← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

جملة متركبة من قسَم وجواب، وتلك الجملة ردّ لكلام سابق أو ضرب عن كلام سابق، وقيل: جواب القسَم في آخر السورة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾. وعن عبد الله بن بريدة قال: ﴿ق﴾ جبل محيط بالأرض من زمردة عليه كنفا السماء (١). ﴿مَرِيجٍ﴾ مختلط ملتبس (٢). ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أضيف إلى نفسه، ويجوز أن يكون الزرع هو الحصيد. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ طوال، وفي حديث ابن عباس أن عبد المطلب قال لسيف بن ذي يزن: ثبت أصله وبسق فرعه. وإنما قال ﴿مَيْتًا﴾ لاعتبار المعنى وهو البلد أو المكان. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ الاستفهام للإلزام، والعيا الكلال. ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ نشأة الأخرى. قال الفراء: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ مضاف إلى نفسه، و ﴿الْوَرِيدِ﴾ عرق بين الحلقوم والعلباوين (٣) والله تعالى أقرب إلى كل نفس منها إليها (٤) قائمة بأمره لا بنفسها. ﴿قَعِيدٌ﴾ قال ابن عباس: قعود (٥)، وقال الفراء: ويجوز إرادة الجمع بلفظ الواحد كقول موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ويجوز أن

стр. 1542

يكون واحدًا اكتفى به عن صاحبه أي قعيدان كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف (١). ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي الموت، والدليل عليه قراءة عبد الله: ﴿وجاءت سكرة الحق بالموت﴾ (٢) ﴿تَحِيدُ﴾ تميل وتحذر. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ سائق يسوقها إلى الله وشهيد شاهد عليها يعلمها، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل (٣)، وقيل: السائق العمل، والشهيد الأعضاء. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ تابعه من الشياطين ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ لمخافة أن يؤخذ أخذ الكفيل. ﴿أَلْقِيَا﴾ أمْر الملكين، وقيل: الملك واحد أي ألقين بنون خفيفة ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ كليهما إياه وقرينه. ﴿لَا تَخْتَصِمُوا﴾ بعد وجود الاختصام لا يدل على نفيه كالنهي عن الكفر، وقيل قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا﴾ في الكفار، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١] في المؤمنين.

стр. 1543

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا مردّ لقولي ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال ابن عباس: ما امتلأت، تقول: فهل فيَّ من مكان يزاد (١). ﴿فَنَقَّبُوا﴾ مشوا في النقوب وهي الطرق، وواحده نقب وذلك إشارة إلى القرآن. ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ سليم غير مريض أو بمعنى الواو ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقيل: أراد بذي القلب من استشعر قلبه فلم يبقَ فيه لغير الله حظ، وبمن ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ من يستمع إلى روح الله وندائه وهو يشاهد بروق التوحيد بسويدائه. ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾ عناء وتعب، والآية ردّ على اليهود قولهم في السبت. وعن عمر قال ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الركعتان قبل الفجر ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب (٢). وعن علي ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب (٣). ...

стр. 1544

سُورَةُ الذّاريَاتِ مكية (١)، وهي ستون آية بلا خلاف (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سأل ابن الكوى علي بن أبي طالب ﵁ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ قال: هي الرياح، وعن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ قال: السحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ قال: السفن، وعن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ قال: الملائكة (٣) ﴿يُسْرًا﴾ أي سهلًا. ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال ابن عرفة: ذات الخلق الوثيق، يقال: حبكه إذا أجاد صنعته، وقيل: ذات الطرائق، وقال مجاهد: ذات البنيان (٤)، وقال الأزهري: هي الطرائق المحكمة (٥)، وكل شيء أجيد عمله فهو محبوك وكل ما يراه من درج الرمل والماء إذا صفقته الرياح فهو حبك واحدها حباك أو حبيكة.

стр. 1545

﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في رسول الله ﵇ (١). ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ يصرف عن الإيمان به اليوم من صرف عنه بالإقرار في الأزل. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ على سبيل الدعاء والإيجاب لعن وأهلك الكذّابون، فكل قائل بالظن والتخمين خارص عمره وعيشه. ﴿سَاهُونَ﴾ غالطون. ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يوم يفتن هؤلاء على النار، وهو جواب سؤالهم أيّان يبعثون. والقول عند قوله: ﴿ذُوقُوا﴾ مضمر (٢). ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وعن ابن عباس قال: كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلا صلّوا فيها (٣). ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ قال: كنا نؤمر بالسحر بالاستغفار سبعين مرة (٤). وعن الضحاك قال: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الضجعة (٥). وعن أبي الجويرية قال: صحبت حماد بن أبي سليمان وعلقمة بن مربد ومحارب بن دثار وعون بن عبد الله وأبا حنيفة، فما كان في القوم أحسن ليلًا من أبي حنيفة، صحبته ستة أشهر فما رأيته ليلة واحدة وضع جنبه فيها (٦).

стр. 1546

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ نصيب معدّ دون الواجب لأن الأسخياء والبخلاء (١) في الوجوب سواء، ثم لا يستحقون المدح. ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ آثار القدرة والحكمة والرحمة لمتفرد بالقدم والبقاء، قاضٍ بالحدوث والفناء، مستحق للعبادة والدعاء. وإنما قال: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ ولم يقل مثل ما تنطقون؛ لأن التشبيه واقع بكونهم ناطقين حقًا لا يكون نطقهم حقًا لأن نطقهم في أعلى مراتب النطق وأبعد من الالتباس، فإن البهائم ناطقة من وجه غير وجه، وسائر الناس فيهم عجمة، والعرب في فصاحتهم قصور، وقريش هم الغاية في الفصاحة، وقيل: المراد بالتشبيه تشبيه نطق رسول الله ﵇ (٢) عن الغيب بنطقهم عن المشاهدات. ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ صيحة وضجة، وقيل: صرير الباب، وقيل: صرير النعل، ومنه الاصطكاك. ﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ أو قوله: ﴿تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي الاتحاد بروحه (٣) والاعتصام بروحه. (الذَّنوب): الدلو العظيمة، وهاهنا عبارة عن التوبة والنصيب. ...

стр. 1547

سُورَةُ الطُّورِ مكية (١)، وهي سبع وأربعون آية في عدد أهل الحجاز (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ يقول: والجبل (٣)، وكل جبل طور ولكن عني الله بهذا الجبل الذي كلّم الله موسى ﵇ (٤) عليه وهو بمدين واسمه زبير (٥)، وكان حجابًا بين الله وبين موسى فسمع صرير القلم حين كتب له التوراة. ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ قال ابن عباس: البيت المعمور بيت في السماء حيال الكعبة يحجُّه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة يسمى الضُّراح (٦). وعن علي ﵁ في ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾: السماء.

стр. 1548

﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إ﴾ قال: هو تحت العرش في رق جلد يكتب عليه (١). ﴿تَمُورُ﴾ تدور وتضطرب ﴿دَعًّا﴾ دفعًا، وهذا إشارة إلى العذاب وهو جزاء قولهم ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أدركناهم إياهم. وعن ابن عباس قال: إن الله تعالى ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا لم يبلغوا في العمل لتقرَّ بهم عينه، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا (٢) وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية (٣). والمراد بـ (الغلمان) الوصفاء، وتشبيههم باللؤلؤ لفرق بينهم وبين المشبهات بالبيض المكنون، فإن اللؤلؤ العيون والبيض العيون والبطون، فكذلك غلمان الجنة لا ينتفع بهم إلا بالرؤية، وينتفع بالجواري بالرؤية والمجامعة. ﴿بِكَاهِنٍ﴾ براهب ومنجم وعرّاف. ولقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ معنيان: أحدهما: أو وجدوا منفعلين من غير فاعل أم هم فاعلو أنفسهم. والثاني: أنهم مخلوقون محدثون من لا شيء. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ غير محدثين من لا شيء. ﴿مِنْ (٤) مَغْرَمٍ﴾ غرامة، والله أعلم. ...

стр. 1549

سُورَةُ النَجْمِ مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بالمدينة ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢] الآية (٢)، وعن الحسن البصري أن السورة كلها مدنية (٣) وهي إحدى وتسعون آية في غير عدد أهل الكوفة (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ قال مجاهد: الثريا إذا سقط (٥)، لقوله ﵇: "إذا طلعت النجم رفعت العاهة عن كل بلد" (٦) فلما صار كون طلوعه معتبرًا صار كون نوئه في المغرب معتبرًا، وذكر أبو بكر ابن دريد أن الثريا تسقط لثلاث عشرة (٧) ليلة تخلو من تشرين الثاني، وتطلع من المشرق رقيبها الإكليل، وتكون الشمس حينئذ بالممتحن في أربع وعشرين درجة من العقرب، ويكون طول النهار عشر ساعات وخمس ساعات (٨)، ولسقوط

стр. 1550

الثريا بسبع ليال. وقال الضحاك: أراد بالنجم النجوم (١)، وقال الكلبي: أراد القرآن إذا نزل؛ لأن القرآن نزل نجومًا منجمة وهو رواية الأعمش عن مجاهد قال: أراد نجوم القرآن آية آية وسورة سورة (٢). ﴿عَلَّمَهُ﴾ لقّنه ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ جبريل ﵇ (٣). ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قوة ﴿فَاسْتَوَى﴾ في صورته. وعن عبد الله قال: رأى رسول الله ﵇ (٤) جبريل ﵇ (٥) له (٦) ستمائة جناح كل جناح قد سدّ الأفق (٧). ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل رآه ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ قبل مطلع الشمس، وقيل: فوق السموات السبع. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين عربيتين، وقيل: القوس الذراع بلغة أزد شنوءة. وهذه المسافة كانت بين جبريل وبين نبينا ﵇ (٨) حين دنا من ذلك. ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ وهو القرآن وما شاء الله من شيء بعد. وعن ابن عباس: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ رآه بقلبه (٩) قال: كانت هذه الرؤية قبل المعراج ورسول الله ﵇ (٨) بأجياد أجياد (١٠) مكة.

стр. 1551

﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أفتجحدونه. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال ابن عباس: رآه بفؤاده موسى (١)، وقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين (٢). قال: وكانت هذه الرؤية ليلة المعراج وهو مرفوع إلى سدرة المنتهى. قال ابن مسعود: انتهى إليها ما يعرج من الأرض (٣) وقيل: ينزل من فوق، وقيل: ينتهي علم الخلق إليها لا علم لهم بما فوق ذلك. ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إ﴾ جنة من الجنان، وقيل: هي التي تأوي إليها أرواح الشهداء. ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ﴾ في السماء السادسة، قال سفيان: فراش من ذهب. وعن الضحاك عن ابن عباس ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ (٤): "رأيتها حتى أستثبتها ثم حال دونها فراش الذهب" (٥). وعن الحسن: غشيها النور من دون النور كجراد الذهب (٦). قال الأمير: إنما لم يزغ بصره عن رؤية ﴿آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ لأنه لم يرع فؤاده عن مشاهدة ربه الأعلى وما روي عن عرباض بن سارية قال: رأى رسول الله (٧) فراشًا من ذهب، ومن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد

стр. 1552

أعظم الفرية، وعن عائشة كذلك (١) فهما محمولان على نفي الرؤية بالعينين. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ واشتقاق اللات من اسم الله تعالى، والعزى من العزيز فإنها تأنيث الأعز، ومناة تأنيث منا وهو القد، وقيل: سميت لاتًا لأن ممتها يلتُّ السويق للناس، ولو كان كذلك لكان التا مشددة (٢)، وقيل: مناة تسمية أعجمية عرّبتها العرب (٣)، وإنما اتصفت بالثالثة وبالأخرى جميعًا لأنها ثالثة الثلاث المعبودات دون الله تعالى، وثانية الظلمات في كونها صخرة مثلها، وأما العزى فكانت شجرة قطعها خالد بن الوليد بإذن الله تعالى وبأمر رسول (٤) الله (٥). وقيل: اتصافها بالأخرى لأن كل واحدة ثانية ما يتقدمها كقولك: هذه واحدة وهذه أخرى وهذه أخرى، وكانت الشياطين تحل هذه المحال الثلاثة فتكلم منها أولياءهم وهم يظنون أنها ذات أرواح، ويعتقدون الأرواح ملائكة وأنه ابنات ففي ذلك قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾.

стр. 1553

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ اتباعهم الظن عبادتهم على قضية أوهامهم واتباعهم أهواء أنفسهم استباحتهم على قضية شهواتهم ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ القرآن والرسول فلزمهم الإيمان بالقرآن والرسول. ﴿أَمْ﴾ مرتبة على ألف الاستفهام ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ الكافر ﴿مَا تَمَنَّى﴾ شفاعة الملائكة بغير إذن (١) الله تعالى (٢). ﴿ذَلِكَ (٣)﴾ إشارة إلى الظن أو إلى إيثار الحياة الدنيا. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ﵇ قوله: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ أو قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ تقديره: لم يكن لله ما في السموات وما في الأرض إلا (٤) ﴿لِيَجْزِيَ﴾. وعن ابن عباس قال: ﴿اللَّمَمَ﴾ ما بين حد الدنيا والآخرة (٥)، وسئل ابن عباس عن ﴿اللَّمَمَ﴾ فقال (٦): إني لم (٧) أرَ شيئًا أشبه من قول أبي هريرة ﵁ (٨): "كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، ورنا اليد البطش، ورنا الرجلين المشي، وزنا اللسان المنطق، والنفس تهم (٩) وتمني ويصدق ذلك الفرج ويكذبه" (١٠). ولو شاء الله لم يذكر اللمم بالاستثناء ولكنه أحبّ ترجية المذنبين من المؤمنين.

стр. 1554

وعن ابن عباس في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ (١): "إن تغفر اللهم تغفر جَمًّا، وأي عبد لك ما ألمّا" (٢). ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ لا تثنوا عليها. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾ قال مقاتل: نزلت الآيات (٣) في الوليد بن المغيرة وقصته أن الله تعالى لما أنزل (٤) على رسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] إن كان محمد قاله من تلقاء نفسه فنعم ما قاله، وإن كان أنزل عليه ربه فنعم ما أنزله، وأعطى هذا المقدار بلسانه من الإقرار بالمعروف، ثم قطع إقراره بالمعروف واستمر على كفره (٥). وقال الكلبي: نزلت في عثمان بن عفان ﵁ (٦) حين لامه عبد الله بن أبي سرح على إنفاقه في سبيل الله فاعتذر عليه عثمان بأنه ينفق لأجل ذنوبه وخطاياه فخدعه ابن أبي سرح وقال: أعطني بعيرك هذا بخطامه لأتحمل عنك خطاياك، فأعطاه عثمان بعيره ثم أمسك على النفقة بعد ذلك (٧). ﴿وَأَكْدَى﴾ انتهى عن العمل من انتهاء حافر البئر إلى الكدية في الأرض. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ خطاب لكل واحد من المخاطبين، ألا ترى قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ وحمله هذا الفصل مما هو في صحف موسى وإبراهيم وفي ما ذكرنا في قوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ردّ على القدرية لأن الغالب من الضحك والبكاء أن يكونا في طاعة أو معصية.

стр. 1555

﴿تُمْنَى﴾ ينزل المني. ﴿وَأَقْنَى﴾ أعطى القنية، والقنية أصل من المال لقناة الرجل أي يلزمه (١). ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ كوكب في السماء وهما شعريان: العبور لأنها عبرت المغيرة، أو شبهه بالعين العبرى وهي سيل عبرتها، والأخرى الغميصا لأنها تشبه العين الغميصة، وكان أبو كبشة الخزاعي يعبد الشعرى العبور فأنزل الله هذه الآية ليبين أنه أحق بالعبادة منها، وتسمى الشعرى العبور مرزم الجوزاء ومرزم الدراع. و ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ هم (٢) الذين أهلكهم الله بالصيحة مع شداد والذين أهلكهم الله بالريح مع خلجان، وعاد الثانية هم العماليق فإنهم كانوا من بقيتهم (٣). و (تغشية المؤتفكات) إنما كانت بالحجارة التي أمطرت عليها (٤). ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ إشارة إلى نبينا ﵇ (٥) ﴿مِنَ النُّذُرِ﴾ من جنسهم أو صلبهم. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ قربت الساعة. ﴿سَامِدُونَ﴾ السامد: القائم، لما روي أن عليًا خرج فرأى أصحابه قيامًا فقال: ما لي أراكم سامدين (٦)؟ وقال أحمد بن فارس: كل رافع رأسه سامد (٧)، يدل عليه تفسير ابن عباس: سامدين مستكبرين (٨).

стр. 1556

عن الأسود بن عبد الله أن النبي ﵇ (١) قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يبقَ أحد إلا سجد إلا شيخًا كبيرًا أخذ من تراب فقال: هذا يكفيني، قال عبد الله: فلقد رأيته قتل كافرًا (٢) (٣) ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. ...

стр. 1557

سُورَةُ القَمَرِ مكية (١). وعن الحسن: مدنية (٢)، وهي خمس وخمسون آية بلا خلاف (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ بمجيء رسول (٤) آخر (٥) الزمان وبختم النبوة، وكان النبي ﵇ (٦) يقول: "بُعثت والساعة كهاتين" (٧). وعن ابن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله بمنًى فانشقّ القمر فلقتين فلقة من وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﵇ (٨): "اشهدوا" (٩) يعني قد اقتربت الساعة وانشق القمر. وروى إثبات انشقاق القمر علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن

стр. 1558

مسعود وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وجبير بن مطعم وعبد الله بن عمر ﵃ (١). ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قوي دائم، قاله الزجاج (٢) وغيره، وقال الفراء: هو السحر الذاهب الذي يمضي ويبطل (٣). ﴿أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ثابت حق غير مضطرب. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ محل الازدجار، وقد يكون الازدجار بمعنى الزجر ويكون بمعنى الانزجار. والعامل في ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ و ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي زجر بالشتم، وقيل: النهي عن الإيمان ينهى بعض القوم بعضًا. ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ منصب على كثرة. ﴿وَدُسُرٍ﴾ مسامير (٤) واحدها دسار يقول: دسرت المسمار أدسره. ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ نوح ﵇ كانت نصرة الله جزاء له. ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ يعني الفلك المتخذة على مثال سفينة نوح ﵇ أو قصته. ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ مكنا الناس من تعلُّمه وقراءته واستخراج معانيه. ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ جلودهم عن رؤوسهم، أو نزعها إياهم بعد ما رسخوا في الأرض وساخت أقدامهم فيها بقوتهم ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أسافلها منقطع.

стр. 1559

﴿ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ حيوان وناقة مسعورة إذا كان بها جنون. وقال ابن عرفة (١): أي أمر يسعرنا يعني يلهينا. ﴿أَشِرٌ﴾ لجوم، وإذا قيل: مطر أشر أريد به اللجوج في نظره. ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ صاحب الحظار، والحظار المزرعة المحاط عليها (٢). ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ تشككوا بأمر النذر. ﴿جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ جميع موحد ومنتصر نعته. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ وقد هزم بحمد الله يوم بدر وغيره إلى أن فتح الله مكة وأسلمت قريش إلى أن يهلك الدجال. ﴿بَلِ﴾ للإضراب عن الوعيد الدنياوي إلى الوعيد العقباوي رد على الذين أنكروا الدواهي البكر أي أشد إصابة، والدواهي: المصائب ﴿وَأَمَرُّ﴾ أشد مرارة، يقال: لقيت فيه الأمرين أي الدواهي فكانه أخذه من مرارة الطعم وهي طعم المرة الصفراء. عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﵇ (٣) يخاصمون في القدر فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ (٤). ﴿سَقَرَ﴾ اسم من أسماء جهنم مأخوذ من سقرته الشمس. ﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ إلا كلمة واحدة وهي قوله: كن، وأمر الله أقرب من لمح البصر.

стр. 1560

﴿وَنَهَرٍ﴾ جمع نهر وجمع أنهار. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ صالح وهو الجنة ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ في حكمه وجوار عرشه وفي رتبة القربة والكرامة بإذنه. * * *

стр. 1561

سُورَةُ الرَّحْمنِ مكية، عن ابن عباس وعطاء (١)، وعن العدل عن ابن عباس: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] نزلت في اليهود حيث قالوا في السبت (٢)، وعن الحسن وقتادة أنها مدنية (٣)، وهي خمس وسبعون آية في عدد أهل الحجاز (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ ردّ لقولة (٥) المشركين ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. ﴿الْإِنْسَانَ﴾ آدم ﵇. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ أسماء الأشياء من الخير والشر (٦). ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ أي مسيرهما وبقاؤهما بحساب معلوم.

стр. 1562

﴿وَالنَّجْمُ﴾ ما نجم (١) في الأرض من اليقطين أو نجوم السماء والتثنية للجنسين. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ العدل الذي جعله الله في قضية العقول بإلهامه، وفي الحديث: "العدل ميزان الله في الأرض" (٢) وقيل: هو الميزان المعروف. ﴿أَلَّا تَطْغَوْا﴾ نصب، أي أن لا تطغوا (٣)، وقيل: مجزوم على النهي ترجمة للقرآن أو للبيان. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ (٤)﴾ قال عبد الله بن مسعود: لسان الميزان (٥). ﴿لِلْأَنَامِ﴾ الجن والإنس، ألا ترى قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾. ﴿وَالْحَبُّ﴾ البذر و ﴿الْعَصْفِ﴾ العصيفة (٦) ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ الثمر. ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ نوع من الخزف. ﴿رَبُّ﴾ خبر (٧) المبتدأ مضمر أو إسناد الخلق المتقدم إليه ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ مشرقا الصيف والشتاء، وقيل: مشرق الشمس والقمر، وقيل: مشرقا السيارة والثابتة ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾.

стр. 1563

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي على الأرض، والسماء مبنية عليها. داخلون في حكم الفناء والفناء بطلان وهلاك، ﴿وَيَبْقَى﴾ يمتنع عن الفناء ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي يبقى الله (١) ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ والجلالة والجليل: الكثير (٢) بشأنه أو بمعنى من معانيه. ﴿يَسْأَلُهُ﴾ سؤالهم إياه عند الاضطرار، وقيل: احتياجهم الطبيعي إلى صانعهم دون غيره، وقيل: سؤالهم القادر على إجابتهم على طريق الإجمال وإن أخطأوا في الإشارة والإقبال ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ وقت ممتد ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي أمره في شأن حال. وعن كعب الأحبار قال: لولا آيتان من كتاب الله تعالى أخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة وهما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. ﴿سَنَفْرُغُ﴾ سنخلو عن الشغل، وذكر الفراغ هاهنا على المجاز، والمراد به انتهاء الأحوال المقدرة في الأجل المضروب للثقلين، فإنها إذا انتهت انتهى الأجل ولم يبين ﴿الثَّقَلَانِ﴾ الجن والإنس سميا بذلك لكونهما محمولين في السفر فالسفر سفر القيامة، وحاملهما أمر الله المنتهي بهم إلى يوم الموعود. وقال ﵇ (٣): " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" (٤). فحوى قوله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أن تنفذوا منها من له سلطان، والسلطان إذن الله لمن شاء من أوليائه.

стр. 1564

﴿شُوَاظٌ﴾ لهب لا دخان معه ﴿وَنُحَاسٌ﴾ صفر وقيل: دخان. وعن الضحاك: إن نارًا تجيء من قبل المشرق وأخرى من قبل المغرب فيحشرون الناس إلى المحشر (١). ﴿وَرْدَةً﴾ زهرة، أي (٢) تنقلب حمراء بعد أن كانت صفراء. رواه ابن عرفة عن ثعلب، وقال الأزهري: أي صارت كالوردة تتلون ألوانًا (٣) ﴿كَالدِّهَانِ﴾ جمع دهن والمراد بها المثل. ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ ملائكة العذاب إياهم بعد قراءة الصحف والفراغ من الحساب. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بلغ غاية الحرارة من شدة غليان فكأنه من قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ أي مقامه بين يدَي ربه فيتقيه وهو عام في الجن والإنس على الظاهر. ﴿أَفْنَانٍ﴾ جمع فن وهو الغصن، وشجرة فنواء أي ذات أفنان. ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة وهي باطن الثوب، وذكر بطائن الفراش دون ظواهرها كذكر عرض الجنة دون طولها ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ قريب، ومنه قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة: ٢٣]. ﴿فِيهِنَّ﴾ أي في الجنان. ﴿يَطْمِثْهُنَّ﴾ ينكحن بالتدمية. ﴿الْيَاقُوتُ﴾ ما شفّ من حصل البحر، وأحمره أجوده، والرماني غايته، والحال يدل على أنه هو المراد بالتشبيه دون الألهب والأصفر كما في الورد في الحسن والبحر في السخاء.

стр. 1565

وعن محمد بن علي في قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ قال: هي مسجلة في البر والفاجر (١) يعني يجزيهما بإحسانهما. ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ ورائهما. ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ خضراوتان في سواد. ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ فوّارتان كبئر من الماء. ﴿خَيْرَاتٌ﴾ جمع خيرة وهي المختارة. ﴿الْخِيَامِ﴾ جمع خيمة وهي البيت بني بالعمد والطنب. قال عمر (٢): أتدرون ما ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ قال: الدرّ المجوّف (٣). وعن الحسن: محبوسات لسن بطوّافات في الطرق، و ﴿الْخِيَامِ﴾ الدر المجوف (٤). ﴿رَفْرَفٍ﴾ ما فضل من العرش في أطرافه ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ منسوب إلى عبقر وهو موضع ينسب إليه الجن العبقرية، ثم نسب كل عمل جليل وصنعة دقيقة إليه كان الجن تعلمه، وقال الفراء: هي الطنافس الثخان (٥) واحدتها عبقرية، وقيل (٦): منسوب إلى عبقر، وقيل: السحاب وهي تلألؤه. عن جابر بن عبد الله أن النبي ﵇ (٧) خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة "الرحمن" من أوّلها إلى آخرها فسكتوا، فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب فلله الحمد" (٨).

стр. 1566

سُورَةُ الوَاقِعَةِ مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ (٢) [الواقعة: ٨٢]، وهي تسع وتسعون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ القيامة. ﴿كَاذِبَةٌ﴾ كذب وهو مصدر كالعافية واللاغية والمراد به الصرف والمثوبة. ﴿خَافِضَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هي ﴿خَافِضَةٌ﴾ قومًا إلى النيران ﴿رَافِعَةٌ﴾ قومًا إلى الجنان. ﴿إِذَا رُجَّتِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ والرج: الزلزلة، والرجرجة: الاضطراب، ويترجرج كلها. ﴿وَبُسَّتِ﴾ من قولهم: بسست الإبل إذا زجرتها أو من بسست الحنطة إذا فتتها وهي البسيسة.

стр. 1567

﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أصنافًا وأجناسًا ثلاثة. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ وأصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، أو كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، أو يكونون على يمين العرش يوم العرض، أو أملوا على الملائكة الذين كانوا عن أيمانهم في دار الدنيا. ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أصحاب الشمال، وهم أنداد أصحاب الميمنة و ﴿مَا﴾ لتفخيم الأمر وتعجيب المخاطبين. وكذلك تكرار قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ وهم من أصحاب اليمين ولكنهم أفردوا بالذكر لشرفهم ولأنهم عبدوا الله تعالى لله لا لعاجلة ولا لآجلة. ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة، وإنما كانت السابقون ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ لكثرة الأنبياء في الأولين وقلَّتهم في الآخرين، وقيل: الأولون والآخرون كلا الفريقين من هذه الأمة. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة كالدرع وغيره. ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وصفاء مبقون على حد الوصافة أبدًا لا يهرمون ولا يموتون، يقال للذي لا يشيب مخلد، وقيل ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مقرطون، والخلد القرط جمع خلدة. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ قماقم التي لها عرى وخراطيم، وفي الحديث: "كأن جيده إبريق فضة" ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾ بالتخفيف: لا يصرفون، من قولك: ما صدعك من هذا الأمر أي ما صرفك، وبالتشديد يحتمل هذا. ويحتمل من الصداع؛ أي لا يأخذهم الخمار والصداع منها. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ لكونه أشهى وأمر أو أسرع (١) استحالة إلى الدم القرمزي الذي هو مادة الشباب والفرح. ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع.

стр. 1568

﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ وهو الذي كسر شوكه (١). ﴿وَطَلْحٍ﴾ موز (٢)، وقيل: شجر مستطاب ظله. عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٣). وعن أنس قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وإن شئتم فاقرؤوا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٤). ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ ولا تنصرف آياتها ولا يمنع عنها. وعن أبي سعيد الخدري عنه ﵇ (٥) في قوله (٦): ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسير ما بينهما خمسمائة عام (٧). وعن أبي أمامة ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: لو هوى فراش منها ما بلغ قرار الأرض ثمانين عامًا (٨) (٩). ﴿أَبْكَارًا﴾ عذارى. ﴿عُرُبًا﴾ محبات لأزواجهن محببات إليهم.

стр. 1569

﴿أَتْرَابًا﴾ لذات أصحاب اليمين الذين يساوينهم في السنن. وعن كعب قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة من يؤتى بغدائه في سبعين ألف صحفة (١) من ذهب ليس فيها لون يوافق صاحبه وليس فيها رذل (٢). وعن ابن عمرو: إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملك ألفي سنة نعيمه وسروره ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله كل يوم مرتين (٣). ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ قال ابن عباس: من دخان جهنم. ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ العظيم (٤) بدل من يحموم وهو كقوله: ﴿لَا بَارِدٍ﴾ ولا كرامة. ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ﴾ يثبتون على قسمهم بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ من (٥) الشجر، والمراد به الجمع. ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل التي أصابها الهُيام، وهو العطاش، واحدها: أهيم وهيمان، وقيل: ﴿الْهِيمِ﴾ الرمال التي لا ترويها ماء السماء (٦)، يقال: كثيبة أهيم وهيمان، والمراد بقوله: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ المسخ. ﴿تَحْرُثُونَ﴾ تلقون البذر.

стр. 1570

و ﴿تَزْرَعُونَهُ﴾ تنشئون الزرع، ومجازه شق الزرع والتسبُّب للنبت. عن أبي هريرة عنه ﵇ (١): "لا يقول أحدكم زرعت وليقل حرثت" ثم قرأ أبو هريرة (٢) هذه الآية (٣). ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تندمون (٤) والقول مضمر عند قوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾. ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ السحاب. ﴿تُورُونَ﴾ تقدحون (٥). ﴿شَجَرَتَهَا﴾ كل شجرة إلا العنّاب والصندل والأبنوس، والعرب تقول: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار (٦). ﴿تَذْكِرَةً﴾ آية، وغيره ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ النازلين تقي من الأرض أمر لإظهار الشكر على نعم الله. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) ردّ لكلام سابق كقولك: لا والله وبلى والله. روي أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله (٧) لعمرو بن حزم أن لا تمس القرآن إلا طاهرًا (٨).

стр. 1571

﴿مُدْهِنُونَ﴾ وهم الذين يتكلفون موافقة على النفاق. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ أي تجعلون حظكم من تقدير الله التكذيب بالقرآن وباليوم الآخر. ﴿الْحُلْقُومَ﴾ الحلق، والتي تبلغ الحلقوم: هي النفس عند النزع، وتكرار ﴿فَلَوْلَا﴾ لطول الصلة والعارض (فله روح). ﴿فَسَلَامٌ﴾ أي فيقال له عند النزع: (سلام لك) أنت من أصحاب اليمين أو فيقال له: سلام لك تحية لك من أصحابك وهم أصحاب اليمين. * * *

стр. 1572

سُورَةُ الحَدِيْدِ مدنية (١)، وهي ثمان وعشرون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ لمستقر الأحوال ﴿وَالْآخِرُ﴾ لعلمه بالآجال ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالقدرة والجلال ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بأن لا ينال (٣) وهو معنا أينما كنا من غير حلول في المحال ولا انتقال ولا ارتحال. عن زيد بن أسلم عنه ﵇: "سيأتي قوم بعدكم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم" قالوا: يا رسول الله نحن أفضل أم هم؟ قال: "لو أن أحدهم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدكم ولا نصيفه" (٤). فرقت هذه الآية بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ اقتصار على أحد طرفَي الكلام، ويحتمل أن الذي يتقدمهم نور أيمانهم والذي عن أيمانهم نور أعمالهم الصالحة، فلا يحتاجوا إلى نور آخر، قوله: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] أي اجعله

стр. 1573

باقيًا معنا إلى أن ينتهي بنا إلى الجنة، ويحتمل أن يكون سؤالهم الإتمام وسؤال النور عن شمائلهم. ﴿بِسُورٍ﴾ هو الأعراف باب الجنة ﴿الرَّحْمَةُ﴾ الجنة ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ أي من قبل السور كما يمنع المنافقين عن الوصول إليه ﴿قِيلَ﴾ يعني المؤمنين للمنافقين ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ أي إلى الدنيا إن استطعتم فاكتسبوا النور كما كسبنا بإذن الله. ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بعلوهم ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ هما (١) اليهود. عن نافع قال: ما سمعت ابن عمر أتى على هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا بكى حتى ينشج. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ إنما جاز عطف الفعل على الاسم لكون الاسم في معنى الفعل كالعطف على صلة الاسم الموصول. وعن مجاهد قال: مَن آمن بالله ورسله فهو صديق وشهيد، ثم قرأ هذه الآية (٢). ﴿وَزِينَةٌ﴾ زخارف الدنيا ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾ تذاكر بالشرف القديم، وأول من فخر إبليس ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ الزرّاع، وقيل: أضداد المؤمنين لاختصاصهم بالسرور (٣) العاجل وقلة نظرهم في العواقب ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ أي في الآخرة شر (٤) محض وخير محض على غير سبيل الابتلاء. ﴿لِكَيْلَا﴾ أخبرناكم وبيّنّا لكم ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ والمراد بالأسى أسى المضجر وبالفرح الفرح المبطرة ما يعرض فيعرض عنه.

стр. 1574

وعن ابن عباس أنه ليس أحد (١) إلا يفرح ويحزن، فمَن أصابته مصيبة فليجعلها صبرًا، ومَن أصابه خير فليجعله شكرًا. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ تخليًا عن الأهل والمال لعبادة الله ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ أي لم نوجب الرهبانية عليهم ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ لكن كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله على سبيل الإجمال، والثاني لكن ابتدعوها لابتغاء رضوان الله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي (٢) قصروا في إقامتها ومحافظة شرائطها بعد وجوبها عليهم. لينذرهم (٣) ﴿كِفْلَيْنِ﴾ تضعيف الأجر كقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ﴿لِئَلَّا﴾ (لا) زائدة، وفي جزء عبد الله: لكي يعلم. قال الفراء: يجعل العرب إلا) صلة في كل كلام فيه جَحْد. قال الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء: ٩٥] (٤). ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ بعضهم حالة الاختيار أو كلهم حالة الاضطرار. ...

стр. 1575

سُورَةُ المُجَادلَةِ مدنية (١)، وهي اثنتان وعشرون آية في غير عدد أهل مكة وإسماعيل (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ روي أن أوس بن الصامت قال لامرأته خولة بنت ثعلبة الأنصارية: أنت عليَّ كظهر أمي، وكانت هذه الكلمة يطلّق بها أهل الجاهلية، فأتت النبي ﵇ (٣) فقالت: إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما (٤) خلا بي وَنَثَرْتُ له بطني جعلني عليه كأمه، فقال ﵇: "ما أراك إلا حرمت عليه" وروي: "ما عندي من أمرك شيء" فقالت: زوجي وابن عمي وأحب الناس إلى وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يخدم، أشكو إلى الله تعالى. وقالت فيما قالت: إن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه (٥) ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وكانت عائشة تغسل رأس النبي ﵇ فقالت: يا خويلة اقصُري حديثك ومجادلتك مع

стр. 1576

رسول الله (١) أما ترين إلى وجه النبي ﵇ (٢)؟! تريد أنه يوحى إليه، فما تحولت عنه إلى جانب آخر حتى نزل جبريل ﵇ بآية الظهار (٣)، فجعله تحريمًا مؤقتًا بالتكفير أو شبه امرأته بظهر أمه أو بطنها أو فخذها أو فرجها أو قال: رقبتك أو رأسك أو فرجك يكون ظهارًا، ولا يجوز الظهار من الذمي والأمة لا تدخل في الظهار. وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [أربعة أقوال: أحدها: اللام بمعنى من؛ أي مما قالوا كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]. والثاني: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾] (٤) إلى إبطال أو رفع أو استدراك ما ﴿قَالُوا﴾ (٥). والثالث: المراد بالعود الندامة والسلام بمعنى على؛ أي يندمون على ما قالوا. والرابع: على التقديم والتأخير تقديره: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) وقد أخطأ من فسر العود بتكرار لفظة الظهار؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، ولا هو من قضية اللغة، ولفظ "ثم" يدل على تأخر (٦) العود عن الظهار بزمان؛ فإن مسَّها قبل الكفارة فعليه الكفارة لما روي أن سلمة بن صخر جاء إلى النبي ﵇ (٧) فقال: تظاهرت من امرأتي فرأيتها في ليلة قمراء فأعجبت

стр. 1577

بها فواقعتها، فقال ﵇ (١): "استغفر الله ولا تعد حتى تكفّر" (٢) وإن مسّها في أثناء الكفارة فعليه الاستقبال؛ لأن إيجاب جميع الصوم قبل المسيس أمر بإخلاء الشهرين عن المسيس وهو قادر على ذلك، والذي لا يستطيع شيئًا من الكفارات الثلاث فلسنا نرى (٣) أن يقرب امرأته بوجه من الوجوه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإتيان في الوعيد ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر، وقيل: كفار الخندق. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ من مجاز الكلام وحقيقته (٤) استحالة اجتماعهم من غير أن يجمع وتناجيهم من غير أن يسمع، فهو واحد قبلهم وواحد معهم وواحد بعدهم، تعالى عن كل اتصال وانفصال وانعقاد وانحلال (٥). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ كان المنافقون يرجفون في المدينة على سبيل التناجي إذا خرجت سرية من المسلمين فكان (٦) يحزن من ذلك أولياء الغزاة ويظنون أنهم سمعوا مكروهًا من جهة الغزاة أو عندهم خبر سبق، فنهاهم الله عن ذلك فلم ينتهوا فأنزل الله، وعن عائشة قالت: دخل على رسول الله (٧) يهود فقالوا: السام عليكم يا أبا القاسم، قالت عائشة: فقلت: عليكم السام ونلت منهم، فقال رسول الله (٧): "إن الله لا يحب

стр. 1578

الفحش والتفحش" قالت: أوما سمعتهم يقولون: السام عليك (١)؛ قال ﵇ (٢). "أوما سمعتِني أقول: عليكم" (٣) فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ نزلت فيمن لم ينفسح لثابت ابن قيس (٤)، التفسح: التوسع في المجلس، والفسحة: الوسعة ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قبوركم (٥) أو يبارك لكم في مجلسكم ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ انهضوا للعدوّ، وقيل: قيام الرجل عن المجلس لمن هو أفضل منه قرآنًا وعلمًا. وعن مجاهد في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ (٦) إلَّا تقدموا صدقة (٧)، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم دينارًا وتصدق به. ثم أنزل ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ فشق ذلك على المسلمين فوضعت وأمر بمناجاته بغير صدقة (٨). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ نزلت الآيات في المنافقين الذين كانوا يتولون اليهود والمشركين في الشر (٩).

стр. 1579

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ترسًا. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ نزلت (١) في إبطال عذر حاطب بن أبي بلتعة حيث قال: لم أتقرب إلى قريش إلا لمكان أهل بيتي منهم (٢) ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى قوم مؤمنين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أىِ أوجده وأوجبه فيه ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. ...

стр. 1580

سورة الحَشْرِ مدنية (١)، وهي أربع وعشرون آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآيات نزلت في بني قينقاع أو في بني النضير، والقصة في ذلك أن النبي ﵇ (٣) هاجر إلى المدينة وصالحته (٤) على (٥) اليهود على أن لا يكونوا نواته (٦) أولًا (٧) عليه، فلما غزا رسول الله (٨) بدرًا وظفر بالمشركين قالت: والله هذا النبي الذي وجدنا لا تردّ له راية، ثم إن طائفة من اليهود وهم بنو قينقاع نقضوا العهد وحسدوا رسول الله (٨) وخافوا على أنفسهم فقالوا للمسلمين: والله لو قاتلناكم لرأيتم منّا غير الذي رأيتم من أهل بدر، فبلغ ذلك رسول الله (٨) فأرسل إليهم أن اخرجوا من جوارنا، فأبوا وتحصنوا وتهيئوا للقتال، فحاصرهم رسول الله (٨) حتى نزلوا على حكمه، فغنم رسول الله (٨) رقابهم وأموالهم
следующие страницы →