإتيان بخلق جديد أو إلى الإذهاب والإتيان جميعًا نسخ الشيء بالشيء فعل واحد. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هم العلماء وهم الموصوفون بالبصيرة والنور والحياة، المشبهون بالظل وهم المعتبرون بمخالفة الألوان ومجانسة الأعيان، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ على سبيل المبالغة، وإن كان المدعو قريبًا للنفس المثقلة الداعية إلى تحمُّل شيء من أوزارها. ﴿الْحَرُورُ﴾ بالليل كالسموم بالنهار. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ له معنيان: أحدهما: وصف الجهّال المثقلين على وجه الأرض شبهوا بأصحاب القبور، كما شبهوا بالأموات لتأكيد وصفهم بأنهم في سباتهم كالأموات لا يكسبون حسنة ولا يدفعون سيئة. والثاني: أنه في أصحاب القبور حقيقة، وذلك للتنبيه على استحالة مطالبة المشركين رسول الله بأن يأتي بالموتى شهداء يشهدون له فيهم قصي بن كلاب وكان شيخًا صدوقًا على ما سبق. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فيه دليل على أنه عمّ العباد بالإنذار بالمعاد وإن كانوا في الأقطار والأبعاد ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].

стр. 1428

﴿جُدَدٌ﴾ جمع جُدَّة وهي الخطة والطريقة (١) ﴿وَحُمْرٌ﴾ جمع أحمر الذي لونه حمرة وهو لون العقيق بين الشقرة والكمتة، والعرب تسمي الأبيض أحمر ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ جمع غربيب وهو شديد السواد وإنما تأخر ذكر السواد لبيان اللفظ الغريب أو لاعتبار نظم الآي (٢). ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ إنما خصهم بالخشية لاختصاصهم بالهيبة، واختصاصهم بالهيبة لاختصاصهم بتجلي ذي الجلال لهم. والضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ عائد إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ويجوز أنه عائد إلى ﴿عِبَادِنَا﴾. عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ الآية. قال: تحاكّت مناكبهم (٣) وربّ كعب ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (٤). وعن البراء عنه ﵇ (٥): كلهم (٦) ناج وهي لهذه الأمة (٧). وعن ابن مسعود البدري: كلهم في الجنة (٨). وقال عطاء: إني

стр. 1429

لأحسبهم كلهم يدخلون الجنة (١). سئلت عائشة (٢) عن هذه الأمة، قالت: نعم يجتمعون في الجنة، فالسابق بالخيرات على عهد رسول الله (٣)، والمقتصد من اتبع أثره من الصحابة (٤) حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك (٥). وعن جهيم بن زحر قال: قدمت المدينة زائرًا قبر النبي ﵇ (٦) فرأيت أبا الدرداء ﵁ قال: أما إني سأحدثك بحديث سمعته من رسول الله (٧) لم أحدث به أحدًا قبلك ولا أحدث به أحدًا بعدك، قال رسول الله (٧) ﵇ (٦): "تجيء هذه الأمة غدًا على ثلاثة أصناف أو فرق، فصنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسَبون حسابًا يسيرًا، وصنف تصيبهم شدائد وزلازل وأهوال ثم يصيرون إلى الجنة" فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ (٨) الآية. وعن عمرو (٩) بن دينار عن ابن عباس في هذه الآية قال: الظالم لنفسه الكافر. وروى مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية قال: الظالم لنفسه أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب (١٠) اليمين، السابق الناس كلهم من سبق منهم هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي (١١).

стр. 1430

وإلى هذا ذهب الحسن البصري ومجاهد والكلبي (يدخلون) الضمير عائد إلى الظالم والمقتصد والسابق أو عائد إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾. ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ بقعة الإقامة، كما أن المقسمة بقعة القسمة ﴿لُغُوبٌ﴾ نصب جمعًا للتأكيد. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صريح لفظة الكفر دليل على نجاة الظالم ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يستغيثون افتعال من الصراخ والقول مضمر عند قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] قال: ما بين الثلاث والثلاثين إلى الأربعين، وسألته عن العمر الذي عبر به ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: ستون سنة (١)، وسألته عن قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: الشيب (٢). عن أبي هريرة عنه ﵇ (٣) قال (٤): "من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه" (٥) ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال الكلبي: المراد بـ ﴿إِحْدَى﴾ ها هنا اليهود والنصارى لما سمع مشركو قريش بقتل اليهود أنبياءهم وباختلاف النصارى في المسيح فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، والله لئن أتانا رسول لكنا أهدى منهم، وإنما كانت اليهود والنصارى إحدى الأمم لأنهم جميعًا أولاد إسحاق ﵇ أو خصت قريش إحدى القبيلتين، إما اليهود وإما النصارى. و ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ إضافته كإضافة الحق إلى اليقين. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ المراد بالمؤاخذة المعاجلة بالعقوبة، والوجه في إهلاك كل ﴿دَابَّةٍ﴾ على ظهر الأرض عند مؤاخذة الناس بما كسبوا إنما هو كون دواب الأرض كلها لمنافع بني آدم واعتبارهم بها لا لمعنى

стр. 1431

مفرد أوجب إهلاكهم إهلاكها، وفي الآية دلالة أن غضب الله غير مضاد رحمته فإنه يريد الخير والشر على قضية حكمه لا على قضية رقة محرقة أو حدة معلقة. عن أُبي بن كعب عنه ﵇ (١): "مَن قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب يدخل من أيها شاء" (٢). قال ابن جريج: للجنة ثمانية أبواب، فباب للمرسلين والنبيين، وباب للصدِّيقين، وباب للشهداء، وباب للصالحين، وباب للصائمين، وباب للصابرين، وباب للمتصدقين، وباب لسائر المؤمنين. ... (١) (السلام) ليست في "ي". (٢) مرّ أن هذ حديث موضوع لا يثبت بحال.

стр. 1432

سُورةُ يس مكية (١)، وقيل: آية واحدة نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾: [يس: ٤٧]، وهي اثنان وثمانون آية في غير عدد أهل الكوفة (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١)﴾ قال: يا إنسان (٣)، إلا أن حرف النداء لا يمال واسم المنادى لا يكون ساكنًا بل يكون مرفوعًا أو مبنيًا على الضم، ولو قيل: يا من أي والسين من الإنسان وهما حرفان مشيران إلى اسمين، والتقدير: أيها الإنسان لكان أقرب. وعن مجاهد: اجتمعت قريش رؤساؤهم وهم: أمية بن خلف، والوليد ابن المغيرة، والعاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام في رجال من قريش فبعثوا عتبة بن ربيعة فقالوا: لو رأيت هذا الرجل فقل له إن قومك يقولون إنك جئت بأمر عظيم لم يكن عليه آباؤنا ولا يتبعنك عليه أحد منا، وإنك إنما صنعت هذا لأنك ذو حاجة فإن كنت تريد المال فإن قومك سيجمعون لك يعطونك فدع ما ترى وعليك ما كانت عليك آباؤك، فانطلق إليه عتبة فقال له الذي أمروه، فدخل عليه

стр. 1433

بيته، فلما فرغ من قوله وسكت، قال رسول الله ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١، ٢] " فقرأ عليه من أولها حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣] إلى آخر الآية. فرجع عتبة وأخبرهم الخبر وقال: لقد كلمني بكلام ما هو بشعر وإني لشاعر أعرف الشعر، ولا هو بسحر وإنه لكلام عجيب ما هو بكلام الناس فوقعوا به وقالوا: نذهب إليه بأجمعنا، فلما أرادوا ذلك طلع عليهم رسول الله (١) فعمد لهم حتى قام على رؤوسهم وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (ضض٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ " حتى بلغ إلى قوله: ﴿جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ فصرف الله بأيديهم إلى أعناقهم فجعل ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فلما انصرف عنهم رأوا الذي صنع بهم فتعجبوا وقالوا: ما رأينا أحدًا قط أسحر منه، انظروا ما صنع بنا (٢). وفي قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ صريح، كما في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]. ﴿تَنْزِيلَ﴾ رفع باللام التي في التنزيل وبتقدير مبتدأ والنصب على القطع أو على التحريض (٣) أي مثل ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]. ﴿مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رأسهم، والقموح والقماح رفع الإبل رأسها من الماء امتناعًا عن الشرب، والإقماح فعل عن القامح به وذلك في ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ.

стр. 1434

عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت الآية، فقال ﵇ (١): "إن آثاركم تُكتب فلا تنتقلوا" (٢) قال: نزول الآية متقدم على هذه الحادثة، والحديث محمول إما على نزول الآية مرتين وإما لم يكن سمع أبو سعيد الخدري هذه الآية فيما قبل فظن أنها نزلت يومئذ. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ اُقصص لهم القصة، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ أهل أنطاكية (٣). ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ على عهد عيسى ﵇ (١) وهما تومان وبولس (٤) وهما من الحواريين، فجعلا يدعوانه إلى توحيد الله حتى اطلع الملك على أمرهما فحبسهما، فجاء شمعون الصفا وهو من عظماء الحواريين في أثرهما مسجونين فجعل نفسه كواحد من أهل أنطاكية، وجاء بطعام ليطعم أهل السجن فأطعم كل واحد من أهل السجن شيئًا شيئًا، فلما انتهى إلى صاحبيه قال: إني أسعى في تقويتكما وإخراجكما، ثم خرج من السجن ودخل بيت الأصنام فاعتكف فيه أيامًا يصلي لله -عَزَّوَجَلَّ- ويتضرّع إليه وأهل أنطاكية يرونه متقربًا إلى أصنامهم فسكنوا إليه ووثقوا به ورفعوا خبره إلى الملك فدعاه الملك واستخلصه، ثم إنه قال للملك: إني سمعت أنك سجنت رجلين مخالفين لك في دينك فأخرجهما لأخاصمهما. وأخرجهما (٥) الملك فقال لهما شمعون: وأنا أفعل ذلك، قالا: نحن نحيي ونميت الموتى، قال شمعون: عندنا ميت قد مات منذ سبعة أيام

стр. 1435

فأحيياه، فدعوا الله جهرًا ودعا شمعون سرًا فأحيا ذلك الميت فقال شمعون: أشهد أنهما صادقان وأن إلاههما حق، فآمن عند ذلك حبيب النجار ودعا الناس إلى الإيمان بهم فوطئوه بأرجلهم حتى قتلوه فأدخله الله الجنة. ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ واختلفت الروايات قيل: آمن الملك وطائفة من الناس معه فصاح جبريل ﵇ (١) بالباقين، وقيل: لم يؤمن الملك ولا أحد سوى حبيب النجار ولكن رحموا الأنبياء فصاح جبريل بهم أجمعين. وروي أن الرجل الذي آمن بهؤلاء الرسل ﵇ لم يكن نجّارًا ولكنه راعٍ من رعاتهم وهو أب الميت الذي أحيوه بإذن الله وهو الذي قتلوه فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَا حَسْرَةً﴾ لبيان موضع التحسُّر كأنه قيل: يا متحسرًا، أي هل من متحسر فيكم. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ في الاستدلال بانتفاء الرجعة العامة المطلقة على ثبوت المعاد لأن الأرواح لا تدبر بالإجماع، فلا بد له من محل ما، والمحل محلان، فإذا انتفى أحدهما ثبت الثاني بخلاف رجعة قوم معذورين لأنها كانت مخصوصة مقيّدة، وقد مات أصحاب تلك الرجعة بعد رجعتهم فلم يرجعوا. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر ما ذكرنا ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ للحجر (٢) على الحقيقة أي لم يوجدوه بأيديهم. وعن ابن عباس أن (ما) بمعنى الذي، والمراد تلقح النخل وهو على سبيل كسب الفعل. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأجناس. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قيل: لا مستقر لها كل ليلة ولكن

стр. 1436

مستقرها في آخر الزمان، تغرب الشمس فتمكث ما شاء الله غير طالعة، ثم تطلع من نحو المغرب يومًا واحدًا ثم تعود لهيئتها إلى انتهاء أيام الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وقرأه ابن مسعود: ﴿والشمس تجري لا مستقر لها﴾ (١) وقيل إنها تستقر كل ليلة ساجدة تحت العرش، ساجدة حتى يؤذن لها إلى الرجوع إلى الدنيا لقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. وعن أبي ذر قال: سألت رسول الله (٢) عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: "مستقرها تحت العرش". وعن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله (٢) في المسجد حين وجبت الشمس فقال: "يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تذهب حتى تسجد بين يدَي ربها فتستأذن بالرجوع فيؤذن لها، وكان قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها" ثم قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (٣). وعن ربيعة الحرشي قال: عشر آيات بين يدَي الساعة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بحجاز العرب، والرابعة الدجال، والخامسة نزول عيسى ابن مريم، والسادسة الدابة، والسابعة الدخان، والثامنة يأجوج ومأجوج، والتاسعة ريح باردة لا يبقى نفس مؤمنة إلا قبضت في تلك الريح، والعاشرة طلوع الشمس من مغربها (٤). ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ وهي النجوم، هي أجزاء البروج وهي ثمانية

стр. 1437

وعشرون منزلًا فيما يشاهد ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾ قال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى الثابت في النخلة من العذق (١). ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فيه ما يبطل قول المنجمة في الكسوف والاحتراق إلا أنهم لا يسمون ليالي الهلال والمحاق قمرًا. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ لقريش وأمثالهم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مثل الفلك المشحون. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتدرون ما ﴿الْمَشْحُونِ﴾؟ قلنا: لا، قال: الموقر، قال: جعلت سفينة نوح ﵇ (٣) على مثالها (٤). وعن السدي عن أبي مالك ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: سفينة نوح حمل فيها من كل زوجين اثنين، وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. قال: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال: السفن التي في البحر والأنهار التي يركبُ الناس فيها (٥). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ نصب لأنه مفعول له (٦)، وتقديره: إلا أن نرحمهم رحمة منا. ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ جوابه مضمر والتقدير منه: أعرضوا.

стр. 1438

عن أبي هريرة قال: تقوم الساعة والرجل يذرع الثوب والرجل يحلب الناقة ويتبايعون في السوق، ثم قرأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (١). عن أبي هريرة قال: أخبرنا رسول الله (٢) ونحن في طائفة من أصحابه فقال: "إن الله (٣) ﵎ لما فرغ من خلق السموات والاْرض خلق الصُّور وأعطاه إسرافيل واضع على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر" فقال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: "قرن" قلت: وكيف هو؟ قال: "عظيم، والذي نفسي بيده إن أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين"، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماء والأرض إلا مَن شاء الله، ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها، يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] فيسيّر الله الجبال فتمر مرّ السحاب ثم تكون سرابًا (٤) ثم ترتج الأرض بأهلها رجًا وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة تضرب وجوهها، فيرجع الناس مدبرين [ينادي بعضهم، وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾] (٥) ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣,٣٢]. فبينا هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا

стр. 1439

عظيمًا فيأخذهم من ذلك الكرب ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانخسفت شمسها وقمرها واندثرت نجومها ثم كشطت السماء عنهم. ثم قال رسول الله (١): "فالموتى لا يعلمون بشيء من ذلك وإنما يصل الفزع إلى (٢) الأحياء". قال: قلت: يا رسول الله فمَن استثناه الله حيث يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: "أولئك الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم (٣) الله شر ذلك اليوم ويؤمنهم منه، وهو عذاب يلقيه الله شرار خلقه، وهو الذي يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج:١, ٢] فيمكثون في ذلك ما شاء الله له أن يطول. ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعقة فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود، فيجيء ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: قد مات أهل السماء وأهل الأرض، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وإنما قال: وليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل فيتكلم العرش فيقول: أي رب أتموت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟ فيقول له: اُسكت فإني كتبت على من تحت عرشي الموت، فيموتون. ويأتي ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: أي رب مات جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: أي رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وحملة عرشك وبقيت أنا، فيقول: وليمت حملة عرشي، فيموتون.

стр. 1440

ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: أي رب قد مات حملة عرشك، فيقول وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: قد (١) بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما قد رأيت فمن ثم لا تحيى، فيموت. فإذا لم يبقَ أحد إلا الله -عزّوجلّ- ليس بوالد ولا ولد كان آخرًا كما كان أولًا، يقول: لا موث على أهل الجنة ولا موت على أهل النار، فيطوي السماء ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم دحاهما ثم يتلقفهما ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار، ثم يهتف بصوته: لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم؟ ثم يقول: لله الواحد القهار، ثم ينادي: ألا من كان شريكًا فليأتِ، ألا من كان شريكًا فلياتِ، ألا من كان شريكًا فليأتِ، فلا يأتي أحد. ثم تبدَّل السماء والأرض غير الأرض ويبسطها ويبطحها ويمدها مدّ الأديم العكاظي ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى في بطنها وعلى ظهرها، ومن كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها. ثم ينزل الله عليهم من تحت العرش ما يقال له الحيوان فتمطر السماء عليكم أربعين سنة حتى يكون الماء فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات الطراثين وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله جل ثناؤه: ليحيَ حملة عرشي، فيحيون، ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيحيون، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها (٢) فتوهج أرواح المسلمين نورًا والأخرى مظلمة فيأخذها فيلقيها في الصور.
следующие страницы →