← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا تشركوا بي شيئًا ولا تجعلوا لي شَبَهًا، فلما سمعوا ذلك خرجت أرواحهم (١) من أجسادهم ثم عادت إليها فقالوا - وهم سجود -: إنَّا لا نستطيع كلام ربنا فكُنْ أنت يا موسى بيننا وبين ربنا، فكانوا يسمعون بواسطة موسى ﵇ بعد ذلك، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم قومهم فصدقوهم المقال إلا الذين لم يُرِدِ الله أن يطهِّرَ قلوبَهُم فإنَّهم حرَّفوا وقالوا: إنَّ الله أتْبَعَ أوامره ونواهيه قوله: إنْ لم تستطيعوا فلا عليكم وافعلوا كذا وكذا. فعيَّر اللهُ تعالى كفرة بني إسرائيل في وقت النبي ﵇ بمتقدِّميهم أولئك. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ مَنُوا﴾ نزلت في منافقي أهل التوراة (٢). ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم (٣). والتحديث كالتكليم، الحديث هو الكلام. و (مَا) في محل الجر بالباء وتقديره: بحديث ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ قال مجاهدُ والسُّدِّيُّ (٤): بما حكم اللهُ عليكم مِن المسخ والعذاب أو الإيمان والنصرة، وعن ابن عباس والحسن وأبي العالية وقتادة (٥): هو حلُّ ما ينعقد وينغلق، أي: بما كشف الله عليكم من نعت

стр. 212

خاتم النبيِّين عن الكلبي (١) ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ ليُخَاصِموكم، المُحَاجَّة هي (٢): المخاصمة [بالحُجة، والحُجَّة معنى تثبت به الدعوى ويقام مقامَ البيِّنة، والحَجُّ هو الغَلَبَةُ بالحُجَّة] (٣). والهاء في ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن الحديث (٤). ومحاجةُ المؤمنين إياهم عند ربهم: مخاصمتهم إياهم على قضية حكم ربهم في الدنيا للدعوة وفي الآخرة للشهادة عليهم، كما تقول: خاصمه عند القاضي. ﴿عِنْدَ﴾ بمعنى: في، وقيل تقديره: عند ذكر ربهم (٥). ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم. ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يكتمون، والمراد به: تلاومهم، وَمَا يُعْلِنُون إقرارهم. وفي الآية دلالةٌ أنَّ الحجة لازمة [إياهم بعلمهم كما أنها لازمة بقولهم] (٦). ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ نزلت في المقلدين من أهل الكتاب. وأُميون: رفع على الابتداء عند البصريين، وعند الكوفيين على أنه خبر بحرف خافض وليس بحرف. والأُمّي: الذي لا يعرف الكتابة وهو منسوبٌ إلى الأُمّ، والأُمّ هو: الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٧)، وإنَّما نُسِبَ

стр. 213

إلى الأصل لأنه باقٍ على أصل الفطرة (١). ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي، معناه: وكتابته. ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنيَّة وهي القراءة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢). ونصب الأماني لأنه مستثنى عن منصوب كقولك: ما رأيتُ زيدًا إلا وجهَهُ (٣) ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: وما هم إلَّا ظانين (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ (٥). ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ نزلت في أحبار اليهود، وفيها دلالة أنهم أسوأ حالًا وأَشدُّ ذمًا من الأُميين. والويل: الحزنُ والبؤس ومشقة العذاب (٦). قال الفراء (٧): الأصل فيه: وَيْ ثم وُصِلَتْ به اللام

стр. 214

وأعرب (١). وعن أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﵇: "إنَّ الويلَ وادٍ في جهنم يهوي الكافر أربعين خريفًا لا يصل إلى قعره" (٣). وعن ابن عباس وأبي عياض (٤) (٥): الويل: صهريج في النار، والصهريج كالحوض، وإنما أكد الكتابة باليد لأنَّه أراد به (٦) كتابتهم أشياء من تلقاء أنفُسِهم في التوراة كقوله (٧): ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨). ﴿مِمَّا كَتَبَتْ﴾ أي من أجل

стр. 215

ما (١). والأيدي: جمع يد، وأصله يدي وتصغيره يُدَيَّة. والكسب: قريبٌ من الاجتلاب لا يوجد إلا مع الوسع. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ نزلت في اليهود أيضًا (٢) حيث زعموا أنهم لا يعذبون في النار إلا سبعة أيام عند الله وهي (٣) سبعة آلاف سنة من أيام الدنيا، وهي مدة الناس في الدنيا عن ابن عباس (٤). وعنه أنهم زعموا أن الله غضب عليهم في أمر فأقسم أن يُعَذِّبَهمِ في النار فلا يعذبهم إلا أيامًا قلائل تَحِلَّةً للقسم، وقولُهم هذا يحتمل وجوهًا أربعة: إمَّا يعتقدون فناء النار كالدنيا (٥)، أو كانوا يظنون أن أيام الآخرة تداولٌ بين الناس كأيام الدنيا، أو كانوا يرون أنفسهم مؤمنين مجرمين فأثبتوا شفاعة الأنبياء والصالحين لأنفسهم كما نُثبتها، أو كانوا وجدوا في كتبهم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٦) فعدّوا أنفسهم من المتقين فأنزل الله ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم. والمسُّ: قريبٌ من الإصابة، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٧)، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٨) وحقيقة المسّ: اللمس، وهو يكون بحسٍّ ولا يكون بحسّ. والأيام جمع يوم وأصله أيوام اجتمعت الياء والواو على ما قدمنا. والعدد: اسم كمية المجموع بين الواحد

стр. 216

والعدم، إنما أعني بالواحد: الجزء الذي لا يضمن العدد في نفسه، بالعدم: ما لا (١) يثبت معقولًا موجودًا، وقد حصل العرفُ بإطلاق العدد على الجمع القليل، قال اللهُ تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) و ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٣) و ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤) و ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (٥) و ﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (٦). وذلك لأن عدَّ الجمع القليل في مقدور العامة بخلاف الجمع الكثير. وحرف الاستفهام (٧) هاهنا للتلجئة إلى أحد معنيين: إما إثبات الخلاف بإبراز الحجة، أو الاعترافُ بثبوت ما يدَّعيه الخصم، نظيرُهُ قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (٨) وقوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ (٩). وقيل: ألف الاستفهام هاهنا للإنكار و (أم) بمعنى: بل (١٠). وإنما لم يقل: اتخذتم لأن همزة الوصل للابتداء، وقد أمكنَ الابتداءُ هاهنا بغيرها فلم يثبت. وإخلافُ الوعد والعهد: تقليبهما عن وجوههما. والمخالفة: المضادة.

стр. 217

﴿بَلَى﴾ [نقيض نعم (١) وهو نفي لقولهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾] (٢) و (بلى): موضوع على أصله مثل على عند البصريين، وعند الكوفيين أصله: بل ثم زيد الياء لما جعلوه مستقلاًّ بنفسه فَرْقًا بينه وبين ما لا يَسْتقل بنفسه. ﴿سَيِّئَةً﴾ خصلة [سيئة نقيض خصلة] (٣) حسنة، ووزنها فعيلة في قياس الفراء وأهل الكوفة (٤). ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ إحاطة الأعراض: عمومُها، وإنما يكون عموم الخطايا (٥) عند عدم الإيمان, نعوذ بالله. ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ رفع عند الكسائي (٦) لحذف الناصب، تقديره: أن لا

стр. 218

يعبدوا, وأنشد (١): أَلاَ أيُّهذا الزاجري أحضُر الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ، هلْ أنتَ مُخلِدِي نظيره: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ (٣). وفي أحد أقوال الفراء: أنه خبر بمعنى النهي [وكون الخبر بمعنى النهي] (٤) ككونه بمعنى الأمر كقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥)، ولهذا قرأ أُبَيّ (٦):

стр. 219

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وفي قوله الآخر: جواب القسم، إذِ الميثاق (١) هو العهدُ الموثقُ (٢) باليمين، يدلُّ عليه قراءة ابن مسعود: ﴿لا نعبد﴾ بالنون (٣). ومجازه: يعبدون الله؛ لأنَّ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباء في ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أمرناهم وأوصيناهم. والوالدان: الأب والأم. غُلِّبَ المذكر على المؤنث، كقولهم: أبوان، وحقيقة الولادة: أثمار الجوهر، وهو استحالة جزء منه بصفةٍ معهودة، والتوليد: التثمير. والحسن ضد: السوء. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابة في النَّسَب. و ﴿الْقُرْبَى﴾ يحتمل أنه اسم كاليُسْرى والعُسْرى، ويحتمل أنه فعل كالرّجعى (٤). ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، كندامى جمع نديم، وقيل أنه: مقلوب كالخطايا، وقد يجمع اليتيم أيتامًا كاليمين والأيمان، والشريف والأشراف، والمصدر منه يُتْم، وفي الحديث": "لا يُتْمَ بعدَ البلوغ" (٥). واليتيمُ من

стр. 220

البهائم ما لا أمَّ له، ومِنَ الناس مَنْ لا أبَ له (١). ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين وهو ذو مَسْكَنة. والمسكنة (٢): حالةٌ تُؤدي إلى السُّكون والقعود (٣) عن التجارة والكسب. وإنما جُمع (٤) بين التولي والإعراض؛ لأن المراد بالتولي: ما سبق، وبالإعراض: إعراضهم في الحال، إذ الواو للحال. ويحتمل أنه للتوكيد. وعرض الشيء: ناحيتُهُ، فكان الإعراض هو التنحي. ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ والدم هو النفس السائل. والأصل: دَمَيُّ لأن تصغيره دُمَي، وفي النسبة: دَمَوِيٌّ، والفعل: دمى، وربما رُدَّت الياء في التثنية (٥)، قال الشاعر (٦): فلو أَنَّا على حجرٍ ذبحْنا ... جرى الدَّمَيَانُ بالخبرِ اليقينِ ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وهو جمع الدار، والدار: الناحية والرَّبْع، والدُّور لغة كالنياق والنُّوق (٧).

стр. 221

﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ اعترفتم وكأنه أُخذ من تقرير الدعوى. والخطابُ فيه متحقق إلى الموجودين في الحال. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على آبائكم بأخذ الميثاق عليهم. وقيل: تشهدون على أنفسكم بتوجيه الخطاب عليكم. والشهادة هي: إخبار عن ثبوت الشيء لأحد على أحد كأنها من شهود البيِّنة حال وقوع الأمر أو شهودهم عند القاضي. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ نزلت في طائفة من اليهود حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج بني أخوين من اليهود نزلا يثرب انتظارًا للمبعث، فكانوا (١) يعينون حلفاءهم (٢) المشركين علي بني أعمامهم في القتل والأسر والإجلاء والشرّ كله. ثم يفدي بعضُهم أسارى بعض تمسكًا بعهد الله تعالى في هذه الخصلة الواحدة وصلة الرحم وكراهة لرق أولاد يعقوب (٣) ﵇. فأنزل الله هذه الآية ذمًا (٤) لهم في عداوتهم وتناقض صنيعهم وآرائهم (٥). و ﴿أَنْتُمْ﴾ كناية عن المخاطبين. و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مرفوع في التقدير، وتقديره: الخبر أو النعت أو النداء. أما الخبر فكأنه قال: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ويجوز إقامة المبهم التام مقام المنصوص عليه، كقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ (٦)، وما التي بيمينك، والنعت كقولك: ها هو ذي يكون النعمت والمنعوت بمنزلة اسمم واحد كما في التأكيد والنداء، فكأنه قال: أنتم يا هؤلاء (٧).

стр. 222

﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ تعاونون عليهم، قال الله تعالى: ﴿ساحران تظاهرا﴾ (١). ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: الفجور (٢).

стр. 223

ولقَّن ابن مسعود رجلًا ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (١) طعام الفاجر. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ الأسر: أخذ العدو وربطه (٢). والفداء: فك الأسير وإبدال الشيء مكان الشيء في الإتلاف وإلحاق المشقة ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ و (هو): عماد جاء (٣) لتعذر صلة (٤) هذه الواو (٥)، وإنما هو فعل في التقدير، ألا ترى لو أسقطتَ (هُوَ) لم يقل: ومحرم عليكم إخراجهم لقلت: وقد حرمنا عليكم إخراجهم. وقيل: هو كاسم مبهم و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بيانه كقولك: هذا على الباب زيدٌ. وقيل هو: ضمير الأمر والشأن. والحرمان: منعُ إلجاء، والتحريم قد يكون منع إلجاء كقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾. وقد يكون منع (٦) ابتلاء، كقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ

стр. 224

رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (١) وهو الحظر. ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ (ما) يحتمل للنفي ويحتمل للاستفهام (٢) والمراد به النفي والجزاءُ. فعلٌ يقتضيه فعلٌ آخر عن خير أو شر. ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ (مَنْ) بمعنى الذين فعُدي بفعل إلى اللفظ ويردون إلى المعنى ذلك، إشارة إلى الأخذ ببعض الكتاب دون بعض. ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ هوان وفضيحة (٣)، والمراد به: الأخزى، وإنما ذكر الخزي دون الأخزى لكيلا تتوهم الخزاية وهي: الاستحياء. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ العيش الأدنى، والدّنوّ هو: القرب (٤)، وإنما أبدلت الياء من الواو في الدنيا، الألفُ في حالة التذكير مقربة من الياء بدلالة أنها تُمال وقد تنقلبُ ياء محضة في التثنية، فقُلبت الياء في التأنيث ياء أيضًا لئلا تختلف الياءان (٥) بين ذوات (٦) الواو وذوات الياء (٧)، من

стр. 225

نحو (١): السُّقيا، والفُتيا أمثلة (٢) معدودة على الأصل لتدلَّ عليه نحو القُصوى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم البعث وهو فعل كالعبارة والكناية. ﴿يُرَدُّونَ﴾ يرجعون. وإنَّما ذكر الردَّ لأنهم ينصرفون من الموقف إلى العذاب، أو لأنَّ كتاب الشَّقَاءِ سابقٌ عليهم فكأنهم صدروا عنه فرُدُّوا (٣) إليه ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ لأنه أشدُّ من عذاب الدنيا والقبر. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ لا يُرَقَّى، والتخفيف: الترقية، قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٤)، والخِفَّةُ ضدُّ الثقل. ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أتبعناه وأردفناه (٥)، يقال: قفَّيْتُ الشيء - بالتشديد - وقَفَوْتُهُ - بالتخفيف - بمعنى وهو الإتباع (٦)، والتقفيةُ بالشيء: إردافه وإتباعه (٧)، ولهذا سميت القافيةُ قافيةً. و (الرُّسُل): جمع رسول (٨)، كالزبور والزُّبُر. والإرسال: إنفاذ، وقد يكون إطلاقًا. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ عيسى هو الذي أُنزلَ عليه الإنجيلُ، ومريم هي ابنة عمران المحررة الحبيسة لعبادة الله التي أرسل اللهُ إليها روحه

стр. 226

فتمثَّل لها بشرًا سَوِيًا، ونفخ فيما أحصنت فحبلت العذراءُ البتول بالمسيح الرسول. والبينات: جمع بيِّنة، وهي ما يشهد من المعاني لثبوت حق. وبيناتُ عيسى (١): إبراءُ الأكمه والأبرص وإحياءُ الموتى بإذن الله والإنباء بما يأكلون وما يدَّخرون في بيوتهم. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قويناه. والتأييد هو: جَعْلُ الشيء ذو الأيد والقوة. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ والروح من أمر الله تعالى، ويُسمى ما يحيى به الجسد والنفس روحًا. ويُعَبَّر عن القرآن أيضًا، وعن المَلَك النازل بالقرآن كذلك، أعني: جبريل ﵇ (٢). لأن حياة القلب وهو الإيمان بسببهما، وكان عيسى ابن مريم روح الله. والملائكة يُسَمَّون الروحانيين، والفلاسفةُ يُسنِدون (٣) علم النبوة والتنسّك وعلم المصالحِ والكهانة إلى روح القُدُس، وعلم السحر والنِّيرنجان (٤) إلى الأرواح الخبيثة. والكهانة عندنا في الخبر من النوع الثاني. ومثالُ روح القدس من الأسماء: زيد الخيل وامرؤ القيس وملك الموت، وفي الحديث: "اللهمَّ أيِّده بروح القُدس" (٥)، يعني حسان بن

стр. 227

ثابت (١) في منافحته عن الله ورسوله. ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ استفهامٌ لإنكار، والفاء لتعقّب الاستنكار عن مجيء الرسل ﵈ (٢). بما لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ يعني: تحليل ما تعوَّدوا تحريمه، وتحريم ما تعوَّدوا تحليله، وما يشبهه من الابتلاء. والهوى: داعية النفس إلى لذةٍ عاجلة، وهو ضد الحكمة لأنها داعية العقل إلى ذخيرةٍ آجلة. ﴿فَفَرِيقًا﴾ منصوب بـ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾. والمكذَّب مثل: سليمان وإرميا وعزير وعيسى (٣) ومحمد ﵈. ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مثل: زكريا ويحيى ﵈. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبل (٤) بمعنى الماضي (٥)، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦).

стр. 228

﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أَغْلَف، كمُرْد وأمْرد، والأَغْلَف، الأَقْلَف لأن بعضهم (١) في غلاف وغطاء، وهذا كقول غيرهم: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ (٢) وإنما أرادوا به الصَّون والحفظ وأرادوا بذلك إياس الناس من إيمانهم. وقيل الغُلْف: في الأصل غُلُف - بضم اللام - وهو جمع غِلاف كحِمَار وحُمُر، وعَنَوْا به إحاطتهم بالعلوم، وكلاهما محتملان. فكذَّبهُمُ اللهُ تعالى وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم وخذلهم، ومن تحية الملوك: أَبَيْتَ اللعن، ومجازه: لا لعنتنا، أو نعوذ بك من لعنك. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: قليلًا يؤمنون، فيكون القليل نعت اسم محذوف و (ما) صلة لنوع تأكيد. وقيل: (ما) للنفي، أي: لا يؤمنون إيمانًا قليلًا [وقيل: قليلًا] (٣) ما وقل ما معدولان إلى حيز الحروف، والمراد بها نفي كالنفي في (لما) و (لا يكاد) وإن أخذنا بالقولَين الأولَيْن فقليلًا (٤) نصب لوقوع الفعل عليه، وإن أخذنا بالقول الثالث فيكون قليلًا مسموعًا غير محل للإعراب (٥). ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ نزلت في ذكر استفتاح اليهود من الله تعالى على العرب في (٦) وقائعهم مع حِمْيَر وبني كهلان باسم محمد ﵇، وذلك

стр. 229

أنهم كانوا ينشدون الله باسمه ويَروْن أنهم أنصارُهُ وأعوانُهُ لما ينتظرون مبعثه، فلما رأَوْه حسدوه وحسدوا العرب بكونه منهم لا عِرْقَ فيه من اليهود (١)، ولم تطاوعهم أنفسهم في ترك ما اعتادوه فكفروا به وحَرَّموا التأويل، والمراد بالفتح في ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الظفر والنصرة (٢). ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ بئس ونِعْمَ: فعلان ماضيان مثل: لَعِبَ وشَهِدَ، فمنعا الصرف وكل واحدٍ منهما يقتضي اسمين غالبًا، ويكون الأول عامًا لعموم المدح والذم، والثاني: خاصًا لأن المقصود مخصوص، ثم الاسم الأول، إما اسم (٣) جنس فيرتفع بالفعل (٤)، وإما نكرة فينتصب على التفسير. والاسم الثاني: مرفوع أبدًا لأنه خبر مبتدأ محذوف. والاسم الأول هاهنا: ما اشتروا به أنفسهم، والثاني: أن يكفروا، وهذا قول البصريين. وعند الكوفيين هما حرفان يشبهان الفعل (٥) وفيهما معنى الصفة،

стр. 230

والدليل على كونهما حرفين لزومهما صورةً واحدةً في التذكير والتأنيث والجمع والخطاب والحكاية عن النفس والغائب ولأنهما لو كانا فعلين لدخلهما "قد" والدليل على أنهما يشبهان الأفعال جواز قولك: بئس وبئست ونعمَ ونعمت. والدليل على أنه فيهما معنى الصفة استقلال قولك: بئس الرجلُ زيدٌ، ونعمَ رجلًا عمرو، أي: مذموم زيد ومحمود عمرو، وعلى هذا ما اشتروا به أنفسهم هاهنا اسمٌ، والكفر: مشترى به، والأنفس: مشترى لها، فانتصب بنزعِ الخافض. ﴿بَغْيًا﴾ حسدًا حسدوا. ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿فَضْلِهِ﴾ وهو وحيه ورحمته. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعني: نبينا عليه الصلاة (١) والسلام. والعباد جمع عبد، والعبد مَنْ هو مملوكُ الرقبة. ﴿مُهِينٌ﴾ يُهانون فيه، والإهانة من الإذلال (٢). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ نزلت (٣) فيمن تكبَّر من اليهود أن يقول عند الدعوة نَعَم وتحرج أن يقول: بلى، فكانوا يعدلون عن الجواب إلى قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنون التوراة. ويظنون أن جوابهم مخلّصٌ عن الكفر، كما أن المؤمنين يقولون عند الشك: آمنا بجميع ما أنزل اللهُ على رسله، فخطأ اللهُ اليهود وحكم بكفرهم إذ قال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾؛ يعني القرآن (٤). ونصب

стр. 231

﴿وَرَاءَهُ﴾ على الظرف (١)، وكلّ شيئين أحدُهما أقرب منك فهو دون الآخر والآخر وراءه، كلُّ مشغولٍ عنه وراء الشاغل. وهو راجع إلى ما، وما قائم مقام القرآن. و ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصبٌ على القطع كوفيًا وعلى الحال بصريًا (٢). و (لِمَ) أداة لطلب الحجة، وهو في الأصل: لماذا، وتقديره: لأجل أي شيء ذلك الفعل وذلك القول، ونظيره في الاختصار: عَمَّ ومِمَّ. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبل بمعنى الماضي بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). وكرر اتخاذ العجل، والتكرار ربما اتصل بزيادة فائدة، وربما لم يتصل. فيما يتصل ثلاثة أنواع، أحدها: مثل هذا إذ الأولى لإلزام الحجة وتذكير النعم بدلالة أنه أتبعهًا ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾ (٤). والثانية: لتكذيبهم في دعواهم (٥)، بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ

стр. 232

الله﴾ (١). النوع الثاني مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٢). وقال في موضع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣)، وقال في الموضع الثاني: ﴿وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (٤) وكل واحدٍ من الآيتين تضمَّن من المعنى ما لا تتضمنه الأُخرى لا محالة (٥). والثالث: وصفُ الجنة والنار وفائدة التكرار: تجديد الحث والإنذار (٦). وما لا يتصل بفائدة: نوعٌ واحد، وهو ما يوجد في سورتين. والوجه في الأنواع الثلاثة أنَ تَضَمُّنَ الفوائدِ كلها لا يجب في قصة واحدة ثم إذا وقعت الحاجة إلى ذكر فائدة لم تذكر في القصة، فالأحسن تكرار القصة لاستدراك ذكر الفائدة في محلها، وربما لا يتصور غير ذلك. والوجه في هذا النوع الواحد أَنَّ السورتين بمنزلة كتابَيْن، واللهُ يقولُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ (٧) ووجود قصة واحدةٍ في كتابَيْن معروفٌ واجبٌ وذلك لا يسمى تكرارًا إذ كلُّ كتاب في الحاجة إليها كمثله، هُو كذلك تضمين قصة واحدة في قصيدتين أو خطبتين، وقيل: الفائدة في هذا النوع موجودة وهي شهود قومٍ نزولَ الثانية لم يشهدوا نزولَ الأولى. وتكرار قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أيضًا على وجه اللوم والتكذيب ألا ترى أنه أعاد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. والسمع: الإجابة، ومنه قولُ المصلّي: سمعَ اللهُ (٨) لمنْ حمده، قال الشاعر (٩): دعوتُ الله حتى خِفْتُ ألا ... يكون اللهُ يسمع ما أقولُ

стр. 233

واختلف في قوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ فحمله بعض المفسرين على الاعتراف والاستيعاب. وبعضهم جعل (١) ﴿سَمِعْنَا﴾ من إدراك المسموع لا من الإجابة، وقوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ تمردٌ وإِباء، وحمل بعضهم قولهم: ﴿سَمِعْنَا﴾ في وقت ﴿وَعَصَيْنَا﴾ في وقت آخر، ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ أى سُقُوا، والإشراب قريبٌ من السقي حقيقة ومن المزج مجازًا، يقال: وجهٌ مُشْرَبٌ حُمرةً ودمًا، ورُوِيَ عن بعضهم ما يدلُّ على حقيقة الشرب، قال: أنكر بعضهم عبادة العجل، فلما نُسِفَ العجلُ في اليمِّ نَسْفًا أُمروا بشرب ذلك الماء فتشرب قلوب المنافقين، وظهرت العلامة على وجوههم فأخذوا وقُتلوا. والواو (٢) في (أُشربُوا) ضمير ذوي القلوب (٣) وهُم الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ كنوع إبدال البعض من الكل، كقولك: ضربتُ زيدًا على صدره. و ﴿الْعِجْلَ﴾ قائم مقام المضاف إليه، وتقديره: حبَّ العجلِ، وعلى القول الآخر: أجزاء العجل مما نُسِفَ مع الماء الذي شربوه، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بشؤم كفرهم (٤)، وهو قولُهُم السابق ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٥) وغيره من الإباء والعناد والتُّهمة. ﴿قُلْ﴾ أمرٌ من القول لما حذفت الواو أُعطيَت القاف حركتها وقعَ الاستغناءُ عن همزة الوصل. ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ كقولك لسفيه

стр. 234

متعاقل: بئسما يأمرُكَ عقلُك شتم الناس (١)، أو لغاشٍّ يدعي الأمانة: بئسما تأمرك الأمانةُ إن كُنْتَ أمينًا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والكونُ في مثل هذا الموضع للإثبات في الحال دون الماضي من الزمان، وتقديره: إن أنتم مؤمنون. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ نزلت في اليهود حيث زعموا أنهم يبعثون ويُثابون، وسائر الناس لا بَعث لهم ولا نشورَ (٢). والمراد بـ ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الجنة. وإنما توجه عليهم تمني الموت بهذه الدعوى لمعنيين، أحدهما مجمعٌ عليه, لأنهم لو باينوا سائر الناس في حكم البعث والنشور لباينوا في حكم كراهة الموت وتمنِّيه، ودليلُهُ رجلان في حبس حُكِمَ على أحدهما أن يخرجَ فيُقتل وحُكِمَ على الآخر أن يخرج فيُطلق. والآخر مختلف فيه وهو جواز التمني لمن يرجو ثواب الله وعفوه، مِنَ العلماء مَنْ يجيزُهُ ومنهم (٣) من لا يجيزه (٤). و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ (٥) صلة، كما في قولك: من

стр. 235

فوق، ويحتمل أنها في الموضعين مكان في أو على. والشيء الخالص هو: المتفرد عن غيره المتمحض في نفسِهِ، وتمني الشيء: تشهيه، وهو إرادة غير المقدور، ومن أدواته: ليت. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ كان حكم هذا التحدي في الآية السابقة حكم التحدي للمباهلة مع النصارى، قال ﵇: "والذي نفسي بيده، لو تمنَّى أحدهُم لغَصَّ بريقه" (١). والأبد هو: الأمد البعيد، وقد يطلق على بعيدٍ دونَ بعيدٍ، ومن ذلك قولهم: إلى أبد الأبيد وأبد الآباد، ويطلقُ على بعيد لِأَبْعَدَ منه، وهو آخر جزء من أجزاء حياة الرجل أو مدة الدنيا، وإياه عني فتية (٢) الكهف لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٣). وهو منصوب على الظرف، والمراد به: آخر جزء من أجزاء حياتهم الدنيا (٤)، بدلالة أنهم يقولون في النار: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ (٥). والباءُ في (بما) للسبب، وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ على التهديد. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللام للقسم، تقديره: والله لتجدنهم، أي: لَتَلفينَّهُم، وهو يقتضي مفعولين (٦)، وقوله: ﴿أَحْرَصَ﴾ مفعولٌ ثانٍ هاهنا، كقولك: وجدتُ الرجلَ صالحًا. والحرص: شدة التمني، ووزن أَفْعَل (٧) للتفضيل

стр. 236

هاهنا، والتفضيل على الجنس لا يحتاج إلى (مِنْ) كقولك: الياقوت أفضل الجواهر، فإن وقع على غير الجنس لم يجز إلا بإدخال (مِنْ)، تقول: الياقوتُ أفضلُ من الزجاج، والدهنُ ألينُ منَ الماء. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هُمُ المجوس (١). ويحتمل وجوهًا أربعة، أحدها: أنه معطوف على (الناس) فجيء بـ (مِنَ) لأن المجوس غير جنس اليهود، كقولك: الإنسانُ أحسنُ الخلائق ومِنَ الحور العين. فالخلائق (٢) اسمُ جنس، والحور العين غير جنسٍ. والثاني: أن تُقدر التكرار فتجعل في التقدير: أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا. والثالث: أن تجعل الواو للاستئناف وتجعل في التقدير: ومن الذين أشركوا مَنْ يودُّ أن يعمّر ألف سنة [كأنه وقع العدول من قصة إلى قصة ليتبين أن من الناس مَنْ يودّ عمر ألف سنة] (٣). ومع ذلك فإن اليهود أحرص منهم، ويجوز حذف (مَنْ) إذا ذكر قبله (مِنْ)، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (٤) أي: إلا مَنْ له. قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ (٥). والرابع: أنه معطوف على كناية الجمع، تقديره: ولتجدنهم والذين أشركوا أحرص الناس على حياة (٦).

стр. 237

و (مِنْ): صلة. وقيل: المراد بالمشركين: مشركو العرب. والشركة اجتماع الحقين في محلٍّ واحدٍ، والإشراك: نصب الشريك. ﴿يَوَدُّ﴾ (١) [يحبُّ أحدهُم أحد] (٢) الجمع اسم عامِ يتناول الكل على سبيل الإفراد، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). وتقول العرب: يلبثُ أحدُنا أيامًا لا يأكلُ ولا يشربُ، وربما يتميز وصار بمعني الأول في الإثبات، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ (٤) والآخَرُ، الآخِرُ لا محالة. ويُسمى اليوم الذي بعد السبت يوم الأحد، وهو في العربية الأولى اليومُ الأولُ، وهو في الأصل وحد، فقُلبت الواو همزةً كما في إياه. وجملة قوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ في محل النصب لوقوعِ الودِّ عليها (٥). والتعمير: إطالة العمر، والعُمر: المدة، والعَمْر: بقاء الحيوان.

стр. 238

والألف: آخر أسماء العدد. وللعدد أحد عشر اسمًا موضوعًا، فالثمانية الأولى للآحاد وهي تعرض للاشتقاق، وكذلك التاسع وهو العشرة. والعاشر: المئة، والحادي عشر: الألف، وإنما انتصب الألف على معنى الظرف، وَخفْضُ السنةِ لأنها مضافةٌ إليها. والسنةُ: اسمٌ لاثني عشر شهرًا. ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ و (ما) للنفي. والزحزحة هي: التنحية (١). والبصير: المُبْصر، إلَّا أنَّ البصير أبلغُ في الوصف لأنه أشدُّ عدولًا عن الفعل. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ نزلت في اليهود (٢)، وعن قتادة والشَّعْبيِّ (٣) (٤) أنَّ السببَ في ذلك أنَّ عمر ﵁ قال لليهود ذات يومٍ: بالرحمنِ الذي أنزلَ التوراة على موسى أتجدون محمدًا في كتابكم؟ فتمسكوا. ثم قالوا: نعم، ولكنَّ صاحبه جبريل عدونا وهو صاحبُ كلِّ عذابٍ، ولو كان مكانه ميكائيل لآمنَّا به، فإنه صاحب كلِّ رحمةٍ، فقال عمر. وأينَ مكانهما - أي مكانتهما من الله ؟ قالوا: أحدهما، أي كان

стр. 239

أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره (١). قال عمر: أشهدُ أن مَنْ كان عدوًا لهما كان عدوًا لله تعالى، وانصرف إلى رسول الله ﵇ ليخبره الخبرَ، فإذا بجبريل ﵇ قد سبقه بالوحي، وقرأ النبيُّ ﵇ القرآنَ، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبركَ، قال ﵇: "لقد وافقك ربُّك يا عمر" قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك في دينِ اللهِ أصلب من الحجر. وقيل: زعم ابن صُوريا أن جبريلَ عدوهُم لأنَّه حالَ بينهم وبين قتل بختنصر إذ هو صبي، ليتمَّ أمرُ الله فيه وفيهم، فأنزل اللهُ هذه الآية (٢). وبعد الشرط إضمارٌ، تقديره: مَنْ كان عدوًا لجبريلَ كان عدوًا لله، وقد أُظهر هذا المعنى في الشرط الثاني، ويجوز أنْ يجعل (فإنه) جوابًا للشرط مجازًا من غير تقدير إضمار (٣)، كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٤). وفي ضمير الهاء في (فإنَهُ) ثلاثة أقوالٍ: راجعٌ إلى المضمر، وهو اسم الله تعالى، أو إلى إيل وهو اسم الله تعالى أيضًا (٥) بالعبرانية، أو إلى جبريل. وفي ضمير الهاء في ﴿نَزَّلَهُ﴾ قولان (٦)، راجعٌ إلى جبريل أو إلى القرآن.

стр. 240

والإذن يتناول معاني كثيرة، أحدها: إباحةُ المطلوب، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (١) وقال: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٢). والثاني: التمكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤) والثالث: المشيئة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥)، وقال: ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٦). ﴿وَبُشْرَى﴾ الخبرُ السارُّ خاصَّةً، قال الله تعالى: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٧) وقال في المؤمنين: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٨). وجِبْر ومِيكا اسما عبد، وإيل اسم الله (٩). وإنَّما ذكرهما

стр. 241

بعد دخولهما في عموم الملائكة تشريفًا لهما، كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (١). وإنما أجابَ بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل فهو كافر، لأنَّ الكفرَ مُقدَّرٌ (٢) في نفس العداوة، فصار كالمنطوق (٣) به في الشرط، ومثالُهُ قولُكَ: إن غصبتَ حقي فإنَّ الله لا يحبُّ الظالمين، وإنْ أنجيتني فإنَّ الله يجزي المحسنين. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية، كأنها (٤) تعزيةٌ للنبي ﵇ لما ساءَهُ من قول اليهود: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (٥) ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ هذا الكلامُ المعجز، وتبييت النبي ﵇ (٦) لهم كثيرًا مما يخفُون من الكتاب، واستجماعُهُ خصالَ (٧) الأنبياء كلها في سَمْتِهِ وهَدْيِهِ وحركته وسُكونه مع ما خصَّه الله به من نعوتٍ نعته بها في الصُّحُف الأُولى. ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ نزلت في اليهود (٨). واختلف في نقضهم (٩)

стр. 242

العهود، قيل هو: عهود أنبيائهم من طاعة هارون عند الميقات، ومحافظة السبت، وأن لا يرفعوا طعامَ يومين في التيه، وأن يتوبوا، وأن يؤمنوا بعيسى ونبينا ﵇. [وقيل هو: هَمُّهم بقتل النبي ﵇ وشَتمُهُم إياه وإرجافهم في المدينة] (١). وإيمانهم وجه النهار مع كفرهم (٢) في آخره ومعاونتهم الأحزاب يوم أُحُد (٣). والاستفهام للإنكار وكأنهم تبرؤوا من البعض (٤) وقالوا: إنما نقض فريقٌ منا فكذَّبهُمُ الله في تبريهم وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقيل: أنكروا على فريقٍ منهم نقضَ العهد، أَتَى بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لئلا يوهم أَنَّ كُلَّ مَنْ لم ينقضِ العهدَ منهم محمودٌ والواو للاستئناف، ويحتمل اللفظ على ما سبق من قصة اليهود. وإنما جَوَّزَ دخول ألف الاستفهام على الواو لأنها أبدًا تلي صدر الكلام سواء وَليَهَا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ فكذلك مع الواو (٥). والنَّبْذُ هو: الطرح، والانْتِبَاذُ: التنحي، والمنبوذ: اللقيط (٦).

стр. 243

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ نزلت في اليهود أيضًا. والعرب تقول لكل مَنْ أعرض عن شيء: نبذه وراء ظهره، والظَّهْر هو: المتن. و"كأن" حرف تشبيه [وإنَّما ينصب لأنه يفيد التشبيه] (١) والتشبيه فعلٌ واقعٌ على المشبَّه ويستعمل عند الظن والحسبان (٢) أيضًا، وذلك أن الظانَّ يُشبّه المحسوسَ بالموهوم. وفي الآية دلالة على امتياز الخبر المتواتر عن غيره. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ نزلت في ذم اليهود [وبيان أصل السحر] (٣) وتركِهِ ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ﵇. ونحنُ نقدِّمُ قصصًا يحتاج إلى علمها وشواهدَ لا بد من ذكرها وأحكامًا يجبُ إحصاؤها (٤)، ثم نأخذُ في التفسير إنْ شاء الله تعالى.

стр. 244

اعلم أنَّ هاروت وماروت مَلَكان من الملائكة ببَابل الكوفة مَن أتاهما من الوجه المقدَّر وسَمِعَ كلامهما ولم يرَهما هكذا رُوِيَ عن عائشة (١) وعن علي في حديث المسوخ (٢)، وعن ابن عمرو (٣) سُئِلَ

стр. 245

الضحاك بن مزاحم فقال: كانا عِلْجَين. والحسنُ البصري أخذ بقول عائشةَ مرةً وبقولِ عليٍّ أخرى، فكان يقرأ ﴿المَلِكين﴾ - بكسر اللام - وهو شاذ (١)، وإن صَحَّ فيجوز أن يكون مَلَكَين مَلِكين كما في حديث المسوخ. وقيل: أنهما شيطانان، وذلك لا يدلُّ على نفي كونهما مَلَكين من قبلُ كإبليس لعنه الله، وأحسنُ ما قيل فيهما أنهما ملكان لا يعصيان الله فيما أمرهما ببيان السحر ويحذِّران منه بأمر الله تعالى، وهذا غير مستكف (٢) كقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (٣)، قال لآدم ﵇: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٤) ولو شاء لصرفهما عنها وحال بينهما وبينها ولم يمكِّنهما من التناول، إلا أنه فعل ذلك للابتلاء، ولأن الثواب إنما يجب بالامتناع بعد القدرة. وسحر البابليين شيئًا فشيئًا وقد عرف الضحاك ذو الحيتين (٥) بذلك في سابق الدهر.

стр. 246

ويروى عن فريدون (١) أيضًا أنه أرسل بغية إلى ملك مصر ليخطبوا منه (٢) بناته، فلما رجعوا استقبلهم فريدون في الطريق متمثلًا ثعبانًا يبتليهم بذلك، ففرَّ سلم وحمل عليه طوش وانذاريوج، فلما رأى ذلك قسم الملك بينهم على قضية (٣) ما رأى. وقال الشاعر (٤): يعقد سحر البابليين طرفها ... مرارًا وتسقينا سلافًا من الخمرِ وقول من زعم أن قوله: [﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ للنفي منتقض (٥) لقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا] (٦) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ

стр. 247

﴿مِنْهُمَا﴾ ثم (١) يحتمل أنهما باقيان بعد ولكن الله تعالى صرف أكثر الناس عنهما لنوع من المصالح. ويحتمل أنه قد انقرض أمرهما، فإن قيل: زهرة أحد الكواكب السبعة التي ركب الله فيها مصالح الدنيا، وقد روي في حديث المسوخ (٢) ما روي وهو محال فلا يجوز قبوله والاستدلال به. قلنا: ومن يسلم بأن مصالح الدنيا متعلقة بالكواكب وأنها سبعة منذ خلقت الدنيا، ثم وإن صحَّ أنها لم تزل سبعة فيحمل أن الكوكب (٣) لم يكن يسمى زهرة، فلما مسخ الله تلك المرأة وأودعها هذا الكوكب تعذيبًا لها سمي الكوكب باسمها. واعلم أن الجن أمة كالإنس، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (٦)، ثم يجوز رؤيتهم أجمعين لأنهم مركبون من روح وجسد لا محالة، غير أن نصيب الروح لهم أكثر، وفي الحديث أن الحمار والكلب يريان الشيطان، ولذلك أمرنا بالاستعاذة عند نهيق الحمار (٧)، وعن عمر أنه صارع جنيًا (٨). وعن أبي أيوب الأنصاري (٩) .................................

стр. 248

أنه أسر جنيًا (١)، وعن ابن مسعود أنه شبه الزط (٢) من رأى (٣) من الجنِّ ليلة الجن. غير أن الله تعالى صرف أبصارنا عنهم كما صرف أبصار قريش عن نبينا ﵊ حين أرادوا أن يغتالوه، وهذا شيء لا يمكن تواطؤهم عليه. فمن أنكر هذا فقد أنكر العيان. ثم منهم شياطين، ومن الإنس شياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وهؤلاء وصفوا كثيرًا من علم السحر وأسندوه إلى سليمان صلوات الله عليه للترويج. واعلم أن بعض الناس أفرط في إثبات (٤) السحر (٥)، وزعم أنهم يقدرون على تقليب العين والإيجاد من العدم، وقصر بعضهم (٦) فأنكر تأثير الرمي والعقد والتمائم وحمل تأثيرها على نوع من التخويف والتطميع والتمويه. وقولنا على قضية اللغة (٧) وما سبق من القواعد هو أن علم السحر يسمى سحرًا لصرفه عن جهة الحق، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨)،

стр. 249

أي: تؤفكون وتصرفون، ولأنه سبب كثير من العلل، والشيء المسحر: المعلل (١)، قال لبيد (٢): فإن تسحرينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحرِ ثم هو أربعة أنواع: النوع الأول: تلبيس على الأفهام، وهو اللحن المذموم والمعاريض المذمومة، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٣)، وقال ﵇: "إن من البيان لسحرًا" (٤). وكذلك ذم المتفيهقين والمتشدقين. والنوع الثاني: تلبيس على الإحساس بالنيرنجات والتمويهات، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥). والنوع الثالث: تأثير على الأجساد بالفساد وهو بالطب أو بمطاوعة الجن. قال الشاعر (٦): وإنك لاتبالي بعد نحول ... أسحر كان طبّك أم جنونا وفي حديث بئر ذَرْوان قال أحد الملكين: طُبَّ الرجلُ، فقال آخر: مَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي (٧).

стр. 250

ومما يختص به من علم الأطباء: علم الخواص، وكذلك الجني يمس فيضر النفس في طاعة وليه من الإنس، كما قال ﵇ في الطاعون: "هو وخز أعدائكم من الجن" (١)، وقال في دم الاستحاضة: "هو ركضة من الشيطان" (٢). فهذه الأنواع الثلاثة مما يجوز أن يبتلى بها كل أحد من الناس الأنبياء وغيرهم، إذ (٣) النبي يفارق غيره في حكم العقل والقلب دون النفس. والنوع الرابع: تأثير في العقول والصدور بالخيال والعرف وهو بالطب أو بمطاوعة الجن أيضًا، والأنبياء مصونون عن هذا النوع معصومون بعصمة الله لا يضرُّهم منه شيء، والكل لا يؤثر إلا بإذن الله ومشيئته. وحكم الساحر: أن يُقتل إن كان يقتل بسحره، وهذا الشرط مرويٌّ عن أبي يوسف (٤)، وكذلك إن حكم سحره كلمة كفر أو اتخاذ معبود، وكذلك إن اشتمل شيئًا من السحر قليلًا أو كثيرًا، أما هو كفر في نفسه أو غير كفر لأنه مقطوع الحكم بتحريمه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فإذا (٥) استحلَّه كفر فوجب قتله، والحكم فيما عدا هذه الأوجه الثلاثة الإنذار والنكال (٦).
следующие страницы →