← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ بالموت كقولهم: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة: ٢٧]، و (مالك) اسم خازن النيران وهو رئيس الزبانية. وعن عبد الله بن عمر قال: نادى أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فخلّى عنهم أربعين عامًا ثم أجابهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فقالوا: ربنا أخرجنا منها، فخلّى عنهم مثلي الدنيا ثم أجابهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فأطبقت عليهم ثانية، فما نَبَس القوم بعد هذه الكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق (١). ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام ﴿أَبْرَمُوا﴾ أحكموا، أُنزلت الآية في شأن الذين تشاوروا في كيد رسول الله (٢) في دار الندوة (٣) أو في أمثالهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار يدل عليه قوله: ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ أي لم يبرموا أمرًا ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ قال الكلبي: إن النضر بن الحارث بن علقة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي لعنه الله تعالى كان يهزأ بالقرآن وأنكر عليه عثمان بن مظعون وقال: اتقِ الله فإن محمدًا ما يقول إلا حقًا. قال النضر بن الحارث: وأنا والله ما أقول إلا حقًا، فإني أقول لا إله إلا الله كما يقول محمَّد لا إله إلا الله ولكنني أقول أنهنَّ (٤) من بنات الله؛ أي الأصنام فأنزل، فلما سمعها النضر بن الحارث فهم منها ما أعجبه وقال: إن محمدًا قد صدّقني، فقال الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكنه كذبك، فإنه يقول ما كان للرحمن ولد لا يعني من أن يكون له ولد، فغضب النضر بن الحارث عند ذلك وقال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ

стр. 1507

بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] قال: ذهب إلى هذا أهل التفسير والمعاني (١)، فقال ابن عرفة: إنما يقول عبد يعبد فهو عبد، وقال ما يقال عابد، والتقدير: عبده إن كان في أوهامكم وآرائكم للرحمن ولد فانا أول عابدٍ لله بالتوحيد الخالص، وقيل: التقدير: لو كان يجوز أن يكون للرحمن ولد لكنت أول عابد لذلك الولد، وقد ذكرنا قضية لفظ أو ولو كان هذا التقدير الآية فهي قريبة من قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] وإنما يكون مثل هذا الكلام للتنبيه على غاية الاستحالة. ...

стр. 1508

سُورَةُ الدُّخَانِ مكية (١)، وهي ست وخمسون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر (٣). وعن عكرمة أنها ليلة النصف من شعبان (٤)، ولا يصح هذا القول إلا أن تكون ليلة القدر دوّارة في السنة للتفاوت الذي بين الحساب الشمسي والقمري أو لمعنى لطيف إلهي. وقال ابن مسعود: من يقم الحول يُصب ليلة القدر (٥). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لست ليال خلون من رمضان، والزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل نزل لثلاث عشرة ليلة (٦)

стр. 1509

خلت من رمضان، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان (١). وعن ابن عباس: نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كانت تنزل بعد كيف ما شاء الله (٢) وذلك قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ نصب على أنه حال للمنزل أي أنزلناه أمرًا من عندنا (٣). ﴿بِدُخَانٍ﴾ وهي آية منتظرة (٤) من الآيات العشر. وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت (٥): لمَ؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يطرق الدخان. وسلوني عن سورة "البقرة" وعن سورة "يوسف" فإني قرأت القرآن وأنا صغير (٦). وعن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود قال: إن قاصًّا يقص يقول يخرج من الأرض الدخان فيأخذ بمسامع الكفار ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، قال: فغضب وكان متكئًا فجلس ثم قال: إذا سئل أحدكم عما يعلم فليقل به، وإذا سئل عما لا يعلم فليقل: الله أعلم [فإن من علم الرجل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم] (٧) وإن الله قال لنبيه:

стр. 1510

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] إن رسول الله لما رأى قريشًا استصعبوا عليه، قال: "اللهم أعِنِّي بسبع كسبع يوسف" فأخذهم سنة فأحصت (١) كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة. وروي العظام قال: وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، قال: وأتاه أبو سفيان فقال: إن قومك قد هلكوا فادعُ الله لهم. قال: فهذا قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ﴾ الآية، وقيل: هذا لقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ قال: فهل يكشف عذاب الآخرة وقد مضى البطشة واللزام يوم بدر والدخان (٢) وهذا مخالف لما تقدّم، والله أعلم بالصحيح. ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ في معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ فاتركوني واهجروني. ﴿رَهْوًا﴾ سكونًا أو متتابعًا، تقديره: اترك البحر ساكنًا على حالته (٣) وعلى حالة الانفلاق غير مضطرب ولا ملتطم، أو اترك البحر متتابعة أمواجه في الهواء ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. ﴿فَمَا (٤) بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ أي أهل السماء ﴿وَالْأَرْضُ﴾ أراد مبالغة وصفهم في الهوان. وسئل ابن عباس (٥): أتبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس من الخلائق أحد إلا وله باب من السماء أو في

стр. 1511

السماء يصعد فيه عمله وينزل رزقه، فإذا مات المؤمن بكت عليه معاديه من الأرض التي يذكر الله فيها ويصلِّي، وبكا بابه الذي يصعد منه، وأما قوم فرعون فلم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماء والأرض (١). وإنما كان فرعون بدلًا من ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ لكون المراد ذا العذاب المهين، ولكون فرعون نفسه عذابًا من الله علي بني إسرائيل. ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ التتابعة ثلاث من حمير: أولهم: تبع بن الأقرن بن شمر وهو الذي سار على جبل طيئ ثم على الأنبار فأتى أذربيجان وقاتل الترك فهزمهم وسبا منهم، ثم إنه غزا الصين بعد ذلك فترك طائفة من قومه بأرض تبّت. والثاني: تبع بن كليلرب كان يعرف بالنجوم ويسير بها ويمضي أموره بدلالتها، فطالت مدته واشتدت وطأته فحملته حمير فقتلته وملكوا ابنه حسانًا على أنفسهم، وقيل: إن هذا التبع الثاني كان مؤمنًا بنبيّنا ﵇ (٢)، ثم إن حسان بن تبع سار إلى اليمامة لينصر طسمًا على جديس وهو ظالم فأهلكهم أجمعين، ووثب عليه قومه بعد ذلك فقتلوه برضا أخيه. والثالث: تبع بن حسان وهو الذي سلط جد امرئ القيس علي بني معد بن عدنان وقتل من اليهود جماعة بيثرب، ثم تهوّد وكسا الكعبة الأنطاع، وبقي الملك في أهل بيته إلى أن ملك ذا نواس وهو صاحب الأخدود فيما زعموا فاغتالوه فأدمغوه بشدة. ...

стр. 1512

سُورَةُ الجَاثِيَة مكية (١). وعن ابن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] الآية (٢)، وهي ست وثلاثون آية في غير عدد أهل الكوفة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ معطوف على الضمير المحذوف التقدير: وفي خلقكم وخلق ما يبث من دابة. ﴿بَعْدَ اللَّهِ (٤)﴾ بعد تسميته وذكره. ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ نزلت الآية في النضر بن الحارث (٥) وأمثاله والمبتدعون الذين يلازمون مجالس العلماء ليتحمّلوا بهم متصفون بالآية الأولى، الذين يتعاظمون محاكاة العلماء والفقراء في أنفاسهم متصفون، أقلّ الله أعدادهم وقطع أمدادهم منتقمًا لدينه وذويه. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ﴾ نزلت فيمن نزلت أن كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة،

стр. 1513

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ خاصة حيث شتمه رجل من بني غفار (١). ﴿يَغْفِرُوا﴾ يتركوا المجازاة إلى الله تعالى. ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾ وسواء (مماتهم) لأن المؤمن يعيش راضيًا شاكرًا والكافر ساخطًا كافرًا، ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ لأن المؤمن يعرج به إلى العليين، والكافر يتسفّل به إلى سجين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس: كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر (٢) ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ من بعد ما فعل الله به هذا الفعل. ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ أي كل الزمان، وفي حديث: "فإن ذا الدهر أطوار دهارير" (٣) وقوله ﵇ (٤): "لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله" (٥) قيل: معناه لا تسبُّوا فاعل الكون والفساد وخالق الخير والشر فإن الله هو ذلك، وقيل: لا تسبُّوا الدهر فإن الله هو منشىء الدهر وخالقه، فكان سبُّهم في الحقيقة يرجع إلى الله، فنبّه النبي ﵇ (٦) عند ذلك. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ قال ابن عباس: كتاب في السماء عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما كان يعمل بنو آدم. وروي: ينسخون في ذلك الكتاب ما كان يعمل بنو آدم.

стр. 1514

عن ابن عمر ﵁، عنه ﵇ "أن أول خلق الله القلم فكتب ما يكون في الدنيا من عمل معمول برًا وفجورًا ورطب أو يابس وأحصاه في الذكر واقرؤوا إن شئتم ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه، فلله الحمد إنما كان هذا الموضع موضع حمد لفرق الله بين المؤمنين والكافرين وانتصافه للمظلومين من الظالمين، والله أعلم. ***

стр. 1515

سُورَةُ الأَحْقَافِ مكية (١). وعن ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت في عبد الله بن سلام وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] (٢)، وهي أربع وئلاثون آية في غير عدد أهل الكوفة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التقدير في قوله (٤): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرونيه ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ مصدر كالسباحة والشجاعة. سئل رسول الله ﵇ (٥) عن الخط قال: "علّمه نبي فمن وافق علمه علم" (٦)، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: فحدثت به ابن عباس فقال: هو أثارة من علم (٧). ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي ما أنا أول رسول على سنة الأولين،

стр. 1516

وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ في الذين شكوا إلى رسول الله (١) أذى المشركين، والقصة في ذلك أن النبي ﵇ (٢) كان قد (٣) رأى في منامه أنه سيهاجر إلى أرض ذات نخل، فقصّ رؤياه على أصحابه ثم مضى زمان ولم يهاجر فاستعجلوه فقال: "إنما قصصت عليكم رؤيا رأيتها ولم أقصّ عليكم وحيًا لست أدري هل يؤذن لي في الهجرة أم لا"، هكذا ذكر الكلبي وغيره (٤). وفحوى الخطاب أنه متوجه إلى المشركين في معنى قوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] الآية. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وهو عبد الله بن سلام (٥) شهد على مثل القرآن وهو التوراة أنها ناطقة برسالة رسول الله (٦)، وشهد أن القرآن من عند الله على مثل ما شهد به رسول الله (٧)، وإنما دخلت شهادته في حيز التواتر وهو رجل واحد لأسباب مجتمعة: أحدها: ما نطقت به أحبار اليهود وعلماء النصارى والكهّان برسالة رسول الله قبل مبعثه. والثاني: اعتراف عامة أحبار اليهود بأن عبد الله بن سلام أفضلهم علمًا وأصدقهم حديثًا فكانوا صدقوه في شهادته هذه.

стр. 1517

والثالث: مخافة غيره عند قراءته بعث نبينا ﵇ (١) وآية الرجم من التوراة في المصحف. والرابع: كونه غير دافع ضررًا عاجلًا عن نفسه وغير جارّ منفعة إلى نفسه بشهادته هذه إلا ابتغاء وجه الله. والخامس: استقامته على شهادته في تقلُّب أحواله، وقيل: إن شهادته لم تكن حجة ولم توجب علمًا إلا بعد تزكية الله إياه بالقرآن المعجز. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا (٢)﴾ قال الكلبي (٣): نزلت في اليهود حيث قال لهم عبد الله بن سلام: لمَ لا تؤمنون بهذا النبي؟ فقالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ رعاة الشاة. وقال الفراء: نزلت في بني عامر وغطفان وأشجع حيث قالوا هذا في مزينة وغفار وجهينة (٤). ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قال الكلبي: نزلت في أبي بكر الصدِّيق ﵁ (٥). ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ﴾ قال الكلبي: نزلت الآيتان في عبد الرحمن بن أبي بكر حالة كفره وهو بمكة يومئذ (٦) ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث من قبري. ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ قال الأزهري: الأحقاف رمال مستطيلة بناحية شجر (٧). وقال ابن عرفة: يقال للرمل العظيم المستدير حقف.

стр. 1518

وعن علي ﵁ قال: خير واديين في الناس وادي مكة ووادي نزل به آدم ﵇ (١) بالهند، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف ووادي بحضرموت يدعى بدهوت يلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر (٢) في الناس ملهوث وهو في (٣) ذلك الوادي (٤). وعن عائشة قالت: كان النبي ﵇ (١) إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا مطرف سري عنه، فقلت له، قال: "وما أدري لعله كما قال : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٥). ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ عن كعب الأحبار قال: لما انصرف رسول الله من الطائف انصرف النفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم حسّا ومسّا وشاصر وناصر والأردينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا وافدين على رسول الله وهم ثلثمائة، فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب وسلّم على رسول الله (٦) فقال: إن قومنا قد حفروا الحجون [يلقونك فواعده رسول الله ﷺ لساعة من الليل الحجون (٧)] (٨). وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﵇ (٩) ليلة صرف إليه النفر من الجن إذ جاءه عفريت من الجن بشعلة من نار يريد بها رسول الله (٦)، فقال له جبريل ﵇ (١٠): "ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن طفيت شعلته وانكبّ لنحره؟ " قال: "قل أعوذ بوجه الله الكريم

стр. 1519

وكلمة الله التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما نزل من السماء ومن شر ما يعرج ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" فطفيت شعلته وانكبّ لنحره ولم يعي ولم يكل (١). ﴿بَلَاغٌ﴾ أي هذا بلاغ ﴿يُهْلَكُ﴾ يموت على سبيل الإهانة والعذاب. ...

стр. 1520

سُورَةُ مُحمَّدٍ ﵇ - مدنية (١) (٢). وروي عن ابن عباس إلا آية نزلت عليه وهو يريد التوجه من مكة إلى المدينة وهو قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمَّد: ١٣] (٣) وهي تسع وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت الآيات في غزوة بدر (٥). ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ للتخيير وليست بمناقضة لقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلا أن هذه أفادت الحكم بعد الإثخان، وتلك تثبت الحكم قبل الإثخان، ولكنه منسوخ عند قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

стр. 1521

وعن السدي وابن جريج أنه منسوخ بآية السيف (١). ﴿حَتَّى تَضَعَ﴾ لامتداد الحكم إلى الغاية المذكورة وقت وضع أهل (٢) ﴿الْحَرْبُ﴾ أسلحتهم والألف واللام في ﴿الْحَرْبُ﴾ للتعريف والمعهود، وقيل: للجنس، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] الآية. وقال سعيد بن جبير: إنما يكون هذا الوقت عند نزول المسيح وهلاك الدجال (٣) ﴿عَرَّفَهَا﴾ أي جعلها معروفة ﴿لَهُمْ﴾ بما جعل الله بينها وبينهم من المناسبة الطبيعية. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ جملة متركبة من شرط وجزاء، الجزاء دعاء، وتعس الرجل: إذا سقط. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة ونحوها ﴿أَمْثَالُهَا﴾ أمثال عاقبة الذين من قبلهم. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ قيل: الاستفهام معروفة، فكأنه قيل (٤): مثل المتقين فيما وعدوا من الجنة الموصوفة بهذه الصفات كمثل من هو ﴿خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ ﴿آسِنٍ﴾ آخر وهو المتغير (٥) ﴿لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ إنما وصفه به (٦) لكون الحليب أحب إلى العرب من القابض (٧)، أو الدلالة على طيب الهواء فإن الشيء لا يتغير في الهواء الطيب، أو لكون الحليب أوفق لطبائع الحيوان

стр. 1522

على العموم ﴿لَذَّةٍ﴾ ذات لذة وشراب لذ ولذيذ (١) بمعنى ﴿عَسَلٍ﴾ ما رزقنا الله في الدنيا من بطون النحل ﴿مُصَفًّى﴾ لا شمع فيه ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ واحدها معًى وهو مجرى الطعام والشراب في البطن وري المعدة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ قيل أن جماعة من المنافقين كانوا يستمعون إلى رسول الله (٢) ابتغاء هفوة منه، فإذا لم يجدوها وسمعوا المواعظة (٣) تعاموا عنها كأنهم لم يسمعوها وسألوا المؤمنين ماذا قال آنفًا؟ [فمن جملة المنافقين رفاعة بن زيد والحارث بن عمرو في جملة الذين أوتوا العلم عند الله ﴿آنِفًا﴾ أي] (٤) الإيمان مأخوذ من استئناف زادهم، قول النبي ﵇ هدى. ﴿أَشْرَاطُهَا﴾ علاماتها. قال الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي (٥) علامات بينهم، قال: هذا بيان للاشتقاق، فأما حقيقة الشرط فالخصلة الموجبة للحكم. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أنه الأمر بالاستقامة على العلم ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وعند الأعمش قال: ما قعدت إلى أحد أكثر استغفارًا من [أبي صالح وقال أبو صالح: ما قعدت إلى أحد أكثر استغفارًا من أبي هريرة، وقال أبو هريرة: ما قعدت إلى أحد كان أكثر استغفارًا من] (٦) النبي ﵇ (٧) (٨). قلت: فكم كان يستغفر؟ قال: كان يستغفر الله (٩) في اليوم والليلة مائة مرة (٧).

стр. 1523

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر الكلبي وغيره أن المؤمنين كانوا يشتهون نزول الآيات من القرآن وكان (١) المنافقون من جملة المؤمنين يكرهون نزول آي القتال ويُشككون فيها، فتوعدهم الله على ذلك ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ تهديد، ومثله قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤]، وقال الأصمعي: أولى له: قاربه ما يهلكه أي نزل به (٢)، وقيل: أولى: تحسر. ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي ظاهر المنافقين طاعة وقول معروف ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي جد. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ كدتم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن أعرضتم عن الإسلام، ألا ترى (٣) قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ [محمد: ٢٥] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. والمراد بقوله: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ما كان بين الأوس والخزرج قبل الإسلام. ﴿أَقْفَالُهَا﴾ جمع قفل، ومثل جزء وأجزاء وقرض وأقراض، وهو آلة من الحديد ونحوه يغلق به الباب. فلان مقفل البدن إذا كان نحيلًا ﴿وَنَبْلُوَا﴾ عطف على قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ وإنما حسّن العطف عليه لكون النبلاء الأول مستندًا إلى الله في اللفظ والمعنى، والبلاء الثاني مستند إلى الله في اللفظ: أولى أوليائه في المعنى، أو المراد بالأول الإصابة بالبلايا والمكاره، والثاني الاختبار. ﴿أَضْغَانَهُمْ﴾ حقدهم. ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ صرف الكلام عن ظاهره قصدًا أو خطأً ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾

стр. 1524

لن ينقصكم، وفي الحديث: "مَن فاتته العصر فإنما هي (١) وتر أهله وماله" (٢). ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ يبالغوا في السؤال عنكم. وعن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله (٣): من هؤلاء الذين ذكرهم الله: إن تولينا يستبدلوا ثم لم يكونوا أمثالنا، قال: وكان سلمان بجانب رسول الله (٣) فضرب رسول الله (٣) فخذ سلمان قال: "هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس" (٤)، وروي "معلقًا بالثريا". وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﵇: "الأبدال من الموالي" (٥). ...

стр. 1525

سُورَةُ الفَتْحِ مدنية (١)، وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ عن عمر أنه كان يساير رسول الله في بعض أسفاره فسأله عن شيء فلم يجبه، قال: قلت: ثكلتك أمك يا عمر، سالت رسول الله (٣) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، فحركت بعيري وتقدمت بين يديه، فلم ألبث أن سمعت صارخًا ينادي، فأتيت رسول الله وقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، فقال رسول الله: "قد أُنزلت علي سورة هي أحب مما طلعت عليه الشمس" ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤). وعن المغيرة بن شعبة أن النبي ﵇ (٥) صلّى حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " (٦). قيل: المراد بالفتح هو حكم الموادعة بين

стр. 1526

رسول الله (١) وبين المشركين عام الحديبية، ويحتمل أنه معنى قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]. وعن أنس قال: أُنزلت على النبي ﵇ (٢) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﵇ (٣): "لقد نزلت علي آية أحب إليّ مما على الأرض" ثم قرأها ﵇ (٤) عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤). وذكر الكلبي أن الله تعالى لما أنزل في المؤمنين من كتابه ما أنزل وذلك بالحديبية، قيل: رجع رسول الله (٥) إلى المدينة، وبلغ ذلك ابن أُبي ابن سلول فقال لأصحابه: هيهات ما نحن إلا كهيئتهم، فأنزل الله ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (٦). وعن معاذ بن جبل قال: قال النبي ﵇ (٧): "ثلاث مَن كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى وزعم أنه مؤمن: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف" فقيل: يا رسول الله هذا للمسلمين؟ قال: "إنما حدثت عن رجال من المنافقين حدثوا أنهم أسلموا فكذبوا وائتمنهم علي فخانوا ووعدوا الله فاخلفوا" (٨). ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ظن أسد وغطفان (٩) أنه لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا سالمين.

стр. 1527

﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ الضمير عائد إلى الله تعالى. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ ذكر الكلبي أن جد بن قيس كان من الذين نكثوا العهد وكان قد توارى تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم (١). ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ الآيات نزلت في مزينة وجهينة وأسد وغطفان وأمثالهم (٢). ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ (٣) يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ أراد بنفي خروجهم بعد ذلك نفي تكليفهم وتشريكهم في الغنائم، فخرج جماعة منهم إلى خيبر متبرعين لا غنيمة لهم، وقيل: لم تكن غنيمة خيبر إلا لأهل الحديبية خاصة. ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ قد سبق في سورة "التوبة"، قيل: المراد بالدعاء دعاء رسول الله (٤) الناس إلى فتح مكة بعد غزوة خيبر، وإنما يصح هذا التأويل بعد أن يكون المخلفون عن الحديبية غير المخلفين (٥) عن تبوك. ﴿لَقَدْ (٦) رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان السبب في بيعة الرضوان ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ أن النبي ﵇ (٧) خرج من المدينة يريد العمرة وتجهز معه ناس كثير من أصحابه ومعهم هدي فهم يسوقون الهدي معهم، فبلغ ذلك قريشًا واستعدُّوا ليصدوه وأصحابه، وبعثوا خالد بن الوليد في عصابة لذلك، فلما بلغ النبي ﵇ (٧) مسير خالد بن الوليد أحبّ أن يأخذ طريقًا لا يعلم به أحد من المشركين فقال: "أي رجل منكم يأخذ بنا الطريق نحو السيف لعلنا

стр. 1528

نطوي مسلحة القوم" فقال رجل: أنا يا رسول الله، قال: "امضِ على بركة الله". فنزل الرجل عن راحلته، فلما نزل لم يقف النبي ﵇ (١) بهدايته ثم عاد فقال: "أي رجل يأخذ بنا الطريق نحو السيف لعلنا نطوي مسلحة القوم؟ " فقال رجل آخر: أنا يا رسول الله، قال: "امضِ على بركة الله" فركب راحلته وطوى برسول الله خالدًا وأصحابه فلم تشعر بهم قريش حتى نزلوا الحديبية. ففزع المشركون لنزول النبي ﵇ (١) الحديبية فجاءة فاستعدوا ليصدُّوه، فأراد النبي ﵇ (٢) أن يبعث إليهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال عمر: يا رسول الله لو بعثت عثمان بن عفان ﵁ كانوا له أرق منهم لي. فبعث النبي ﵇ عثمان، فسار إليهم فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص فأجاره وحمله بين يديه على الفرس فلم يقربه أحد بأذى. ثم إن قريشًا بعثوا عروة بن مسعود إلى النبي ﵇ (٢) وأصحابه ليأتيهم بالخبر، فلما أتاهم عروة أبصر قومًا عُمّارًا لم يأتوا للقتال، فرجع إلى قريش فقال لهم: لم أرَ قومًا مثل قوم صدُّوا هؤلاء عند الكعبة، فشتموه واتهموه ثم بعثوا بديل بن ورقاء الخزاعي ورباب بن إطليس أخا بني الحارث بن عبد مناة. فلما قدما قال النبي ﵇ (٢) لأصحابه: "ابعثوا الهدي في وجوهها ولبُّوا"، فلما فعلوا ذلك رجع بديل وصاحبه إلى قريش فقالا لهم مثل مقالة عروة بن مسعود، فآذوهما واتهموهما وشتموهما. ثم بعثوا سهيل بن عمرو فقال رسول الله (٣) حين أبصر سهيلًا: "هذا رجل فاجر وما أرى إلا وقد سهل من أمركم" فلما أتاهم سهيل ذاكرهم الهدية والموادعة، فاطمأن النبي ﵇، وانطلق أناس من المسلمين إلى

стр. 1529

عشائرهم بمكة فحبسوهم عندهم بمكة، فلما كان من أوسط النهار والقوم في الرحال أمر النبي ﵇ بأخذ البيعة فنادى منادٍ في القوم بأمر رسول الله ﵇ (١): ألا إن روح القدس جبريل ﵇ نزل على رسول الله (٢) يأمره بأخذ البيعة. فأتوا رسول الله فبايعوه، وكبرت تلك البيعة في صدور المشركين، وعهد أناس من المسلمين كانوا ببطن النخلة فأتوا عصابة من المشركين ووجدوهم جلوسًا فأخذوهم حتى أتوهم بالرجال رهائن من أصحابهم الذين في أيدي المشركين فأمسوا وهم على ذلك فقام رجل من المشركين من تحت الليل في أصحاب رسول الله، فثار المسلمون عليهم بالحجارة فرموا أعداء الله بها حتى أدخلوهم البيوت وهزموهم بإذن الله، فأقبل أشرافهم إلى النبي ﵇ (٣) فقالوا: يا محمَّد لم يكن من (٤) رضي منا وإنما فعله سفهاؤنا، وعرضوا الصلح عليه فقبله بعد قهر المسلمين المشركين بالحجارة فأرسل كل واحد من الفريقين من كان في أيديهم وكتبوا القضية بينهم وبين رسول الله (٣). وكان سهيل بن عمرو أمين المشركين على قضيتهم، وكتبوا أنا نتوادع سنين بعضنا لبعض آمن، فمن لحق بالنبي ﵇ لم يقبله حتى تنقضي المدة ومن لحق بالمشركين من أصحابه فهو منهم، وإنكم لتسوقون الهدي فإذا حبسناه نحرتموه ليس لكم أن تجاوزوا موضعًا نحبسه، وإنكم إن شئتم اعتمرتم عامًا قابلًا في هذا الشهر الذي حبسناكم فيه، ولا تحملون بأرضينا سلاحًا إلا سلاحًا (٥) في قراب وهو القوس والسيف (٦).

стр. 1530

فأجابهم (١) النبي إلى ذلك، ووجد رجال من المسلمين من ذلك الشرط وَجْدًا شديدًا فقال النبي ﵇: "أما من لحق منا بهم فأبعده الله فهم أولى من كفر، وأما من أراد أن يلحق بنا منهم فسيجعل الله مخرجًا". وكان الكاتب علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فكان قد كتب في أول الصحيفة: هذا ما قضى عليه رسول الله فأبت قريش ذلك وقالوا: إن علمنا أنك رسول الله لم نمنعك عن بيت الله، بل أنت محمَّد بن عبد الله، فقال رسول الله: "أنا رسول الله وأنا محمَّد بن عبد الله (٢) فاكتب يا علي محمَّد بن عبد الله وامحُ ما كتبت". فعظم على عليّ ﵁ أن يمحو اسم رسول الله فمحاه النبي ﵇ (٣) بيده. فلما فرغوا من كتاب (٤) الموادعة وختموا عليه أقبل أبو (٥) جندل بن سهيل وهو يَرْسُف في قيوده، كان قد أسلم وقيّده أبوه فقال: إني مسلم وإني أعوذ بالله أن ترجعوني إلى الكفار، فتحرك عند ذلك رجال من المسلمين فكاد يكون شر، فقال النبي ﵇: "خلُّوا بينه وبينهم فإن يعلم الله من أبي جندل الصدق يجعل له مخرجًا" فانطلق أبوه وساق النبي ﵇ (٣) وأصحابه الهدي حتى قال المشركون: جلب الهدي ونحر عند ذلك وحلق النبي ﵇ (٣) رأسه وحلّ من إحرامه وعهد أناس من أصحابه فقصروا وكرهوا أن يحلقوا ولم يطوفوا بالبيت، فبلغ ذلك رسول الله (٦) فأخرج رأسه من العمة قد حلقه فقال: "اغفر اللهم للمحلقين" فقيل: يا رسول الله وللمقصرين، فقال: "اللهم اغفر للمحلقين" ثم استغفر للمقصرين بعد ثلاث مرات.

стр. 1531

فلبث رسول الله (١) في غزوة الحديبية شهرًا ونصف، فوعدهم خيبر أن يفتحها لهم ثم رجع النبي ﵇ (٢) إلى المدينة، ونزل عليه القرآن ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعن جابر في هذه الآية قال: بايعنا رسول الله (١) على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت (٣). وعن يزيد بن أبي عبيدة قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله (١) يوم الحديبية؟ قال: على الموت (٤). وعن ابن عمر قال: كنا نبايع رسول الله (١) على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ينازع الأمر أهله وأن يقوم بالحق حيث ما كنا وأن لا يخاف في الله لومة لائم (٥)، ثم يقول النبي ﵇ (٦): "فيما استطعتم". ثم إن الله تعالى جعل لأبي جندل بن سهيل مخرجًا، فهرب من قومه ولم يأتِ رسول الله (١) مخافة أن يرده إليهم على شرط، ولكنه عمد إلى ذي عروة فكان به (٧)، واجتمع إليه قريب من سبعين رجلًا من المسلمين فعمدوا إلى عير قريش مُقْبلة من الشام أو ذاهبة إليها فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين، فأرسل المشركون إلى النبي ﵇ (٨) يناشدونه منعهم وإيواءهم وأنه في حل من الكتاب الموادعة، فكتب إليهم

стр. 1532

رسول الله فلحقوا به، وعلم الذين كرهوا القضية كيف صنع الله للرسول وللمستضعفين من المؤمنين. ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ أسد وغطفان (١) حيث اعترضوا لرسول الله (٢) في مسيره إلى خيبر فناجزهم رسول الله (٣) دون خيبر، فعلموا أنه لا طاقة لهم به، فألقوا إليه السلم أن لا يكونوا معه ولا عليه. ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية نزلت في الوقعة بين المسلمين والمشركين بالحديبية، والحديبية على أربعة ميال (٣) من مكة. ﴿رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل وغيرهم كانوا بمكة (٤) ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ لو تخلص المؤمنون منهم وتميزوا. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ عن علي ﵁: كلمة التقوى لا إله إلا الله (٥). وعن ابن عمر أن الكلمة التي ألزمناها ليلة الحديبية كلمة التقوى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير (٦). ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ كان النبي ﵇ (٧) قد رأى في منامه أنه دخل المسجد الحرام مع أصحابه ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ (٨) وَمُقَصِّرِينَ لَا

стр. 1533

تَخَافُونَ﴾ وكانت رؤياه هذه قبل الحديبية فخرج إلى الحديبية وهو يطمع في تأويل رؤياه والمؤمنون كذلك، وكان تأويل الرؤيا عند الله مؤجلًا إلى سنة بعد ذلك، فلما صدّهم المشركون دخل (١) في قلوب أناس من المؤمنين، فأنزل الله ووعدهم عمرة القضاء على نحو ما رأى رسول الله (٢) في منامه ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر. والواو في قوله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ لعطف الجملة ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ خشوعهم وخضوعهم، وقيل: بياض في وجوههم يوم القيامة، وقيل: هو الذي ينعقد على أكفهم وجباههم وركبهم كركب البعير، ولهذا سمي زين العابدين لعبادته ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ أي هذا الذي ذكرنا صفتهم ﴿شَطْأَهُ﴾ فرع الزرع وهو ما ينبت من الزرع أصغر منه، وهذا الفرع لو آزر الزرع ليقوم على سوقه، فالزرع رسول الله (٢) والشطء: أصحابه و ﴿الْكُفَّارَ﴾ هم الذين يقاتلون المؤمنين. ...

стр. 1534

سُورَةُ الحُجُراتِ مدنية (١)، وهي ثمان عشرة آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله ابن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﵇ فقال أبو بكر: بل أمر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي فقال: ما أردت إلا خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ الآية (٣). وعن مسروق بن الأجدع قال: كنا عند عائشة أم المؤمنين يوم عرفة والناس يشكُّون يرون أنه يوم النحر، فقالت لجارية لها: أَخرجي لمسروق سويقًا وحليه فلولا أني صائمة لذقته، قال: قلت: فإنك صمت هذا اليوم، وهو يشك فيه، فقالت: نزلت هذه (٤) الآية في مثل هذا (٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كان قوم يتقدمون رسول الله في الصوم وما أشبهه، فنهاهم عن ذلك.

стр. 1535

وعن الحسن أن قوماَ ذبحوا قبل أن يصلي النبي ﵇ (١) يوم النحر، فأمرهم رسول الله أن يذبحوا ذبحًا آخر، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢). وعن الكلبي أن الآية نزلت في المنذر بن عمر والساعدي وأصحابه حين قتلوا رجلين من أهل الميثاق فوداهما رسول الله (٣). وإنما اختلفوا في سبب نزول الآية لعمومها واشتمالها على هذه المعاني كلها وتلاوة رسول الله ﵇ (٤) إياها عند كل حادثة من هذه الحوادث، فمَن سمعها عند حادثة ظنّ أنها نزلت فيها خاصة. وقد جمع مجاهد هذه الأقوال وقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أي لا تعاونوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ﴾ ابتلى الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ الآيتان نزلتا في حي من بني العنبر وهم من بني عمرو بن تميم كان قد أغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري بأمر رسول الله (٣) وسبي منهم سبيًا كثيرًا، فحضروا المدينة وقت الهاجرة فوجدوا رسول الله (٣) قد دخل إلى أهله للقيلولة، فجعلوا ينادونه من المسجد: يا محمد يا محمد، حتى أيقظوه، فخرج إليهم وهو يمسح النوم عن وجهه، فجعل حكمهم إلى شبرة بن عمرو وهو رجل منهم وعلى دينهم، فحكم بفداء نصف الشيء وعتق النصف، ولو كانوا صبروا حتى يخرج إليهم رسول الله (٣) لأعتق جميعهم وكان ذلك خيرًا لهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ السبب في نزول هذه الآية أن النبي ﵇ (٥) استعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو الفاسق على

стр. 1536

صدقات بني المصطلق وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما توجه إليهم استقبلوه بالطاعة لوجه الله تعالى ولرسوله ﵇ (١) فظنّ الفاسق (٢) أنهم استقبلوه ليقتلوه فانهزم إلى رسول الله (٣) وزعم أنهم خرجوا من الطاعة، فهمّ النبي ﵇ (١) أن يغزوهم فقدموا عليه (٤) معتذرين إليه (٥) فلم يصدقهم رسول الله (٣) حتى نزلت الآية (٦). قرأ أبو سعيد الخدري (٧): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال: هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعتوا فكيف بكم اليوم (٨). ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ عن أنس قال: قيل للنبي ﵇ (٩): لو أتيت عبد الله بن أُبي، فانطلق إليهم، فركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما أتاه وثار الغبار قال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: لحمار رسول الله ﵇ (٩) أطيب ريحًا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله هذه الآية. وعن أبي مالك قال: حيّان من الأنصار بينهما ملاحي وقتال بغير (١٠) سلاح، فأمر الله أن يصلح بينهما. وعن أبي مالك قال: اقتتل رجلان فأقبل حيّاهما فاقتتلوا بالنعال

стр. 1537

والعصي فأنزل الله فيهم. قال: هذه الآية (١) أصل في قتال أهل البغي وقد اقتتلت طائفتان من المؤمنين بعد رسول الله إحداهما أصحاب والأخرى أهل مصر (٢) فجاء الحسين بن علي ليصلح بينهما فلم يقدر فغلب أهل مصر وقتلوا عثمان ﵁، ثم إنهم تركوا البغي وبايعوا علي بن أبي طالب ﵁ فثارت فتنة أخرى ثم أخرى ثم أخرى حتى صار علي ﵁ إمامًا في معرفة قتال أهل البغي لأنه قتل الناكثين والباغين والمارقين، وقد قال أبو حنيفة ﵀: لولا علي بن أبي طالب ﵁ لما عرفنا قتال أهل البغي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قيل: حضر ثابت بن قيس مجلس رسول الله ﷺ (٣) بعد امتلاء المجلس بالناس فلم يمرّ بأحد إلا تفسّح له إلا رجلًا واحدًا قال له: أصبت مكانك فاجلس، فذكر ثابت أمه وكان يعير بها (٤)، وشبهت إحدى أمهات المؤمنين طرف إزار الأخرى بلسان الكلب فأنزل الله الآية (٥). وعن أبي جبيرة (٦) بن الضحاك قال: نزلت الآية فينا ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ جاءنا رسول الله وللرجل الاسمان والثلاثة، فجعل يدعو الرجل فيقول: يا رسول الله إنه ليغضب منه، فنزلت (٧). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا﴾ قال الكلبي: نزلت الآية في رجلين من أصحاب رسول الله ﵇ (٨) قد ضمّ كل واحد (٩) من الفقراء إلى رجلين

стр. 1538

من الأغنياء ليخدمهما ولينفقا عليه، فهذان الرجلان قدما صحبهما في سفر ليهيىء لهما المنزل والطعام فغلبه النوم فلم يفعل شيئًا مما أمراه به، فأرسلاه إلى النبي ﵇ ليسأله فضل طعام، فلما غاب قال أحدهما للآخر: والله لو أرسلناه إلى سميحة أو سُمَيحة - وهي بئر ذات ماء كثير - لقال ليس فيها ماء فهذه عيبتهما. ثم إن الفقير أتى رسول الله ﵇ (١) وأدّى الرسالة فقال رسول الله (٢): "انطلق إلى أسامة بن زيد" وكان أسامة بن زيد يحفظ طعام رسول الله (٢)، فأتاه فلم يجد عنده شيئًا، فرجع إلى صاحبيه وأخبرهما بالقصة، فأتاهما أسامة بن زيد وقالا: هو رجل بخيل أمره رسول الله ولم يعط فهذا ظنهما الذي هو الإثم، ثم إن الرجلين راحا إلى رسول الله (٢) وقد أنزل الله هذه الآية (٣) ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ لحلوله محل الاعتقاد الفاسد ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ لأن المغتاب ينال من أخيه في حال لا يمكنه الامتناع كالذي يأكل لحم أخيه ميتًا. ﴿شُعُوبًا﴾ وهي الأجيال التي تشعّبت من أولاد نوح ﵇ ﴿وَقَبَائِلَ﴾ هي البيوت من كل جيل، والآية نزلت في ثابت بن قيس (٤). وعن ابن عباس قال: ما تعدُّون الكرام فيكم وقد بيّن الله أكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون الحسب فيكم أحسنكم أخلاقًا أكرمكم إحسانًا (٥)، وقال ﵇ (٦): "لينتهين رجال يفتخرون برجال من رجال الجاهلية قد صاروا حممًا في النار ويجعلنَّهم الله أذل من الجُعُل يدفع النتن بأنفه" (٧) وقيل: الفخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية.

стр. 1539

﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أراد به نفي الإيمان ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أثبت الدخول في ظاهر عقد الإسلام بظاهر التصديق على سبيل النفاق، والآية نزلت في نفر من بني الحلّاف، والحلّاف مرّة بن الحارث بن سعد أجدبت بلادهم فحضروا المدينة بذراريهم ونزلوا في طريق المدينة وأفسدوا الطريق بالنجاشة (١) وأغلوا الأسعار، ولم يَزالوا يأتون رسول الله ويقولون: أعطنا يا محمد أعطنا فإنا آمنا بك إيمانًا لم يؤمن به أحد من العرب لأنهم أتوك مثنى وثلاث ونحن انتقلنا إليك بالأهل والذرية حتى أنزل الله فيهم (٢). ...

стр. 1540

سُورَةُ ق مكية (١). وعن ابن عباس: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢) وهي خمس وأربعون آية بلا خلاف (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ق﴾ جواب قسَم مقدّم عليه تقديره: قرب الأمر (٤) ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وقيل: جوابه ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ مرتّب على كلام سابق تقديره أن النبي ﵇ (٥) قال قبل نزول السورة (٦): "اللهم اهدِ قومي" أو المؤمنين قالوا قبل نزولها: والله لو جاءهم آية ليؤمنن بها، أو المشركين قالوا قبل نزولها: ليت جاءتنا آية لنؤمنن بها ليكون قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾

стр. 1541

جملة متركبة من قسَم وجواب، وتلك الجملة ردّ لكلام سابق أو ضرب عن كلام سابق، وقيل: جواب القسَم في آخر السورة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾. وعن عبد الله بن بريدة قال: ﴿ق﴾ جبل محيط بالأرض من زمردة عليه كنفا السماء (١). ﴿مَرِيجٍ﴾ مختلط ملتبس (٢). ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أضيف إلى نفسه، ويجوز أن يكون الزرع هو الحصيد. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ طوال، وفي حديث ابن عباس أن عبد المطلب قال لسيف بن ذي يزن: ثبت أصله وبسق فرعه. وإنما قال ﴿مَيْتًا﴾ لاعتبار المعنى وهو البلد أو المكان. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ الاستفهام للإلزام، والعيا الكلال. ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ نشأة الأخرى. قال الفراء: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ مضاف إلى نفسه، و ﴿الْوَرِيدِ﴾ عرق بين الحلقوم والعلباوين (٣) والله تعالى أقرب إلى كل نفس منها إليها (٤) قائمة بأمره لا بنفسها. ﴿قَعِيدٌ﴾ قال ابن عباس: قعود (٥)، وقال الفراء: ويجوز إرادة الجمع بلفظ الواحد كقول موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ويجوز أن

стр. 1542

يكون واحدًا اكتفى به عن صاحبه أي قعيدان كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف (١). ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي الموت، والدليل عليه قراءة عبد الله: ﴿وجاءت سكرة الحق بالموت﴾ (٢) ﴿تَحِيدُ﴾ تميل وتحذر. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ سائق يسوقها إلى الله وشهيد شاهد عليها يعلمها، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل (٣)، وقيل: السائق العمل، والشهيد الأعضاء. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ تابعه من الشياطين ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ لمخافة أن يؤخذ أخذ الكفيل. ﴿أَلْقِيَا﴾ أمْر الملكين، وقيل: الملك واحد أي ألقين بنون خفيفة ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ كليهما إياه وقرينه. ﴿لَا تَخْتَصِمُوا﴾ بعد وجود الاختصام لا يدل على نفيه كالنهي عن الكفر، وقيل قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا﴾ في الكفار، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١] في المؤمنين.

стр. 1543

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا مردّ لقولي ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال ابن عباس: ما امتلأت، تقول: فهل فيَّ من مكان يزاد (١). ﴿فَنَقَّبُوا﴾ مشوا في النقوب وهي الطرق، وواحده نقب وذلك إشارة إلى القرآن. ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ سليم غير مريض أو بمعنى الواو ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقيل: أراد بذي القلب من استشعر قلبه فلم يبقَ فيه لغير الله حظ، وبمن ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ من يستمع إلى روح الله وندائه وهو يشاهد بروق التوحيد بسويدائه. ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾ عناء وتعب، والآية ردّ على اليهود قولهم في السبت. وعن عمر قال ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الركعتان قبل الفجر ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب (٢). وعن علي ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب (٣). ...

стр. 1544

سُورَةُ الذّاريَاتِ مكية (١)، وهي ستون آية بلا خلاف (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سأل ابن الكوى علي بن أبي طالب ﵁ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ قال: هي الرياح، وعن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ قال: السحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ قال: السفن، وعن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ قال: الملائكة (٣) ﴿يُسْرًا﴾ أي سهلًا. ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال ابن عرفة: ذات الخلق الوثيق، يقال: حبكه إذا أجاد صنعته، وقيل: ذات الطرائق، وقال مجاهد: ذات البنيان (٤)، وقال الأزهري: هي الطرائق المحكمة (٥)، وكل شيء أجيد عمله فهو محبوك وكل ما يراه من درج الرمل والماء إذا صفقته الرياح فهو حبك واحدها حباك أو حبيكة.

стр. 1545

﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في رسول الله ﵇ (١). ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ يصرف عن الإيمان به اليوم من صرف عنه بالإقرار في الأزل. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ على سبيل الدعاء والإيجاب لعن وأهلك الكذّابون، فكل قائل بالظن والتخمين خارص عمره وعيشه. ﴿سَاهُونَ﴾ غالطون. ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يوم يفتن هؤلاء على النار، وهو جواب سؤالهم أيّان يبعثون. والقول عند قوله: ﴿ذُوقُوا﴾ مضمر (٢). ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وعن ابن عباس قال: كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلا صلّوا فيها (٣). ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ قال: كنا نؤمر بالسحر بالاستغفار سبعين مرة (٤). وعن الضحاك قال: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الضجعة (٥). وعن أبي الجويرية قال: صحبت حماد بن أبي سليمان وعلقمة بن مربد ومحارب بن دثار وعون بن عبد الله وأبا حنيفة، فما كان في القوم أحسن ليلًا من أبي حنيفة، صحبته ستة أشهر فما رأيته ليلة واحدة وضع جنبه فيها (٦).
следующие страницы →