← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويروى عن فريدون (١) أيضًا أنه أرسل بغية إلى ملك مصر ليخطبوا منه (٢) بناته، فلما رجعوا استقبلهم فريدون في الطريق متمثلًا ثعبانًا يبتليهم بذلك، ففرَّ سلم وحمل عليه طوش وانذاريوج، فلما رأى ذلك قسم الملك بينهم على قضية (٣) ما رأى. وقال الشاعر (٤): يعقد سحر البابليين طرفها ... مرارًا وتسقينا سلافًا من الخمرِ وقول من زعم أن قوله: [﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ للنفي منتقض (٥) لقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا] (٦) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ

стр. 247

﴿مِنْهُمَا﴾ ثم (١) يحتمل أنهما باقيان بعد ولكن الله تعالى صرف أكثر الناس عنهما لنوع من المصالح. ويحتمل أنه قد انقرض أمرهما، فإن قيل: زهرة أحد الكواكب السبعة التي ركب الله فيها مصالح الدنيا، وقد روي في حديث المسوخ (٢) ما روي وهو محال فلا يجوز قبوله والاستدلال به. قلنا: ومن يسلم بأن مصالح الدنيا متعلقة بالكواكب وأنها سبعة منذ خلقت الدنيا، ثم وإن صحَّ أنها لم تزل سبعة فيحمل أن الكوكب (٣) لم يكن يسمى زهرة، فلما مسخ الله تلك المرأة وأودعها هذا الكوكب تعذيبًا لها سمي الكوكب باسمها. واعلم أن الجن أمة كالإنس، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (٦)، ثم يجوز رؤيتهم أجمعين لأنهم مركبون من روح وجسد لا محالة، غير أن نصيب الروح لهم أكثر، وفي الحديث أن الحمار والكلب يريان الشيطان، ولذلك أمرنا بالاستعاذة عند نهيق الحمار (٧)، وعن عمر أنه صارع جنيًا (٨). وعن أبي أيوب الأنصاري (٩) .................................

стр. 248

أنه أسر جنيًا (١)، وعن ابن مسعود أنه شبه الزط (٢) من رأى (٣) من الجنِّ ليلة الجن. غير أن الله تعالى صرف أبصارنا عنهم كما صرف أبصار قريش عن نبينا ﵊ حين أرادوا أن يغتالوه، وهذا شيء لا يمكن تواطؤهم عليه. فمن أنكر هذا فقد أنكر العيان. ثم منهم شياطين، ومن الإنس شياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وهؤلاء وصفوا كثيرًا من علم السحر وأسندوه إلى سليمان صلوات الله عليه للترويج. واعلم أن بعض الناس أفرط في إثبات (٤) السحر (٥)، وزعم أنهم يقدرون على تقليب العين والإيجاد من العدم، وقصر بعضهم (٦) فأنكر تأثير الرمي والعقد والتمائم وحمل تأثيرها على نوع من التخويف والتطميع والتمويه. وقولنا على قضية اللغة (٧) وما سبق من القواعد هو أن علم السحر يسمى سحرًا لصرفه عن جهة الحق، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨)،

стр. 249

أي: تؤفكون وتصرفون، ولأنه سبب كثير من العلل، والشيء المسحر: المعلل (١)، قال لبيد (٢): فإن تسحرينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحرِ ثم هو أربعة أنواع: النوع الأول: تلبيس على الأفهام، وهو اللحن المذموم والمعاريض المذمومة، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٣)، وقال ﵇: "إن من البيان لسحرًا" (٤). وكذلك ذم المتفيهقين والمتشدقين. والنوع الثاني: تلبيس على الإحساس بالنيرنجات والتمويهات، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥). والنوع الثالث: تأثير على الأجساد بالفساد وهو بالطب أو بمطاوعة الجن. قال الشاعر (٦): وإنك لاتبالي بعد نحول ... أسحر كان طبّك أم جنونا وفي حديث بئر ذَرْوان قال أحد الملكين: طُبَّ الرجلُ، فقال آخر: مَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي (٧).

стр. 250

ومما يختص به من علم الأطباء: علم الخواص، وكذلك الجني يمس فيضر النفس في طاعة وليه من الإنس، كما قال ﵇ في الطاعون: "هو وخز أعدائكم من الجن" (١)، وقال في دم الاستحاضة: "هو ركضة من الشيطان" (٢). فهذه الأنواع الثلاثة مما يجوز أن يبتلى بها كل أحد من الناس الأنبياء وغيرهم، إذ (٣) النبي يفارق غيره في حكم العقل والقلب دون النفس. والنوع الرابع: تأثير في العقول والصدور بالخيال والعرف وهو بالطب أو بمطاوعة الجن أيضًا، والأنبياء مصونون عن هذا النوع معصومون بعصمة الله لا يضرُّهم منه شيء، والكل لا يؤثر إلا بإذن الله ومشيئته. وحكم الساحر: أن يُقتل إن كان يقتل بسحره، وهذا الشرط مرويٌّ عن أبي يوسف (٤)، وكذلك إن حكم سحره كلمة كفر أو اتخاذ معبود، وكذلك إن اشتمل شيئًا من السحر قليلًا أو كثيرًا، أما هو كفر في نفسه أو غير كفر لأنه مقطوع الحكم بتحريمه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فإذا (٥) استحلَّه كفر فوجب قتله، والحكم فيما عدا هذه الأوجه الثلاثة الإنذار والنكال (٦).

стр. 251

﴿وَاتَّبَعُوا﴾ افتعال من تبع يتبع. ﴿مَا تَتْلُو﴾ مستقبل بمعنى الماضي (١). ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (على) بمعنى في (٢)، كانت الشياطين تقرأ السحر فيتلقى منهم مردة الإنس، وقيل: تقديره: على عهد ملك سليمان، وزعموا أنه كان يضبط أمره بالسحر واستخرجوا من تحت سريره كتابًا من السحر كتبوه بأيديهم، ويروى أن سليمان ﵇ دفنه توهينًا وإبطالًا فسمَّوه كفرًا (٣)، فبرَّأه الله مما قالوا على لسان نبيِّنا ﵇. وهو سليمان بن داود بن إيشا الذي فهَّمه الله حكم الغنم والحرث وهو صبي، وآتاه النبوة والملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وظاهر الآية يقتضي أن الشياطين كانوا يعلِّمون الناس نوعين من السحر: ما هو من تلقاء أنفسهم وما أخذوه من ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان أعجميان (٤) مثل: طالوت وجالوت. وقيل:

стр. 252

هاروت من الهرت، وماروت من المرت. والهريت: الفصيح، قال الشاعر (١): عاد الأذلة في دار وكان بها ... هرت الشقاشق ظلامون للجزر والمرت: مفازة لا ماء فيها ولا كلأ، قال الشاعر (٢): إني طربتُ ولا تلقى على طرب ... ودون الفك أمرات أماليس ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ للنفي. ﴿حَتَّى يَقُولَا﴾ للغاية، تجرُّ الاسم وتنصب الفعل بتقدير "أن" وربما لا تنصب. والفتنة: الامتحان والاختبار، وقد تكون الفتنة إيقاعًا في الشيء. ويحتمل أن يكون الفعل في قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ للشياطين فيكون معطوفًا (٣) على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾، وتعليمهم السحر كاستراقِهِمُ السمعَ أو

стр. 253

نحوه. ويحتمل أن يكون الفعل للاثنين فيكون معطوفًا على مضمر وتقديره: فيأتون فيعلّمان فيتعلَّمون. و ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ البغضاء والتَّأخيذ. ومرء وامرؤ لغتان. وفي التأنيث: مرأة وامرأة، وكأن همزة الوصل إنما عُوِّضَت من الهمزة الأخيرة إذ لا صورة لها، فسكنت الميم وهي فاء الفعل (١). وابتدىء بهمزة الوصل كما في الاسم والابن. وقيل: إنما سُكنت فاء الفعل في مثل هذه الأسماء [وابتدىء بهمزة الوصل لأنها أسماءٌ] (٢) كَثُر دورها على الألسنة فشبهت بالأفعال التي على صيغة الأمر. ومثل هذه العلل واهية واللغة بالسماع، وكأن المرء موضوع غير مشتقٍّ، والتثنية: مرآن وامرآن ومرأتان وامرأتان. وهي في التأنيث أكثر استعمالًا، وأما الجمع فلم يروَ إلا في حديث: "أحْسِنوا مَلأَكُم أيُّها المَرْؤون" (٣). وقال رؤبة (٤) لطائفة رآهم: أين يريد (٥) المرؤون؟ وهذا جمع سلامة جائز في القياس ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾ والضُّر: إلحاق (٦) الضُّر والضَّر بالشيء وهما: البؤس والمكروه، وفيهما معنى النقصان، ونقيضهما:

стр. 254

النفع (١). والهاء في (بِهِ) كنايةٌ عن السحر وعما يفرقون به. وتقديره: وما هم بضارين به أحدًا، إلا أنه أدخلَ (مِنْ) (٢) للتأكيد (٣)، كما قال: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٤). وقال الشاعر (٥): وقفتُ فيها أصيلًا أسائِلُهَا ... أعيتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ من أَحَدِ ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي في الآخرة، ويحتمل أنه نفى النفع وأثبت الضر لأن الضرَّ في نفسه على معنى الطبيعة، والنفع بالتقدير. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني اليهود. ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيب جميل. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ (٦)، و ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ منصوبة بنزع الخافض فهي مشترى لها [والآخرة مشترى بها والسحر: مشترى، ويحتمل أن أنفسهم مشترى بها] (٧) فيكون حينئذٍ ﴿شَرَوْا﴾ بمعنى باعوا (٨)، [وإنما باعوا] (٩) أنفسهم بتفويت حظِّها من الآخرة. وفعلهم مذموم سواء

стр. 255

علموا أو لم يعلموا، إلا أن المراد به كونه مذمومًا عندهم، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وإنما قال (٢): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثم قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لأنَّ العلمَ الأول: راجعٌ إلى فوات المعاد فهو مثبت، والعلم الثاني راجعٌ إلى قُبح الصنيع (٣) وهو منفي إذ كل أمةٍ زُيِّنَ لهم سوءُ عملهم (٤). ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لثوابٌ وهو الجزاء، وأكثرُ استعماله في الخير، ووزنه مَفْعُلَة عند بعضهم، ومَفْعُولة عند الآخرين (٥). والخيرُ اسمٌ عامٌّ محمود كله، ونقيضُه: الشر، يقال: فلانٌ خيرٌ من فلان أو شرٌّ منه، والمراد به التفضيل، إنما وقع التفضيل ها هنا على المتاع القليل من العاجلة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ نزلت في النهي (٦) عن لفظة كان المسلمون يتلفظون بها ويلحَنُ (٧) فيها اليهود ليًّا بألسنتهم [يريدون الشتم] (٨)، وهي لفظة رَاعِنَا، قال ابن عرفة: هو مِنَ المراعاة، والعرب

стр. 256

تقول: راعني، أي تَعَهَّدْني وافهم عني وأفهمني (١)، وقال الأزهري (٢): ظاهرها أَرِعْنَا سمعَكَ (٣)، وكانت اليهود تذهب بها إلى الرعونة، والأرعن الأحمق (٤). وقيل: كانوا يقولون: راعينا، يعنون: راعي السائمة، فنسخ الله تعالى تلك الكلمة بقوله: ﴿انْظُرْنَا﴾ أي: انتظر وارتقب ما يكون من سؤال أو نحوه، والإنظار: التمهيل. والنَّظِرَة: المُهلة، ونَظَرتُ الشيء (٥)، أي انتظرته. قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٧). وقرأ الحسن: ﴿رَاعِنَا﴾، منونًا، لأنه ظنَّ أنها لفظةٌ كالأسماء فنصبها بوقوع القول عليه، كنصب مَنْ نصب ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٨). ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في الإخبار عن حسد الكفرة وما يضمرونه من البغضاء (٩) ليفتضحوا به ويزداد الذين آمنوا شكرًا لله تعالى

стр. 257

وشدَّةً على الكفار. (ما) للنفي. (مِنْ) للتنويع (١) وهي مقَدَّرةٌ (٢) في قوله: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ عَنَوْا به وقع الاكتفاء بالأولى. ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الجملة في موضع النصب لوقوع الفعل المنفي عليها (مِنْ) للتفسير (٣) ﴿خَيْرٍ﴾ نُصرةٍ ووحي ونحوهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (من) لابتداء الغاية، ومجازه: أن ينزل الله عليكم من خير من عنده. واسم "الله" مرتفع بالابتداء أو بالفعل ﴿يَخْتَصُّ﴾ تخصيص الشيء: اقتطاعُهُ من جنسه. والعموم ضد الخصوص. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ (مَنْ) في محل النصب لوقوع الاختصاص عليه، مَن يشاء اختصاصه. و (اللهُ) رفع بالابتداء و ﴿ذُو﴾ خبره. وذو الشيء: مَنْ له الشيء على وجه التخصيص أو التمليك. وقد يُجعلُ الشيءُ ذا معناه وهو نفسه، كقولهم: الإنسان ذو روح وجسد، والأمر ذو بالٍ. وهو يُشبه الأخ والأب في التوحيد والتثنية والجمع، ذوو مثل: أولو وسنو. وذات الشيء: نفسُهُ، وقد تجعل التاء فيه من نفس (٤) الكلمة فتثبت على (٥) النسبة. ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (مَا) بمعنى المصدر إلا أن فيه معنى الشرط بدلالة جزم

стр. 258

الفعل (١)، نظيره: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ (٢). والنسخ في اللغة: الإزالة والإزاحة. يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظِّلَّ، والريحُ الأثرَ. وتُسمى كنايةً ما هو في كتابٍ سابقٍ نسخًا مجازًا، وكذلك يسمى نقلًا، وحقيقة النقل ما يكون له فراغ محلٍّ لشغل محلٍّ. واعلم أنَّ نسخ الشريعة يأباه اليهودُ والإماميةُ من الشيعة، ولا يفرقون بينه وبين البَدَاء، فحجةُ اليهود قولُ موسى ﵇: "مَنْ جاءكم بخلاف ما أتيتُكم به فلا تقبلوه". وحجة الإمامية، قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (٤). ويجعلون ما يُعَدُّ منسوخًا من الأحكام مؤقتًا بوقتٍ معين مُقدَّر يعلمُه النبيُّ (٥) أو الوصيُّ من بعده، فينتهي وقتُهُ من غير نسخٍ. ويُفسِّرون هذه الآية بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ. قلنا (٦): أَمَّا قولُ موسى ﵇، معناه: مَنْ جاءكم مُكذبًا مُخَطِّئًا إيَّاي فلا تصدقوه، ولم يرد به مَنْ (...) (٧) على المعلوم الأول، إذ هو لا يكون مخالفًا، ألا ترى أنك إذا تيقنت الخبرَ ثم جاءَ إنسانٌ وقال: إن ما

стр. 259

علمتَ لم يكُنْ، فإنك تكذبُهُ لا محالة، ولو أخبرك بزواله بعد كونه لم تكذِّبه، ولكنه طالبته بالبيِّنة والبرهان. والمراد بالآية ما بقي من شرائعهم غير منسوخ. والآية الأُخرى على ما قال الله تعالى لكنه في تبديلٍ على وجه البدل دون النسخ، بدلالة قوله: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (١)، [وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٢)] (٣). [وتأويلُ النسخ ها هنا بالانتساخ خطأ بدليل ما تلونا من قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾] (٤)، وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، ولو كان توقيتُ أمر القبلة يعلمه النبيُّ ﷺ لما كانَ لتقلُّب وجهه في السماء معنى. والدليل على جواز النسخ قولُهُ تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٥) ثم نسخ الخلقِ بالخلق لا يؤدي إلى البدل فكذلك نسخُ الأمرِ بالأمر (٦). ولأنَّ النسخ يثبت بالعقل ألا ترى أن قطع العضو محظورٌ ثم إذا أصابته آفةٌ يرجو صاحبُهُ السلامة بالقطع، كان له أن يقطعهُ وإذا ثبت النسخُ بالعقل ثبت بالوحي إذ هما معنيان موجبان، ولأنه ثبت بالنقل العام الذي لا يمكن (٧) دفعهُ تزويج آدم أولادَ صُلْبه بعضهم من بعض. وثبت بالعقل أيضًا لأن إثباتَ النسلِ الأول إذ أمكنَ برجل وامرأة لا بُدَّ من إثبات النسل في الدرجة الثانية إلا بتزويج ذوي الأرحام، وقد ثبت المحسوسُ على ذلك إلى اليوم. وثبت بالنقل العام أيضًا جَمْعُ يعقوب ﵇ بين أُختين: لايان

стр. 260

وراحيل ابنتا خاله، ثم حرم ذلك التوراة، وأَحْدَثَ حكم القُربان لابني آدم وحكم الختان لإبراهيم، والسبتَ وتحريم طبخ الجدي بلبنٍ، وصومَ مدةٍ معينةٍ، والإفطارَ في يومٍ معلومٍ لموسى ﵇ ولم يتقدمهما إيجابٌ من أحدٍ، ولا لزم في عقلٍ فثبتَ جوَازُ النسخ. والفرقُ بين النسخ والبَدَاء أنَّ النسخَ إزالةُ ما سبق العلم كونه [صلاحًا في وقتٍ دون وقت بما سبق العلم في كونه] (١) غير صلاح في الوقت الأول صلاحًا في الوقت الثاني. والبَدَاء: هو الاستدراك عند اتضاح الملتبس، تعالى اللهُ عن ذلك علوًا كبيرًا. فإن قيل: قولُكم في بيان النسخ يؤدي إلى الشك في الأوامر المطلقة، هل بقي كونها صلاحًا أم لا؟ قلنا: لا يؤدي إلى ذلك لأنَّا علمنا أن صلاحها إما يرتفع بأمر حادثٍ، وإما بتعذُّر الإتيان بها، ثم إن وجد التعذُّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التعذر. فإن قيل: قولُكُم هذا يؤدي إلى أنَّ الصحابةَ لم تعتقد (٢) في الأوامر المطلقة وجوبًا على التأبيد. قُلنا: الواجِبُ على السامعين اعتقادُ الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد لأنهم لا يدرونَ لعلَّ الله يُحْدِثُ بعد ذلكَ أمرًا. وإذا ثبت جوازُ النسخ على طريق الإجمال فلنا أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه. اعلم أنَّ ما لا يجوز نسخُهُ ستَّةُ أنواعٍ؛ أحدها: نَسْخُ ما يستحيل نسخُه بغير جحد أو اعتراف بالكذب كنسخ قصةِ عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣)، وعن قول الشيطان: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ

стр. 261

الْحَقِّ (١)﴾ (٢) وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم. والثاني: نسخُ ما لا يُجيزُ العقلُ نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان. والثالث: نسخٌ يؤدي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجبَ اللهُ تعالى من جزاء الإحسان. والرابع: نسخٌ يؤدي إلى الحنث (٣)، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (٤) الآية، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ (٥)، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٦) الآية، ولو لم يكن للقَسَم مزيةٌ على الوعد والوعيد لما ذكر القَسَم. والخامس: نسخُ حكمٍ لم يُفِدْ شيئًا كنسخ ما لم ينزله جبريلُ ﵇ بعدُ، إذ هو يؤدي إلى البَدَاء. والسادس: نسخُ حكمٍ (٧) لم يُبَيَّن لأنه محالٌ، إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأول، فلا يجتمعان. ما يجوز نسخُهُ ستةُ أنواع: الأول: الأثقل بالأخف، كنسخ تحريم الرَّفَث ليالي الصوم بالإباحة. والثاني: نسخُ المِثلِ بالمِثل، كنسخ التوجه إلى قبلة بإيجاب التوجه إلى قبلة. والثالث: نسخ ما هو أقلُّ ثوابًا [بما هو أكثرُ ثوابًا] (٨)، كنسخ صوم يوم (٩) عاشوراء بصوم شهر رمضان. والرابع: نسخ ما أفاد معنىً قبلَ نسخه، كنسخ خمسين صلاة ليلة

стр. 262

المعراج بخمس صلوات. وفائدة الحكم الأول اعتقادُ نبينا ﷺ وجوبها وإكرامُ الله [إياه بالتشفيع وإمضاء ثواب خمسين صلاة بخمس صلوات. وهذا النوع] (١) يأباه بعض المتكلِّمين من المعتزلة، وغيرهم. والخامس: نسخ ما يُحمد كنسخ ما أوجبَ الله تعالى أهلَ (٢) الارتكاب من العذاب بالعفو، وإنما جاز لوقوعه محمودًا حسنًا، لأنه تعالى (٣) شرط لنفسه المشيئة فيه. وهذا النوع يأباه فريقٌ من المعتزلة أيضًا، ويجعلونه من حيِّز الأخبار. والسادس (٤): نسخ التلاوة مع بقاء المعنى، لأن التلاوة وحدها تنفرد بحكمٍ غير حكم المعنى، وهو ترك مَسِّهِ محدثًا، وإقامة التحريمة بها. فلم يقف نسخها على نسخ، وهذا النوع يأباه الزجاج فيما رُوي عنه (٥). وقد زعم بعض الزيدية أنه لا ينسخ الحكمُ مع بقاء التلاوة، وهو غير صحيح، لما بينَّا أن نسخ أحدهما لا يقف على نسخ الآخر. وقد أجمع أهلُ الإِسلام أنَّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٦) منسوخ بآية السيف. وخَلْقُ النسيان جائز في الأنواع الاثني عشر كلها، وهو مثل نسخ وليس بنسخ. ولا يختلفُ عندنا الحكمُ بين نسخ القرآن بالقرآن (٧)، ونسخ السُّنَّة بالسُّنة، ونسخ أحدهما بالآخر، لأن الكل من عند الله، والرسولُ أمينٌ ما ينطق عن الهوى. وزعم بعض المخالفين أنَّ نسخَ القرآن بالسُّنَّة لا

стр. 263

يجوز (١)، ويتعيَّن في بعض الأحكام على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٢). ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ بمعنى الإثبات (٣)، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٤). قال الشاعر (٥): ألستم خيرَ من رَكِبَ المطايا ... وأَنْدى العالمينَ بُطونَ راحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ﴾ من حقِّ اسم (أنَّ) (٦) أن يكون في محل الخبر (٧) مجرورًا باللام (٨)، كقولِه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ (٩) فلما وقع الابتداء باسمه (١٠) تعالى لكونه أهمَّ وجب ذكر (١١) ضمير عائد إليه وهو الهاء في (له)، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١٢). إن فُسِّر الولي بالذي يلي الأمرَ حلاًّ وعقدًا بغير

стр. 264

إذن من جهة مَنْ يلي أمره فالخطاب عام (١)، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٢) وإن فُسِّر بالودود نقيض العدو، فالخطاب موجهٌ إلى المؤمنين خاصةً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (٣). والنصير: الناصر على طريق المبالغة كالشهيد والقعيد. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ اختلف في سبب نزولها، قيل: إنها نزلت حيثُ قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٤) وهذا بعيد (٥)؛ لأن ظاهر الخطاب ها هنا للمؤمنين دون الكافرين. وقيل: سألَ النبيَّ ﵇ ممَّن حَدَث إسلامهم أن يتخذوا عيدًا عند شجرة أنْوَاط كما كانت الكفار تتخذ، فقال النبيُّ (٦) ﵇: "إن

стр. 265

يريدون مني إلا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١) " وهذا أقربُ إلى الصواب (٢) ويحتمل أنهم كانوا يقولون: راعنا، متابعة لليهُودِ ويظنون أنه أحسنُ الخطاب، ويستدلّون بكون اليهود أعرف بخطاب الأنبياء منهم لقراءتهم الكتاب، فَنهاهُمُ اللهُ تعالى عن ذلك وأعلمهم قبحَ موافقة اليهود وما يؤدون إليه من الكفر والضلال، إذْ هُمُ الذين (٣) قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ (٤) و ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٥) و ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (٦) و ﴿آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (٧). (أَمْ) ها هنا (٨) بمعنى بل (٩)، كقولك: إنها لإبلٌ أم شاء، والدليلُ على أنه منقطع لم يسبقه في بابه استفهام فيكون بمعنى أو على جهة النسق. إلا أن بين (بل) وبين (أم) فرقًا، لأن ما يلي (بل) يقع مقطوعًا به (١٠)، وما يلي (أو) يقع موهومًا.

стр. 266

ويحتمل أن المراد بقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ: ألم تعلموا، فيكون (أم) متصلًا مردودًا على ألف الاستفهام، و (مَنْ) بمعنى: الذي، وفيه معنى الشرط لأنه جَزَمَ الفعل واقتضى الجزاء نظيره: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) و ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (٢). ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾ بعد الإيمان (٣)، والتَّبدُّلُ: اتخاذ البدل، كما أَنَّ التزودَ اتخاذ الزاد. ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصدها والمراد بالسبيل: النهج. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: سبب نزولها قولُ حُييّ بن أخطب وأبي ياسر ابن أخطب وكعب بن الأشرف لحذيفةَ بن اليمان (٤) وعمارِ بن ياسر (٥) بعد يوم أُحد شامتين: "أما رأيتم ما أصابكم فارجعا إلى دينكما الأول، قال أحدُهُما: إني عاهدتُ اللهَ أن لا أكفر بمحمد، وقال الآخر (٦): اللهُ ربي والقرآن إمامي ومحمدٌ رسولي" (٧). وقيل: هي عام

стр. 267

والكثير ضد القليل. ﴿كُفَّارًا﴾ نصب على القطع لأنه جاء بعد تمام الكلام، وعند البصريين نصبٌ على الحال (١). ﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ له فانتصب بنزع الخافض (٢). والحسدُ: أن لا تؤهل ذا نعمةٍ لها. وإنما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لتأكيد وصفهم بالعدوان وأنه لا وجه لحسدهم عند غيرهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من نعتِ نبيِّنا ﵇ (٣) فيما قبل ظهور معجزاته في الحال.

стр. 268

﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أحدهما قريبٌ من الآخر في الاستعمال إلا أن أصلَ الصفح مِن الإعراض. وهذا الحكمُ منسوخٌ بآية السَّيف. وقيل: منسوخ بحكم قتلِ بني قريظة وإجلاء بني النضير، وهو الأصح (١). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الألف واللام في ﴿الصَّلَاةَ﴾ و ﴿الزَّكَاةَ﴾ للجنس، وهما مجملان وتفسيرهما ما ثبت عن النبي ﵇ (٢): أن الصلاة على المكلف في اليوم والليلة خمسٌ، أولها: الظهر من حين تزول الشمس إلى دخول وقت العصر، ثم العصر إلى المغرب (٣)، ثم المغرب إلى العشاء، ثم العشاء إلى طلوع الفجر، [ثم الفجر (٤) إلى طلوع الشمس، ولا يتداخل وقتان ما عدا عرفةَ بعرفات وليلة الجمع] (٥) بالجمع، لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٦). ورُوِيَ عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله تعالى زادكم صلاةً ألا وهي صلاة الوتر، فصلّوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (٧). ورواه أبو يَعْفُور

стр. 269

عمن حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. واسمُ أبي يعفور (١): وَقْدَانُ الكوفيُّ العَبْديُّ، سمع ابن أبي أوفى (٢) وأنسًا (٣) وعرفجة (٤). روى عنه: أبو حنيفة والثوري (٥) وشعبة (٦).

стр. 270

وأما الزكاة فهو: النصابُ المُقَدَّرُ في المال عند المكلَّف دون العفو مؤجلة بحول الحول. وأموال الزكاة: الذهبُ والفضةُ، وما في حكمهما من أموال التجارة، والأنعام وهي ثلاثة أجناسٍ: الإبلُ والبقرُ والغنم، وأما الخيل فهي في حكم البغال والحمير من وجه كراهة لحومها، وفي حكم الأنعام من وجه وجوب الزكاة فيها، لأنَّ الله تعالى ذكرهما في موضعين. ورويت الأخبار من الجانبين راعيناه احتياطًا، والحرثُ وهو: ما ينبت على الجنس في غير أرضِ الخراج، ولا نصابَ فيه. ويجوز أخذ الأموال في زكوات لورود الأخبار (١). والأمر المؤقت [يجبُ في أول الوقت موسَّعًا] (٢) ويتضيق في آخره، ولآخره تأثيرٌ في أوله؛ لأن ورودَ الأمر يسبق التأجيل الإقبال فيجب في الحال كالأمر المطلق. ثم طريان التأجيل ينتج التأخيرَ ولا يرفع الوجوب كتأجيل الديون والمبيعات. غير أن العذرَ الواقعَ في الوقت كالعذر الواقع في أول الوقت كما في عقد الكتابة وإسقاط كل الصلاة عند الحيض وشطرها عند السفر. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ تقديم الشيء جعلُهُ قبلَ الآخر، والمراد به: إسلافُ الخيرِ والشرِّ قبلَ الموت والانتقال إلى حكم الآخرة. تَجِدُوهُ أي: تجدوا ثوابَه عِنْدَ الله (٣). ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ الآية نزلت في أخبار مَنْ نزل فيه قوله: ﴿قُلْ

стр. 271

إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (١). وهود (٢): جمع هائد كما أن عُوذًا جمع عائذ، وهو: الناقة إذا وضعت وبعدها تضع أيامًا، وفي الحديث: "ومعهم العُوذُ المَطَافِيلُ" (٣). وقيل: هود: اسم فعل معهود مبهم وهو تهودهم، فأدخلت التاء الضمير صاحب الفعل ثم أُسقطت ها هنا للتخفيف، فرجع إلى ما كان. ويحتمل أنه يهود وهودًا لما تشابها في اللفظ أُقيم هودُ مقامَ يهود للتخفيف مع عدم الإيهام، قال اللهُ تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤)، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥). ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى كلمات القبيلتين، ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾: الأماني جمع أُمنيَّة، وهي: [اسْمٌ من التمني وهو] (٦) التَّشهي. ﴿قُلْ هَاتُوا﴾ هات: أداة للسؤال كما أَنَّ (هاك) أداة للإعطاء (٧)، والأصل فيه فَعَلَ أي: آت، فقُلبت الهمزةُ هاءً، كما في هراق، ثم جُعل من حيِّز الحروف، يمنع من الصرف إلا على جهة الأمر. والبرهان: الحجةُ الواضحة، يقال: برهن الرجلُ إذا ذكرَ حجةَ قوله، وكان البرهان المطلوب منهم (٨): تمني الموت. ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ ردٌّ لزعمهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا

стр. 272

أَوْ نَصَارَى﴾ وإسلامُ الوجه للشيء: صرْفُ الإقبالِ إليه، وتسليمُ النفس وتفويض الأمر، ومنه يقال في عقد السَّلم (١): أسلمَ كذا وكذا إليه. وهذه صفة المسلمين دونَ اليهود والنَّصَارى. قال زيدُ بنُ عمرو بن نفيل (٢): وأسلمتُ وجهي لِمَنْ أسلَمَتْ ... لَهُ المُزْنُ تحملُ عَذْبًا زُلالا إذا هِيَ سِيقَتْ إلى بلدةٍ ... أطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَليها سِجَالا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ شرطَ ضمّ الإحسان إلى الإِسلام لئلا يأمن المسيءُ من جملة المسلمين ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ يعني: إدخال الجنة. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ نزلت في جماعة وفدِ نجران ويهود المدينة تجادلوا وحاجَّ بعضهم بعضًا على قضيَّة (٣) التوراة، فجحد كلُّ فريقٍ حجةَ خصمه (٤) ومنعها على طريق الجدال مع تلاوتهم التوراة وإقرارهم بها جميعًا، كما جحد كفارُ قريش حيث قالوا: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٥) ولم يذهبوا في المحاجة مذهب المسلمين بأن يقولوا: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٦) فأنزل الله الآيةَ ذمًّا لهم.

стр. 273

و (لَيْسَ): أداة نفي تُشبه اللفظ الماضي. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ طريق أو رأي متجه أو نحوهما ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم هو: القضاءُ المانع عن الخلاف إلجاءً أو غيرَ إلجاءٍ، وأراد ها هنا على الإلجاء وذلك بإنطاق الجلود وشهادة الرسل على الأمم وغير ذلك مما يشاء اللهُ تعالى. والاختلاف: نقيض الاتفاق ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾ قال ابن عباس (١): نزلت في الروم لغزوهم بيت المقدس، وإلى هذا ذهب مجاهد والفراء، ويدل عليه ما سبق ذكره (٢)، ودخول النصارى خائفين في بيت المقدس إلى يومنا هذا. وعن الحسنِ وقتادةَ والسُّدي (٣) أنها نزلت في بختنصر يدلُّ عليه أنه لما جرى ذكر اليهود والنصارى ومشركي العرب والوعد بالحكم في اختلافهم وذكَرَ المجوس أيضًا وإشراكهُمْ (٤) في الذم من وجهٍ آخر. وعن ابن زيد أنها نزلت في قريش وغيرهم من مشركي العرب، وهذا هو الأقرب لأنهم كانوا يَصُدُّون عن المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وفيهم نزل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ورد ورود

стр. 274

الاستفهام ومعناه الإنكار. و ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ جمعٌ وهو واحد لأن العرب تجمع الشيء بنواحيه فتقول: ثوب أسبال، ويحتمل أنه جمع مَسْجَد - بفتح الجيم - وذلك موضع السجود. ويحتمل أنَّ المراد به: المسجد الحرام [ومسجد الخَيْف والمشعر الحرام] (١) لأن الصدَّ كان عن جميعها (٢)، و (عن) مضمر عن أن يذكر كما يقال: نهيته أن يفعل [أي: عن أن يفعَلَ] (٣) كذا. ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ والسَّعيُ في الشيء بالصلاح والفساد هو: الشروع، إنما وَحَّد الفعل بـ (مَنْ) قال ﴿أُولَئِكَ﴾ لما سبق القولُ في مثله. ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ نفى دخولهم فيها إلا على الصفة المستثناةِ بعد صدِّهم عنها، وإنما كان ذلك عامَ حجة الوداع بعدَ الحج الأكبر، أو عام فَتَحَ اللهُ تعالى بيتَ المقدس على يدي عمر. فمَنْ دخلَ من الكفار منافقًا أو أسيرًا أو بعهد الله (٤) أو بذمة هذين المسجدين أو غيرهما من المساجد، وهو مستثنى (٥) لأنه مقهورٌ خفيٌّ خائفٌ، وإن كان خوفٌ دون خوف. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قتلُهُم في (٦) يوم بدر، وقهرُهُم يوم الفتح، وصدُّهُم عامَ حجةِ الوداع، ومضيُّ الجهاد إلى آخرِ الدهر، أو (٧) فتحُ الشام، وهلاك قيصر، وفتح الروم كلها في آخر الزمان، أو فتح

стр. 275

العراق، وما يليها من بلاد المجوس وهلاك كسرى، والعذاب العظيم في الآخرة ما أعدَّ اللهُ للكافرين من النار والخسار. ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ نزلت في الصلاة على الراحلة تطوعًا، هكذا رُوِيَ عن ابن عمر (١) (٢): صلاة النبي ﵇ على الراحلة (٣) تطوعًا في الصحارى حيثما توجهت به راحلته تطوعًا، وسعد بن أبي وقاص (٤)،

стр. 276

وعامر بن ربيعة (١) وأبي موسى الأشعري (٢) وجابر (٣) وأنس. وأفادت الآية حكم جواز البناء بعد الانصراف للحرب وجواز التوجه إلى غير القبلة في صلاة الخوف على الراحلة. والشرق: الطلوع، والإشراق: الإضاءة.

стр. 277

و ﴿الْمَشْرِقُ﴾ مكان شروق الشمس والقمر وسائر الطوالع من السماء على الدنيا من نواحي سُهَيْل إلى بنات نعش، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾ نقيضه من نواحي سهيل إلى بنات نعش، فالصَّبا والجنُوب بالمشرق، والشمال والدبور بالمغرب. وأين: استفهام عن المكان، فإذا اتصلت (ما) صارت للشرط وعَمَّت الأماكن عموم أي (١)، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢)، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (٣). ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ثَمَّ: اسمُ ظرفٍ مشار إليه (٤). و ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ليس كأوجهِ خلقه (٥) وهو خالقُ الوجوهِ متعالٍ عن

стр. 278

الحلولِ في الجهاتِ (١) والأقطار وهو أقرب من حبلِ الوريدِ ، وقد أَوَّلَ مَنْ أَوَّلَ (٢) من أصحابنا بأنه الإقبالُ بالرحمةِ والرضوانِ والقبولِ وهو ممكن أن يكونَ مرادًا. والواسع: الذي لا يضيقُ علمًا ورحمةً وقدرةً، قال زيد بن عمرو: إنَّ الإلهَ عزيزٌ واسعٌ حَكَمُ ... بكفِّهِ الخيرُ والبأساءُ والنِّعَمُ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ زعم (٣) اليهود أَنَّ اللهَ اتَّخذ عزيرًا ولدًا وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤)، وزعمت النصارى أنَّ اللهَ ولد عيسى، وزعم بنو مليح ومن تابعهم من مشركي العربِ أنَّ الملائِكَةَ بناتُ اللهِ. وزعم المجوسُ أنَ الشمسَ والقمر ولدانِ للهِ تعالىَ، وقالت طائفةٌ منهم: إنَّ اللهَ تعالى اتَّخذَ الظلمةَ صاحبةً فتولد العالم منهما، بأفواههم أجمعين التراب، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ تنزيهًا لنفسِهِ وتصديقًا للمؤمنين وتكذيبًا للكفَّارِ. ونكتةُ الردِّ أحد حرفين إما اللام في (لَهُ) إن كان المراد بها التمليك، إذ المِلْكُ والتبني لا يجتمعان، وإما الإخبار عن بدو (٥) الأشياء بقوله وفعله دون استحالة طبيعة من نفسه، وإذا عدمت الطبيعة عدمت الولادة وكذلك اتِّخاذ الولد.

стр. 279

﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ذكر ابن الأنباري، القنوت يفسَّر على أربعة أوجه: الصلاةُ وطولُ القيامِ وإقامةُ الطاعةِ والسكوت (١). وأصل القنوت في اللغة هو: القيام بالمرادِ على وجه الانقياد، وقنوتُ الكلِّ كسجودِ الكلِّ طوعًا وكرهًا وظلالهم بالغدوِّ والآصال. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَعِيلٌ المفعل كالسَّميع والأليم، قال (٢): أَمِنْ ريحانَةِ الدَّاعِي السميع ... يؤرقُني وأَصْحابي هُجُوع [والإبداع: الإحداث (٣)، والشيءُ المحدث ما حدث بعلة من جهة القادر لا على قضية الطبيعة وهو الطبع، طبع الأشياء كيف شاء حكيمًا مُبْرِمًا ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ والقضاء: قطعُ الشيء وإتمامُهُ وإمضاؤُهُ] (٤). قال (٥): وعليهما مسرودتان قضاهُما ... داودُ أو صنع السوابغ تُبَّعُ ويكونُ القضاءُ بمعنى الإرادة، والأمر ها هنا القول وهو تسمية الشيء الكائن فيكون المسَمَّى بتكوين الفاعل شيئًا من لا شيء باسمه الذي وقعت التسمية به، فسبحانَ مَنْ له الخلقُ والأمر، ويحتمل أنَّ الأمرَ ها هنا هو: الشأن المحدث بالإرادة يعدُّ موهومًا فيقول له: كُنْ معقولًا فيكون أمره وفعله كذلك.

стр. 280

﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نزلت في مشركي العربِ في أوجه الأقاويل (١) وأقربها لأنه ذكرهم بما سبق ذكرهم به عند مجادلة اليهود والنصارى. ﴿لَوْلَا﴾ ها هنا على التخصيص بمعنى: لوما وهلاَّ نظيره: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٢) ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاد إذ قالوا لهود (٣): ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٤) وثمود إذ قالوا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٥) وفرعون إذ قال: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ (٦). وبنو إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٧)، والنصارى إذ قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٨). وإنما يطالبون بهذه الأشياء تمرّدًا وتعنتًا ولم يقصدوا به الاستدلال للطمأنينة والبيان، فذمَّهم الله جميعًا، وشبه بعضهم ببعض. وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أنفذناك، وقد يكون الإرسال إطلاقًا في غير هذا (٩) الموضع ﴿بِالْحَقِّ﴾ ودين الحقِّ هو الإسلام، والباء مكان مع ﴿بَشِيرًا﴾ مخبرًا بالخبرِ السارِّ ﴿وَنَذِيرًا﴾ منبِّهًا محذِّرًا بخبر مكروه. وقال ﵇: "بشر أهل

стр. 281

الطاعة بالجنة والرضوان وأنذر أهل المعصية بالنارِ والخسران" (١) ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أصحاب جمع [صحاب وصحاب جمع] (٢) صحب مثل: ركاب وركب ثم صحب جمع صاحب. ويحتمل أن الأصحاب جمع قلة و (الجحيم) النار العظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. وقيل: (الجحيم): التهاب النار. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ والرضا عن الشيء: صرف السخط عنه لوجود المرضي منه (٣)، والمرضي هو: المحمود. ولم يكن الإسلامُ محمودًا عند اليهود والنصارى فلم يرضوا عن النبي ﵊. ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ﴾ حتى تدخل في الكلام لثلاثةِ معانٍ: الغاية نحو "إلى"، والتعليل نحو "كي"، والعطف بمعنى المبالغة. فالغاية (٤) تدخل على الأسماء والأفعال جميعًا، والتعليل مختصة بالأفعال، والعطف بالأسماء. وإذا وليها فعل مضارع فهو مرفوع أو منصوب، وفي ذلك وجهان: متى رأيت قبلها فعلًا يطول أو يكثر منفيًا أو مثبتًا وبعدها فعلٌ مضارع حكمه (٥) حكم الفعل الأول في الماضي والاستقبال بتقدير أن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٧)] (٨)، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقال الشاعر (٩): وتُنكر يومَ الروع ألوان خيلنا ... من الدمِ حتى تحسب الجون أشقرا

стр. 282

لأن المراد تَزَايُد الأفعال وإطالته فيكون الفعلُ الثاني في حكم الفعل الأول. وإن كان الفعل المضارع منفيًا بـ "لا" وحَسُنت ليس مكان "لا" فرفعه حَسَنٌ قياسًا على النفي بـ "لا" بعد "أن لا"، في نحو قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٢). ومتى رأيت قبلها فعلًا ليس فيه معنى الطول والكثرة، وبعدها فعلًا لم يكن حكمه حكم ما قبلها في الماضي والاستقبال، أو كان الفعلُ لفاعلِ الأول فارفعه، نحو قولك: جئت حتى أكونُ قريبًا منك، لأن الفعل (٣) بعد حتى إما فعلُ حالٍ مضت أو حالٍ أنت فيها. وفعل الحال لا يقع إلا مرفوعًا. فإن كان الفعل لغير فاعل الأول فانصبهُ أو (٤) ارفعه، وأكثر النحويين على النصب، وإذا وليها اسمٌ فهو معرب بإحدى الحركات الثلاث، وفي ذلك وجهان أيضًا: متى رأيت بعدها اسمًا لا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدَّر فاخفضهُ، كقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (٥) أو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦). ومتى رأيت بعدها اسمًا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدر فأتبعه المعطوف في الإعراب، كقولك: أكلتُ السمكَةَ حتى رأسها، قال (٧): فيا عجبًا حتى كليب تسبّني ... كأنَّ أباها نهشل أو مجاشعُ

стр. 283

﴿مِلَّتَهُمْ﴾ والملة: معظم الدين والشريعة عن ابن الأعرابي (١) (٢)، قال أبو العباس (٣): يعني بالمعظم الجملة، وكأنها مستعارة من الملة التي هي الدية والأرش لأنها مسنونة مشروعة مثلها، قيل (٤): اشتقاقها من الملة هي الرمل المحمى. [وقيل: من قولك تمليت] (٥) الثوب، إذا لبستها ملاوة من الدهر. وفي الآية دليل أن الكفرَ ملَّة واحدة. ﴿وَلَئِنِ﴾ حرف شرط دخلت عليه اللام لنوع تأكيد، وأكثرها تدخل عند القسم (٦). ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ أي: بعد العلم الذي جاءك ومن الأولى للتفسير. والثانية: لتأكيد النفي.

стр. 284

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ نزلت (١) في مؤمني أهل الكتاب عن ابن زيد - هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢) - وفي عامة المسلمين قتادة (يتلونه) فعلٌ بمعنى النعت منصوب على القطع أو الحال، وتقديره: تالين إياه، لا يجوزُ غير هذا على قول ابن زيد، ويكون خبرًا على قول قتادة. والمرادُ بالتلاوة: الاتباع عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء (٣). والمرادُ بالحق: الحقيقة. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بمحمد أو الكتاب. ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ النفع: هو التأثيرُ بالخير. ونقيضُه: الضرُّ. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ الابتلاء: الاختبار. وابتلاءُ اللهِ (٤) عبده لِيُحْدِثَ فعلهُ معلومًا لله تعالى حالة الحدوث (٥)، إذ يستحيل أن يكون ما لم يكن معلومًا في نفسه، وإن كان العلم سابقًا (٦) بمعنى المشيئة والتقدير و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇

стр. 285

هو (١): خليل اللهِ بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن عم يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ. وشالخ (٢) وتوبجهان أبوجم ابنان لأرفخشد، وأرفخشد (٣) وإرم أبو عاد ابنان لسام بن نوح صلوات الله عليهما فيما يروى (٤). وكأنه سمي إبراهيم لأنه فارق أباه في صباه متبحِّرًا (٥) متفكِّرًا في أمر الربوبية، فسمي إبراهام وإبراهيم، ثم حقَّق الله عليه الاسم بأن قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦) وهاجر إلى ربه يهيم. ﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي الأوامر من الأصول والفروع، مثل قوله: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ (٧)، وقوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٨)، وقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ إلى أن قال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٩). وقيل: كلمات هي الخصال اللواتي خمس منهن في الرأس وخمس (١٠) في الجسد (١١)، وقيل: هي الخصال التي في أول سورة المؤمنين وما يشاكلها في سائر السور.
следующие страницы →