← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

مستقرها في آخر الزمان، تغرب الشمس فتمكث ما شاء الله غير طالعة، ثم تطلع من نحو المغرب يومًا واحدًا ثم تعود لهيئتها إلى انتهاء أيام الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وقرأه ابن مسعود: ﴿والشمس تجري لا مستقر لها﴾ (١) وقيل إنها تستقر كل ليلة ساجدة تحت العرش، ساجدة حتى يؤذن لها إلى الرجوع إلى الدنيا لقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. وعن أبي ذر قال: سألت رسول الله (٢) عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: "مستقرها تحت العرش". وعن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله (٢) في المسجد حين وجبت الشمس فقال: "يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تذهب حتى تسجد بين يدَي ربها فتستأذن بالرجوع فيؤذن لها، وكان قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها" ثم قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (٣). وعن ربيعة الحرشي قال: عشر آيات بين يدَي الساعة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بحجاز العرب، والرابعة الدجال، والخامسة نزول عيسى ابن مريم، والسادسة الدابة، والسابعة الدخان، والثامنة يأجوج ومأجوج، والتاسعة ريح باردة لا يبقى نفس مؤمنة إلا قبضت في تلك الريح، والعاشرة طلوع الشمس من مغربها (٤). ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ وهي النجوم، هي أجزاء البروج وهي ثمانية

стр. 1437

وعشرون منزلًا فيما يشاهد ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾ قال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى الثابت في النخلة من العذق (١). ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فيه ما يبطل قول المنجمة في الكسوف والاحتراق إلا أنهم لا يسمون ليالي الهلال والمحاق قمرًا. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ لقريش وأمثالهم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مثل الفلك المشحون. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتدرون ما ﴿الْمَشْحُونِ﴾؟ قلنا: لا، قال: الموقر، قال: جعلت سفينة نوح ﵇ (٣) على مثالها (٤). وعن السدي عن أبي مالك ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: سفينة نوح حمل فيها من كل زوجين اثنين، وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. قال: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال: السفن التي في البحر والأنهار التي يركبُ الناس فيها (٥). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ نصب لأنه مفعول له (٦)، وتقديره: إلا أن نرحمهم رحمة منا. ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ جوابه مضمر والتقدير منه: أعرضوا.

стр. 1438

عن أبي هريرة قال: تقوم الساعة والرجل يذرع الثوب والرجل يحلب الناقة ويتبايعون في السوق، ثم قرأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (١). عن أبي هريرة قال: أخبرنا رسول الله (٢) ونحن في طائفة من أصحابه فقال: "إن الله (٣) ﵎ لما فرغ من خلق السموات والاْرض خلق الصُّور وأعطاه إسرافيل واضع على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر" فقال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: "قرن" قلت: وكيف هو؟ قال: "عظيم، والذي نفسي بيده إن أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين"، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماء والأرض إلا مَن شاء الله، ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها، يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] فيسيّر الله الجبال فتمر مرّ السحاب ثم تكون سرابًا (٤) ثم ترتج الأرض بأهلها رجًا وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة تضرب وجوهها، فيرجع الناس مدبرين [ينادي بعضهم، وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾] (٥) ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣,٣٢]. فبينا هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا

стр. 1439

عظيمًا فيأخذهم من ذلك الكرب ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانخسفت شمسها وقمرها واندثرت نجومها ثم كشطت السماء عنهم. ثم قال رسول الله (١): "فالموتى لا يعلمون بشيء من ذلك وإنما يصل الفزع إلى (٢) الأحياء". قال: قلت: يا رسول الله فمَن استثناه الله حيث يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: "أولئك الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم (٣) الله شر ذلك اليوم ويؤمنهم منه، وهو عذاب يلقيه الله شرار خلقه، وهو الذي يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج:١, ٢] فيمكثون في ذلك ما شاء الله له أن يطول. ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعقة فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود، فيجيء ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: قد مات أهل السماء وأهل الأرض، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وإنما قال: وليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل فيتكلم العرش فيقول: أي رب أتموت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟ فيقول له: اُسكت فإني كتبت على من تحت عرشي الموت، فيموتون. ويأتي ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: أي رب مات جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: أي رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وحملة عرشك وبقيت أنا، فيقول: وليمت حملة عرشي، فيموتون.

стр. 1440

ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: أي رب قد مات حملة عرشك، فيقول وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: قد (١) بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما قد رأيت فمن ثم لا تحيى، فيموت. فإذا لم يبقَ أحد إلا الله -عزّوجلّ- ليس بوالد ولا ولد كان آخرًا كما كان أولًا، يقول: لا موث على أهل الجنة ولا موت على أهل النار، فيطوي السماء ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم دحاهما ثم يتلقفهما ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار، ثم يهتف بصوته: لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم؟ ثم يقول: لله الواحد القهار، ثم ينادي: ألا من كان شريكًا فليأتِ، ألا من كان شريكًا فلياتِ، ألا من كان شريكًا فليأتِ، فلا يأتي أحد. ثم تبدَّل السماء والأرض غير الأرض ويبسطها ويبطحها ويمدها مدّ الأديم العكاظي ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى في بطنها وعلى ظهرها، ومن كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها. ثم ينزل الله عليهم من تحت العرش ما يقال له الحيوان فتمطر السماء عليكم أربعين سنة حتى يكون الماء فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات الطراثين وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله جل ثناؤه: ليحيَ حملة عرشي، فيحيون، ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيحيون، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها (٢) فتوهج أرواح المسلمين نورًا والأخرى مظلمة فيأخذها فيلقيها في الصور.

стр. 1441

ثم يقول لإسرافيل: انفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فيخرجون منها شبابًا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، واللسان يومئذ بالسريانية، سراعًا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨] ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. فيوقفون في موقف حفاة عراة غلفًا غرلًا مقدار سبعين سنة لا ينظر الله إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم تدمع دماء، ويعرقون حتى يبلغ منهم الأذقان أو يلجمهم، فيضجون فيقولون: مَن يشفع لنا إلى ربنا ليقضي بيننا؟ فيقولون: مَن أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلًا. فيؤتى آدم يطلب ذلك إليه فيأبى، ثم يستنفرون الأنبياء نبيًا نبيًا، كلما جاؤوا نبيًا أبى". فقال رسول الله (١): "حتى يأتوني فإذا جاؤوني انطلقت حتى آتي الفحص فاخرّ قدام العرش لربي ساجدًا حتى يبعث الله إلى ملكًا فليأخذ (٢) بعضدي فيرفعني"، فقال أبو هريرة (٣): فقلت: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: "قدّام العرش، فإذا رفعني الملك قال: ما شأنك يا محمَّد وهو أعلم، فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فاقضِ بينهم، فيقول الله : قد شفعتك، أنا آتيكم وأقضي بينكم". قال رسول الله (١): "فأرجع وأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسًّا شديدًا من السماء فهالنا، ونزل أهل السماء الدنيا بمثلي من فيها

стр. 1442

من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض وأخذوا مصافهم قلنا: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار ﷻ في ظلل من الغمام يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم، لهم زجل بالتسبيح وتسبيحهم: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق، سبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة سبحانه أبد الآبدين. ثم يضع عرشه حيث شاء من الأرض ثم يقول: وعزتي وجلالي لا يؤتى اليوم أحد بظلم، ثم ينادي نداء يسمع الخلاتق: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أبصر أعمالكم وأسمع أقوالكم فأنصتوا إلى، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه. ثم يأمر الله جهنم فيخرج (١) منها عنق ساطع، ثم يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ثم يقضي الله بين خلقه كلهم إلا الثقلين: الجن والإنس، ويقيد بعضهم حتى إنه ليقيد الجلحاء من القرناء، حتى إذا لم يبقَ تبعة لواحد عند آخر قال الله: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. ثم يقضي الله بين الثقلين فيكون أول من يقضي فيه الله الدماء، فيؤتى بالذي كان يقاتل في سبيل الله بأمر الله وكتابه ويأتيه من قتل كلهم يحمل رأسه يسحب أوداجه دمًا يقولون: ربنا قتلنا هذا، فيقول الله وهو أعلم:

стр. 1443

لمَ قتلتهم؟ فيقول: أي رب قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله: صدقت، فيجعل الله لوجهه مثل نور الشمس ثم تشيِّعه الملائكة إلى الجنة. ويؤتى بالذي كان يقاتل في الدنيا على غير طاعة الله وعلى غير أمر الله تعزّزًا في الدنيا، ويأتي من قتل كلهم يحمل رأسه يسحب أوداجه دمًا فيقولون: ربنا قتلنا هذا، فيقول وهو أعلم: لمَ قتلتهم؟ فيقول: أي رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول الله: تعست، ويسود وجهه وتزرق عيناه، ثم لاتبقى نفس قتلها إلاقتل بها. ثم يقضي الله بين خلقه حتى إنه ليكلف الشائب اللبن بالماء يخلص الماء من اللبن، حتى إذا لم يبقَ لأحد عند أحد تبعة نادى منادٍ فاسمع الخلاتق كلهم: ليلحق كل قوبم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئًا إلا مثلت لهم آلهتهم بين أيديهم، ويجعل ملك يومئذ من الملائكة على صورة عيسى فتتبعه النصارى ثم تقودهم آلهتهم إلى النار، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ (١) آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩]. حتى إذا لم يبقَ إلا المؤمنون وفيهم المنافقون جاءهم الله سبحانه فيما شاء من هيبة فيقول: أيها الناس الحقوا بآلهتكم، فيقولون: ما لنا من إله إلا الله وما كنا نعبد غيره، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم فيخرُّون له سجَّدًا فيسجدون ما شاء الله، وبجعل أصلاب المنافقين كصياصي البقر فيخرُّون على أقفيتهم، ثم يأذن الله فيرفعون رؤوسهم. ثم يضرب بالصراط في كتفَي جهنم كحد الشعر وكحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة، فيمرون كخطوف العين وكلمح البرق وكمرّ الريح وكأجاويد الخيل وكأجاويد الركاب وكأجاويد الرجال، مسلَّم وناجٍ مخدوش مكردس في جهنم، فيقع خلق من خلق الله أوقعتهم أعمالهم تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه

стр. 1444

إلى أنصات ساقَيْه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم مَن تأخذ كل جسده إلا صورهم يحرمها الله تعالى على النار. فإذا مضى أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قالوا: مَن يشفع لنا إلى ربنا ليُدخلنا الجنة؟ فيقولون: مَن أحق بذلك من أبيكم؟ خلقه بيده ونفغ فيه من روحه وكلّمه قبلًا، فيؤتى آدم فيطلب فيذكر ذنبًا فعله فيقول: عليكم شرح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب إليه فيذكر ذنبًا فعله (١) فيقول: عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب فيقول: عليكم بموسى فإن الله تعالى قرّبه نجيًا وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب إليه فيقول: عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى فيطلب إليه فيقول: سأدلُّكم على صاحب ذلك، ويقول: عليكم بمحمد صلّى الله عليه وعلى جميع (٢) الأنبياء". قال رسول الله (٣): "فيأتوني ولي عند الله ثلاث شفاعات وُعِدْتُهُن" ثم ذكر باقي الحديث وفيه طول (٤). وعن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال (٥). ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جدث وهو القبر. ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يجوز أن يكون تمام الكلام فيحسن الوقف عليه، ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد على سبيل التأكيد. وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ قال: في افتضاض الأبكار (٦).

стр. 1445

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع" فقال رجل من أهل الكتاب: إن الذي يأكل ويشرب يكون له حاجة، فقال رسول الله ﷺ (١): "يفيض من جسد أحدهم عرق مثل المسك فيضمر لذلك بطنه" (٢). وعن أبي أمامة قال: سئل رسول (٣) الله (٤): أينكح أهل الجنة في الجنة؟ قال: "نعم دحمًا دحمًا ولا مني ولا منية" (٥). وعن أبي هريرة: هل يقرب أهل الجنة نساءهم؟ قال: "نعم بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع" (٦). وعن أبي سعيد الخدري قلنا: يا رسول الله إن الولد من قرّة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل الجنة؟ فقال: "والذي نفسي بيده إن العبد أو الرجل ليشتهي أو ليتمنى فيكون حمله ووضعه وسنه الذي بنتهي إليها في ساعة واحدة" (٧). وقال ابن عباس: إن اشتهوا ولد لهم (٨). والفكاهة (٩) غاية السرور والبشاشة. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قال الفراء وغيره: المراد بالسلام المسلم (١٠)، أي دعواهم مسلمة لا منازعة فيها، وقوله: ﴿قَوْلًا﴾ أي

стр. 1446

وعدناهم هذه الأشياء وعدًا، وقيل (١): التقدير: ولهم ما يدعونه (٢) قولًا مسلمًا ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ هذه الآية في تهديد قريش أن يصيبهم الله ببلاء في الدنيا. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾ كأنهم استنكروا (٣) الطمس والمسح فذكرهم الله بنكس الشاب العاقل المستوي إذا صار شيخًا ضعيفًا هرمًا على سبيل الاستدلال. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الركوب ما يركب كالقعود ما يقعد عليه والظهور ما يظهر به. ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مأخوذون مأسورون غير ممتنعين ولا منتصرين. ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ غير مفسر هاهنا ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ من جهة الله. عن الكلبي عن مجاهد قال: أتى أُبي بن خلف الجمحي إلى رسول الله (٤) بعظم بالٍ ففتّه بيده ثم قال: يا محمَّد أتعدنا إذا متنا وكنا مثل هذا بُعثنا؟ فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية (٥). عن أُبي بن كعب عنه ﵇ قال: "إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس، ومَن قرأ يَس يريد الله به غفر له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن ثنتي عشرة مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت كان له بعدد كل حرف في سورة يَس عشرة مرة أملاك يقومون بين بديه صفوفًا يصلُّون

стр. 1447

عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت أو من قرئت عليه لم يقبض ملك الموت روحه إلا وهو ريان فيمكث في قبره وهو ريان ويبعث يوم القيامة وهو ريان، [ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان] (١) ". وعن علي عنه ﵇: "مَن كتب يس ثم شربها دخل جوفه ألف نور وألف رحمة وألف بركة وألف دواء وأخرج منه ألف داء" (٢). ...

стр. 1448

سُورَةُ الصَّافَّاتِ مكية (١)، وهي مائة واثنتان وثمانون آية في غير عدد أهل البصرة (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ للعرب طريقة في القسَم بالأشياء الكريمة عندهم العزيزة عليهم من غير ضرورة يريدون بذلك تأكيد أخبارهم وأن يبلغ كلامهم من المخاطبين كل مبلغ، فأقسم الله لتأكيد الأمر وتفخيمه بأنفس صافات وأنفس زاجرات وأنفس تاليات من خلقه، فذهب أكثر المفسرين إلى أنها الملائكة (٣)، فإن كان كذلك فالتاء للمبالغة كما في علامة ونسّابة. والصافات من الملائكة هم الذين في صفوف الصلاة. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ هم الذين يزجرون السحاب بإذن الله (٤)، والزجر كالنهي والرد، والازدجار: افتعال منه.

стр. 1449

﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ هم الذين يتلون رسالات الله على أنبيائه ﵈ (١). ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ مشارق النجوم أو مشارق الشمس (٢) على جدتها؛ فإنها تطلع كل يوم من مشرق آخر. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ قال الفراء (٣): معنى (لا) كقوله: ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ (٤)﴾ [الحجر: ١٣،١٢] ولو كان في موضع (لا) (أن) صلح ذلك كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] يريد الفراء كون الفعل المتأخر المنفي معلولًا بالفعل المتقدم المثبت مرتفعًا فحذف الناصبة معنى، قال الحجاج في ابن عباس: إن كان لمعقنا يريد ثاقب العلم، والفضل ما شهدت به الأعداء. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ تقرير ضعفهم وتقريب إعادتهم من اتهامهم على ما يتصور في أوهامهم كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النازعات: ٢٧]. وعن النعمان بن بشير ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أمثالهم (٥). ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أمر بالسوق. ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أمر بالوقف بعد الأمر بالسوق إنما هو إن شاء الله لتكرار الأمر بالسوق وتضعيف الخوف والهول عليهم.

стр. 1450

﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ اقتصار على أحد طرفَي الكلام ومعناه عن اليمين أو الشمال، وقيل: المراد باليمين جهة الدين والحق أي كنتم تأتوننا من قبل الحق فتلبسونه علينا، والعرب تنسب الحق والخير إلى اليمين. ﴿لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ باختياركم. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ دعوناكم (١) إلى الغواية من غير إكراه. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ خطاب متوجه إلى كفار قريش. ﴿بِكَأْسٍ﴾ بقدح ممتلىء بالشراب. ﴿بَيْضَاءَ﴾ صفة الكأس ﴿لَذَّةٍ﴾ أي ذات لذة. ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ غليلة. قال أبو الهيثم: يقال: غالت الخمر بفلان إذا ذهبت بعقله أو صحة بدنه. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ غاضّات البصر ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء وهي الواسعة العين (٢) ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ جمع بيضة وهي التي فيها فرخ الطائر، و (المكنون) الذي في رحم الأنثى بعد، وإنما شبه بالبيض إن شاء الله لبياض لونه وملاسته وكونه غير مثقوب (٣)، وطيب مذاقه وقربه من طباع الحيوان، وبالمكنون لرقة قشره ولينه ولطافته. وقال الكلبي: المراد بالمكنون المصون عن الحر والبرد لئلا يفسد ولا يتغير. وعن ابن مسعود أن المرأة من نساء أهل الجنة من الحور العين لتكون عليها سبعون حلة وإنه ليُرى مخ ساقها من فوق عظمها ولحمها وثيابها كما يبدو الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء. ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ مثل يهوذا أو قرينة مثل قطروس على ما بيّنّا في سورة "الكهف".

стр. 1451

﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أمر في غاية الرفق. ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ سؤال منه لأصحابه الذين معه للجنة أو للملائكة على سبيل التقدير يريد به تقريع قرينه الكافر. ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ تأكيد للكلام (١) من حيث قطع توهم السامع أن يكون (٢) الكلام عامًّا في اللفظ خاصًّا في المعنى مطلقًا على نيّة الاستثناء كقولك لغريمك: ما لي عليك حق إلا الذي أخذته منك، وقريب منه قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. ﴿الزَّقُّومِ﴾ حمل شجرة عقباوية ليست في الدنيا كما أن طوبى شجرة (٣) جنوية. ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ من وجهين، أحدهما: كون عينها عذابًا لأهل النار، والثاني: كون اسمها سببًا لضلالة الكفار لأنه موافق لاسم الزبد مع التمر على لغة حمير أو الحبشة. ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ لرؤية المخاطبين الغيلان والتعالي في أسفارهم في الفلوات أو لقبح تصور الشياطين في الأوهام، وقيل: أراد بالشياطين الحيّات فإن العرب تسمِّي الحيّة شيطانًا. قال الراجز: عنجردٌ سليطة وثابة ... كمثلِ شيطانِ الحماط أعرفُ (٤)

стр. 1452

﴿لَشَوْبًا﴾ مزجًا وخلطًا. ﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ كأنهم يخرجون عند أكل الزقوم من الجحيم في سواء أي ضحضاح في الجحيم أو النار ثم يرجعون بهم إلى سواء الجحيم، ويحتمل أن الضمير في قوله: ﴿مَرْجِعَهُمْ﴾ عائد إلى الأحياء من كفار قريش وأمثالهم دون الأموات الذين دخلوا النار. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ من قولهم: ﴿سَلَامٌ﴾ أو تركنا عليه الصيت والذكر في الآخرين، أو تركنا عليه البركة في أعقابه ليكون قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ ابتداء كلام من جهة الله تعالى. الظاهر من كتاب الله أن الغلام الحليم هو إسماعيل ﵇ (١)، وأن البشارة بإسحاق وهو الغلام العلم غير البشارة الأولى، وإذا كان كذلك فقضية الظاهر أن الذي بلغ معه السعي وكان من أمره ما كان هو إسماعيل ﵇، وكذلك قوله ﵇ (٢): "أنا ابن الذبيحين" (٣). وعن عطاء بن يسار قال: سالت خوّات بن جبير (٤) عن ذبيح الله أيهما كان؟ فقال: إسماعيل (٥). ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ رأى إبراهيم في منزله بالشام أن يذبح إسماعيل بمكة فركب إبراهيم إليه على البراق حتى جاءه فوجده عند أمه فأخذ بيده ومضى به لما أمر به، وجاء الشيطان في صورة رجل يعرفه

стр. 1453

فقال: يا إبراهيم أين تريد؟ قال إبراهيم ﵇ (١): في حاجتي، قال: تريد أن تذبح إسماعيل، قال إبراهيم ﵇ (٢): وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم أنت، قال إبراهيم ﵇ (١): ولمَ؟ قال: تزعم أن الله أمرك بذلك، قال إبراهيم ﵇ (١): فإن كان الله أمرني بذلك فقد أطعتُ الله وأحسنت، فانصرف عنه. وجاء إبليس إلى هاجر فقال: أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به في حاجته، قال: فإنه يريد أن يذبحه، قالت: وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم هو، قالت: ولمَ؟ قال: يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: فقد أحسن حين أطاع ربه. ثم أدرك إسماعيل ﵇ (١) قال: يا إسماعيل أين يذهب بك أبوك؟ قال: لحاجته، قال: فإنه يذهب بك ليذبحك، قال: وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم هو، قال: ولمَ؟ قال: يزعم أن الله أمره بذلك، قال: فقد أحسن حين أطاع ربه. قال: فخرج به حتى انتهى إلى مني إلى حيث أُمر، ثم انتهى إلى منحر البدن اليوم فقال: يا بني إن الله قد أمرني أن أذبحك، قال إسماعيل ﵇ (١): فأطع ربك فإن في طاعة ربك كل خير، ثم قال إسماعيل ﵇ (١): هل أعلمتَ أمي بذلك؟ قال: لا، قال: أصبت، إني أخاف أن تحزن ولكن إذا قرّبت السكين فأعرض عني فإنه أحرى أن تصبر ولا تراني، ففعل إبراهيم ﵇ (١) فذهب يحز في حلقه فإذا هو يحز في نحاس ما يحبك الشفرة، فشحذها مرتين أو ثلاثًا بالحجر، كل ذلك لا يستطيع أن يحبك، قال إبراهيم ﵇: اللهم (٣) هذا الأمر لله، فرفع رأسه فإذا هو بوغل واقف بين يديه، فقال إبراهيم ﵇ (١): قم يا بني قد نزل فداؤك، فذبحه هناك (٤).

стр. 1454

وعن سعيد بن المسيب أن الذبيح إسحاق (١)، قال: فلما بلغ معه السعي كان إسحاق معه وإسماعيل لم يكن معه ولكنه كان بمكة. وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﵇ (٢) قال: "الذبيح هو إسحاق" (٣). وعن الأحنف بن قيس عن النبي ﵇ (٤)، وعن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب، وعن يوسف بن مهران. وعن ابن عباس، وعن عطاء بن دينار عن عمر بن الخطاب، وعن كثير بن كليب الجهني عن عثمان بن عفان، وعن بسر بن سعيد الحضرمي عن أُبي بن كعب، وعن القاسم عن أبي الدرداء، وعن قتادة عن ابن مسعود وابن عمر، وعن الزهري مثله، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الصخرة التي في أصل ثبير هي التي ذبح عليها إبراهيم ﵇ (٥) (٦). وعن عبد الله بن سلام قال: أراد أن يذبحه في جبل بيت المقدس إلا أن قبول الأخبار بذبح إسماعيل وكون المذبح بمنى أسرع إلى قبول غيرها، وسبب الاختلاف ما روي عن عبد الله بن سلام قال: كنا نتعلم في كتاب يهوذا الذي لم يبدل: هو إسماعيل ﵇ (٦)، ففي هذا الحديث ما يدل على

стр. 1455

أن سبب الاختلاف هو تحريف اليهود وتبديلهم، فإن كان النبي ﵇ (١) ذكر أنه إسحاق فإنما يكون ذكر ذلك على زعم اليهود من غير توقيف إلهي حتى أخبره الله بعد ذلك أو أخبره عبد الله بن سلام بحقيقة الأمر كما أخبره بقصة الرجم، ثم نجمع بين الأحاديث فنقول: يجوز أن ذبح إسماعيل في بعض الأحوال والمحال وفداه الله تعالى إياه وذبح أخيه في بعض الأحوال والمحال وفداه الله إياه وإخبار الله تعالى عن ذبح إبراهيم أحد بنيه لا يدل على نفي الآخر. ونظر إبراهيم في النجوم قيل: رمى ببصره إلى السماء ليتذكر جبلة، وقيل: أطرق ورمى ببصره إلى نجوم الأرض متفكرًا، وقيل: نظر في نجوم رأيه وهي خواطره التي تنجم له، وقيل: كان قومه يتعاظمون على النجوم فتشبّه بهم ليعذروه. في قوله ﴿سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم. ﴿فَرَاغَ﴾ انصرف خفية على سبيل الاستراق، ومنه روغان الثعلب. ﴿بِالْيَمِينِ﴾ هي اليد اليمين، وقيل: القوة، وقيل: الجلد، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. ﴿وَتَلَّهُ﴾ صرعه وأناخه ﴿لِلْجَبِينِ﴾ وهو أحد جانبَي الجبهة تذبح وهو ما أعدّ للذبح. عن ابن عباس ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ قال: من المصلِّين (٢). وعن أُبي بن كعب: سألت رسول الله (٣) عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: "عشرون ألفًا" (٤) أبق على سبيل المعصية، وكان يونس قد مرق من الملك على ما سبق،

стр. 1456

و ﴿مُلِيمٌ﴾ الذي يأتي لما يلام عليه. ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ الفضاء والهواء. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ إن كان المراد بالجنة الملائكة (١) فعلّمهم ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ علّمهم أنهم ميتون بحكم الله تعالى ثم (٢) مبعوثون بإذنه ليوم الجمع لا ريب فيه، أو علمهم أن المشركين محضرون في النار، وإن كان المراد بالجنة الشياطين، فعلمهم بأنهم محضرون علمهم بأنهم يدخلون النار لكون أبالسته آيسين من رحمة الله. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ استثناء من المحضرين، وقيل: من الواصفين. ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير (٣) عائد إلى ما يعبدون. وعن إبراهيم قال في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾: إن (٤) الأمر قدر عليه أن يصلى الجحيم، وقيل: إنكم لا تفتنون بآلهتكم إلا من سبق عليه مني أنه يصلى الجحيم. في قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا﴾ الآيات دلالة على أن الله تعالى أعلى كلمة جميع عباده المرسلين، وأهلك أعداءهم المنذرين غير أوليائهم. ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ بفناء دارهم. روي أن النبي ﵇ (٥) لما حاصر خيبر قال: "الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ساء صباح المنذرين" (٦).

стр. 1457

عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله (١) عن سبحان الله قال: "تنزيه الله عن الشر" (٢) وسئل ابن الكواء عن علي قال: كلمة رضيها الله لنفسه (٣). وعن أُبي بن كعب عن النبي ﵇ (٤) قال: "مَن قرأ سورة الصافات أُعطي عشر حسنات بعدد كل جنِّي وشيطان، وتباعدت عنه مردَة الشياطين وشهد له حافظاه أنه مؤمن بالمرسلين" والله أعلم (٥). ...

стр. 1458

سُورَةُ صَ مكية (١)، وهي ست وثمانون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اشتكى أبو طالب فعاده أبو جهل في نفر من قريش فشكوا إليه النبي ﵇ (٣)، فأرسل إلى النبي ﵇ (٣) فجاء رسول الله (٤) بيت أبي طالب [وبينه وبينهم قدر] (٥) فجلس رجل، فلما رآه أبو جهل قام فجلس في ذلك المجلس فجلس رسول الله على عتبة الباب، وقال له أبو طالب: إن بني عمك يشكونك، قال: "أريد منهم أن يتكلموا بكلمة (٦) تدين لهم العرب وتعطي العجم بها جزية" قال: وما هي؟ قال: "لا إله إلا الله" قال: فقاموا منه فزعين، ونزلت ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ (٧) أي ذي الشرف. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ والتقدير

стр. 1459

في الصاد على قضية هذا الحديث أنها إشارة إلى جواب القسم فكأنه قيل: صدقت (١) ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وقيل: جواب القسم مضمر، والقرآن ذي الذكر إنك لناصح (٢). وقيل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب القسم كقولك لخصمك: والله أنت مبطل، وقيل: جواب القسم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ كقولك لأخيك: أقسم عليك بالله هل رأيت فلانًا (٣). وقيل: جواب القسم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ولا يحتمل هذا إلا أن يخرج الكلام من الحكاية ويجعله كلامًا مبتدأً من جهة الله تعالى، وقيل: جواب القسم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ على احتمال كلام المبتدأ. وقيل: جواب القسم ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ وقيل: جواب القسم (٤) ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٥) (٦٤)﴾ [صَ: ٦٤] الكتاب (٦)، وامتنع الفراء عن إجازة هذا القول (٧). ﴿وَلَاتَ﴾ التاء زائدة في (لا) النفي كما زيدت (ثم) وربّ، وقال

стр. 1460

سيبويه (١): هي مشبهة بليس (٢)، وقال الفراء: معناها ليس (٣) ولو كان كذلك الاسم مرتفعًا، وقيل: التاء زائدة في حين، وأنشد (٤): العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان (٥) ما من مطعم ﴿مَنَاصٍ﴾ والنوص بالنون والبوص بالبا العرض (٦). ﴿أَنِ امْشُوا﴾ ترجم للانطلاق، وقيل: ترجمة للمضمر تقديره: وانطلقوا قائلين أن امشوا ترجمة للكبار ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ إن كان جواب القسم فالإشارة واقعة إلى شقاق المشركين، وإن كان قول المشركين، فالإشارة إلى أمر رسول الله (٧) ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ إن كان جواب القسم؛ فالإشارة واقعة إلى ما وعدهم النبي ﵇ (٨) على كلمة الإخلاص من طاعة العرب واستسلام العجم، وإن كان من قول المشركين؛ فالإشارة واقعة إلى الصبر على الآلهة (٩) أي هو شيء يرضاه الله، ويجوز أن تكون الإشارة على قوله واقعة إلى خلاف رسول الله (١٠) أي هو شيء يتمناه كل أحد (١١) ليذكر وليتشرف به على غيره.

стр. 1461

﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال مجاهد: النصرانية (١)، وقال الحكم بن عتيبة (٢): ملة محدثة في أيام الفترة، وقال الكلبي: اليهودية والنصرانية (٣)، وقيل: ملة قريش (٤) التي أحدثها لهم عمرو بن لحي. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ (ما) للنفي على لغة تميم وتقديره: جند هنالك ما هو مهزوم من الأحزاب، أو جند ما هو هنالك بمهزوم، أو هو جند ما هو بمهزوم هنالك، فإن صحّ هذا المعنى فالمراد بالجند الملائكة، وهنالك إشارة إلى الأسباب و (من) للتسبُّب (٥) كما في قولك: ما زيد بمنهزم من عمرو. والثاني: أن تكون (ما) صلة دخولها كخروجها، وتقديره: جند هنالك مهزوم من الأحزاب أو هم جند مهزوم هنالك. والثالث: أن تكون (ما) التي يجوز بها كون المذكور على أنه صفة تدركها الأوهام تقديره: جندنا كان كيف، فإن صحّ أحد هذين المعنيين فالإشارة بهنالك واقعة إلى بدر أو بعض المشاهد التي انهزم فيها المشركون، ويكون (من) للجنس أي جند من جنس الأحزاب، والأحزاب الذين تحزّبوا على أنبياء الله ﵈. ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ جمع وتد وهي ما تركزه في الأرض، وقيل: المراد بالأوتاد قصوره الثابتة في الأرض مثل الجبال، وقيل أربعة أوتاد كان يمد بينها لمن (٦) يعذبه من الناس، وقيل: كانت أوتاد تلعب السحرة عليها بين يديه (٧).

стр. 1462

﴿فَوَاقٍ﴾ مقدار استراحة (١) الناقة بين الحلبتين (٢). وعنه ﵇ (٣): "العبادة مقدار فواق الناقة" (٤). ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ اتصاله صرف الله نبيه عن أذى قومه إلى ما يتسلى بها أو يذكر الله ما ابتلى به داود ﵇ (٥) ليهون على رسول الله على كلمة الإخلاص أن تدين لهم بها العرب ويعطي العجم جزيتها، فإن داود ﵇ (٥) أوتي ما أوتي بكلمة لا إله إلا الله، وكانت قريش وسائر (٦) العرب يعرفون داود ﵇ (٧) ويعترفون بسلطانه في الأرض. وعن ابن عباس: لم أدرِ ما صلاة الضحى حتى أتيت على هذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (٨) إذا أشرقت الشمس. ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فصل القضاء بالشهود والأيمان عند مجاهد والحسن (٩). وعن الشعبي عن زياد أنه قول الخطيب: أما بعد (١٠). ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ مصدر ويجوز أن يكون اسمًا كالصفة ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ تسلّقوا.

стр. 1463

﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ يعني ملكان مع كل واحد عدد معين له وقيل: لم يدخل عليه إلا ملكان لكن كنى بلفظ الجماعة لاعتبار وجود معنى الجمع والضم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ثم قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقال لآدم وحواء: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] وكون الابنتين والأختين كما فوقهما في الميراث. ﴿خَصْمَانِ﴾ أي نحن خصمان. ﴿نَعْجَةً﴾ وهي الأنثى من الضأن والبقر أو البقر الوحش والشاة الحبلى وجمعها نعاج، وهذا مثل ضرباه للنساء، وكان داود تحته تسع وتسعون امرأة وكانت عند أوريا امرأة واحدة ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي سلّمها إليّ واجعلني كفيلها، والقصة فيه أن داود ﵇ (١) دعا ربه ذات يوم فقال في دعائه: يا رب أخِّر ذكري بعد وفاتي في أفواه بني إسرائيل ليذكروني في صلاتهم كما يذكرون إبراهيم (٢) وإسماعيل وإسحاق (٣) ويعقوب ﵇، فأوحى الله تعالى أن هؤلاء ابتليتهم وأنت لم أبتلك بشيء مما بلوا به، فقال: إلهي وبمَ ابتليتهم؟ فأوحى الله إليه أني ابتليت إبراهيم فصبر على النار فصيّرتها عليه بردًا وسلامًا، وابتليت إسماعيل بالغربة عن أبيه فآويته وأحسنت مثواه (٤) ومثوبته وأوفدت إليه أمة من الناس فآنست بهم وحشته وأغنيت بهم فقره ولممت بهم شعثه، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر لأمري ورضي بقضائي ففديته بذبح عظيم ونجّيته من الكرب الشديد، وابتليت يعقوب بفقد حبيبه يوسف. فقال داود: إلهي فابتلني واجعل اسمي مع أسمائهم في أفواه بني إسرائيل عند صلاتهم، فأوحى الله إليه إذ لم تقبل العافية فسأوتيك البلية، ثم أمهله الله حتى نسي مسألته، فبينا هو ذات يوم في مسجده يقرأ الزبور وكان ذلك المسجد مشرفًا على بستان من بساتين بني إسرائيل، وفي

стр. 1464

ذلك البستان عين ماء ينتهي إلى حوض معمول لنساء بني إسرائيل لتغتسلن فيه عند حيضهن، فبينما هو كذلك إذ سقطت حمامة أمامه كأنها من ذهب وجناحاها كالياقوت الأحمر وذنبها كالزمرد الأخضر ومنقارها كالدر الأبيض ومخالبها كالفيروزج الأزرق، فلما رآها أعجبه حسنها فظنّ أنها من طيور الجنة، فقام ليأخذها، فطارت حتى سقطت على حائط ذلك البستان، فمشى نحوها وأهوى بيده إليها فأصاب طرف أصابعه جناحها وانقضت في البستان فظن أنه صرعها. فأشرف على البستان فإذا هو بامرأة من نساء بني إسرائيل تغتسل في ذلك الحوض من أجمل ما يكون من النساء، فبقي مسترخيًا ينظر إلى جمالها وحُسن خلقها، ونظرت المرأة إلى صورة رجل في الماء فرفعت رأسها فإذا هي بداود ﵇ مشرفًا عليها، وأرخت شعرها فجلّل ما بين رأسها إلى قدميها، فوقعت بقلب داود ﵇، وسأل عنها فأُخبر أنها امرأة أوريا، وكان أوريا بناحية من أرض الشام في خيل عظيمة عليها ابن أخت لداود ﵇، يقاتل خيلًا من كفار أهل ذلك القصر ومعهم التابوت الذي ذكره الله في كتابه ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فكان من تقدم من بني إسرائيل على التابوت يوم القيامة لم ينصرف حتى يقتل أو يظفر. فكتب داود إلى ابن أخيه (١) يأمره أن يقدم أوريا أمام التابوت، فلما قرأ الكتاب على أوريا قال: إن نبي الله داود لم يقدمني إلا وقد علم أنني مقتول، فتقدم فقاتل حتى قُتل هو ومَن كان معه، فامهل داود المرأة حتى انقضت عدتها ثم تزوج بها. فبينا يصلي داود ﵇ (٢) ذات يوم في المحراب إذ تسوّر عليه الملكان المحراب حتى هبطا عليه في صورة رجلين، فخاف أنهما يريدانه بسوء وغضب على حراسه فقالا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فإنا ﴿خَصْمَانِ﴾ قال لهما:

стр. 1465

ارجعا ليس هذا يوم قضاء، قالا: حاجتنا يسيرة، قال: هاتها، قال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخر الآية. فحكم بينهما، فارتفعا في السماء وهو ينظر إليهما وهما يقولان: يا داود حكمتَ على نفسك، فعلم عند ذلك أنه مفتون فخرّ مغشيًا، ثم أفاق وهو يقول: إلهي كيف أعمل ولستَ تغفل عني؟ إلهي كيف أعمل إن لم تقبل توبتي؟ إلهي كيف أعمل وكيف أتوب وكيف توبتي؟ إلهي كيف أعتذر ولا عذر لي؟ إلهي كيف ألقاك وأنا صاحب الخطية؟ إلهي كيف ألقاك وأنا صاحب البلية؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب [الزلة (١)؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب أوريا؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب الذنب العظيم] (٢)؟. قال: فأوحى الله إليه: أجائع أنت فأسبغك أم عطشان فأرويك أم عار فأكسوك؟. فقال: إلهي أنت أعلم بحاجتي، قال: فأوحى الله إليه أن انطلق إلى قبر أوريا فإني قد أذنت له في كلامك فاستوهبه الذنب، فإن وهبه لك غفرته لك. فانطلق داود ﵇ إلى قبر أوريا وكان قد نقل إلى بيت المقدس، فدعاه داود ﵇ فأجاب أوريا: مَن الذي أيقظني من نومي وقطع علي لذتي؟. قال داود ﵇: أنا أخوك داود. قال: مرحبًا بك يا نبي الله فما حاجتك إليّ؟. قال: ذنب كان مني إليك. قال: جعلتك في حل.

стр. 1466

فانصرف داود وقد ذهب بعض همه، فبينا (١) هو يمشي منصرفًا إذ أوحى الله إليه: يا داود إني حكم عدل لا أحكم بالغيب، فانصرف إليه وبيّن له الذنب، فانصرف داود ﵇ على فوره إلى قبره، ثم دعا فأجابه: مَن هذا الذي أيقظني من نومي وقطع عليّ لذتي؟. قال: أنا أخوك داود. قال: فيما (٢) عدت إلى يا نبي الله؟. قال: أستوهبك الذنب الذي كان مني إليك. قال: أوَلم أجعلك في حِل؟. قال: إن ربي أمرني أن أخبرك به. قال: وما هو؟. قال: إني عرضتك للمهالك والمكاره (٣) من أجل امرأتك. قال: صنعت لحادي. قال: لأتزوج من بعدك. قال: فهل تزوجت بها؟. قال: نعم. قال: لست أجعلك في حِل حتى أخاصمك يوم القيامة بين يدَي الله (٤). فوضع يده على رأسه ومرّ صائمًا سائحًا والهًا حيران يبكي

стр. 1467

وينحب، ثم سقط مغشيًا عليه يومًا وليلة، ثم أفاق حتى أصبح، فمكث بذلك المكان شهرًا يبكي بدمع هتين وقلب حزين حتى نبت العشب في ذلك المكان من دموع عينيه، فرحم الله طول بكائه وتضرعه فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك يا داود فقد غفرنا لك، فقال إلهي وكيف تغفر الذنب (١) وأنت عدل لا تجور؟ فأوحى الله إليه أن أري أوريا في الجنة ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت فيسألني لمَن هذا يا رب؟ فيقول لمن غفر لأخيه ذنبه إليه. فقال إلهي وسيدي علمت الآن أنك غفرت لي، ثم لم يزل باكيًا على خطيئته أيام حياته، وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويصوم يومًا ويفطر يومًا على خبز شعير بملح مريش، فكان إذا ذكر خطيئته خرّ مغشيًا عليه حتى ربط الله بالصبر والإيمان فألقى في قلوب بني إسرائيل أن يخرجوا في طلبه ويردوه إلى دار مملكته فإن داود ﵇ ولد له سليمان من تلك المرأة واسمها شائع (٢). ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ خاطب الذي تصور له أنه مظلوم دون الذي تصور له أنه ظالم إعزاز الذليل وإهانة (٣) ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يجوز أن يكون من كلام داود ﵇، ويجوز أن يكون كلامًا عارضًا في أثناء القصة من (٤) جهة الله، ويجوز أن يكون من كلام الخصمين بإضمار القول ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ جمع خليط وهو الشريك ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي علم وتيقّن ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يجوز أن تكون (ما) صلة وبجوز أن تكون اسمًا، أي قليل الذين يؤمنون. و ﴿أَنَّمَا﴾ هي التي تدخل الحرف الناصب على الأفعال.

стр. 1468

عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ (١) سجد في "صَ" (٢). وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس: السجدة في "صَ" من أين أخذت؟ فتلا علي هؤلاء الآيات من "الأنعام" ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فقال: كان داود ﵇ (٣) ممن أُمر نبيكم أن يقتدي به (٤). وعن ابن عباس: قال رجل للنبي ﵇ (٥): يا رسول الله إني رأيت الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا وضع عني بها وزرًا واجعلها لي عندك ذخرًا وتقبّلها مني كما تقبّلتها من عبدك داود (٦). وعن الكلبي أنه بلغه عن عبد الرحمن بن سابط (٧) قال: بلغني أن داود ﵇ (٥) يبعث يوم القيامة من قبره وهو ينتفض انتفاض العصفور مشفقًا من خطيئته، فلا يزال كذلك حتى يدنيه ربه فيمس بعض جوانبه فيطمئن، تعالى الله عن المسيس الذي نعرفه ولكنه يظهر سلطانه على ما شاء ممن شاء.

стр. 1469

﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ بمعنى ألف الاستفهام. وذكر الكلبي قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في حمزة وعلي وسفيان وبني عبد المطلب وعتبة وشيبة والوليد (١)، فإن كان كذلك فالآية مدنية. الحكم العامل في (إذ) مضمر (٢)، وقيل: قوله: ﴿أَوَّابٌ﴾، ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ القائمات على ثلاث قوائم، والصافن من الرجال الذي يصف قدميه، و ﴿الْجِيَادُ﴾ الخيل العتاق. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ المال. ووجه التعدية بـ"عن" إضمار المثل تقديره: ملت إلى حب الخير عن ذكر ربي. وذكر أبو عبيد الهروي وغيره أن المراد بالمحبة الإيثار، وأن (عن) بمعنى على، والقصة في ذلك أن قبائل من قبائل العرب النازلين بحدود دمشق ونصيبين تحزّبوا على سليمان ليقاتلوه فأظفره الله تعالى (٣) عليهم فأخذ ألف رأس من خيلهم، فلما راح من المعركة إلى منزله عرض الخيول وكان (٤) الله قد آتاه من الهيبة ما لا يبدأ الكلام، ولا يذكر شيء حتى يكون هو الذي يبدأ ويذكره، فابتلاه الله يوم عرض الخيل بنسيان العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب على نفسه وعاقبها بأن فوّت عليها ما أعجبها. ﴿مَسْحًا﴾ قطعًا. قيل: إنه عقر يومئذ تسعمائة فرس وترك مائة، مما بأيدي الناس من الخيل العراب فمن نسل تلك المائة.

стр. 1470

﴿رُخَاءً﴾ ريحًا طيبة، وقيل: لينة، والقصة فيه أن الجن أخبرت سليمان ﵇ (١) بأمر ملك أندلس وطنجة وفرنجة وإفريقية (٢) وما آتاه الله من النعمة والسلطان وهو كافر بربه يعبد الأصنام من دونه، فسار سليمان نحوه تحمله الريح وتُظله الطير، فلما انتهى إليه أرسل إليه رسوله يدعوه إلى توحيد الله ودين الإسلام، فاستشار ذلك الملك قومه فأشاروا عليه بالطاعة فتكبّر عنها وقال: لو كلفتني خراجًا لتحملته وأما ترك الآلهة فلا أتركها، وأمر قومه بأن يستعدوا للقتال فاستعدوا وقاتلوا سليمان ﵇ (٣) فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار قتل الملك فيمن معه واستسلم سائر الأرض. وكانت للملك بنت تسمى سحور وكانت أجمل من بلقيس، فلما رآها سليمان ﵇ (٣) تسرّى بها، وترفّعت المرأة أن تكون سرية له فطلبت من سليمان ﵇ (٣) أن يتزوجها، فتزوجها سليمان وهو (٤) كالمنهي من جهة الله تعالى بعد بلقيس بامرأة غير إسرائيلية فكان ذلك سبب الفتنة. ثم إن المرأة أظهرت بكاء وتأسفًا على أبيها وأمها، وقالت لسليمان ﵇: حاجتي إليك أن تأمر الجن ليصورهما لي، فأمر سليمان بذلك فصورهما لها فعبدتهما من دون الله تعالى، ودعت جواريها وخدمها إلى عبادة هاتين الصورتين، فأجابوها إلى ذلك. فاتصل ذلك الخبر سائر نساء سليمان ﵇ (٥) وسراريه فلم يحسبوا أن يخبروا سليمان ﵇ (٦) بذلك، وبلغ الخبر آصف بن برخيا فدخل على سليمان ﵇ (٧) وقال: يا نبي الله إنه قد كبر سنين ورقّ جلدي ودقّ عظمي

стр. 1471

فأذن لي أن أخطب بني إسرائيل خطبة قبل موتي، فأذن له سليمان ﵇ (١) فقال: يا نبي الله أحب أن أخطب وأنت حاضر، فحضر سليمان ﵇ (١)، فلما صعد آصف المنبر حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على أنبيائه ورسله ﵈ يذكر نبيًا بعد نبي من آدم ﵇ وأمسك عن ذكر سليمان، ثم نزل عن المنبر فعاتبه سليمان على فعله، فقال آصف: يا نبي الله لم يتهيأ إلى أن أذكرك قد تزوجت بامرأة لم يؤذن لك في تزوجها وإنها تعبد الصورة في دارك من دون الله تعالى، فهذا الذي منعني أن أذكرك بالجميل. قال: ففزع سليمان من ذلك واغتمّ غمًّا شديدًا حتى ظهر ذلك عليه، فطلقها وأخرجها من بيته وأمر بالصورتين فكسرتا، واغتمّت الجارية لذلك غمًّا شديدًا فماتت من شدة الغم، واغتمّ سليمان عليها فأوحى الله إليه: يا ابن داود تغتم وتظهر الغم على امرأة لم آذن لك في تزوجها وقد عبدت الصورة في دارك من دوني، فاستعد الآن للفتنة والبلاء فلأبلونك ببلية أنسيك فيها بلية أبيك داود. ثم إن الله تعالى قيّض له شيطانًا بصورة جارية لسليمان ﵇ (١) تسمى الأمينة، وكان سليمان ﵇ (١) إذا أراد الخلوة مع نسائه رفع الخاتم إلى هذه الجارية، فدفع يومئذ إلى الشيطان على ظن أنه الأمينة واسم ذلك الشيطان صخر، فلما صار الخاتم في يده لم يستقر في يده فرمي في البحر وجاء حوت وابتلع الخاتم، ومضى صخر الجني وقد ألقى عليه شبه سليمان فجلس على كرسي سليمان، وخرج سليمان وقد تصوّر للأمينة بصورة صخر الجني فقالت: أعوذ بالله منك إني قد دفعت الخاتم إلى سليمان، إنه مفتون، فلم يدرِ ما يفعل، كلما قال: أنا سليمان بن داود استهزأ الناس به وسخروا منه وطردوه وشتموه. وجعل آصف يقول: أقسم بالله لقد بلي سليمان بأمر عظيم وذلك أنَّ ثرى الطيب قد نفرت فلسنا نسمع لها حسًا. قالوا: قال ابن عباس ﵄:

стр. 1472

إن صخرًا الجني لم يقدر على امرأة من نسائه ولا على شيء من ماله وخدمه وحشمه وإنما كان جالسًا على ذلك الكرسي، فلما لم يدخل على النساء أنكرن ذلك منه وعلمن أنه ليس سليمان على الكرسى، وكانوا يهابونه أن يعترضوا حتى دخل سليمان ﵇ (١) قومه من القرى، وفي تلك القرية بيت ملك فجعل سليمان يقول: أيها الناس أطعموني شيئًا من الطعام فأيكم أطعمني وأسبغ جوعي فله علي أن أعطيه كذا وكذا إن ردّ الله عليّ ملكي، فإني أنا سليمان بن داود نزع الله مني مُلكي وجعله لعدو من أعدائي بسبب خطيئة أتيتها، وأنا أرجو ربي أن يرد عليّ ملكي. قال: فأشرفت عليه تلك الجارية فقالت: يا هذا (٢) إنا رأينا الكاذبين فما رأينا أكذب على الله منك، أتزعم أنك سليمان مع هذه الخلقة الوحشة وسليمان في منزله على كرسيه؟! اُخرج من قريتنا وإلا أمرت بدوس بطنك يا كذا وكذا، فقال سليمان: إلهي وسيدي إنك قد ابتليت الأنبياء من قبل غير أنك لم تحبس عنهم رزقك ولم تلق لهم البغضاء في قلوب الناس، إلهي وسيدي أسألك وأرجوك ولا أرجو سواك فاعفُ عني واغفر لي فإني لا أعود لشيء كرهته مني. فلم يزل كذلك أربعين يومًا، ثم إنه وجد قرصًا يابسًا فلم يقدر على كسره، فأتى ساحل البحر ليبل ذلك القرص ثم يأكله، فجاءت موجة فحملت ذلك القرص ومرت به فقال: إلهي وسيدي رزقتني قرصًا من طعام على رأس أربعين يومًا فانتزعه البحر مني (٣)، إلهي وسيدي أنت المتكفل بأرزاق العباد، أنا عبدك المذنب فلا تحبس عني رزقك (٤) فإنك أنت الرزاق الكريم. وجعل يمشي على ساحل البحر وهو يبكي، فإذا هو بقوم صيّادين فسألهم أن يطعموه سمكة فقالوا: انصرف عنا فما رأينا أقبح منك وجهًا،

стр. 1473

فقال سليمان: وما عليكم من قبحي إنما سألتكم سمكة أسدّ بها جوعي، قالوا: وحق نبي الله سليمان لئن لم ترجع قمنا إليك وضربناك، فلما رآهم يحلفون باسمه قال: أما إنكم لو علمتم مَن أنا لأطعتموني، قالوا: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان، فجعلوا يضحكون ويتغامزون به. ثم أقبل عليه بعض القوم فضربه بعصا كانت في يده وقال: مثلك يزعم أنه سليمان النبي، فبكى سليمان وبكت الملائكة في السموات قالوا: إلهنا وسيدنا عبدك ونبيك أذنب ذنبًا وأنت الغفور الرحيم، فقال الله ﵎: ملائكتي (١) هذه بلية الرحمة وليست ببلية العذاب وسأردّ عليه ملكه وأظهره على عدوه وأنا الذي لا أخلف الميعاد، ثم إن الله ألقى في قلوب الصيادين رحمة عليه فقالوا: يا هذا لقد قرحت قلوبنا ببكائك وإنك لفي موضع رحمة خذ هذه السمكة وهذه السكين فشقها بها واغسلها وائت بها إلى هذه النار فاشوِها. فأخذ سليمان تلك السمكة فلما شقّ بطنها وجد خاتمه فتختم به سريعًا وسمع الأصوات من كل جانب: لبيك يا ابن داود. ومضى يريد قصره فجعل يمر بتلك القرى التي كانوا يطردونه منها إذا نظروا إليه تعادوا إليه وخرُّوا له سجَّدًا، وبلغ ذلك صخرًا الجني فهرب، وأقبل سليمان ﵇ (٢) حتى دخل إلى قصره واجتمعت عليه الإنس والجن والوحش والسباع والطير والهوام، ووفقه الله تعالى ليزداد لربه عبادة وذكرًا وخشوعًا، ثم بعث العفاريت في طلب صخر الجني فطلبوه حتى قدروا عليه، فأمر سليمان بأن ينقر له بين صخرتين وصفده بالحديد وألقاه بين الصخرتين، وأمر الشياطين بأن سدُّوا عليه الصخرتين بالحديد ثم أمر أن يلقى في بحيرة الطبرية (٣).

стр. 1474

﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ القوة أو الصنائع إن شاء الله. ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم دار الآخرة وهي إيمانهم بالبعث والثواب والعقاب، فمعنى الآية وقفناهم لهذه الخصلة الخالصة. ﴿وَكُلٌّ﴾ يعطف الجملة. ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره. ﴿الْأَبْوَابُ﴾ رفع لتقدير الإضافة فيها أي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ أبوابها. ﴿أَتْرَابٌ﴾ جمع ترب وهي للذة والعرس. ﴿حَمِيمٌ﴾ رفع على أنه خبر (هذا)، والأمر (١) عارض بين المبتدأ والخبر كقولك: هذا فاضربه زيدًا، وارتفع بتقدير (من) أي منه حميم ومنه غساق. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي من مثل العذاب الأول. فالقول مضمر عند قوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ الاقتحام: الدخول على خطر أو مشقة من غير تثبيت. والقول عند قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مضمر ﴿مَرْحَبًا﴾: اسم من الرحب استعمله العرب في الخير والشر فكل من رضيت بمكانه قالت: مرحبًا به، على سبيل الدعاء له، وكل من لم ترضَ بمكانه قالت: لا مرحبًا به على سبيل الدعاء عليه. وحسن دخول الاستفهام وكونه مرادًا ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ إنما هو لكونهم غير متخذين إياهم سخريًا (٢) لو كانوا أشرارًا على الحقيقة داخلين معهم النار؛ لأن الاتخاذ يدل على صرف الشيء عن حقيقته في الغالب، فكأنهم قالوا: أسأنا الظن بهم والقول فيهم اتخذناهم سخريًا أم صدقنا فهم معنا في النار قد ﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.

стр. 1475

﴿تَخَاصُمُ﴾ رفع بتقدير ضمير؛ أي هو تخاصم. عن معاذ بن جبل قال: احتبس عنا رسول الله (١) ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوّب بالصلاة فصلّى رسول الله (١) وتجوّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال (٢) لنا: "على مصافكم كما أنتم" ثم اتصل إلينا فقال: "أما إني ساحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصلّيت ما قدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك (٣) وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلالًا، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفَي حتى وجدت برد أنامله بين يدَي فتجلّى كل شيء وعرفت يده فقال (٤): يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات يا رب، قال: ما هو؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حيث الكريهات، قال: ثم فيمَ؟ قال: قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قومي فتوفّني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك" فقال رسول الله: "إنها حق فادرسوها (٥) ثم تعلموها" (٦). قال تعالى الله عن التصور والتقدير والتحيُّز إلى الجهات والحلول في الصور، ولكنه يحل روح خطابه محلاًّ محسوسًا كإحلاله القرآن في
следующие страницы →