← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

رسول الله (١) أما ترين إلى وجه النبي ﵇ (٢)؟! تريد أنه يوحى إليه، فما تحولت عنه إلى جانب آخر حتى نزل جبريل ﵇ بآية الظهار (٣)، فجعله تحريمًا مؤقتًا بالتكفير أو شبه امرأته بظهر أمه أو بطنها أو فخذها أو فرجها أو قال: رقبتك أو رأسك أو فرجك يكون ظهارًا، ولا يجوز الظهار من الذمي والأمة لا تدخل في الظهار. وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [أربعة أقوال: أحدها: اللام بمعنى من؛ أي مما قالوا كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]. والثاني: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾] (٤) إلى إبطال أو رفع أو استدراك ما ﴿قَالُوا﴾ (٥). والثالث: المراد بالعود الندامة والسلام بمعنى على؛ أي يندمون على ما قالوا. والرابع: على التقديم والتأخير تقديره: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) وقد أخطأ من فسر العود بتكرار لفظة الظهار؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، ولا هو من قضية اللغة، ولفظ "ثم" يدل على تأخر (٦) العود عن الظهار بزمان؛ فإن مسَّها قبل الكفارة فعليه الكفارة لما روي أن سلمة بن صخر جاء إلى النبي ﵇ (٧) فقال: تظاهرت من امرأتي فرأيتها في ليلة قمراء فأعجبت

стр. 1577

بها فواقعتها، فقال ﵇ (١): "استغفر الله ولا تعد حتى تكفّر" (٢) وإن مسّها في أثناء الكفارة فعليه الاستقبال؛ لأن إيجاب جميع الصوم قبل المسيس أمر بإخلاء الشهرين عن المسيس وهو قادر على ذلك، والذي لا يستطيع شيئًا من الكفارات الثلاث فلسنا نرى (٣) أن يقرب امرأته بوجه من الوجوه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإتيان في الوعيد ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر، وقيل: كفار الخندق. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ من مجاز الكلام وحقيقته (٤) استحالة اجتماعهم من غير أن يجمع وتناجيهم من غير أن يسمع، فهو واحد قبلهم وواحد معهم وواحد بعدهم، تعالى عن كل اتصال وانفصال وانعقاد وانحلال (٥). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ كان المنافقون يرجفون في المدينة على سبيل التناجي إذا خرجت سرية من المسلمين فكان (٦) يحزن من ذلك أولياء الغزاة ويظنون أنهم سمعوا مكروهًا من جهة الغزاة أو عندهم خبر سبق، فنهاهم الله عن ذلك فلم ينتهوا فأنزل الله، وعن عائشة قالت: دخل على رسول الله (٧) يهود فقالوا: السام عليكم يا أبا القاسم، قالت عائشة: فقلت: عليكم السام ونلت منهم، فقال رسول الله (٧): "إن الله لا يحب

стр. 1578

الفحش والتفحش" قالت: أوما سمعتهم يقولون: السام عليك (١)؛ قال ﵇ (٢). "أوما سمعتِني أقول: عليكم" (٣) فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ نزلت فيمن لم ينفسح لثابت ابن قيس (٤)، التفسح: التوسع في المجلس، والفسحة: الوسعة ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قبوركم (٥) أو يبارك لكم في مجلسكم ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ انهضوا للعدوّ، وقيل: قيام الرجل عن المجلس لمن هو أفضل منه قرآنًا وعلمًا. وعن مجاهد في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ (٦) إلَّا تقدموا صدقة (٧)، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم دينارًا وتصدق به. ثم أنزل ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ فشق ذلك على المسلمين فوضعت وأمر بمناجاته بغير صدقة (٨). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ نزلت الآيات في المنافقين الذين كانوا يتولون اليهود والمشركين في الشر (٩).

стр. 1579

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ترسًا. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ نزلت (١) في إبطال عذر حاطب بن أبي بلتعة حيث قال: لم أتقرب إلى قريش إلا لمكان أهل بيتي منهم (٢) ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى قوم مؤمنين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أىِ أوجده وأوجبه فيه ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. ...

стр. 1580

سورة الحَشْرِ مدنية (١)، وهي أربع وعشرون آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآيات نزلت في بني قينقاع أو في بني النضير، والقصة في ذلك أن النبي ﵇ (٣) هاجر إلى المدينة وصالحته (٤) على (٥) اليهود على أن لا يكونوا نواته (٦) أولًا (٧) عليه، فلما غزا رسول الله (٨) بدرًا وظفر بالمشركين قالت: والله هذا النبي الذي وجدنا لا تردّ له راية، ثم إن طائفة من اليهود وهم بنو قينقاع نقضوا العهد وحسدوا رسول الله (٨) وخافوا على أنفسهم فقالوا للمسلمين: والله لو قاتلناكم لرأيتم منّا غير الذي رأيتم من أهل بدر، فبلغ ذلك رسول الله (٨) فأرسل إليهم أن اخرجوا من جوارنا، فأبوا وتحصنوا وتهيئوا للقتال، فحاصرهم رسول الله (٨) حتى نزلوا على حكمه، فغنم رسول الله (٨) رقابهم وأموالهم

стр. 1581

ولم تكن لهم نخل ولا مزارع، ثم استوهبهم ابن أبي ابن سلول، فأرسلهم رسول الله (١) إلى أذرعات. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة اثنين، وكان كعب بن الأشرف وهو رجل من طي من نبهان ولكنه من جهة أخواله فإن أمه كانت من بني النضير قد نقض العهد وهجا رسول الله (١) ورثى قتلى بدر وحرض المشركين على المسلمين، ثم ارتحل إلى مكة وحالف قريشًا تحت أستار الكعبة أن يكون معهم على عداوة رسول الله (١)، فأرسل رسول الله (١) محمَّد بن مسلمة الأنصاري في أربعة من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نافلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبر ليغتالوه، فأتوه في جوف الليل واستنزله محمَّد بن مسلمة من قصره وشكا إليه رسول الله واستقرضه طعامًا، ثم تشبث برأسه وكبَّر فخرج أصحابه من وراء الحائط وضربوه حتى برد، وفي ذلك يقول عباد بن بشر: صرخت به فلم يعرض (٢) لصوتي ... وأوفى طالعًا من فوق قصر (٣) فعدت فقال من هذا المنادي ... فقلت أخوك عباد بن بشر وأقبل نحونا يهوي سريعًا ... وقال لنا لقد جئتم لأمر فعانقه ابن مسلمة المردي ... به كفار كالليث الهزبر وشد بسيفه صلتًا عليه ... فقطره أبو عيسى ابن جبر وصلت وصاحباي فكان لما ... قتلناه الخبيث كديح عسر وكان الله سادسنا فأبنا ... بأفضل نعمة وأعزّ نصر وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ثلاث، وبعث رسول الله ﷺ (٤) في صفر سنه أربع جبر بن عتيك في ثلاثة من أصحابه إلى خيبر ليغتالوه وكان

стр. 1582

في خيبر وهو رافع بن سلام ابن أبي الحقيق فاغتالوه وكانوا قد دخلوا عليه وهو سكران (والذي تولى) قتله عبد الله بن أنيس الأنصاري ورجعوا إلى رسول الله (١) سالمين. ثم انطلق رسول الله (١) إلى بني النضير يستعينهم في دية رجلين من بني كلاب قتلهما عمرو بن أمية وكان لهما عهد، ومعه أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة، فاستقبله اليهود، ورحبوا به فقالوا: قد آن لك أن تزورنا يا أبا القاسم ولك عندنا ما تحب ولكن احتبس عندنا ساعة نطعمك فاستراح (٢) رسول الله (١) إلى بيت من بيوتهم وجلس معه أصحابه، ورجعت اليهود بعضها إلى بعض يتآمرون في أمره، فأشار عليهم حيي بن أخطب أن يلقوا عليه رحا من فوق السطح، فأعلم الله نبيه كيدهم، فوثب كأنه يريد حاجة وخرج حتى رجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه من بعده، ثم أرسل إليهم رسول الله (١) يأمرهم بالخروج من جواره وأجلهم عشرة أيام، فأخذوا يتجهزون للخروج، ثم أرسل إليهم ابن أبي ابن سلول المنافق: أن لا تبرحوا مكانكم ننصركم، فاغتروا بذلك وأرسلوا إلى رسول الله (١): لسنا بخارجين عن ديارنا فاصنع ما أنت صانع، فكبر رسول الله (١) وسار بأصحابه نحوهم وهم مشاة على أرجلهم، على المقدمة الفضل بن عباس وعلى الميمنة عكاشة بن محصن، وعلى الميسرة ثابت بن أقرم الأنصاري، فصلى العصر بفنائهم وهم يرمون بالنبل والحجارة إلى الليل، فانصرف رسول الله (٣) إلى بيته في عشرة من أصحابه يدرع وهو على فرس، وقد استعمل عليًا ﵁ على العسكر والمسلمون يكبرون حتى أصبحوا، ثم سار النبي ﵇ (٤) إلى العسكر وحمل معه قبة من أديم ليبيت فيها، فحاصرهم خمسة عشر يومًا وسعد بن عبادة يحمل إليهم التمر من المدينة وبينهم وبين المدينة مقدار ميلين، وكان المسلمون يتقون دورهم وهم

стр. 1583

بها على المسلمين ففي ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأمر رسول الله بقطع نخلهم وكانت خير أموالهم العجوة، فأخذوا يعيبون المسلمين على ذلك ويقولون: إنكم معشر المسلمين تزعمون أنكم لا تحبون الفساد في الأرض فكيف تقطعون النخيل وإنما هي لنا إن ظفرنا ولكم إن ظفرتم، وطمع بعض المسلمين في ذلك فلم يقطع منها شيئًا، ثم اختلفوا فيما بينهم بعد ما استولوا فأنزل الله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية؛ لأن من قطعها قطعها إضرارًا باليهود ومن تركها تركها نفعًا للمسلمين، وأسلم من بني النضير يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب فأحرزوا أموالهما. وشرط النبي ﵇ لليهود أن يخرجوا ولهم ما حملت إبلهم إلا الحلقة وهي السلاح، فخرجوا على ذلك، وغنم رسول الله (١) سلاحهم وسائر أموالهم سوى الإبل (١). واختلفوا في قوله ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فقال القيسي: الحشر هو الجلاء، وهؤلاء اليهود أول قوم أُجْلوا عن ديارهم، وقال الزهري: هو أول حشر إلى الشام ثم يحشر إليها يوم القيامة (٢). وقد روى عكرمة عن النبي ﵇ (٣) قال: "من شك أن الحشر ليس بالشام فليقرأ أول الحشر" وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (٤) مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فلما قال لهم رسول الله (٥): "اخرجوا من المدينة" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض (٦) المحشر" (٧).

стр. 1584

وعن الحسن قال: لما أجلى النبي ﵇ (١) بني النضير هذا أول الحشر وإنا على الأثر (٢). ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية في قطع أطماع الصحابة عن قسمة أرض بني النضير على حكم الجاهلية، وكان حكم الجاهلية أن كل سرية خرجت عن خيل أو ركاب وغنمت شيئًا دفعوا المرباع إلى رئيسهم وقسموا سائرها بينهم فقالوا: هذا اليوم لك المرباع يا رسول الله فخل بيننا وبين الباقي، فبين الله تعالى أنهم لا يستحقونها بحكم الجاهلية ولا الإسلام، أما حكم الجاهلية فلأنهم لم يكونوا أوجفوا عليه خيلًا ولا ركابًا، وأما حكم الإسلام فإن الأمر لله يحكم كيف يشاء وقد حكم بالفرق بين الفيء وبين الغنيمة (٣). إيجاف الخيل كإيضاع الإبل وذلك إسراعها, لكن الإيجاف أعم من الإيضاع ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآيات في صرف الأرضين المفتتحة إلى رأي رسول الله (٤) ليحكم فيها خلاف حكمه في سائر الأموال المغنومة، فجعل رسول الله (٤) بعضها لنفسه وقرابته ولفقراء المسلمين ولسائر مواليه، وقسم بعضها بين الغزاة، وكان مما قسمه النصف من خيبر جعلها على ثمانية عشر سهمًا، واستن عمر بن الخطاب ﵁ بهذه السنة. ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ شيئًا متداولًا. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حاجة وفقر ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ مما آتاهم الله من الرضا والصبر أو بما أوتي المهاجرون من الغنيمة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ فهذا فصل آخر في ذم المنافقين وتوهينهم ووعظًا للمؤمنين.

стр. 1585

﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي إذا قاتل بعضهم بعضًا كان بأسهم ﴿شَدِيدٌ﴾ ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ تأنيث شت وإنما كانت قلوبهم شتى لكونهم على أديان مختلفة. و ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر ﴿قَرِيبًا﴾ أي من مكان قريب وزمان قريب، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: ذاقوا وبال أمرهم قريبًا. والظاهر من قول ﴿الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ كقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وعن عبيد بن رفاعة يرفعه أن امرأة ابتليت فألقى الشيطان في قلوب أهلها أن شفاءها أن تأتوها إلى فلان الراهب، قال: فذهبوا بها إليه فكلموه أن يبقوها عنده في صومعته، فكره ذلك فلم يزالوا به حتى فعل، يمكثها ما شاء الله عنده، ثم إن الشيطان أوقعها في نفسه فوقع بها فحملت، فلما حملت أتاه الشيطان فقال: تفتضح الآن، اعمد إليها فاقتلها وادفنها، فإذا أتاك أهلها فسألوك فقل: ماتت فدفنتها، ففعل، فجاء أهلها فأخبرهم أنها ماتت فدفنها، فصدّقوه وانصرفوا فأتاهم الشيطان فأوقع في أنفسهم أنه قتلها، فأتوه ليقتلوه فسبق إليه الشيطان فقال له: إن أهلها يأتوك ليقتلوك وقد علمت أني صاحب هذا أوله وآخره فأطعني أنجك منهم، اسجد لي سجدتين تنج منهم، ففعل. ففيه أنزلت ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾ (١). ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٢) هذا فصل آخر من السورة اتصالها من حيث التنبيه. والوعظ السابق في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا فصل آخر في الثناء على الله واتصالها بذكر المؤمنين ليجدد إيمانهم بتجديد الوعظ السابق في قلوبهم.

стр. 1586

﴿الْقُدُّوسُ﴾ اسم عظيم من أسماء الله تعالى اشتقاقه من القدس (١)، وقال أبو علي الفسوي (٢): أصله من السريانية قديس. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ من أسماء الله تعالى لإيمانه المؤمنين ظلمه وإيمانه الموحوش في الحرم ونصبه نبيًا في الدنيا من دخله كان آمنًا ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ اسم من أسماء الله تعالى مشتق (٣). و ﴿الْبَارِئُ﴾ الذي برأ النسمة فهي البرية، واشتقاقه من البر، فإن الله تعالى فصل بين الحق والباطل والحسن والقبيح والحيوان والجماد، وقد استوفينا الكلام في الأسماء في كتاب "مفتاح الهدى". ...

стр. 1587

سُورَةُ المُمتَحنةِ مدنية (١)، وهي ثلاث عشرة آية بلا خلاف (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن علي بن أبي طالب قال: بعثنا رسول الله ﵇ أنا والزبير والمقداد قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها" فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا فقلنا: لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنقطعن (٣) الثياب، فأخرجت من عقاصها، فأتينا به رسول الله (٤) فإذا به: من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله (٤)، فقال رسول الله (٤): "يا حاطب (٥) ما هذا؟ " فقال: يا رسول الله لا تعجل (٦) علي، إني كنت أمرأً ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون قراباتهم وأهليهم ولم تكن لي قرابة أحمي بها أهلي، فأحببت ذلك من السبب أن أتخذ منهم يدًا يحمون بها قرابتي وأهلي، ما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا

стр. 1588

عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي ﵇ (١): "إنه قد صدق"، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﵇ (١): "إنه قد شهد بدرًا وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢) صفة للاسم المذكور كقولك: لا تتخذوا صديقًا يفشي إليك سرك، الباء زائدة (٣) ﴿يُخْرِجُونَ﴾ في معنى الحال للذين كفروا و ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لإخراجهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ شرط للنهي. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية في الذين حسن إسلامهم من المؤلفة قلوبهم ومن سائر الطلقاء. وعن عبد الله بن الزبير: قال: قدمت قُتَيلة بنت عبد العزى بن أسيد على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا من ضباب وسمن وأقط فلم تقبل هداياها ولم تدخلها منزلها، فسألت بها عائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (٤) أي أن تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي تؤمنوا إليهم عهودهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مقاتل وغيره: نزلت الآية في سبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت صيفي بن راهب فهربت منه عام الحديبية بعد الموادعة ولحقت بالمسلمين وهم بالحديبية، فجاء صيفي ليستردّها وهو يقول: العهد بيننا وبينكم أن تردّوا علينا من لحق منا بكم فلا تغدروا بنا

стр. 1589

قبل أن تجف طينة (١) الكتاب وشنع، فقال النبي ﵇ (٢): "ذلك الكتاب في الرجال دون النساء" فأنزل الله الآية (٣) ورضي الفريقان به جميعًا، وقيل: ولم يرض المشركون بشيء فأنزل الله تعالى على رسوله قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قيل: استوصفوا الإيمان, وقيل: كان رسول الله ﷺ يستحلف المرأة بالله أنها لم تخرج مغاضبة لبعض أهلها ولا متعشقة لبعض المسلمين ولا طالبة للدنيا ولكنها خرجت لوجه الله وحده لا شريك له (٤)، فإيمانهن إيمان القلب ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إيمان اللسان، وحكم قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ باق، وحكم قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ منسوخ، وحكم قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ منسوخ، والنسخ بالسنة المتواترة بعد انتهاء الموادعة (٥)، وحكم قوله ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ باقٍ، وذهب الشيخ أبو جعفر (٦) إلى أن هذه الآية متأخرة عن قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١].

стр. 1590

ولقوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ معنيان؛ أحدهما: أن تريد مسلمة أن تلحق بدار الحرب ثم يُغير المسلمون على الكفار ويسبوا تلك المرأة فيجب عليهن (١) أن يعطوا من القسمة زوجها الأول المسلم مثل ما كان أنفق قبل ردّتها ثم يسترقوا، والثاني: أن تلحق مسلمة بالكفار مرتدة فيرونها المشركون وتقابلهم والمسلمون يأبون مهاجرة من غير أن يسألوا ما أنفقوا ويؤتوا ما أنفقوا ويعطوا نفقة الكفار، فلا يحل لهم نكاح تلك المهاجرة على سبيل المهاجرة ولكن الواجب عليهم أن يسألوا ما أنفقوا أن يعطوا اليوم الكفار على ما سبق في الآية الأولى، وأي المعنيين صح فهو منسوخ بالسنة المتواترة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ نزلت بعد فتح مكة، وكانت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أم معاوية في جملة المبايعات، فلما بلغ رسول الله ﵇ (٢) إلى قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح فكان لي في الأخذ من ماله مقدار ما يكفيني ويكفي أولادي، فأذن لها رسول الله (٣) بالمعروف لا وكس ولا شطط، فلما بلغ إلى قوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرة؟ فتبسم عمر بن الخطاب ﵁ ثم قال: لا والله لا تزني الحرة، فلما بلغ إلى قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت: ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا (٤)، فضحك عمر حتى استلقى على قفاه (٥) ﴿بِبُهْتَانٍ﴾ لفظ، وعن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة: ما هذا المعروف الذي ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: "لا تخن" قلت: يا رسول الله إن بني فلان قد أسعدوني على مصابة ولا بدّ لي من قضائهن فأبى عليّ فعاتبته مرارًا فأمر لي في قضائهن فلم أنح بعد

стр. 1591

في قضائهن ولا غيره حتى الساعة ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري (١). قال طاوس (٢): ما مسّت يد رسول الله (٣) يد امرأة إلا امرأة يملكها (٤). ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قيل (٥): اليهود ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ بسحرهم وكهانتهم وتحريفاتهم كما يئس المشركون من موتاهم، وقيل: المشركون يئسوا من خير الآخرة لإيثارهم البعث ﴿كَمَا يَئِسَ﴾ الذين سبقوهم بالكفر وماتوا عليه لمشاهدتهم العذاب، ونزلت الآية ردًا لعجز الكلام على صدره، والله أعلم. ...

стр. 1592

سُورَةُ الصَّفِ مكيّة (١)، عن عطاء: مدنية، وعن الحسن وعكرمة وقتادة (٢) , وهي أربع عشرة آية بلا خلاف (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ هم الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، والشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، قيل لميمون بن مهران (٤): أهو الذي يفرط بنفسه أو هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وفيه تقصير، قال: كلاهما ممقوت. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ تهيأوا للزيغ مختارين له بخذلان الله تعالى خلق فيهم الزيغ، وعن عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس: اسمه في التوراة

стр. 1593

أحمد الضحوك القتال يركب البعير ويلبس الشملة ويجتري بالكسرة، سيفه على عاتقه (١). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ عيسى أو نبينا ﵈. ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ رفع بحذف الناصبة، تقديره: هو أن تؤمنوا وتجاهدوا، ويحتمل أنه خبر بمعنى الأمر. والله أعلم. ...

стр. 1594

سُورَةُ الجُمُعَةِ مدنية (١)، وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند رسول الله (٣) فقرأ علينا سُورَةُ الجمعة، فلما قرأ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وفينا سلمان قال: فوضع يده [ ﷺ ] على سلمان ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لنالته رجال من موالي" (٤). ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ كلفوا حملها قهرًا بنتق الجبل فوقهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ حق حملها ﴿أَسْفَارًا﴾ جمع سِفْر؛ وهو الكتاب، ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ صفة الموت أو بدل منه، وليس بالخبر، والخبر مضمر فيه: لن يعجزوه، وقيل: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ خبر، وإنما دخلت الفاء لأن الاسم الموصول كالشرط، فكان الخبر كأنه الجزاء. وعن جابر قال: بينما النبي ﵇ يخطب يوم الجمعة قائمًا إذْ قَدِمَتْ

стр. 1595

عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) والخطاب لجماعة سوى ذاكر الله يسعون إليه، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة ﴿نُودِيَ﴾ أذَّن بعد زوال الشمس ﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ والجمعة العروبة بين الخميس والسبت، سميت جمعة لاجتماع الناس فيه، السعي: المضي دون العَدْو كقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ [عبس: ٨] وذكر الله الخطبة، وظاهر الآية تدل على جواز الاقتصار على تسبيحه (٢) ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ اتركوا التبايع في الأسواق حالة النداء لتدركوا الخطبة والصلاة، والبيع منهي عنه ساعتئذٍ وجائز لأن النهي لمعنى في غيره. ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿وَابْتَغُوا﴾ أمر إباحة ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ التجارة، وعن جابر ابن سمرة قال: كان رسول الله ﵇ (٣) يخطب قائمًا ثم يقعد ثم يقوم (٤). ...

стр. 1596

سُورَةُ المنَافِقُونَ مدنية (١)، وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عند قوله ﴿لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٣) وقف حسن لأن قوله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليس من كلام المنافقين (٤). ﴿خُشُبٌ﴾ جمع خشب وهو ما صلب من نبات الأرض، والمراد به الأصنام المنحوتة من الخشب ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ مردودة إلى الجدار ليعتمد عليها فلا تحرّك، وفائدة التشبيه إثبات صورة حسنة لا خير فيها، وعن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله (٣) وكان معنا أناس من الأعراب وكنا نبتدر الماء والأعراب يسبقوننا إليه، فسبق أعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من

стр. 1597

الأنصار أعرابيًا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع منه الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب عبد الله فقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ من حوله، يعني الأعراب، فكانوا يحضرون عند النبي ﵇ (١) عند الطعام، قال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمَّد فأتوا محمدًا بالطعام ليأكله هو وأصحابه، قال لأصحابه ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قال زيد: وأنا أردف رسول الله (٢) قال: فسمعت عبد الله فأخبرت عمّي فانطلق فأخبر رسول الله ﵇ (٣)، فحلف وجحد قال: فصدقه (٤) رسول الله وكذبني، قال: فجاء عمي إليّ فقال: ما أردت إلا مقتك رسول الله (٢) وكذّبك المسلمون، قال: فوقع علي من أقوالهم ما لم يقع على أحد، قال: فبينما أنا مع النبي ﵇ (٣) في سفر قد خفقت برأسي من الهمّ إِذْ أتى رسول الله (٢) فعرك (٥) أذني ثم ضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله (٢)؟ قلت: ما قال شيئًا إلا أنه عرّك (٦) أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر، ثم لحق عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر (٧)، فلما أصبحنا قرأ النبي ﵇ (٣) سُورَةُ المنافقين (٨). وعن أبي هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل،

стр. 1598

قال: وجاء إلى النبي ﵇ (١) فقال: إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، والذي بعثك بالحق ما تأملت في وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك به فإني أكره أن أرى قاتل أبي، فتركه النبي ﵇ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصل آخر اتصالها من حيث سبق ذكر المنفعة، وفحوى الخطاب أن المراد بالصالحين المتصدقون والصديقون أو المصدقون (٢)، وعن الضحاك عن ابن عباس قال: ما من أحد يموت ولم يحج ولم يؤدَّ زكاة ماله ممن وجب عليه الحج إلا سأل الرجعة فقالوا: يا أبا عباس ما نزال نسمع منك الشيء لا ندري ما هو، قال: فأنا أقرأه عليكم قرآنًا، فقرأ عليهم ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾ الآية، قال: أَحُجُّ (٣). ...

стр. 1599

سُورَةُ التَغَابُنِ مدنية (١)، وعن ابن عباس (٢): مكية إلا ثلاث من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] نزلت في عوف بن مالك (٣) وهي ثماني عشرة آية بلا خلاف (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ أي يوم ظهور التغابن، وإنما كان التغابن في القيامة بترك مراحة المصلحين والمفسدين في شهواتهم في الدنيا واغتنامهم العبادة الموجبة للدرجات الأخروية مسلمة لهم عند الله، وقيل: أراد بالتغابن أخذ بعض الخصماء حسنات بعض يسير من المظلمة، وأصل الغبن: النقض، وعن الضحاك: أن التغابن من أسماء القيامة، وعن الضحاك قال: قال عبد الله: ما أحد بأكسب من أحد، قسم الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل، والناس يجزون إلى المنتهى (٥). وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا سأله عن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ قال: هؤلاء رجال من أهل مكة أرادوا أن يأتوا النبي ﵇ (٦) فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا

стр. 1600

رسول الله (١)، فلما أتوا رسول الله (١) رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله الآية (٢). ...

стр. 1601

سُورَةُ الطَّلَاقِ مدنية (١)، وهي اثنتا عشرة آية في غير عدد أهل البصرة (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ اللام للتاريخ (٣)؛ أي طلقوهن لوقت يحتسبنه من عدتهن، وهو الطلاق في طهر لا جماع فيه، وعن أبي الأحوص عن عبد الله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ قال: طاهرًا من غير جماع (٤) و ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ في غير المبتوتات بدليل قوله ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ولكن المبتوتات دخلن من وجه آخر وهو أنه لو طلق امرأته بطلقتين فيما مضى وأمسكها سنين وولدت أولادًا، ثم عزم على طلاقها لا شك أن يطلقها للعدة، عن الأسود أن

стр. 1602

عمر بن الخطاب و (١) عبد الله بن مسعود قالا في المطلقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة (٢)، وعن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بنيزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فذكروا المطلقة ثلاثًا فقال الشعبي: حدثتني فاطمة بنت قيس أن رسول الله (٣) قال: "لا سكن لك ولا نفقة" قال: فرمى الأسود بحصى ثم قال: ويلك أتحدث بمثل هذا؟ فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ (٤) فقال: لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبيّنا لامرأة لا تدري لعلها كذبت قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥). وعن الأسود قال: ذكر لعائشة أمر فاطمة (٦) بنت قيس (٧) فقالت: إنما أمرها رسول الله (٨) أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم لسوء خلقها (٩)، وعن ابن عباس قال: الفاحشة المبينة أن تبدو على أهلها (١٠)، وعن عكرمة عنه: الفاحشة المبينة أن تفحش على أهل الرجل وتؤذيهم (١١)، وعن ابن مسعود: أن تزني فتخرجوها لإقامة الحدود (١٢). وقال أبو يوسف وعن ابن عمر: أنها أن تعصي فتخرج بنفسها (١٣)، والاستثناء على هذا منقطع وبه أخذ إبراهيم النخعي، وهو رواية عن

стр. 1603

أبي حنيفة ﵀. والمراد بقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ مودة المطلقة والندامة على الطلاق ليرتجعها ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أمر للأخذ بالاحتياط كقوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفائدته قطع أسباب التجاحد، وعن ابن سيرين: سئل عمران بن حصين في رجل طلق امرأته ولم يُشهد وراجع لم يشهد؟ قال: بئس ما صنع طلق في عدة وراجع في غير سنة ليشهد على غيرها (١) (٢). ولا مخالف له من (٣) الصحابة. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ في أمر النكاح والطلاق، وعن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أسر المشركون ابن رجل من المسلمين فشكا ذلك إلى النبي ﵇ (٤) قال: "أرسل إليه فليكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله" ففعل، فغفلوا عنه، فركب فحلًا لهم واتبعته الإبل فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥). ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ لكل مخلوق مقدار. ﴿يَئِسْنَ﴾ الآيسات القواعد اللاتي انقطع دم حيضهن. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في فراغ أرحامهن لاعتبار غالب الأحوال، والأصح إن ارتبتم في حكمهن فاعلموا أن أرحامهن ثلاثة أشهر ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ إن كان معطوفًا على ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ فالارتياب فيهن كالارتياب في الآيسات وإن كان معطوفًا على الضمير المجرور في قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ فالارتياب فيهن. وعن عمر بن الخطاب ﵁ (٦): إن وضعت ما في بطنها وزوجها

стр. 1604

على السرير قبل أن يدفن في حفرته فقد انقضت عدتها (١)، وروي أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة فأتت النبي ﵇ (٢) فأمرها أن تتزوج (٣). ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ خطاب للأزواج ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ما تملكونه ويبطل ذلك عدتهم لانتقال الملك إلى الورثة ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ شرط لامتداد نفقتهن إلى وضع الحمل وانقطاعها بالوضع طالت المدة أو قصرت، أو لبيان حكم (٤) النفقة قبل الوضع أنه مخالف لحكم النفقة بعد الوضع، من الأولى نفقة عدة يلزم الأزواج ويلزم سائر الورثة، وهذا الشرط لا يدل على سقوط نفقة سائر المعتدات لقول عمر ﵁ وابن مسعود ﵁ وردهما حديث فاطمة بنت قيس. وعن ابن عباس: إذا مات عن المرأة زوجها وهي حبلى أو غير حبلى فنفقتها من نصيبها (٥). وعن جابر بن عبد الله: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث (٦). ﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾ تضايقتم في نفقة الرضاع وهو أن لا ترضى الوالدة بنفقة ترضى بها مثلها. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ قال الحسن البصري: الذكر هو الرسول (٧)

стр. 1605

مصدر بمعنى الاسم؛ أي ذكرًا أو مذكرًا رسولًا، نصب على البدل، ويحتمل بفعل مضمر؛ أي أنزلنا ذكرًا وأرسلنا رسولًا (١) سقط الواو لأنه رأس آية. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي خلق من الأرض مثلهن والمماثلة في الكمية، وقيل: في الطبيعة، وقيل: في كون بعضهن فوق بعض، وقيل: في كون بعضهن منفصلًا عن بعض بالهواء المتخلل بينهن، وقيل: بالتدوير، وقيل: بالتسطيح، وقيل: في كون كل جنس منهن محلًا للحيوان وللأمر والنهي. وعن ابن عباس قال: مثل السموات والأرضين فيما وراءهن من الهواء حيث لا سماء ولا أرض إلا كمثل فسطاط ضربته بصحراء من الأرض. وعن مجاهد عن ابن عباس في قوله ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: لو أخبرتكم تفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم (٢). ...

стр. 1606

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مدنية (١)، وهي اثنتا عشرة آية بلا خلاف (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الكلبي أن النبي ﵇ دخل بيت حفصة ذات يوم واليوم يوم عائشة، فوجد البيت خاليًا وحفصة خارجة إلى بيت أبيها زائرة، فأرسل إلى أمته مارية القبطية وجلس معها خاليًا، فرجعت حفصة بعد ساعة وأبصرت الجارية وأخذت تعاتبه وتقول: قد رأيت من قد (٣) كانت عندك، فقال لها النبي ﵇ (٤): "حرمت هذه الجارية على نفسي فاكتمي عليَّ هذا الحديث ولا تخبري به عائشة ولك عندي بشارة" قالت: وما هي؟ قال: "أن أبا بكر وأباك سيملكان هذه الأمة بعدي ولا تخبري بهذه البشارة أحدًا" فلم تصبر حفصة حتى أخبرت عائشة بالأمر جميعًا فأظهر الله نبيه على إفشائها، فعاتبها رسول الله (٥) على حديث مارية (٦)؛ لأنه لم ينل بإظهاره وتكراره

стр. 1607

ولم يتعرض لحديث البشارة معًا (١) متغافلًا عنها لأنه يحب إظهارها وتكرارها. ثم اعتزل نساءه جميعًا شهرًا فظن بعض النساء أنه طلقهن فدخل عمر بن الخطاب ﵁ على ابنته حفصة وبالغ في لومها والإنكار عليها وقال لها: والله لئن كان رسول الله (٢) قد طلقك تطليقة لما كلمتك أبدًا، فقالت: لم يطلقني وإني لعلى شرف ذلك، وهي تبكي، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٣) الآيات، واختار رسول الله (٢) لكفارة يمينه عتق رقبة، واليمين: هي تحريم ما أحل الله له من صحبة مارية القبطية، فأعتق رقبة ورجع إلى مارية وهي أم إبراهيم بن محمَّد رسول الله ﷺ (٤). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن النبي (٥) ﵇ (٦) طلق حفصة ثم راجعها، وصححه الطحاوي في "تأويل مشكل الأخبار" (٧)، وهذا يصدق الكلبي من قول عمر. وعن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي ﵇ (٨): أن النبي ﵇ (٨) كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب (٩) عندها عسلًا فتواصيت أنا وحفصة أيَّتنا ما دخل عليها النبي ﵇ (٨) فلتقل: إني لأجد

стр. 1608

منك مغافير، فدخل ﷺ على إحداهما فقالت ذلك فقال: "بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له" فنزلت ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١). ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ لعائشة وحفصة، وعن ابن عباس قال: لم (٢) أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﵇ (٣) قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج عمر وحججت معه فصببت عليه من الإداوة، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﵇ (٣) اللتان قال الله تعالى (٤) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾؟ فقال لي: واعجبًا لك يا ابن عباس. قال الزهري: وكره والله ما سأل عنه ولم يكتمه فقال: هي عائشة وحفصة، ثم أنشأ يحدثني الحديث، قال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضَّبْتُ على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني فأنكرت من أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟! فوالله إن أزواج النبي (٥) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قال: فقلت في نفسي: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، قال: وكان منزلي بالعوالي في بني أمية، وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله (٦)، قال: فينزل يومًا فيأتيني بخبر الوحي وغيره وأنزل يومًا فآتيه بمثل ذلك، قال: فكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا. قال: فجاء يومًا عشاء وهو يضرب على الباب، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، قلت: أجاءت غسَّان؟ قال: أعظم من ذلك، طلق

стр. 1609

رسول الله (١) نساءه، فقلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن أن هذا كائن، فلما صليت الصبح شددت عليَّ ثيابي ثم انطلقت حتى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي. فقلت: أطلقكن رسول الله (١)؟ قالت: لا أدري هو معتزل في هذه المشربة، قال: فانطلقت فأتيت غلامًا أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، فانطلقت إلى المسجد فإذا حول المنبر أخر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج، قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، قال: فانطلقت إلى المسجد أيضًا، فجلست، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، فوليت منطلقًا، فإذا الغلام يدعوني قال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فإذا النبي (٢) ﵇ يتكئ على رمل حصير رأيت أثره في جنبه. فقلت: يا رسول الله أطلقت نسائك؟ قال: "لا"، قلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتعصبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت ذلك فقالت: ماذا تنكر فوالله إن أزواج النبي ﵇ (٣) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، [فقلت لحفصة: تراجعين لرسول الله؟ قالت: نعم تهجره إحدانا اليوم إلى الليل] (٤)، قال: فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها بغضب رسول الله (٥) فإذا هي قد هلكت،

стр. 1610

فتبسم النبي ﵇ (١)، قال: فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله (١) ولا تسأليه شيئًا وسليني ما بدا لك، فلا يغرنك أن صاحبتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله، قال: فتبسم أخرى، قلت: يا رسول الله استأنس قال: "نعم" قال: فرفعت رأسي فما رأيت إلا أهُبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله اُدع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسَّع الله على فارس والروم وهم لا يعبدونه، فاستوى جالسًا فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة (٢) الدنيا" قال: وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة اليمين. قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة قال: فلما مضت تسع وعشرون دخل عليَّ بدأني قال: "يا عائشة إني ذاكر لك شيئًا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك" (٣) ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] على ما سبق ﴿فَقَدْ (٤) صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ مالت قلوبكما عن الحق وجزاؤه مضمر تقديره ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ توبا أو فأسرعا ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر وعمر (٥) وعلي، فتقديره: ومن صلح من المؤمنين ظهير كالفقيه. وعن عمر بن الخطاب: وافقت الله في ثلاث ووافقني في ثلاث (٦)؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (٧) مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فقلت: يا رسول الله إنه يدخل عليك

стр. 1611

البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين، فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني بعض معاتبة النبي (١) على (٢) نسائه فاستقربت أمهات المؤمنين، فدخلت عليهن فجعلت أستقربهن واحدة واحدة فقلت: لئن (٣) انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله أزواجًا خيرًا منكن، حتى انتهيت إلى زينب أو بعض أزواجه فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ أزواجه حتى تعظهن أنت؟! فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ (٤). ﴿سَائِحَاتٍ﴾ مهاجرات إلى الله ورسوله (٥) وقيل: صائمات (٦)، وقيل (٧): حاجات ومعتمرات، وقيل: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ بقلوبهن في ملكوت الله تعالى ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ اللواتي كان لهن أزواج ﴿وَأَبْكَارًا﴾ اللواتي (٨) لم يكن لهن أزواج. وكان علي ﵁ إذا قرأ ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: علَّموهم وأدّبوهم (٩) (١٠)، وعن ابن مسعود ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ حجارة من كبريت خلقه الله كبريتًا كما شاء (١١). والقول مضمر عند قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يقال لهم. ابن عباس في قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: الندم بالقلب والاستغفار باللسان

стр. 1612

والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود (١)، وقال عمر: يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه (٢). وفائدة ضرب هذين المثلين هو الإعلام أنه ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] الآيات. ...

стр. 1613

سُورَةُ المُلكِ مكية (١)، وهي ثلاثون آية في غير عدد أهل مكة والمدني الأخير (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعن ابن بريدة عن أبيه قال (٣): السماء الدنيا موج مكفوفة والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة صفر، والخامسة نحاس، والسادسة فضة، والسابعة ذهب، وما بين السماء (٤) السابعة إلى الحجب صحارى من نور. وعن كعب كذلك، غير أنه قال: السماء السابعة من ياقوتة حمراء (٥). ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أن يفوت كل واحد من الشيئين صاحبه في الاتفاق والانتظام فيختلفا ﴿مَا تَرَى﴾ أي انظر ما ترى ﴿فُطُورٍ﴾ شقوق. ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ رجعتين.

стр. 1614

﴿تَفُورُ﴾ تغلي وتشد حركته. ﴿تَمَيَّزُ﴾ تفرق وتشتت وإنما لم يجمع الذنب لأنه فعل (١). ﴿فَسُحْقًا﴾ بعدًا وإهلاكًا. ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ جبال الأرض، وقيل: طرفها ﴿مَنْ (٢) فِي السَّمَاءِ﴾ أتى أمر الله، ينزل الأمر من السماء إلى الأرض. وعن ابن غنم قال: سيكون حَيَّان متجاوران يشقّ بينهما نهر يستقيان منه قبسهم واحد فيصبحان يومًا من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حي، ويوشك أن يقعد أمتان على ثفال رَحًى فتطحنان يخسف بأحدهما والأخرى تنظر (٣). ﴿هَذَا الَّذِي﴾ إشارة إلى موهوم لا شيء، كقولك للذي نطق أنه محترم: من هذا الذي يحترمك، وهو من مجاز الكلام. ﴿لَجُّوا﴾ من اللجاجة وهو الإصرار. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قال الكلبي: نزلت الآية في نبينا ﵇ (٤) وفي أبي جهل (٥).

стр. 1615

﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ في تربصهم الدوائر بالمؤمنين، يقول النبي ﵇ (١): هب كأنما هلكنا فهل للمجرمين من عذاب الله من نجاة. ﴿غَوْرًا﴾ مصدر في معنى الجمع كالضيف والدور (٢) ﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قال ابن عباس: بماءٍ (٣) طاهر. وعن علي عن النبي ﵇ (٤) قال لعلي: "يا علي من قرأ سورة تبارك الذي بيده الملك جاء يوم القيامة راكبًا على أجنحة الملائكة ووجهه في الحسن كوجه يوسف الصديق ﵇ (٥) وله بكل آية قرأها مثل ثواب شعيب ﵇ (٤) (٦) ". وعن ابن مسعود قال: من قرأ سُورَةُ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة عصم من فتنة القبر، يؤتى من قبل رأسه فيقول: لا سبيل لكم إليه كان يقرأني، ثم يؤتى من قبل رجله فيقول: لا سبيل لكم إليه قد كان يقرأني (٧). ...
следующие страницы →