← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فأذن لي أن أخطب بني إسرائيل خطبة قبل موتي، فأذن له سليمان ﵇ (١) فقال: يا نبي الله أحب أن أخطب وأنت حاضر، فحضر سليمان ﵇ (١)، فلما صعد آصف المنبر حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على أنبيائه ورسله ﵈ يذكر نبيًا بعد نبي من آدم ﵇ وأمسك عن ذكر سليمان، ثم نزل عن المنبر فعاتبه سليمان على فعله، فقال آصف: يا نبي الله لم يتهيأ إلى أن أذكرك قد تزوجت بامرأة لم يؤذن لك في تزوجها وإنها تعبد الصورة في دارك من دون الله تعالى، فهذا الذي منعني أن أذكرك بالجميل. قال: ففزع سليمان من ذلك واغتمّ غمًّا شديدًا حتى ظهر ذلك عليه، فطلقها وأخرجها من بيته وأمر بالصورتين فكسرتا، واغتمّت الجارية لذلك غمًّا شديدًا فماتت من شدة الغم، واغتمّ سليمان عليها فأوحى الله إليه: يا ابن داود تغتم وتظهر الغم على امرأة لم آذن لك في تزوجها وقد عبدت الصورة في دارك من دوني، فاستعد الآن للفتنة والبلاء فلأبلونك ببلية أنسيك فيها بلية أبيك داود. ثم إن الله تعالى قيّض له شيطانًا بصورة جارية لسليمان ﵇ (١) تسمى الأمينة، وكان سليمان ﵇ (١) إذا أراد الخلوة مع نسائه رفع الخاتم إلى هذه الجارية، فدفع يومئذ إلى الشيطان على ظن أنه الأمينة واسم ذلك الشيطان صخر، فلما صار الخاتم في يده لم يستقر في يده فرمي في البحر وجاء حوت وابتلع الخاتم، ومضى صخر الجني وقد ألقى عليه شبه سليمان فجلس على كرسي سليمان، وخرج سليمان وقد تصوّر للأمينة بصورة صخر الجني فقالت: أعوذ بالله منك إني قد دفعت الخاتم إلى سليمان، إنه مفتون، فلم يدرِ ما يفعل، كلما قال: أنا سليمان بن داود استهزأ الناس به وسخروا منه وطردوه وشتموه. وجعل آصف يقول: أقسم بالله لقد بلي سليمان بأمر عظيم وذلك أنَّ ثرى الطيب قد نفرت فلسنا نسمع لها حسًا. قالوا: قال ابن عباس ﵄:

стр. 1472

إن صخرًا الجني لم يقدر على امرأة من نسائه ولا على شيء من ماله وخدمه وحشمه وإنما كان جالسًا على ذلك الكرسي، فلما لم يدخل على النساء أنكرن ذلك منه وعلمن أنه ليس سليمان على الكرسى، وكانوا يهابونه أن يعترضوا حتى دخل سليمان ﵇ (١) قومه من القرى، وفي تلك القرية بيت ملك فجعل سليمان يقول: أيها الناس أطعموني شيئًا من الطعام فأيكم أطعمني وأسبغ جوعي فله علي أن أعطيه كذا وكذا إن ردّ الله عليّ ملكي، فإني أنا سليمان بن داود نزع الله مني مُلكي وجعله لعدو من أعدائي بسبب خطيئة أتيتها، وأنا أرجو ربي أن يرد عليّ ملكي. قال: فأشرفت عليه تلك الجارية فقالت: يا هذا (٢) إنا رأينا الكاذبين فما رأينا أكذب على الله منك، أتزعم أنك سليمان مع هذه الخلقة الوحشة وسليمان في منزله على كرسيه؟! اُخرج من قريتنا وإلا أمرت بدوس بطنك يا كذا وكذا، فقال سليمان: إلهي وسيدي إنك قد ابتليت الأنبياء من قبل غير أنك لم تحبس عنهم رزقك ولم تلق لهم البغضاء في قلوب الناس، إلهي وسيدي أسألك وأرجوك ولا أرجو سواك فاعفُ عني واغفر لي فإني لا أعود لشيء كرهته مني. فلم يزل كذلك أربعين يومًا، ثم إنه وجد قرصًا يابسًا فلم يقدر على كسره، فأتى ساحل البحر ليبل ذلك القرص ثم يأكله، فجاءت موجة فحملت ذلك القرص ومرت به فقال: إلهي وسيدي رزقتني قرصًا من طعام على رأس أربعين يومًا فانتزعه البحر مني (٣)، إلهي وسيدي أنت المتكفل بأرزاق العباد، أنا عبدك المذنب فلا تحبس عني رزقك (٤) فإنك أنت الرزاق الكريم. وجعل يمشي على ساحل البحر وهو يبكي، فإذا هو بقوم صيّادين فسألهم أن يطعموه سمكة فقالوا: انصرف عنا فما رأينا أقبح منك وجهًا،

стр. 1473

فقال سليمان: وما عليكم من قبحي إنما سألتكم سمكة أسدّ بها جوعي، قالوا: وحق نبي الله سليمان لئن لم ترجع قمنا إليك وضربناك، فلما رآهم يحلفون باسمه قال: أما إنكم لو علمتم مَن أنا لأطعتموني، قالوا: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان، فجعلوا يضحكون ويتغامزون به. ثم أقبل عليه بعض القوم فضربه بعصا كانت في يده وقال: مثلك يزعم أنه سليمان النبي، فبكى سليمان وبكت الملائكة في السموات قالوا: إلهنا وسيدنا عبدك ونبيك أذنب ذنبًا وأنت الغفور الرحيم، فقال الله ﵎: ملائكتي (١) هذه بلية الرحمة وليست ببلية العذاب وسأردّ عليه ملكه وأظهره على عدوه وأنا الذي لا أخلف الميعاد، ثم إن الله ألقى في قلوب الصيادين رحمة عليه فقالوا: يا هذا لقد قرحت قلوبنا ببكائك وإنك لفي موضع رحمة خذ هذه السمكة وهذه السكين فشقها بها واغسلها وائت بها إلى هذه النار فاشوِها. فأخذ سليمان تلك السمكة فلما شقّ بطنها وجد خاتمه فتختم به سريعًا وسمع الأصوات من كل جانب: لبيك يا ابن داود. ومضى يريد قصره فجعل يمر بتلك القرى التي كانوا يطردونه منها إذا نظروا إليه تعادوا إليه وخرُّوا له سجَّدًا، وبلغ ذلك صخرًا الجني فهرب، وأقبل سليمان ﵇ (٢) حتى دخل إلى قصره واجتمعت عليه الإنس والجن والوحش والسباع والطير والهوام، ووفقه الله تعالى ليزداد لربه عبادة وذكرًا وخشوعًا، ثم بعث العفاريت في طلب صخر الجني فطلبوه حتى قدروا عليه، فأمر سليمان بأن ينقر له بين صخرتين وصفده بالحديد وألقاه بين الصخرتين، وأمر الشياطين بأن سدُّوا عليه الصخرتين بالحديد ثم أمر أن يلقى في بحيرة الطبرية (٣).

стр. 1474

﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ القوة أو الصنائع إن شاء الله. ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم دار الآخرة وهي إيمانهم بالبعث والثواب والعقاب، فمعنى الآية وقفناهم لهذه الخصلة الخالصة. ﴿وَكُلٌّ﴾ يعطف الجملة. ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره. ﴿الْأَبْوَابُ﴾ رفع لتقدير الإضافة فيها أي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ أبوابها. ﴿أَتْرَابٌ﴾ جمع ترب وهي للذة والعرس. ﴿حَمِيمٌ﴾ رفع على أنه خبر (هذا)، والأمر (١) عارض بين المبتدأ والخبر كقولك: هذا فاضربه زيدًا، وارتفع بتقدير (من) أي منه حميم ومنه غساق. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي من مثل العذاب الأول. فالقول مضمر عند قوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ الاقتحام: الدخول على خطر أو مشقة من غير تثبيت. والقول عند قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مضمر ﴿مَرْحَبًا﴾: اسم من الرحب استعمله العرب في الخير والشر فكل من رضيت بمكانه قالت: مرحبًا به، على سبيل الدعاء له، وكل من لم ترضَ بمكانه قالت: لا مرحبًا به على سبيل الدعاء عليه. وحسن دخول الاستفهام وكونه مرادًا ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ إنما هو لكونهم غير متخذين إياهم سخريًا (٢) لو كانوا أشرارًا على الحقيقة داخلين معهم النار؛ لأن الاتخاذ يدل على صرف الشيء عن حقيقته في الغالب، فكأنهم قالوا: أسأنا الظن بهم والقول فيهم اتخذناهم سخريًا أم صدقنا فهم معنا في النار قد ﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.

стр. 1475

﴿تَخَاصُمُ﴾ رفع بتقدير ضمير؛ أي هو تخاصم. عن معاذ بن جبل قال: احتبس عنا رسول الله (١) ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوّب بالصلاة فصلّى رسول الله (١) وتجوّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال (٢) لنا: "على مصافكم كما أنتم" ثم اتصل إلينا فقال: "أما إني ساحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصلّيت ما قدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك (٣) وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلالًا، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفَي حتى وجدت برد أنامله بين يدَي فتجلّى كل شيء وعرفت يده فقال (٤): يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات يا رب، قال: ما هو؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حيث الكريهات، قال: ثم فيمَ؟ قال: قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قومي فتوفّني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك" فقال رسول الله: "إنها حق فادرسوها (٥) ثم تعلموها" (٦). قال تعالى الله عن التصور والتقدير والتحيُّز إلى الجهات والحلول في الصور، ولكنه يحل روح خطابه محلاًّ محسوسًا كإحلاله القرآن في

стр. 1476

المصاحف والتوراة في الألواح، ثم يظهر على المحسوس من آياته ما يفيد علمًا ضروريًا. ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ (١) لم يكن إبليس لعنه الله بعد إنكاره على الله تفضيل آدم ﵇ عارفًا إياه على الحقيقة ولكنه كان يخاطب مخاطبًا له من العيب على سبيل الظن، ويحلف باسمه على سبيل العُرف والعادة من قبل إنكاره، كهؤلاء المشركين من أهل الكتاب في أدعيتهم بعد إنكارهم على الله إنزال القرآن على رسوله ونسخ الشرائع المتقدمة من المتكلفين المتولين للقرآن والمخترعين من ذات نفسه، ويحتمل أنه نفي التعرض لعلم الغيب بالكسب والحيلة على طريقة الكهنة والمنجمة. ...

стр. 1477

سُورَةُ الزُّمَرِ مكية (١)، وعن ابن عباس وعطاء: إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي، قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] (٢)، وهي اثنتان وسبعون آية في عدد أهل الحجاز والبصرة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قالوا: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ لهذه الرتبة بأتراب الوحدانية والقهر اللذين هما آيتا الإلهية من يشاء. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يلف، من كور العمامة أو لإلقاء من قولهم جمعته فكوّرته. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا﴾ ترتيب الخبر دون المخبر عنه، والمراد بالخلق الخلق الأول حيث أخرج بني آدم من صلب بني (٤) آدم أمثال (٥) الذر، فقال: ألست بربكم؟

стр. 1478

﴿وَلَا يَرْضَى﴾ ليس بنفي للمشيئة تنطلق على المرضي والمكروه. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ نزلت في أبي حذيفة ابن المغيرة (١)، وفي كل من كان مثله، وقيل: في أبي جهل، ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ أعطاها وأفادها، والخول الخدم ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ دعاوة، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ عائد (٢) إلى ربه تعالى وتقدم الكلام عند الزجاج (٣). ﴿نَسِيَ﴾ تضرعه الذي يتضرع إلى ربه ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ خبرًا بلفظ الأمر. ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فحوى الآيات أنهن نزلن بمكة في المفتونين على سبيل الدلالة على الهجرة أو الصبر على الأذية من أعدائهم المشركين. وذكر الكلبي في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ إنه الرجل يجلس مع القوم يستمع الحديث من الرجال فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما يسمع ويكف عما سوى ذلك (٤). ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ كالذي لم يشرح فقسا قلبه. ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو المشرك الذي غلّت يداه كالذي هو مؤمن آمن. ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ المكررات من القصص والأحكام والأمثال بعضها مثل بعضها، وفائدة ذلك التنبيه على كون ما وقع به التحدي ممكنًا غير محال لولا الإعجاز الإلهي. عن عبد الله بن المسور قال: لما نزلت هذه الآية ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: "إذا دخل النور في القلب انفسح

стр. 1479

وانشرح" قالوا: هل لذلك من علم نعرف به؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (١). ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ ترتعد ﴿يَهِيجُ﴾ يجف ويصفر، وعن علي: لا يهيج على التقوى زرع قوم (٢) ﴿حُطَامًا﴾ يكسر ويصير بمنزلة ما يحطم، والحِطْم الفاعل والحَطْم المنفعل. ﴿سَلَمًا﴾ وسالمًا مسلمًا الذي لا دعوى فيه لأحد ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ التشاكس سوء الخلق وصعوبته، وإنما قيل ﴿مَثَلًا﴾ لأنهما جعلا مثلًا واحدًا، قاله الفراء (٣). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أطلق اسم المآل على الحال كقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قال: أنا مت وعزّ من لا يموت قد تيقنت أني سأموت، وعلى هذا حمل الفراء (٤) قوله: ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] ويجوز أن يكون عليمًا في حال الصغر. عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال الزبير: أيكرر علينا الخصومه بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، فقال: إن الأمر إذًا لشديد (٥). وعن إبراهيم قال: لما نزلت قال أصحاب رسول الله: ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (٦). وقال علي لأبي بكر بعد وفاته: سمَّاك الله في تنزيله صديقًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أبو بكر (٧).

стр. 1480

﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ثم قال: ﴿هَلْ هُنَّ﴾ لأنه إن كان المراد بهما الأرواح فالروح تذكَّر وتؤنَّث، وإن كان المراد الأصنام فالصورة مؤنثة للفظها. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ في محل النصب لوقوع التوفي عليه (١) ﴿مَنَامِهَا﴾ ظرف لقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ وهذه الآية كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نفرت وانقبضت، قيل: دخل على الربيع بن خثيم رجل ممن شهد قتل الحسين وكان ممن يقاتله، قال ابن خثيم: يا معلقها يعني الرؤوس، ثم أدخل يده في حنكه تحت لسانه فقال: والله لقد قتلتم صبية لو أدركهم رسول الله لقبل أفواههم وأجلسهم في حجره. ثم قرأ: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يختصمون. ﴿بَلْ هِيَ﴾ أي النعمة. ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي المقالة أو الكلمة. وعن الضحاك أن الآية في النضر بن الحارث بن كلدة، وقيل: في أبي حذيفة بن المغيرة، وقيل: إنها عامة في كل كافر هذه صفته. عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله (٢) يقرأ (٣): ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ ولا يبالي. ﴿قَدْ جَاءَتْكَ﴾ بتذكير الخطاب لذي النفس دون النفس ممن جعل الخطاب للنفس.

стр. 1481

﴿مَقَالِيدُ﴾ جمع مقليد أو مقلود، فالمقليد (١) لغة الإقليد وهو المفتاح، والمقلود هو الحبل المفتول وهو السبب، وفي الحديث: "قلدتنا السماء قلدًا في كلل أسبوع" (٢) وضاقت عليه. ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ أراد النكال والفضيحة العاجلة كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤]. وعن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي ﵇ (٣) فقال: يا محمَّد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، قال: فضحك النبي ﵇ حتى بدت نواجذه، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤). وعن عائشة قالت: يا رسول الله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين (٥) المؤمنون يومئذ؟ قال: "على الصراط يا عائشة" (٦). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ (٧): "كيف أنعم وقد التقم صاحبُ القرنِ القرنَ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ في الصور فينفخ" فقال المسلمون: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله" وربما قال: "على الله توكلنا" (٨). عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٦) قال:"ينادي منادٍ -يعني في الجنة-

стр. 1482

إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا ولا تباسوا أبدًا" وذلك قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢] (١). ...

стр. 1483

سُورَةُ غَافِرٍ سورة المؤمن: مكية (١)، وعن ابن عباس: إلا آيتين، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر: ٥٦] نزلتا بالمدينة (٢)، وهي أربع وثمانون آية (٣) حجازي (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾ عن ابن عباس فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه اسم الله الأعظم لما روي عن النبي ﵇ (٥) قال: "إذا بيتم فقولوا: ﴿حم (١)﴾ لا ينصرون" (٦). قال أبو عبيد: معناه: اللهم لا ينصرون. والثاني: أنه قسم قياسًا على سائر الحروف. والثالث: أنه من جملة الحروف (٧) المقطعة التي يتركب فيها أسماء (٨) الله كالألف واللام والراء والحاء والجيم والميم والنون.

стр. 1484

وعن مجاهد عن ابن مسعود قال: حم ديباج القرآن (١). وعن زر بن حبيش قال: قرأت على علي بن أبي طالب القرآن في المسجد الجامع بالكوفة فلما بلغت الحواميم قال: يا زر بن حبيش قد بلغت عرائس القرآن (٢). وسأل عمر بن الخطاب رجالًا من إخوانه كانوا بالشام فسأل عن رجل قالوا ذاك أخو الشيطان أتى الشام فخالط أهل هذه الأشربة وجفا فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ فلما جاءه الكتاب رجع عن فعله وتاب ثم قال: صدق الله ونصح إليّ عمر، ثم أقبل على طريقة حسنة (٣). ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وغيره يجوز أن يكون بدلًا ويجوز أن يكون صفة لأن التكبُّر عن متمحض فيه لكونه مضافًا إلى معرفة فكأنه قيل: الغافر للذنب القابل للتوب الشديد عقابه. وعن الأخفش أن التوب جمع التوبة (٤)، وهذا محمول على أن التوب فعل عام وهو المصدر، والتوبة فعل مرة. ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ اتصالها من حيث قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ تسمية آيات القرآن شعرًا وسحرًا (٥) وسجعًا وأساطير الأولين إنها مخالفة [للحقيقة] (٦).

стр. 1485

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ اتصالها من حيث ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾. وذكر الكلبي أن ابتداء استغفار الملائكة للمؤمنين إنما كان من لدن أمر هاروت وماروت. ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يوم القيامة إذا رأوا العذاب ولاموا أنفسهم ومقتوها. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ أي مرتين على ما سبق. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى النداء. ﴿رَفِيعُ﴾ رفع كقوله ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ [الرعد: ١٢]. ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ تلاقي الخصوم يوم الجمع أو تلاقي المحسوس والمعقول ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، والقول مضمر عند قوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ وكذلك عند قوله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وعن الحسن عنه ﵇ (١): "مَن قال الحمد لله الذي تعزّز (٢) بالقدرة وقهر العباد بالموت نظر الله إليه، ومَن نظر إليه لم يعذبه واستغفر له كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض" (٣). ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ وأزف يأزف أزوفًا إذا دنا جانبه مصدر كالعافية (٤) هو يوم الصيحة الآزفة (٥) أو الرجفة الآزفة أو البعثرة الآزفة أو الزلزلة الآزفة، وأزف يأزف أزفًا إذا دنا. ﴿خَائِنَةَ﴾ مصدر كالعافية وراعته الإبل وتاعته الشاء. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ فيها دلالة على أن قارون لم يزل

стр. 1486

عدوًا لموسى ﵇ (١) باغيًا على قومه متعصبًا لفرعون إلى أن أهلكه الله، وفيها دلالة على أن فرعون ما كان يكفّ عن موسى ﵇ (٢) لحلمه وكرمه ولكنه يخاف اختلاف قومه في أمره إن قتله. وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ على سبيل الاستهزاء وقلة المبالاة، أي ما يمنعني عن قتله إلا مكانكم، فإن اجتمعتم على قتله وأشرتم علي بذلك فليدعُ ربه حينئذ هل يمنعني عن قتله ﴿فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ أي فساد مملكته الفاسدة. ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ هو حبيب النجار ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ إنما يكتم قطعه الحكم بصدق موسى ﵇ (٢) في دعوى الرسالة دون إيمانه بوحدانية الله تعالى وبالأنبياء الماضين ﵈، وإنما يكتم لخوفه القتل على نفسه، ولم يخف في سائر الخصال إلا محرمًا لجدال، وإنما دعاهم إلى طاعة موسى ﵇ على سبيل الشك أو غلبة الظن؛ لأن موسى ﵇ (٢) كان يدعوهم إلى إنجاء بني إسرائيل وذلك فعل لم يكن مخالفًا للمعقول، فكان يجوز فعله من غير اعتقاد، وإنما قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ لأن موسى ﵇ (٢) قد وعدهم بأشياء وخوّف بأشياء للتخيير كقوله: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآية، والثاني: أن المراد بالبعض الكل. وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ يدل على أنه بين الغرور والإكراه. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي لا يريد أن يظلم هو بنفسه على عباده لتعاليه عن الاتصاف بالظلم بدليل إهلاك القرون الماضية بالغرق والصيحة والريح ونحوها، وقال (٣): ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقيل: يريد أي يحب.

стр. 1487

﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ تناديهم ما لها؟ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة: ١] أو محاجتهم في النار. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي شفاعة، وقيل: دعوة مبرهنة صحيحة (١). ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ أسلم. ﴿النَّارُ﴾ رفع لكونه بدلًا من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أو يكون مبتدأً وخبره في الفعل المتصل بالضمير العائد إليها (٢). ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ على سبيل ردّ عجز الكلام على صدره. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ روي أن الآيتين نزلتا في اليهود الذين أعظموا القول في الدجال الذي ينتظرونه، فزعموا أنه نبي آخر الزمان وأنه يسخِّر السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم ويحيي ويميت فردّ الله عليهم (٣). قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ قيل: اليهود ونحوهم ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مثل المؤمن المتعوذ بالله من فتنة الدجال ومعرة الجدال. عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" (٤) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ جمع سلسلة وهي الحلق المتصلة بعضها ببعض لتكون

стр. 1488

كالحبل وهو من الحديد ونحوه وهي معطوفة على الأغلال ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرون، وسمّي السحاب سحابًا لانسحابه. ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يرسلون، من قولهم: شعر منسجر أي مرسل، وقيل: يوقدون من فوقهم. سجرت (١) التنور بالسجور؛ أي بالوقود، وقيل: يملؤون بطونهم من الحميم من قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور: ٦]، أي المملوء. إنهما في محل السجر مع أنهم يشكونه أو يشركونه. ...

стр. 1489

سُورَةُ فُصّلَتْ سورة حمَ السجدة: مكية (١)، وهي ثلاث وخمسون آية في عدد أهل الحجاز (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمَّد فلو ابتغيتم من يعلم السحر والكهانة والشعر فأتاه فكلّمه ثم أتانا ببيان من أمره. فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علمًا ما يخفى. فلما خرج إليه قال له عتبة: أنت يا محمَّد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ إن لتشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسًا ما بقيت، وإن كانت بك الباءة زوّجناك عن نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت، وان كان إنما بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني أنت وعقبك من بعدك. ورسول الله ﷺ (٣) ساكت ولا يتكلم. فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ ﴿حم (١)

стр. 1490

تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكف، ورجع إلى أهله فلم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ وأعجبه كلام محمَّد وما ذلك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فأتوه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عليّ إلا أنك قد صبوت إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن ماله، فغضب وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني أكثر قريش مالًا ولكني قد أتيته فقصصت عليه القصة فأجابني والله بشيء ما هو بسحر ولا كهانة ولا شعر، قرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب (١). وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال: خلق الأرض يوم الأحد وبوم الاثنين (٢) ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ قال: شقّ الأنهار وغرس الأشجار ووضع الجبال وجعل فيها المنافع يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وقدّر الأقوات ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يوم الخميس ويوم الجمعة، فمن سألك في كم خلقت السموات والأرض فقل في ستة أيام (٣). ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مقطوع، من قولهم حبل متين، أو منقوص من قوله:

стр. 1491

﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] أو منقض بتذكره وبُعده من قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ضد سعود. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أراد هداية الدلالة والتمكين دون الإرشاد وخلق الاهتداء كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]. وعن ابن مسعود قال: اختصم عند البيت ثلاث؛ قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم وكثير شحم بطونهم، وقال أحدهم: أترون الله يسمع ما تقول؟ فقال آخر: يسهمع إن جهرنا ولا يسمع إن خفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا (١)، فأنزل الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ (٢) الآية. وعن علي ﵁ في قوله: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قال: ابن آدم الذي قتل أخاه من الإنس (٣)، وإبليس الأبالسة من الجن. وعن أبي جعفر قال: ابن آدم الذي قتل أخاه والشيطان الذي سوّل له. ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ شركهم وكفرهم. ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ أبحنا وقدّرنا وسبّبنا. وعن أبي بكر الصديق ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال علي: إن الله ربهم (٤).

стр. 1492

وعن عمر بن الخطاب ﵁: لم يروغوا روغان الثعالب (١). وعن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال للنبي ﵇ (٢): قل لي قولًا في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (٣) على هذه المقالة. وعن ابن عباس قال: ثم استقاموا على ما افترض الله عليهم (٤). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ ذكر الكلبي أن الآيات نزلت في نبينا ﵇ (٥) (٦) وأبي جهل لعنه الله، والأقرب أنه في نبينا عليه أفضل الصلاة (٧) والسلام (٦) وفي بعض المؤلفة. وعن عائشة قالت: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قالت: المؤذنون ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بين الأذان والإقامة (٨). والضمير في ﴿يُلَقَّاهَا﴾ عائد إلى الحالة الموعودة وهي حالة يودّ العدوّ أنه ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أو يتشبّه بولي حميم (٩). ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملُّون. وعن ابن عباس أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم (١٠).

стр. 1493

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، وخبره في جملة قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي قل لهم. وعن الحارث الأعور عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: ألا إنها ستكون فتنة فقلت: ما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ مَن ابتغى العلم في غيره أضلّه الله ومَن ولي هذا الأمر من جبار فحكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم، فيه خير من قبلكم، وبيان من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن فلم تنته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢]، لا يخلق عن كثرة الرد على طول الدهر ولا ينقضي عبره ولا تفنى عجائبه". ثم قال للحارث: خذها إليك يا أعور (١). ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والثاني من معنى قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]. ﴿أَكْمَامِهَا﴾ جمع كم وهو وعاء الطلع، ويقال: كم العسل إذا استتر من الهواء حتى يقوى، والأكمام أغطية النوى. ﴿الْآفَاقِ﴾ النواحي واحده أفق، فمن جملة ما رأت قريش من الآيات ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ على عهد رسول الله (٢) إيمان النجاشي وفيروز الديلمي وباذان والي اليمن وهلاك كسرى أبراويز والأسود (٣) [العنسي واستئصال اليهود ومخافة هرقل وأخذ كبد صاحب دومة الجندل، وما رأوه بعد ذلك هلاك مسيلمة وأخذ طليحة الأسدي، وفتح العراق والشام وما والاها من ديار

стр. 1494

الشرق والغرب، ومما سيرونه بإذن الله، ففتح قسطنطينية وهلاك الدجال وسائر ما هو مأمول من فضل الله ورحمته، والذي رأوه من الآيات في أنفسهم في عهد رسول الله ﵇ (١) غزواته المعروفة إلى يوم فتح مكة، والذي رأوه بعد ذلك ما رآه بنو أمية من السفاح والمنصور والمهدي ﵁. ...

стр. 1495

سُورَةُ الشُّورَى مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات (٢) ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ [الشورى: ٢٣] الآية، فلما نزلت قال رجل من المنافقين: والله ما أنزل الله هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٢٤] ثم إن الرجل تاب من ذلك وندم ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [الشورى: ٢٦،٢٥] الآيتان (٣)، وهي خمسون آية عند أهل الكوفة (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ قيل في العين إشارة إلى العلم، وفي السين إشارة إلى سر الله في افتراق الفرق، وفي القاف إشارة إلى قول الله في وصف الجماعة، وفي السين إشارة إلى المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين بالنساء من الرجال، والقاف إشارة إلى القوم المنقادين لقائدهم. وعن أبي عبيدة أن العين إشارة إلى العذاب، والسين إشارة إلى السين، والقاف فيها العجب.

стр. 1496

وقال الضحاك: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ قضى العذاب الذي سيكون أرجو أن يكون قد مضى يوم بدر والسنون التي أصابت أهل مكة أحد من حم إلا من قدر له الحمام الذي هو الموت. ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي وجود ابتداء حالة الانفطار من جهاتهن اللواتي هي من فوقهن لتقتل ما فوقهن من الفرش أو مما شاء الله أو لهيبة الله تعالى فوقهن لتصدع الجبال من خشية الله، وقيل: الضمير في ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ عائد إلى الأنفس المعبودات من دون الله على ظن أنهن بنات الله، تعالى الله عما يقولون، فالسموات تكاد يتفطرن من فوقهن أي من فوق هؤلاء الأنفس لعظم قول المشركين فيهن، هؤلاء الأنفس إنما هن الأرواح الخبيثة من الشياطين دون الملائكة الذين ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ شهيد عليهم. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي مجتمعين على دين واحد هدى أو ضلالة. ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي في حال الازدواج (١). ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ من شريعتنا تحريم ذوات الأرحام (٣) ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ لعطف الجملة وهو مبتدأ وخبره ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ فكذلك

стр. 1497

إشارة إلى إقامة الدين وترك التفرُّق فيه، لا حجة في ترك إقامة الدين وفي ترك ما أنزله (١) الله تعالى ولم ينسخه. ﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يجادلون في دين الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ من بعد ما وعد الجواب في الدين أثه دين نوح وسائر الأنبياء ﵈، وأنه موافق لما أنزل الله من كتاب غير مخالف لبعض الكتب المنزلة ولا يبعد أن يكون الجواب هو الإعجاز الإلهي. عن قتادة قال: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما يشاء من أمر الدنيا ولا يعطي نية الدنيا إلا الدنيا، ثم قرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ الآية (٢). عن أبي هريرة عنه ﵇ (٣): "يخرج آخر الزمان رجال يلبسون للناس جلود الضأن من اللِّين وألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب فيقول الله: أبي يغترون أم عليَّ يجترئون فبي (٤) حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيران" (٥). ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ إن كلمة الفصل هي التي أوجب الله تأخيرها إلى يوم الفصل (٦). عن زر بن حبيش الأسدي قال: قرأت على علي بن أبي طالب ﵁ القرآن في المسجد الجامع بالكوفة، فلما بلغت رأس العشرين من ﴿حم (١) عسق (٢)﴾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾

стр. 1498

الآية، قال: بكى حتى ارتفع نحيبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: "يا زر أمّن على دعائي" ثم (١) قال: "اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص المؤمنين، وموافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والخلاص من النار، يا زر إذا ختمت القرآن فادعُ بهؤلاء الدعوات، فإن حبيبي رسول الله أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن" (٢). وعن أبي زكريا الفراء قال: إن الأنصار جمعوا نفقة فأتوا بها إلى رسول الله وقالوا: إن الله قد هدانا بك وأنت ابن أختنا فاستعن بهذه النفقة على بيوتك، فلم يقبلها النبي ﵇، فأنزل الله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) أي في قرابتي من قريش. وعن أبي مالك قال: لم يكن فخذ من قريش إلا للنبي ﵇ (٤) فيهم قرابة فقال: "إن لم تبايعوني على ما آتيكم به فاحفظوا قرابتي فيكم " (٥)، قيل: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال سعيد بن جبير: القربى آل محمَّد، فقال ابن عباس: أعجلت، إن رسول الله (٦) لم يكن بطن] (٧) من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: أن لا تصلوا بيني وبينكم من القرابة (٨). ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ يصيره غير سامع ولا قائل للوحي، والواو في

стр. 1499

﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾ (١) لعطف الجملة لا للعطف على المجزوم، وسقوط الواو هاهنا كسقوطها من قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١] إذ لو كان معطوفًا لما ذكر اسم الله تعالى وأن هو الباطل واجب بالإجماع غير موقوف على جزاء وشرط. وعن علي قال: خصلتان حفظتهما من رسول الله ﷺ (٢) وأنا أحب أن تحفظوهما، قال رسول الله ﷺ (٣): "ما عاقب الله عليه عبدًا في الدنيا من ذنب فالله أرحم من أن يثني عقوبته عليه في الآخرة، وما عفا الله عن عبده في الدنيا من ذنب (٤) فالله أكرم من أن يعود في شيء عفا عنه " (٥). وعن أبي موسى (٦) الأشعري عنه ﵇ (٧): "لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر" ثم قرأ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٨). ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ الجبال. ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ في محل الجزم لأنه معطوف على مجزوم ﴿رَوَاكِدَ﴾ سَوَاكِن. ﴿شُورَى﴾ اسم من المشاورة، ووجه المدح على كون الأمر شورى بينهم قبح الاستبداد والتضاد كقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 1500

وقال عمر بن الخطاب ﵁ (١) في بيعة أبي بكر الصدِّيق ﵄: إنها كانت فتنة وقد وقى الله شرها، فلا تكون الإمارة من بعد إلا عن مشورة (٢). ﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وجه المدح على الانتصار عند البغي كراهة الذلة والتمسكن وتمكين العدو من الأهل والنفس. وعن علي ﵁ (٣) عنه ﵇ (٤) "إن الله ليبغض من يدخل عليه بيته ولا يقاتل" (٥) وهذا محمول على من لم يقاتل فشلًا وجبنًا وخذلانًا لأهله وعياله دون من سلّم الله أمره وكره الفتنة كهابيل وعثمان والحسن بن علي ﵁: المستبان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم (٦). ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ لأنهم يحشرون على وجوههم، ويطمس على أعينهم وإنما ينظرون إلى العرش أو إلى النار. ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار أي لا يستطيعون الإنكار يومئذ. ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أي يجعل الأولاد ذكورًا أو إناثًا. ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ إلهامًا ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهو إلقاء الكلام في مسامع البشر من غير واسطة ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ من الملائكة ﴿رَسُولًا﴾ والكلام الذي هو عن إدراك البشر إياه كلام الله تعالى حالة مشاهدة العبد إياه وذلك لوجوب الاضمحلال عند تجلي ذي الجلال. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي لست تعرف إيمانًا سماعيًا

стр. 1501

من جهة الكتاب ولا إيمانًا عقليًا من جهة الاعتبار فحولك وقوتك وقضية طبيعتك ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ روحًا من أمرنا ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ بالإلهام مرة وبالرسالة أخرى كما هديناك، وقيل: لم يكن فيما مضى من الزمان تعرف القرآن ولا الإيمان السماعي. ***

стр. 1502

سُورَةُ حمَ (١) الزّخْرُفِ مكية (٢)، وهي تسع وثمانون آية في غير عدد أهل الشام (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنعرض بالذكر عنكم، تقول: ضربت عن فلان وأضربت عنه إذا أعرضت عنه. ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ بينهم وهي سنة الله فيهم. ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ تقديره ليسندن خلقهن إلى ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) وإنما يحتاج إلى هذا التقدير إذا وصلنا التي تليها، وإذا فصلنا (٥) فالتقدير في الثانية أجل هو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾. ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ إلى ضمير عائد إلى ما فيه، وإنما جمع الظهور مع كونها مضافة إلى واحد لكون الواحد في معنى الجمع كقولهم كثر أوباش الجند وقلّت أوباشه.

стр. 1503

﴿مُقْرِنِينَ﴾ مستطيعين، والإقران الاستطاعة والإطاقة والاقتدار. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ يجوز أن يكون كلامًا مبتدأً (١) عن جهة الله على سبيل الإنكار، ويجوز أن يكون حكايته قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ﴾ بألا نبي من الكفار. وليس في قوله ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ ما يمهد لليهود والنصارى عذرًا لأنهم محرِّفون مبدِّلون غير مستمسكين ولو كانوا مستمسكين لكانوا مستسلمين في محوه وإثباته وتصريف آياته. ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٢) أنه على سنة وطريقة. ﴿بَرَاءٌ﴾ مصدر كالسواء والملاء. والمعنى: أنا بريء مما تعبدون وأنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ للإسلام. ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ بأنه وضع في تلبية الحج: لبيك لا شريك لك وبأنه قال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي يعرضون عن الكفر ويعتزلونه، وقيل: جعلها كلمة باقية في عقبه لعل عقبه يرجعون إلى قضية تلك الكلمة إذا اختلفت بهم الأهواء. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ نزل في الوليد بن المغيرة حيث قال (٣): لولا أنزل هذا القرآن علي بمكة أو على مسعود الثقفي بالطائف (٤). ﴿وَمَعَارِجَ﴾ سلاليم. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو مجلس يُتخذ من الألواح ونحوها في

стр. 1504

البيوت، ووجب حبّ هذه النعم على الكفار ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بكرم الله ومحبته أن لا يخلي عبدًا من إحسانه إما عاجلًا وإما آجلًا. وعن ابن عباس عنه ﵇ (١): "لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد ولصببت الدنيا عليه صبًّا" (٢). وعن كعب قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لكلّلت رأس الكافر بإكليل فلا يصدع ولا ينبض منه عرق يوجع (٣). ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ يميل، قال أبو الهيثم: يقال: عشوت إلى الشيء إذا أملت إليه، وعشوت عنه إذا أعرضتُ عنه، وأصله تبيُّن الطريق في الليل بضوء النار في الظلمة، ولا يكون ذلك إلا على ضعف. وعن الزهري: لما أسري بالنبي ﵇ (٤) صلّى خلفه كل نبي كان أُرسل، فقال للنبي ﵇ (٤): ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ (٥) ويجوز أن يكون التقدير: سل آل من أرسلنا، أو سل ذوي من أرسلنا (٦). ﴿يَضْحَكُونَ﴾ يستهزئون. ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل، ويحتمل أنه مترتب على ألف الاستفهام، كأنه قال: أفلا تبصرون مزيتي على موسى أم تبصرونها فأنا خير منه عندكم.

стр. 1505

﴿آسَفُونَا﴾ أغضبونا (١). ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ أي وضع آية ومعجزة وقد سبق القول في كيفية جدال قريش وكيفية الرد عليهم. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (٢): "ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال" (٣) ثم تلا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: إن كان ما يقول أبو هريرة حقًا فهو عيسى ابن مريم (٤) ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال سفيان: يقول أبو هريرة حقًا أقروه مني السلام عني في الحديث نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال في آخر الزمان، ولكان يجوز أن يقول الضمير عائد إلى عيسى ابن مريم قبلما رفع إلى السماء فإنه لم يُبعث إلا في آخر الزمان، ولكان يجوز أن يقول الضمير عائد إلى القرآن أو إلى نبينا ﵇ (٥) والقول عند قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ مضمر يدل عليه قوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾. ﴿بِصِحَافٍ﴾ جمع صحْفَة وهي كالقصعة المسطحة ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب وهو القدح الذي لا عروة له ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ تستطيب. ﴿لَا يُفَتَّرُ﴾ لا يحدث الفتور فيه (٦).

стр. 1506

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ بالموت كقولهم: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة: ٢٧]، و (مالك) اسم خازن النيران وهو رئيس الزبانية. وعن عبد الله بن عمر قال: نادى أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فخلّى عنهم أربعين عامًا ثم أجابهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فقالوا: ربنا أخرجنا منها، فخلّى عنهم مثلي الدنيا ثم أجابهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فأطبقت عليهم ثانية، فما نَبَس القوم بعد هذه الكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق (١). ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام ﴿أَبْرَمُوا﴾ أحكموا، أُنزلت الآية في شأن الذين تشاوروا في كيد رسول الله (٢) في دار الندوة (٣) أو في أمثالهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار يدل عليه قوله: ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ أي لم يبرموا أمرًا ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ قال الكلبي: إن النضر بن الحارث بن علقة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي لعنه الله تعالى كان يهزأ بالقرآن وأنكر عليه عثمان بن مظعون وقال: اتقِ الله فإن محمدًا ما يقول إلا حقًا. قال النضر بن الحارث: وأنا والله ما أقول إلا حقًا، فإني أقول لا إله إلا الله كما يقول محمَّد لا إله إلا الله ولكنني أقول أنهنَّ (٤) من بنات الله؛ أي الأصنام فأنزل، فلما سمعها النضر بن الحارث فهم منها ما أعجبه وقال: إن محمدًا قد صدّقني، فقال الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكنه كذبك، فإنه يقول ما كان للرحمن ولد لا يعني من أن يكون له ولد، فغضب النضر بن الحارث عند ذلك وقال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ

стр. 1507

بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] قال: ذهب إلى هذا أهل التفسير والمعاني (١)، فقال ابن عرفة: إنما يقول عبد يعبد فهو عبد، وقال ما يقال عابد، والتقدير: عبده إن كان في أوهامكم وآرائكم للرحمن ولد فانا أول عابدٍ لله بالتوحيد الخالص، وقيل: التقدير: لو كان يجوز أن يكون للرحمن ولد لكنت أول عابد لذلك الولد، وقد ذكرنا قضية لفظ أو ولو كان هذا التقدير الآية فهي قريبة من قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] وإنما يكون مثل هذا الكلام للتنبيه على غاية الاستحالة. ...

стр. 1508

سُورَةُ الدُّخَانِ مكية (١)، وهي ست وخمسون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر (٣). وعن عكرمة أنها ليلة النصف من شعبان (٤)، ولا يصح هذا القول إلا أن تكون ليلة القدر دوّارة في السنة للتفاوت الذي بين الحساب الشمسي والقمري أو لمعنى لطيف إلهي. وقال ابن مسعود: من يقم الحول يُصب ليلة القدر (٥). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لست ليال خلون من رمضان، والزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل نزل لثلاث عشرة ليلة (٦)

стр. 1509

خلت من رمضان، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان (١). وعن ابن عباس: نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كانت تنزل بعد كيف ما شاء الله (٢) وذلك قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ نصب على أنه حال للمنزل أي أنزلناه أمرًا من عندنا (٣). ﴿بِدُخَانٍ﴾ وهي آية منتظرة (٤) من الآيات العشر. وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت (٥): لمَ؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يطرق الدخان. وسلوني عن سورة "البقرة" وعن سورة "يوسف" فإني قرأت القرآن وأنا صغير (٦). وعن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود قال: إن قاصًّا يقص يقول يخرج من الأرض الدخان فيأخذ بمسامع الكفار ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، قال: فغضب وكان متكئًا فجلس ثم قال: إذا سئل أحدكم عما يعلم فليقل به، وإذا سئل عما لا يعلم فليقل: الله أعلم [فإن من علم الرجل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم] (٧) وإن الله قال لنبيه:

стр. 1510

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] إن رسول الله لما رأى قريشًا استصعبوا عليه، قال: "اللهم أعِنِّي بسبع كسبع يوسف" فأخذهم سنة فأحصت (١) كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة. وروي العظام قال: وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، قال: وأتاه أبو سفيان فقال: إن قومك قد هلكوا فادعُ الله لهم. قال: فهذا قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ﴾ الآية، وقيل: هذا لقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ قال: فهل يكشف عذاب الآخرة وقد مضى البطشة واللزام يوم بدر والدخان (٢) وهذا مخالف لما تقدّم، والله أعلم بالصحيح. ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ في معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ فاتركوني واهجروني. ﴿رَهْوًا﴾ سكونًا أو متتابعًا، تقديره: اترك البحر ساكنًا على حالته (٣) وعلى حالة الانفلاق غير مضطرب ولا ملتطم، أو اترك البحر متتابعة أمواجه في الهواء ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. ﴿فَمَا (٤) بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ أي أهل السماء ﴿وَالْأَرْضُ﴾ أراد مبالغة وصفهم في الهوان. وسئل ابن عباس (٥): أتبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس من الخلائق أحد إلا وله باب من السماء أو في
следующие страницы →