← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

السترة، والفرق بينهما أنّ الشيء يكون تحت الظل دون الستر إلا أنه يقال للشمس مُسْتَظلة إذا كانت محتجبة بالسحاب. فرقٌ آخر أن الرائي يتحيل الظلَّ ولا يتحيل الستر وجمع الظلّ: ظلال، وجمع الظُّلَّةُ: الظُّلَل. والظليل هو: الطيب. قال الله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (١) وقال في ضده: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ (٢). وأَظلّك الطائر إذا حاذاك وقَرُبَ منك وألقى ظله عليك، أعني ما يتحيل. ويُستعار للشهر والزمان فيقال: أَظَلَّ الشهرُ والزمان. ﴿الْغَمَامَ﴾ غيمٌ أبيض، وإنما سُمِّي غمامًا لأنه يَغُمُّ السماءَ ويسترها, وللِقاحِهِ بالماء لأنه يَغمُّ الماء في جوفه، وغمغمةُ السحاب: صوتُهُ، والغمام: واحدٌ وجماعة، قال الحُطَيئة (٣) يمدحُ رجلًا: إذا غِبْتَ عنَّا غابَ عنا ربيعُنا ... ونسْقى بالغمامِ حينَ تَؤوبُ و ﴿الْمَنَّ﴾ كان شيئًا من جنس التَّرَنْجُبين (٤). والسَّلْوَى كان طيرًا يُشبه

стр. 177

السُّمَاني (١)، ولا واحدَ له من لفظه عند الأخفش. وقال الخليلُ (٢) الواحد سَلواه. ويقال: السلوى: العسل. وقال: وقَاسَمَها باللهِ حقًا لأنتم ... اَلذُّ من السلوى إذا ما نشُورها وإنما أنعم عليهم بهذه في التيه حين احتاجوا إلى الطعام وتأذوْا من حرِّ الشمس. والقولُ هاهنا مضمرٌ تقديره: وقلنا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، كقوله: ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٣) وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ

стр. 178

﴿بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٢). وقال امرؤ القيس (٣) (٤): أفاطِم مهلًا بعض هذا التدلُّلِ ... وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجمِلِي و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض (٥). والطيبُ: ما لا تعافه طبعًا ولا تكرهُه شرعًا، وكان غير الطيب من رزقهم ما رفعوا للغد لأنهم كانوا منهيين إلا في يوم الجمعة للسبت. وهاهنا اختصارٌ تقديره: فَعَصَوْا (٦). ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بعصيانهم، وإنما لم يقل: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم (٧) لأن ذكر المظلوم كان أهم. ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الوحي كان إلى يوشع بن نون (٨) وهو ابن أخت موسى ووزيره بعد هارون، وهو أحد النقباء الذين قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٩). وجملةُ قصة بني إسرائيل أن الله تعالى لما أنجاهم من فرعون وفَرَقَ بِهِمُ البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾. ثم

стр. 179

كان انطلاق موسى إلى الميقات (١) ثم اتخاذهم العجل (٢) ثم التوبة (٣) ثم رجوعهم إلى ما أورثهم الله تعالى مما أخرج منه آل فرعون من جناتٍ وعيون وكنوز ومقام كريم (٤)، وهناك حديث حادثة البقرة (٥)، والخرْجة إلى مجمع البحرين مع يوشع (٦)، وخسف قارون في إحدى الروايتين (٧). ثم خرج بهم موسى ﵇ إلى قتال الجبابرة وقال لقومه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ الآية. فغضب عليهم وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. ثم أخذ عصاه وتشمر وخرج من بينهم فَلَقي عوج بن عنق، فوثب وثبةً وضربه بعصاه فأصاب كعبه فخرَّ عوج ميتًا، ففرح موسى ورجع إلى قومه وبَشَّرهم بذلك وحرضهم على الإقدام، فإذا الله تعالى حَرَّمها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض (٨)، ثمَّ أنَّ الله تعالى ظلَّل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهمُ المنَّ والسلوى، وفَجَّر لهم من الحجر اثني عشر عينًا ثم عادوا إلى الكفران والعصيان (٩) وقالوا: ﴿يَا مُوسَى (١٠) لَنْ نَصْبِرَ عَلَى

стр. 180

طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ فقال موسى تهديدًا وتقريعًا: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (١)، وليس لهم إلى ذلك سبيل لحبس الله إياهم في التيه إلى أن توفي الله هارون وموسى ﵈ أو استأثرهم وهم في التيه بعد، ثم قادهم يوشع بن نون بعد ذلك من التيه إلى قتال الجبابرة [وأخذ الأرض المقدسة ففتح اللهُ له أريحا ثم إيليا ثم بلقاء وهي العظمى، فكان بالق مالك الجبابرة]، (٢) وبلعم بن باعوراء صاحب الاسم الأعظم فيها، فخذلهم اللهُ وفيها أُنْزِلَتْ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقيل: نزلت في إيليا وهي آخر بيت المقدس، وبابُ حطة معروف بها (٣)، وفتح الله على يديه بعد ذلك الجبال وسائر بلاد العواصم، والدخول هو الولوج، و (هذِهِ) تأنيث (القريَةَ) بقعة يجتمع الناس فيها، ويُقال للحوض: المِقْرَاة؛ لأنَّ الماء يجتمع فيه (٤)، وقريةُ النمل: جُحرها. والمراد بها بلدة. والأكل: حقيقة التلف والاستراط ويستعمل في الإنفاق مثل: أكل الدراهم والدنانير، ويستعمل في الاستيلاء (٥)، قال ﵇: "أُمِرْتُ بقريةٍ تأكُلُ القُرى" (٦) يعني المدينة. وأراد هاهنا: الإنفاق والتوسعة. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منحنين (٧) متواضعين لله (٨). ورُوِيَ أنه ﵇ دخل يوم الفتح مَكَّة وقد بلغ عُثْنُونُهُ (٩) سرجه تواضعًا لله.

стр. 181

و ﴿حِطَّةٌ﴾ لفظةٌ تَعَبَّدَهُم الله تعالى بالتلفُّظِ بها، ومعناها: لا إله إلا الله (١)، ورُفعت ليكن منك حطةٌ لذنوبنا، أو فقلنا: هذا حطة لذنوبنا (٢). مأخوذ من حَطَّ يحطُّ، أي: وضع. والغُفران: ستر الذنوب، وقيل: إلباس الغَفْر (٣). وخطايا: جمع خَطِيَّة كهدِيَّة وهدايا ومَطِيَّة ومطايا، وأصله: خطايء بكسر كقلائل وطرائق، فلما (٤) اجتمعت الهمزتان قُلبت الثانيةُ ياء (٥) ثم فتحت الياء الأولى طلبًا

стр. 182

للخفة (١). والخطيئة والخطأ: اسمان للإثم، وخَطِيَ الرجلُ إذا تعمَّدَ غير الصواب. وأخطأ: إذا لم يتعمد (٢). والزيادة: المد والإنماء، والمحسنُ ضد المسيء. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ التبديل: تصييرُ الشيء بدلًا عن الشيء، إما بالصرف مثل فرس من فرس، أو بالتقليب مثل قميصٍ من عمامة (٣). والظلم هاهنا (٤): الكفر، كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦). والمراد بالقول: المقول، كإطلاق اسم العلم للمعلوم وهو ذكرٌ لا يضاده النسيان. والرّجْز: العذاب (٧)، وقيل:

стр. 183

الطاعون وهو الموتان في اللغة: اسمٌ لمعنىً غير مرضي. وإنما كان رجزًا لأن الإنسان إذا مات في سخط الله، قيل: أهلكه (١) الله ودمَّرَهُ، وإذا مات في مرضاته قيل: توفَّاهُ اللهُ واستأثر به. ﴿بِمَا كَانُوا﴾ بسبب كونهم فَاسِقِينَ، ورُوِيَ أن السفهاءَ منهم والمستهزئين قالوا: حطا (٢) سمقاثا، يعنون: حنطةً سمراء التي يخالطها الشعير. فسلَّط اللهُ عليهمُ الطاعونَ أربعين يومًا جزاءً (٣) لفعلهم. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ كُسِرَت الذال (٤) لالتقاء الساكنين. وفي الآية حروف مضمرة (٥). واذكروا إذ استسقى موسى (٦). والاستسقاء: طلب السَّقي (٧)، وهو إنالة الشراب أو الشرب، ولم يتحقق ما لم يكن إشرابًا. ﴿لِقَوْمِهِ﴾، أي: لأجل قومه. والضرب بالعصا كالجلد بالسوط والقرع بالمِقْرَعة. والعصا: قضيب طوله على قامة الرجل يتخذه رعاء (٨) الغنم والرجَّالة من المسافرين، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٩) فجعلها آية

стр. 184

له (١). وقيل: طوله كان عشرة أذرع على قامة موسى كانت من آس الجنة أعطاه (٢) شعيب ﵇. والحَجَر ما تحجر من أجزاء الأرض، قيل: كان حجرًا مربعًا عليه اثنا عشر ثديًا. ورُوِيَ أن موسى ﵇ كان تعمد إلى أقرب حجر يجده حيثما نزل فيضربه بالعصا فينفجر بالماء. فقالت بنو إسرائيل: لَئِنْ فَقَدَ موسى عصاه لَمِتْنَا عطشًا، فكان يكلم الحجر بعد ذلك فينفجر بالماء بأمر الله تعالى. وقالوا: لئن نزلنا في الرمل يومًا لمتنا عطشًا، فرفع موسى حجرًا فحيثما نزلوا ألقاه، وقال ابن عباس: هو حجر خفيف مثل رأس الإنسان لما نزلوا وعطشوا أمره الله أن يأخذه ويضعه في المخلاة ثم يضربه. ورُوِيَ أنَّه كان يضربُهُ اثنتي عشرة ضربة فينفجر بالماء من (٣) موضع الضربات. والعينُ: اسمٌ يشتمل معاني كثيرة، والمراد هاهنا الينبوع. والانفجارُ: الانشقاق (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ (٥) ومنه سُمِّيَ الفجرُ لشَقِّه الظلام، والفاجر لشَقِّه عصا (٦) المسلمين. وقيل الانفجار: الانتشار. ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ اسمان (٧) جُعلا اسمًا واحدًا (٨) ....................

стр. 185

﴿عَيْنًا﴾ (١) نصب على التمييز. و ﴿كُلُّ﴾ اسمٌ جامعٌ يتناول (٢) كل واحدٍ على سبيل الإفراد، و ﴿أُنَاسٍ﴾ جمع تقديره: كل حزبٍ أو جماعة. والمَشْرَب: موضع الشُّرب كالمَذْبَح والمَشهَد، وأكثر هذا الوَزن في المصادر كالمَقْتَل. وعَثِيَ يَعْثَى وعَاثَ يعيثُ: أَفْسَدَ. وجمع اللفظين في معنى واحد نهاية البلاغة، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ (٤). وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٥). وقال ذو الرُّمَّة (٦): لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لُعَسٌ ... وفي اللثاتِ وفي أنيابِها شَنَبُ و ﴿مُفْسِدِينَ﴾: نصب على الحال (٧). ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ والطعام: اسم لما يطعم، والمراد به: المنّ والسلوى (٨) وإنَّما سمَّوهما واحدًا لأنهما كانا سماويين فكانا من جنس واحد. وقيل: إنهم كانوا يعجنونهما، وهذا كتسميتك

стр. 186

الخَبيصَ طعامًا واحدًا وإنْ جمع الحلاوة والسمن والدقيق. والواحد: اسمٌ لعماد الأعداد، والدعاء: نظير الندبة، ودعاؤك مَنْ فوقك بمعنى الاستنجاد والاستعانة. والسلام في ﴿لَنَا﴾ أي: لأجلنا. و ﴿يُخْرِجْ﴾ جزم على جواب الأمر، واللام في ﴿لَنَا﴾ للتخصيص، كقولك: الثوب لعبدي. ومِنْ في ﴿مِمَّا﴾ صلة أو قائم مقام اسم يتضمنه (١). والإنبات: تنميةٌ وتربية قابلة للنماء. و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ للتفسير. والبقل: اسمٌ شاملٌ أجناس الخضروات من رِطَاب (٢) الأرض. واحدها: بقلة (٣)، والقِثَّاء: الخيار. والفُوم: الثوم (٤) كالجَدَث والجَدَف، ويقال: زيدٌ فمَّ عمرو، أي: ثُمَّ. قال: وأنتم عبيدٌ لئامُ الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل (٥) وقيل القوم: الحنطة (٦)، يقال: فوَّموا الناس، أي: اختبزوا، وقيل القوم: اسم للحبوب، قال الشاعر: قد كنتُ أحْسَبُني كأغنى واحد ... ورد المدينة عن زراعة فومِ (٧)

стр. 187

والعدس: حبة يستوي كيله ووزنه، ويقال له: البُلْسُن. والبصل: الحوقل. والبري: العُنْصُل. والأدنى: حذفت الهمزة تخفيفًا (١). وقيل الأدنى: الأقرب متناولًا ووجودًا، وذلك الوصف ينبىء عن الكساد والهوان. وقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ على التقريع. وصرف ﴿مِصْرًا﴾ لأنها غير مُعرَّفة (٢)، يعني مصرًا من الأمصار، وهو اسمٌ للمدينة. وأصل المِصْر: الحدّ، ومُصور الدار: حدودها. قال الشاعر (٣): وجاعلُ الشمسِ مِصْرًا لا خفاءَ به ... بين النهارِ وبين الليل قد (٤) فضلا ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: سؤالكم بها إن هبطتم. والسؤال هاهنا

стр. 188

بمعنى الاستبانة دون الإخبار. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أُلزموها (١)، ومنه الضرائب. وكان ابتداء ذلَّتهم من وقت بختنصر فإذا هي تتزايد (٢) كل يوم. و ﴿الذِّلَّةُ﴾ الصَّغَار. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ذهابُ العزِّ والمُلك وفقرُ القلب ﴿وَبَاءُوا﴾ حادوا (٣) عن درجة السعداء ورتبة المفلحين (٤). وقد صحبهم موجباتُ غضب الله. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة فعلهم باؤوا. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات إرميا (٥) النبي وآيات عيسى وغيرهما ﵈ وانَّما قال: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ على وجه التأكيد أو لاستوائهم مع (٦) غيرهم في حكم القصاص وسائر الأحكام، وان كانوا معصومين. والعصيان: تركُ الأمرِ عمدًا أو إباءً أو زلةً، والاعتداءُ: مجاوزةُ الحد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ عارضةٌ في خطاب بني إسرائيل حثًا على الإيمان والعمل الصالح، إذ المقصود من ذلك المؤمنون واليهود والنصارى. وإنما جمع بين المؤمنين وهؤلاء في الذكر لما جمع بين الإيمان والعمل الصالح في الشرط. واليهود: جمع يهوديّ، مثل عربيّ وعجميّ، من قول موسى والسبعين ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٧)، وقيل: نسبوا إلى يهوذ ابن يعقوب، وهذا لا يصح لأنَّه سبطٌ واحد ولا يشملهم، ولأنَّ إسلامهم يزيلُ الاسمَ عنهم، والنسبة لم تزل الإِسلام، وفيه إبدال حرف بلا فائدة. وقيل: لتهوّدهم، أي: تحركهم عند القراءة. ويحتمل أنه متأخر

стр. 189

موضوع (١) لأجلهم. وقيل: اسمٌ اعجمي معرب، فلما عُرَّبَ جُعل كأنه اشتق من هَادَ يهُود (٢). ﴿وَالنَّصَارَى﴾ جمعُ نَصْران، مثل: حيران وحَيَارَى، أو جمع نَصْري، مثل: بعير مَهْري وإبل مَهَارى. مأخوذٌ من نصرهم عيسى، إذ قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). ويقال: لنسبتهم إلى قرية ناصرة، ويجوزُ أن يكون للمعنيين جميعًا (٤). ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ أهلُ الكتاب عند أبي حنيفة تحلّ مناكحتهم وذبائحهم ووافقه السُّدي (٥)، وقيل: هم قومٌ

стр. 190

يؤمنون بإدريس ﵇ ويوحِّدون ويعظِّمون الكواكب السيَّارة كتعظيم القِبْلة. ويحتمل أنه عني الفلاحين من نصارى بني تَغْلِبَ الذين (١) لا يُمسِّكون بجمِيع شرائع النصارى. وقال ابن عباس: هم قومٌ من النصارى ألينُ منهم قلوبًا. ويحتمل أنه عني المتهود أو المتنصر من المجوس وعبدة الأوثان لأنهم يُقرُّون (٢) على ما ينتقلون إليه عندنا بخلاف المرتدين. ويحتمل أنه عني قومًا قد انقرضوا. وقال صاحباه (٣): هم عبدة الكواكب، ووافقهما قتادة (٤).

стр. 191

والأجر: الخيرُ الموجب على السعي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) في حكمِهِ وعلمه ورأيه، ففلانٌ (٢) عند فلان، أي بيديه، والشيء عندَ فلان، أي: في قبضته، وعن علي بن أبي طلحة (٣) عن ابن عباس (٤): أن الآية كانت في شأن مَنْ آمن بالله واليوم الآخر فقط، وهو ثابتٌ على ملة يحسن فيها، فصارت منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٥). وهذا التأويل محمولٌ على قومٍ لم يتكلفوا على الإيمان بنبي آخر وكتاب آخر حتى ماتوا. وفي هذه الرواية دلالة على جواز نسخ الجزاء في المستقبل عند الإعلام (٦) كنسخ الواجبات من الأمر والنهي بخلاف الواقعات من الأخبار، إذ نسخ الأخبار غير متصور. ثم عاد إلى خطاب بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وأخذه: عقدُهُ وأحكامه (٧). قال في المنافقين: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٨) وقد

стр. 192

يكون بمعنى الأسر، كقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (١)، وبمعنى الغصب كقوله: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٢)، وبمعنى القبول والتمسك كقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٣) ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ أي: قلعنا وحبسنا فوق رؤوسكم، وذلك أنَّ الله لما أنزل التوراة على موسى فأبى قومه أن يقبلوه فأمر الله تعالى بملائكة نتقت الجبلَ فوقهم فنودوا أن اقبلوا التوراة وإلا أرضختم به، فخرّوا لله ساجدين على شقِّ وجوههم يلاحظونَ الجبلَ، وقبلوا التوراةَ مكرهين. وفي رواية عطاء (٤) وابن عباس (٥): رفع الله الطور فوقهم وبعث نارًا من قِبل وجوههم وأتاهمُ البحر الملح (٦) من خلفهم، فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا التوراة أحرقكم الله بهذه النار (٧) وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل، فأخذوا كارهين. والرفع نقيض الوضح. وفوق الشيء: ما لم يلحقه لعلوِّه وارتفاعه من حدّ أو حال أو محل كهاهنا (٨). والطور: الجبل (٩)، وقيل: الجبلُ المنبت. قال ابن عباس: هو طور سيناء، والقوةُ:

стр. 193

شدةٌ تنافي الانثناء (١) والانكسار. وأراد هاهنا: القوة في القبول والإقبال (٢). والذكر هاهنا: المحافظة والتذكر والاعتبار (٣)، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ راجعٌ إلى قوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وقيل إلى قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم، كقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ (٤) والمراد به: إعراضهم عما أُخِذَ عليهم الميثاق لأجله. و ﴿لَوْلَا﴾ لفظةُ شرط تقتضي توهُّم عدم المحيل لتوهم وجودِ المُحَال (٥). وفائدتها: التنبيه على تأثير المحيل ويليها اسم مرفوع وجوابها باللام فعل مُثبت باللفظ أو منفي. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ تفضل الله وهو زيادة ما يستحقونه من الملاذ والمُهْلة وزيادة الدعوة والاستتابة مع التمكين من الإجابة. وإنما قال: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لأنه رجع إلى المعنى أعني التفضيل أو لأنه نعمة عليهم.

стр. 194

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ نزلت في شأن هؤلاء اليهود أيضًا، يذكِّرهم قصةَ قوم منهم كانوا يسكنون أيلة على ساحل البحر ابتلاهم بإتيان الحيتان آمنةً يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم مخافة الاصطياد، وذلك بإلهام الله تعالى الحيتان كإلهامه الصيد في الحرم فلا ينفر. فاعتدوا في سبتهم حرصًا وشرهًا فمسخهم الله قردةً خاسئين. قال ابن عباس (١): اعتداؤهم حقيقة الاصطياد في يوم السبت. وقال الحسن: كانوا يرسلون الشصوص في آخر يوم الجمعة وكانت الحيتان تعلق بها يوم السبت فيأخذون يوم الأحد وكانوا منهيين عن الحيل ثم وضع الإصر عن هذه الأمة وأباح الحيل فيما لا يستقبح، وفي لفظه (٢) (قَدْ) نوع (٣) تأكيد لإثباته الفعل الواقع حيثما كان ولا يدخل على الأفعال المجزومة لأنها ليست بواقعة ولا (٤) على الأفعال التي أكدت بالنون لاستثقال التأكيدين والقسم مقدَّر فيه فكأنه قيل: والله لقد علمتم (٥). والعلم: رؤية تنفي الجهالة أو رؤية تعم (٦) الغيب والشهادة. ويتعدى (٧) إلى مفعول واحد، كقولك: علمت (٨) الخير والشر، وإلى مفعولين كقولك:

стр. 195

علمت (١) كذا. ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في يوم السبت، وقيل في استخفاف شأن السبت. والسبت الذي يلي الجمعة، وهو مصدر لقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ (٢) وهو عبارة عن الفراغ والاستراحة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ (٤) ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ حقيقة القول عند أهل السنة ﴿كُونُوا﴾ أمر تكوين (٥) وإيجاد، كقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا﴾ (٦) الآية. وقول الله تعالى حقيقة، وقد أكّد بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٧) والتأكيد لنفي إيهام الاستعارة، وفي فحوى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (٨) الآية ما يدلُّ على أن القول صفته حقيقة، والأدلة عليه موجودة في سائر قصصه وأخباره وأوامره ونواهيه ووعده (٩) وإيعاده. وقول الجماد فلأن الله تعالى أنشأ النطق في الأجزاء المؤلفة علي بنية حيوانية، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (١٠) فلولا أن تسبيح الجبال بالقول حقيقة وإلا لم يكن

стр. 196

لتخصيصه معنى. ﴿قِرَدَةً﴾ واحد قرد كالفيل والفِيَلة، وهو ضرب من الوحوش يأتلف كالدب، وتسمى الأنثى قشة. والأمة الممسوخة لا تتناسل عند أكثرهم لأنهم لم يعيشوا فوق ثلاث. وقيل: إن هذه القردة منهم، ويجوز تناسل الممسوخ وبقاؤه (١)، وقد روي أن النبي ﷺ تحرَّج عن أكل الضب (٢). وقال: "إن أمةً من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض ولا أدري أي الدواب هي" (٣). ﴿خَاسِئِينَ﴾ متباعدين على الذلِّ والصِّغار، تقديره: خاسئين قردة (٤) وإلا يقال: قردة خاسئة، لكن التقديم والتأخير لوفق رؤوس الآي.

стр. 197

﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: القرية أو القردة أو الأمة أو العقوبة (١)، ﴿نَكَالًا﴾ عقوبة. تنكل الناس عن الإقدام على مثل جريمة حلَّت لأجلها، ويطلق على المعاقب أيضًا (٢)، وهو اسم كالسحاب والشراب (٣). ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قدامها. وبين الشيئين: ما توسطهما من المكان أو الحال. واليد: اسم للجارحة التي هي بمنزلة الجناح، وتطلق على معنى: النعمة والقدرة والقضية وغيرها (٤). والأصل: يدي، والجمع الأيدي. وخلف الشيء: المكان الذي هو يعرض عنه، والمراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: من وراءها من الأمم والقرى. وقيل: من شاهدها ومن سمع بها (٥). والموعظة: مصدر كالموجدة، ولم تلحق الهاء بالأكثر كالموعد

стр. 198

والموثق، وهو قريب من النصيحة والإنذار. وتخصيص اِلمتقين لأنهم هم المرادون بالاتِّعاظ وإن لزمت الحجة الكافة، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ إلى ست آياتٍ أو سبع نزلت في قصة عاميل المقتول في بني إسرائيل بعد رجوع موسى ﵇ بهم إلى مصر، قتله ابنا عمٍّ له ليرثاه فطرحاه بين قريتين عظيمتين (١). ورُوِيَ أن ابنَ أخٍ له قتله لينكحَ ابنته، ورُوِيَ أنه طرح (٢) على بابٍ من أبواب المسجد، وكان لمسجدهم اثنا عشر بابًا لكل سِبْطٍ بابٌ، فتخاصم الناسُ وتحاكموا إلى موسى ﵇ فحكم بحكم القَسَامة (٣)، وهي في التوراة على نحو ما في شريعتنا، غيرَ أنهم كانوا متعبدين (٤)، فيما يروى

стр. 199

بأن يضعوا أيديهم على بقرةٍ مذبوحةٍ ثم يحلفوا بالله الذي لا إلهَ إلا هو إله بني إسرائيل ما قتلناه، وما علمنا قاتله. فلما وقعت هذه الواقعةُ أَبَوْا إلا تعيين القاتل، ولم يدفنوا المقتول أيامًا، وآل بهم الأمر إلى الاختلاف والاقتتال. فلما طالَ الشرُّ شَكَوْا إلى موسى ﵇ فوعدهُمُ الله تعالى إحياءَ المقتول على شريطة ذكرها في هذه الآية، لتبيين القاتل، ويكون ذلك آيةً على البعث والنشور، فاتَهموا نبيَّ الله، وغَلَوْا في دين الله، وما كادوا يأتون بالشريطة لكثرة تمرُّدهم وتردُّدهم. ثم قست قلوبُهم من بعد مشاهدة الآية أو وقوع العلم بها فهي كالحجارة أو أشد قسوة، على ما وصفه الله تعالى. و (إذْ) ظرف على ما تَقَدَّمَ، ويحتمل أن يكون العامل فيه قالوا، ويحتمل أن يكون التقدير في قالوا: فقالوا، إلا أنه أسقط حرف العطف لاستقامة الجواب بذاته، كما في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) الآيات، ﴿بَقَرَةً﴾ واحده بقر (٢). والبقر: اسم جنس، والجمع باقر وبقور (٣). وفي الآية دليل على ثبوت العموم لأن تقديرها: أن تذبحوا بقرة ما (٤)، كما تقول (٥) للغلام: ناولني حصاةً وادعُ

стр. 200

لي رجلًا، فجملوه على طريق الإجمال ولم يتسارعوا إلى الائتمار والإقبال فَزلُّوا وأَضلّوا. وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو اعترضوا على أية بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدَّد الله على أنفسهم" (١). والهُزؤ: مصدرٌ أقيم مقام المفعول (٢)، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ يعني: مستهزأ به، والجهلُ: نقيضُ العلم. والشيءُ المجهول ما لا يثبت معلومًا معقولًا. وقد يكون بمعنى الاعتداء، قال الشاعر (٣): أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجاهلينا والوجهان محتملان هاهنا, لأن من استهزأ في غير (٤) موضع الاستهزاء كان جاهلًا بقبحه متعديًا في أمره. ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ تبيينك الشيءَ: تصييرُكَ إياه بيِّنًا، والبيان والإبانة والاستبانة بمعنى (٥)، وهو: الامتياز والاتِّضاح، والتمييزُ والإيضاح والتبيين نقيضُ: التلبيس وغير التبيين. ﴿مَا هِيَ﴾ استفهامٌ عن صفة (٦) البقرة،

стр. 201

والاستفهام عن (١) الصفة قد يكون تارةً بلفظ إيش، وتارة بلفظ ما، وتارة بلفظ مَنْ، يقول: إيش هذا؟ وما هذا (٢)؟ ومَنْ هذا؟ والاستفهامُ عن الحال والهيئة يكون بلفظ كَيْفَ. وفيه دليلٌ على أن الصفة لا تباينُ الذات بخلاف الحال والهيئة (٣). وقوله: ﴿إِنَّهَا﴾ تدلُّ على أن تخصيص العموم لا يكونُ نسخًا وإلاَّ لَما صَحت الكناية عن الأول, لأنَّ النسخ عبارة عن الرفع والإزالة، والتخصيص: عبارة عن النص والإفراد. ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: ليسَت بمسنة ولا التي لم تنتج، وقيل البكر: التي لم تحمل إلا بطنًا واحدًا (٤). ﴿عَوَانٌ﴾ دون المُسِنَّة وفوق البكر، ورُفِعَ لأنه خبر مبتدأ محذوف (٥)، أي: هي عوان (٦). ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ اختصار، وتقديره: بين ذلك وذلك، قال الله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٧)، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٨) وقيل: معناه بين ذلك الوصف في الاثنين بين فعلهم وبين فعله. وقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ يدلُّ على أنَّ الأمر غيرُ محتمل وأنهم لم يكونوا محتاجين إلى التفسير ولكن شددوا وتكلَّفوا مما لم يكن عليهم.

стр. 202

﴿مَا لَوْنُهَا﴾ اللون: اسمٌ يعمُّ أعراضاً يتبين به الجوهر لحاسة العين. ﴿صَفْرَاءُ﴾ أي: لون اليرقان والزعفران، إلَّا أنَّ الصفراء قد يكون نعتاً للسود من الإبل، وذلك لأنَّ سوادها لا يخلو من صفرة، والدليل على أَنَّه لم يُرد ها هنا السواد تأكيدهُ بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ لأنه يقال: أسود حالك وأصفرُ فاقع (١). وفاقع: خبر (...) (٢). و ﴿لَوْنُهَا﴾: اسم. ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ صفة للبقرة. والسرور: نقيض الحزن، ويدلُّ على أن المراد به الصُّفرة؛ لأنَّ الصفرة هي التي تسرُّ الناظرين. ﴿تَشَابَهَ﴾ اشتبه والتبس (٣)، وإنَّما لم يقل: تشابهت, لأن البقر اسم

стр. 203

الجنس. قال ﵇ (١): "لولا أنهم استثنوا لما اطَّلعوا على قاتله" (٢). وفي هذا ونظائره دليلٌ على أنَّ الأمور خيرها وشرها بمشيئة الله (٣). ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ إنما ارتفع لأنه صفة معينة (٤) وليس بجنس، ومن حق (لا) أن تبنى مع الأجناس فكأنه قال: ليست بذلول لإثارة الأرض. والذلول: المُسَخَّر (٥). وإثارةُ الأرض: ضربُها وقلبُها. وقيل: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ مستأنف غير متصل (٦) بما قبله، واستحسن (٧) الوقف على قوله: لا ذلول (٨). وقيل: لا ذلول، أي: ليست بذلول للحمل (٩) والركوب. والحرث: اسم هاهنا، ويجوز أن يكون مصدرًا كالحراثة، وهو يطلق على ما لم ينبت من البذر، فإذا نبت فهو زرع ويجوز (...) (١٠) اسم الزرع ولا يجوز تقديم اسم الزرع. وإنما يسقى البقرُ الأرض بالدوالي إذا كانت مرتفعة. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ صفة للبقرة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف،

стр. 204

ومعناه: مَصُونةٌ عن الآفات وهي (١) العيوب والتسخير ﴿لَا شِيَةَ﴾ لامعة (٢)، وعن سعيد بن جبير (٣) والحسن: كانت صفراء الظِّلفِ والقرن (٤). و ﴿الْآنَ﴾ اسم للوقت الموجود أعني الحال (٥)، وهو منتصبٌ على الظرف، والعامل فيه جِئْتَ، والمجيءُ: الإتيانُ بالحَقِّ أي: ما لا يندفع بالدفع ولا يلتبس، وهاهنا اختصار تقديره: فوجدوها واشتروها فذبحوها. جاء في التفسير أنهم وجدوها عند غلام (٦)، قال ابن عباس (٧): كان أبوه استودعَ الله تعالى هذه البقرة وهي عجل فَشَبَّتْ في الغيضة كالوحش، فلما كَبُرَ الغلامُ مَكَّنَتْهُ من نفسها، فأتى بها أُمَّهُ فلما ساوموا بها اليتيم قالت

стр. 205

أمه: لا تَبعْها حتى تشاورني، وكان حينئذٍ (١) ثمن البقرة ثلاثة دنانير. فأبى الغلامُ وأُمُّه بيعها إلا بملء مَسْكِها ذهبًا، فاشتروا بذلك. وقال السُّدِّيُّ: كان الغلامُ بارًا بأبيه، جاءه رجلٌ بلؤلؤ فابتاعه منه بسبعين ألفًا، وكان في اللؤلؤ فَضْلٌ فقال: إنَّ أبي نائم والمفتاح تحت وسادته فأنظرني ولك عشرة آلاف زيادة، فقال الرجل: وأنا أحطُّ عشرةَ آلاف على أن (٢) توقظ أباك. قال الغلام: وأنا أزيد عشرين على أن تنظرني ساعةً، فلم يزل يزيدُ هذا أو يحطُّ ذلك حتى استيقظ أبوه، فأعقبه الله ببرِّه بأبيه نفاسة تلك البقرة حتى اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبًا. قال وهب: كانت البقرة للقاتل، عن أبي العالية: كانت لعجوز قيمةٍ على اليتامى (٣). ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ على الذم لكثرة تردُّدهم. ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ تدافعتم، صيّرت التاءُ دالًا وأُدغِمت في الدال فصارت المدغمة ساكنة فابتدأ بها همزة الوصل (٤). نظيره: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ (٥) و ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ (٦) والدرء: الدفع (٧) ﴿مُخْرِجٌ﴾، والإخراج: الإبراز والإظهار.

стр. 206

﴿اضْرِبُوهُ﴾ الهاء كناية عن الميت أو المقتول أو الشخص أو الإنسان أو الرجل (١). ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ببعض البقرة. قال ابن عباس (٢): إنه العظم الذي يلي الغضروف. وعن الضحاك (٣) أنه: لسانها. وعن قتادة وعكرمة (٤) أنه فخذها، وخصَّ الكلبي: الفخذ اليمنى. وعن سعيد بن جبير أنه عَجْب ذنبها الذي تركب عليه الخلق ولا تأكله الأرض. وعن السُّدي (٥) أنه: المضغة التي بين كتفيها. وقيل هو: الأُذُن. والكاف للتشبيه (٦) و ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى إحياء عاميل. والإحياء ههنا تركيبُ الروح في الجسد و ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع مَيِّت وأصله عند الفراء: مَوِيْت كَصَرِيع وصرْعى (٧)، وجَرِيح وجَرحى،

стр. 207

فاستثقلت الكسرة (١) على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء فأدغمت الياء في الياء. وقيل أصله: مَيْوِت. ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ والرؤية: حقيقة المشاهدة، وإراءتك الشيء شيئًا: تحصيلك رؤيته إياه. قيل: المخاطبون هم اليهود، والمراد آباؤهم، والآيات: إحياء عاميل وغيره مما كان في بني إسرائيل، وقيل: هم اليهود والعرب، والآيات: إخبار النبي ﵇ عما لم يشهدهُ ولم يسمع به من الثقلين. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون (٢) وتفقهون، والمراد هاهنا استعماله والانتفاع به. ﴿قَسَتْ﴾ جَفَت وصلبت (٣). وهي صلابةٌ مذمومة، يقال: درهمٌ قَسِيٌّ على وزن شَقِيّ وهو الرديء والمغشوش، وذلك لأنه أشدّ صلابةً مِنَ الفضة المحضة. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد إحياء عاميل. ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أ﴾ أي: مثل الحجارة. و (أوْ) بمعنى الواو، وقيل

стр. 208

بمعنى: بل (١). إلَّا أن في مثل هذا الموضع لاستدراك الصواب بالأصوب. الأشد، أي: الأغلظ، وإنما ارتفع واشتدّ عطفًا على الخبر وهو الكاف (٢)، ويجوز أن يكون كاف التشبيه في محل الإعراب، قال الشاعر (٣): أتنتهون ولا يَنْهَى ذوي شَطَطٍ ... كالطعنِ يَذْهَبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ فأخبر عن الكاف، والإخبار عن الاسم لا غير دلَّ على (٤) أنه يقبل الإعراب في التقدير. ولفظة ﴿أَشَدُّ﴾ هاهنا للمبالغة في التفضيل. يقال: اليوم أشدُّ بردًا من أمس. ونصب قَسْوَةً على التفسير (٥). والألف واللام في (الحِجَارة) لاستغراق الجنس. و (مَا) بمعنى الذي وهو في محل النصب لمكان إن، والهاء في (مِنْهُ) كناية عما يتفجر منه الأنهار (٦) أي: ماء

стр. 209

الأنهار، كقولهم: سأل الميزابُ أو الوادي. ﴿يَشَّقَّقُ﴾ يتشقَّق (١) وينفلق. ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ﴾ بَلَلٌ وماءٌ لا يبلغ الأنهار، وهذا يدلُّ على جواز التضمين والتوليد (٢). ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: من سبب خشية الله، وهذا يدلُّ على أن الجوهرَ محلٌّ للمعاني من الإرادة والتميز والخشية والنطق والألم واللذة إن أوجدَ اللهُ فيه (٣)، سواء كانت فيه الحياة والقدرة أو لم تكن، ولأنه لا تعلُّقَ لهذه المعاني بالحياة (٤) والقدرة كالظهور والخفاء والقيام والبقاء بخلاف الكسب والاختيار لأنهما مختصَّان بالحياة. لأنا نشاهد الجمادَ واهتزازَه ونضارَتَهُ وذبولَهُ وتعرِّي الحيوان عن هذه المعاني كلها أو بعضها. وهذه المسألة يمكن أن تبتنى على مسألة عذاب القبر أو تبتنى مسألة عذاب (٥) القبر عليها. والغافل: نقيض الخبير، وقد تكون نقيض المشغول، يقال: غفل عنه أي شُغِلَ عنه.

стр. 210

وقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ نزلت في شأن المؤمنين (١) حيث طمعوا في شهادة اليهود لهم ورَجَوْا نصرهم إياهم على مشركي العرب. والطمعُ قريبٌ من الرَّجاء والتوقع، قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (٢) وهذا يقتضي تفخيم الطمع وتبعيد [ما طمعوا فيه ثم بيّن جهة التفخيم والتبعيد] (٣) فقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: طائفةٌ وقطعةٌ منهم وهم الأحبار (٤) يسمعون كلام الله من رسلهم. ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يعوجونه باللحن، كقولهم: هطا (٥) مكان حطة أو التأويل كتوجيههم الخطاب في التوراة بقوله: تمسَّكوا بهذه الشريعة أبدًا ما دامت رؤوسكم على أبدانكم أو ما دامتِ السماوات والأرضُ، إلى المكلفين بشريعة صاحب الحمار وصاحب الجمل المذكورين في التوراة المرسلين بالإعجاز وهما: عيسى ابن مريم، ومحمد خاتم النبيين صلوات الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فهذا ونحوه (٦) تحريفهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموهُ. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ معناه: وقت التفهُّم أو يعلمون أنَّهم محرفون. ويُروى أن المراد بالفريق: مَنْ حَرَّفَ كلام الله من جملة السبعين الذين كانوا مع موسى ﵇ وذلك أنهم سمعوا كلام الله (أنا الله ربكم لا إله إلَّا أنا الحيُّ القيُّوم) (٧) فلا تعبدوا إلهًا غيري

стр. 211

ولا تشركوا بي شيئًا ولا تجعلوا لي شَبَهًا، فلما سمعوا ذلك خرجت أرواحهم (١) من أجسادهم ثم عادت إليها فقالوا - وهم سجود -: إنَّا لا نستطيع كلام ربنا فكُنْ أنت يا موسى بيننا وبين ربنا، فكانوا يسمعون بواسطة موسى ﵇ بعد ذلك، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم قومهم فصدقوهم المقال إلا الذين لم يُرِدِ الله أن يطهِّرَ قلوبَهُم فإنَّهم حرَّفوا وقالوا: إنَّ الله أتْبَعَ أوامره ونواهيه قوله: إنْ لم تستطيعوا فلا عليكم وافعلوا كذا وكذا. فعيَّر اللهُ تعالى كفرة بني إسرائيل في وقت النبي ﵇ بمتقدِّميهم أولئك. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ مَنُوا﴾ نزلت في منافقي أهل التوراة (٢). ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم (٣). والتحديث كالتكليم، الحديث هو الكلام. و (مَا) في محل الجر بالباء وتقديره: بحديث ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ قال مجاهدُ والسُّدِّيُّ (٤): بما حكم اللهُ عليكم مِن المسخ والعذاب أو الإيمان والنصرة، وعن ابن عباس والحسن وأبي العالية وقتادة (٥): هو حلُّ ما ينعقد وينغلق، أي: بما كشف الله عليكم من نعت

стр. 212

خاتم النبيِّين عن الكلبي (١) ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ ليُخَاصِموكم، المُحَاجَّة هي (٢): المخاصمة [بالحُجة، والحُجَّة معنى تثبت به الدعوى ويقام مقامَ البيِّنة، والحَجُّ هو الغَلَبَةُ بالحُجَّة] (٣). والهاء في ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن الحديث (٤). ومحاجةُ المؤمنين إياهم عند ربهم: مخاصمتهم إياهم على قضية حكم ربهم في الدنيا للدعوة وفي الآخرة للشهادة عليهم، كما تقول: خاصمه عند القاضي. ﴿عِنْدَ﴾ بمعنى: في، وقيل تقديره: عند ذكر ربهم (٥). ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم. ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يكتمون، والمراد به: تلاومهم، وَمَا يُعْلِنُون إقرارهم. وفي الآية دلالةٌ أنَّ الحجة لازمة [إياهم بعلمهم كما أنها لازمة بقولهم] (٦). ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ نزلت في المقلدين من أهل الكتاب. وأُميون: رفع على الابتداء عند البصريين، وعند الكوفيين على أنه خبر بحرف خافض وليس بحرف. والأُمّي: الذي لا يعرف الكتابة وهو منسوبٌ إلى الأُمّ، والأُمّ هو: الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٧)، وإنَّما نُسِبَ

стр. 213

إلى الأصل لأنه باقٍ على أصل الفطرة (١). ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي، معناه: وكتابته. ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنيَّة وهي القراءة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢). ونصب الأماني لأنه مستثنى عن منصوب كقولك: ما رأيتُ زيدًا إلا وجهَهُ (٣) ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: وما هم إلَّا ظانين (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ (٥). ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ نزلت في أحبار اليهود، وفيها دلالة أنهم أسوأ حالًا وأَشدُّ ذمًا من الأُميين. والويل: الحزنُ والبؤس ومشقة العذاب (٦). قال الفراء (٧): الأصل فيه: وَيْ ثم وُصِلَتْ به اللام

стр. 214

وأعرب (١). وعن أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﵇: "إنَّ الويلَ وادٍ في جهنم يهوي الكافر أربعين خريفًا لا يصل إلى قعره" (٣). وعن ابن عباس وأبي عياض (٤) (٥): الويل: صهريج في النار، والصهريج كالحوض، وإنما أكد الكتابة باليد لأنَّه أراد به (٦) كتابتهم أشياء من تلقاء أنفُسِهم في التوراة كقوله (٧): ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨). ﴿مِمَّا كَتَبَتْ﴾ أي من أجل

стр. 215

ما (١). والأيدي: جمع يد، وأصله يدي وتصغيره يُدَيَّة. والكسب: قريبٌ من الاجتلاب لا يوجد إلا مع الوسع. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ نزلت في اليهود أيضًا (٢) حيث زعموا أنهم لا يعذبون في النار إلا سبعة أيام عند الله وهي (٣) سبعة آلاف سنة من أيام الدنيا، وهي مدة الناس في الدنيا عن ابن عباس (٤). وعنه أنهم زعموا أن الله غضب عليهم في أمر فأقسم أن يُعَذِّبَهمِ في النار فلا يعذبهم إلا أيامًا قلائل تَحِلَّةً للقسم، وقولُهم هذا يحتمل وجوهًا أربعة: إمَّا يعتقدون فناء النار كالدنيا (٥)، أو كانوا يظنون أن أيام الآخرة تداولٌ بين الناس كأيام الدنيا، أو كانوا يرون أنفسهم مؤمنين مجرمين فأثبتوا شفاعة الأنبياء والصالحين لأنفسهم كما نُثبتها، أو كانوا وجدوا في كتبهم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٦) فعدّوا أنفسهم من المتقين فأنزل الله ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم. والمسُّ: قريبٌ من الإصابة، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٧)، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٨) وحقيقة المسّ: اللمس، وهو يكون بحسٍّ ولا يكون بحسّ. والأيام جمع يوم وأصله أيوام اجتمعت الياء والواو على ما قدمنا. والعدد: اسم كمية المجموع بين الواحد
следующие страницы →