← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الطاعة بالجنة والرضوان وأنذر أهل المعصية بالنارِ والخسران" (١) ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أصحاب جمع [صحاب وصحاب جمع] (٢) صحب مثل: ركاب وركب ثم صحب جمع صاحب. ويحتمل أن الأصحاب جمع قلة و (الجحيم) النار العظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. وقيل: (الجحيم): التهاب النار. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ والرضا عن الشيء: صرف السخط عنه لوجود المرضي منه (٣)، والمرضي هو: المحمود. ولم يكن الإسلامُ محمودًا عند اليهود والنصارى فلم يرضوا عن النبي ﵊. ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ﴾ حتى تدخل في الكلام لثلاثةِ معانٍ: الغاية نحو "إلى"، والتعليل نحو "كي"، والعطف بمعنى المبالغة. فالغاية (٤) تدخل على الأسماء والأفعال جميعًا، والتعليل مختصة بالأفعال، والعطف بالأسماء. وإذا وليها فعل مضارع فهو مرفوع أو منصوب، وفي ذلك وجهان: متى رأيت قبلها فعلًا يطول أو يكثر منفيًا أو مثبتًا وبعدها فعلٌ مضارع حكمه (٥) حكم الفعل الأول في الماضي والاستقبال بتقدير أن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٧)] (٨)، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقال الشاعر (٩): وتُنكر يومَ الروع ألوان خيلنا ... من الدمِ حتى تحسب الجون أشقرا

стр. 282

لأن المراد تَزَايُد الأفعال وإطالته فيكون الفعلُ الثاني في حكم الفعل الأول. وإن كان الفعل المضارع منفيًا بـ "لا" وحَسُنت ليس مكان "لا" فرفعه حَسَنٌ قياسًا على النفي بـ "لا" بعد "أن لا"، في نحو قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٢). ومتى رأيت قبلها فعلًا ليس فيه معنى الطول والكثرة، وبعدها فعلًا لم يكن حكمه حكم ما قبلها في الماضي والاستقبال، أو كان الفعلُ لفاعلِ الأول فارفعه، نحو قولك: جئت حتى أكونُ قريبًا منك، لأن الفعل (٣) بعد حتى إما فعلُ حالٍ مضت أو حالٍ أنت فيها. وفعل الحال لا يقع إلا مرفوعًا. فإن كان الفعل لغير فاعل الأول فانصبهُ أو (٤) ارفعه، وأكثر النحويين على النصب، وإذا وليها اسمٌ فهو معرب بإحدى الحركات الثلاث، وفي ذلك وجهان أيضًا: متى رأيت بعدها اسمًا لا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدَّر فاخفضهُ، كقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (٥) أو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦). ومتى رأيت بعدها اسمًا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدر فأتبعه المعطوف في الإعراب، كقولك: أكلتُ السمكَةَ حتى رأسها، قال (٧): فيا عجبًا حتى كليب تسبّني ... كأنَّ أباها نهشل أو مجاشعُ

стр. 283

﴿مِلَّتَهُمْ﴾ والملة: معظم الدين والشريعة عن ابن الأعرابي (١) (٢)، قال أبو العباس (٣): يعني بالمعظم الجملة، وكأنها مستعارة من الملة التي هي الدية والأرش لأنها مسنونة مشروعة مثلها، قيل (٤): اشتقاقها من الملة هي الرمل المحمى. [وقيل: من قولك تمليت] (٥) الثوب، إذا لبستها ملاوة من الدهر. وفي الآية دليل أن الكفرَ ملَّة واحدة. ﴿وَلَئِنِ﴾ حرف شرط دخلت عليه اللام لنوع تأكيد، وأكثرها تدخل عند القسم (٦). ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ أي: بعد العلم الذي جاءك ومن الأولى للتفسير. والثانية: لتأكيد النفي.

стр. 284

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ نزلت (١) في مؤمني أهل الكتاب عن ابن زيد - هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢) - وفي عامة المسلمين قتادة (يتلونه) فعلٌ بمعنى النعت منصوب على القطع أو الحال، وتقديره: تالين إياه، لا يجوزُ غير هذا على قول ابن زيد، ويكون خبرًا على قول قتادة. والمرادُ بالتلاوة: الاتباع عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء (٣). والمرادُ بالحق: الحقيقة. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بمحمد أو الكتاب. ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ النفع: هو التأثيرُ بالخير. ونقيضُه: الضرُّ. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ الابتلاء: الاختبار. وابتلاءُ اللهِ (٤) عبده لِيُحْدِثَ فعلهُ معلومًا لله تعالى حالة الحدوث (٥)، إذ يستحيل أن يكون ما لم يكن معلومًا في نفسه، وإن كان العلم سابقًا (٦) بمعنى المشيئة والتقدير و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇

стр. 285

هو (١): خليل اللهِ بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن عم يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ. وشالخ (٢) وتوبجهان أبوجم ابنان لأرفخشد، وأرفخشد (٣) وإرم أبو عاد ابنان لسام بن نوح صلوات الله عليهما فيما يروى (٤). وكأنه سمي إبراهيم لأنه فارق أباه في صباه متبحِّرًا (٥) متفكِّرًا في أمر الربوبية، فسمي إبراهام وإبراهيم، ثم حقَّق الله عليه الاسم بأن قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦) وهاجر إلى ربه يهيم. ﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي الأوامر من الأصول والفروع، مثل قوله: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ (٧)، وقوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٨)، وقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ إلى أن قال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٩). وقيل: كلمات هي الخصال اللواتي خمس منهن في الرأس وخمس (١٠) في الجسد (١١)، وقيل: هي الخصال التي في أول سورة المؤمنين وما يشاكلها في سائر السور.

стр. 286

﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ يحتمل أنه فعل الله تعالى فيكون بمعنى القضاء والإبرام، ويحتمل أنه فعل إبراهيم ﵇ فيكون بمعنى الوفاء بها (١) ﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ والإمام: الذي ينتهى إلى رأيه (٢)، وقوله: ﴿اقْتَدِهْ﴾ وليس من شرط الإِمام الائتمام بالإمام في فعله المجرد ما لم ينضم إليه رأي أو قول، وذلك يؤدي إلى المضاهاة والمساواة. وعلى الإمام رعاية المؤتمِّين، قال اللهُ تعالى لإبراهيمَ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٣) وقال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤) ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ذريةُ الرجلِ ما يتفرق وينتشر منه على وجه الأرض، وقيل: هي من: ذرأ اللهُ الخلق - بالهمزة - فيكون الذرية خليقة اللهِ منه. ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ النيل: هو الإدراك والإصابة. والعهد: الوصية والأمانة لقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. والظلم ها هنا (٥) ظلم الاعتقاد لا ظلم السيرة (٦)، لقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٧) (٨). يدُّل عليه قوله في شأنِ أهل مكة وهم ذرية إبراهيم: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٩)

стр. 287

وفيهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١). وفيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٢). وأمَّا ظلمُ السيرة: إذا أكثر الإِمام الظلم (٣) لم تزل ولايتُهُ، لأنَّ يونسَ ظلم نفسَهُ بعد ما بُعِثَ فلم يكن ذلك عزلًا. وقال لداود: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤) وكان إمامًا، فلم يؤثر في إمامته، ولكن كلف على خلع نفسه إن سَهُلَ ذلك من غير فتنة. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ أراد به الحكم ها هنا دون التصيير (٥). ﴿الْبَيْتَ﴾ المسكن سواءٌ كان خيمةً أو جدارًا أو سربًا في الأرض. وإنما سُمِّيَ البيتُ بيتًا لأنه يُباتُ فيه، والجمع: بُيُوت، وقِيلَ: أبيات. والمراد ها هنا: البيتُ العتيق أدامَ اللهُ حراسَتَهُ ﴿مَثَابَةً﴾ مفعلة من ثاب يثوبُ كالمفازة والمنارة، ويقال: إن فلانًا لمثابة إذا كان يأتيهِ الناسُ للرعايةِ ويرجعونَ مرةً بعدَ أخرى، وثانية بعد أولى. والهاء للمبالغة عند الأخفش كالنسابة والعلاَّمة. ولا معنى لها عند الزجاج والفرَّاء كالمقام والمقامة (٦). و ﴿أَمْنًا﴾ والأمن نقيض الخوف.

стр. 288

والحرم كلُّه داخل في حكم البيت في هذا المعنى. ﴿مِنْ مَقَامِ﴾ زيادة أو لابتداء الغاية (١). قيل: مقام هو الحرم. وقيل: هو المسجد الحرام، والأصح أنه صخرة قام عليها إبراهيم ﵇ حين بني البيت. وقيل: حين غسلت رأسه كنته الأخيرة وهي ابنة (٢) مضاض ﴿مُصَلًّى﴾ موضع صلاة الإِمام (٣)، وصلاة من يستطيع أن يركع ركعتي الطواف. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ أوحينا.

стр. 289

﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو نبيُّ اللهِ ابن خليلِ اللهِ من أم (١) ولدِه هاجر القبطية. وقبط (٢) من ولد حام، وإسماعيل ﵇ أول من تكلَّمَ العربية المهذبة من جميع الناس. وقيل من: أولاد أرغو بن عابر (٣). ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) لتفسير العهد (٤). والطهارة ضد: النجاسة، والطاهر: النقي (٥)، وقيل: المراد بتطهير (٦) البيت تطهيره عن وضع الأصنام فيه. ويحتمل على العموم عن كل ما لا يجوز فيه. ﴿بَيْتِيَ﴾ أضاف إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا مثل: عبد الله وناقة الله. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ الطواف قريب من الدوران، وهاهنا يحتمل ثلاثة معانٍ: الطواف المعهود المشروع والسياحة وهي غير العكوف، والتعهد ومنه سمي الخادم طائفًا، قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧). والبعض قريب من بعض. والعكوف هو: الإقامة وفيه معنى اللزوم. ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع راكع مثل: خاشع وخشَّع و ﴿السُّجُودِ﴾ جمع ساجد مثل: شاهد وشهود. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ نزلت في دعوة إبراهيم لأهل مكة. ذكر الواقدي (٨)

стр. 290

بإسناده عن عبد الله بن سلام قال: لما غرقت الأرض كان الأنبياء يحجون أثر البيت كلهم حتى كان إبراهيم ﵇ فبوَّأَهُ الله تعالى إياه، دلَّ أنه لم يتعيَّن مكان البيتِ إلا له. وروى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة (١) قال: أقبلَ إبراهيم ﵇ من الشام على البراق حاملًا إسماعيلَ أمامه وهاجر خلفه معه جبريل ﵇ يدلُّه، وإسماعيل إذ ذاك ابن سنين. وعن مجاهد ما يقرب هذا (٢). ثم إن إبراهيم ﵇ انصرفَ إلى الشام فقالت هاجر: إلى من تدعنا؟ فقال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله. فلما غابَ إبراهيم ﵇ وفني ماء القربة جزعت هاجر عطشًا وخوفًا على ابنِها، فظهر لها ملك، قيل هو: جبريل ﵇، فضرب بعقبه مكان بئر زمزم فظهر الماء فوق الأرض فتسارعت إليه، وبلَّت طرف ردائها وسقَت إسماعيل ﵇ فصبَّت الماء في فيه، ثم انصرفَتْ إلى الماءِ فجعلت تجمع التراب لئلا يفيضَ الماء إشفاقًا لها عليه. قال ابن عباس: لولا تركته يفيض لكان يفيض إلى يوم القيامة (٣). ومكثت هاجر مع إسماعيل خمسة أيام يشربان من ذلك الماء، فلما كان

стр. 291

اليوم السادس أقبل غلامان من العماليق النازلين حول مكةَ فأشرفا على الوافى ي فرأيا الماءَ فتعجَّبا وانطلقا إلى قومِهِما بخبرِ الماء، فسار منهم جماعةٌ حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: مَنْ (١) أنتِ أيتها المرأةُ؟ من هذا الصبي؟ قالت: هذا ابنُ إبراهيم خليلِ الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماءُ سقيٌ من الله لنا، قالوا: صدقْتِ، فإن عهدنا بهذا الوادي قريبٌ وما فيه إذ ذاكَ ماءٌ، فهل تأذنينَ لنا أن ننزلَ بهذا الوادي على أن نواسِيكُما بأموالنا؟ فأذنت استئناسًا (٢) بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبَّ إسماعيلُ فقسَّموا له من أموالهم قسمًا، وعظموه فيما بينهم وعرفوا له حقَّهُ. قيل: إن امرأته الأولى التي لم تُلِن الكلام لإبراهيم ولم تستنزله كانت منهم (٣) فطلَّقَها إسماعيلُ ﵇، وقيل: إنهما كانتا جُرهَميَّتين، ثم أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جُرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم. وقيل: إن جُرهمًا ليس بابن قحطان وإنما هو ابن أخي قحطان. واسمُ أبيه: يَفْطُر بن عابر حتى انتهى إلى مكة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوَّج ابنته من إسماعيل ﵇. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ إشارة إلى المكان والوادي ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أهلُهُ، كقوله: آمِنَةً مطمئنة. والمراد بالأمن ما (٤) اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به (٥). ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: شيئًا مِنَ الثمرات عند الأخفش وقال غيره:

стр. 292

(فيها) قائم مقام الاسم في كلام العرب كما هو ها هنا. وكذلك في قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إبدالُ البعض من الكل (١)، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). وإنما خصَّ المؤمنين بالدعاء لأنه لا يجوزُ تولِّي الكافرين، وقيل: توهّمًا منه أنَّ الله تعالى لا يُؤَجّلهم إن قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فأخبر اللهُ بأنه يمهلهم ويمتِّعهم متاعَ الحياةِ الدُّنيا لتأكيد الحجةِ عليهم، ويحتمل أن الإخبار عن رزقهم إنما وقع لئلا يستدلَّ الكافرُ بالرزق أنه مصيبٌ مؤمن، وأن دعوةَ إبراهيم ﵇ قد نالته. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فيعال من الضرورة وهو متعدٍّ (٣) ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المعاد. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ روى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي، قال: لما بَلَغَ إسماعيلُ ثلاثين سنةً وإبراهيم يومئذٍ ابن مائةِ سنةٍ أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم ﵇ يأمره ببناءِ البيت وأنزل السكينةَ فاتبعها إبراهيمُ وهي ريحٌ لها وجهٌ وجناحان، ومع إبراهيم ﵇ الملك والصُّرَد فانتهوا بإبراهيم ﵇ إلى مكة منزل (٤) إسماعيل ﵇، وفي رواية: كان إسماعيل ﵈ ابن عشرين سنة فأتاهُ أبوه وهو قاعد تحت دوحة يبري النبال، وموضع البيت يومئذٍ ربوة حمراء، فحفر إبراهيم وإسماعيل ﵇ ليس معهما غيرهما يريدان أساس آدم ﵇، فحفرا عن ربض البيت. قال الواقدي: ربضة: حوله، فوجدا صخرة ما يطيقُها إلا

стр. 293

ثلاثون رجلًا فبنيا وجعل القواعد من حراء وحلقت السكينة كأنها سحابة على موضع البيت، فقالت: ابن علي. فلذلك لا يطوفُ بالبيتِ أحد (١) أبدًا نافرًا ولا جبارًا إلا رأيتَ عليه السكينة. قال: وجعل طوله في السماء تسع أذرع وعرضه في الأرض ثلاثينَ ذراعًا وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت (٢) وجعل المقام لاصقًا بالبيت عن يمين الداخل، فلما أراد إبراهيم ﵇ أن يجعل علمًا لابتداء الطواف أمرَ إسماعيل يبغي له حجرًا، فأنزل الله جبريلَ بالحجرِ الأسودِ، فقالَ إبراهيمُ لإسماعيلَ ﵈ لما رجع إليه: أتاني به من لم يكلني إليك. وكان بناءُ الكعبة من خمس جبال: طور سيناء وطور زيتا وأحد ولبنان وحراء. ورفع البنيان: بناؤها ﴿يَرْفَعُ﴾ مستقبل بمعنى الماضي (٣) (٤) و ﴿الْقَوَاعِدَ﴾ جمع قاعدة. والقاعدة (٥): ما وضع أصلًا يبتنى عليه. وإنما دخلت (من) لصرف القواعد عن (٦) محلِّ الإضافة، كقوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٧) و ﴿كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ (٨). والقول ها هنا مضمر، تقديره: قائلين ربنا (٩).

стр. 294

و ﴿تَقَبَّلْ﴾ التوبة والهداية والعمل الصالح. قبولها في تقديرها وتحقيقها. ونقيضه: الرد في الإبطال والإنكار. و ﴿السَّمِيعُ﴾ ذو السماع. ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ المراد به الإسلام فيما يستقبل من العمر، مثل قول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (١)، ووجه هذا النوع من دعوات الأنبياء كوجه دعاء المؤمنين ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ (٢)، ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٣) ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ يعني ولد عدنان، وعدنان (٤) من ولد أدد، وأدد قيل: من ولد نابت (٥) بن إسماعيل، وقيل: من ولد قيدر بن إسماعيل (٦). والأمة: الجماعة المجتمعة في زمان أو مكان أو على شيء من الأشياء (٧). والمراد بالإراءة: الهداية والدلالة. ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ إما هي جمع منسك -بالفتح- وهو مصدر أو جمع منسِك - بالكسر - وهو موضع النسك (٨)، والنسك: عبادة الله. وقد خصَّ في الشرع بأفعال الحج وأقواله.

стр. 295

وإنما سأل التربة للزلل يجري على عقله، ولذلك كان النبي ﵇ يستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة أو مائة مرة (١). ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أراد به نبينا ﵇، لأن العرب من ذريتهما جميعًا، وبنو إسرائيل ذرية إبراهيم وحده، ولأنهما سألا رسولًا واحدًا، ولو عنيا بني إسرائيل لسألا رسلًا (٢). وروي أن النبي ﵇ قيل له: حدِّثنا عن نفسك يا رسول الله، فقال: "أنا دعوة إبراهيم وبشرى أخي عيسى ﵈" (٣). وإنما كان دعوة إبراهيم مع سبق الحكم به في أم (٤) الكتاب كما كان يعقوب دعوة إسحاق حين قرب إليه الشواء، وهارون دعوة موسى ﵇ حين قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ (٥). وداود دعوة أشمويل حين أمد به طالوت مع سبق الحكم بهم. وإنما دعا إبراهيم مع العلم بانتقال النور في إسماعيل لئلا يكون نصيب العرب من محمَّد ﵊ كنصيب أهل بابل فيه، فحرَّفوا أنواره مع علمه مخافة أن يصيبوا ذلك النور شيء يوضع في غير الظاهر لأن الوصية بذلك كانت قائمة من كلِّ سلف إلى خلف حتى عبد الله بن عبد المطلب. والبعث في اللغة: تهييج وإثارة، وهو مستعمل في الإحياء وإنفاذ الرسول وتأمير الأمير وتوجيه الحشر ونحوهما.

стр. 296

﴿آيَاتِكَ﴾ يعني آيات القرآن [﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ الفرقان] (١) ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ما لا يحتاج في إدراكه إلى الوحي كالفقه وما في معناه من العلوم المستنبطة (٢) من الشريعة (٣). ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أراد التسبب لزكاتهم وطهارتهم. ﴿الْعَزِيزُ﴾ مَنْ يَعزُّ نيله أو يعزُّ غيره، فالله تعالى لا ينال بعظيم تعظيم الاقتدار وهو الغالبُ على أمره القاهرُ فوق خلقِهِ. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ على وجه الإنكار، كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤)، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٥). والرغبةُ عن الشيء هو: الزهد فيه وإيثارُ النفس عليه، [والرغبةُ في الشيء: إرادتُهُ على وجه الطمع] (٦). والرغبةُ إلى الشيء هو: الطمع فيه، فكأن الرغبة في الوجوه كلها هي صرف الهمَّة. وفي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أربعةُ أقوال (٧):

стр. 297

الأول (١): استخف نفس إبراهيم حين رغب عن ملَّته، وكأن قولهم: فلانُ سفه الشراب: إذا أكثرَ منهُ، وعلى مثل (٢) هذا قوله ﵇: "من سَفِهَ الحقّ" (٣). وهذا قولٌ لم يروَ عن الأئمة. والثاني: أنه جهل نفسه، ومنه قول: (عَلَيْهِ الحَقُّ سفيهًا أو وضيعًا) (٤). ويحتمل قوله ﵇: "إلا من سفه الحقَّ"، وقولهم: فلانٌ سفه رأيه. وجهل النفس يؤدي إلى جهل منشِئِها، قال الله (٥) تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (٦). وقال ﵇: "من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه" (٧). وإلى هذا ذهب الزجاج.

стр. 298

والثالث: سفه نفسه فانتصب بنزع الخافض، ويحتمل هذا قوله: "إلا من سفه الحق"، وقولهم: فلانٌ سفه رأيُه. والرابع: قولُ (١) الفراء أن الفعل للنفس فلما أسند إلى (مَنْ) انتصب النفس على التفسير كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٢). وقولهم (٣): ضقْتُ به ذرعًا من المعرفة كالنكرة، وكقوله: (بطرت معيشتها) (٤)، وتقولُ العربُ: وجعت (٥) بطنك وَوثقت رأيك، والدليلُ على أنَّ السفه فعلُ النفسِ غير واقع على النفس أنه لا يقال: رأيُه سفه زيدٌ، كما لا يقالُ: دارًا أنت أوسعُهُم، إنما يقال: زيدٌ سفه رأيُه، وأنت أوسعُهُم دارًا. وقول أبي عبيدة (٦) وأبي عبيد (٧) أن معنى قوله: سفه نفسه أهلكها وأوبقها لا معنى لَهُ إلا أن يحمل قولهم: سفه الشرابَ على معنى استهلك. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه، وفلانٌ اصطفى فلانًا، أي: جعله صفيًا، وهو على وزن الافتعال، وإنما جُعلت التاء فيه طاء لموافقتها الصاد في الإطباق. وإنما اصطفاه في الدنيا بالرسالة والخُلَّة. و ﴿الدُّنْيَا﴾ هي

стр. 299

الحياةُ الدنيا والدارُ الدنيا، اشتقاقه من الدنو. ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المفلحين الذي يجبرُهُم اللهُ ويصلحهم للتنعُّم بالنعيم ويُسلِّمُهُمْ من الآفاتِ المؤثرة بالفساد، ومنه الدعاء: أَصْلَحَ اللهُ الأميرَ. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال الحسن: هذا خطابٌ ورد عليه حين أفلتِ الشمس في كونه خطاب السر أو خطاب العلانية محتمل كلاهما، وذلك لا يدلُّ على أنه كان من قبل على غير الفطرة، كما قال لنبيِّنا ﵇: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) والمرادُ بهذا النوع من الأمر: الاستقامة والاستدامة. والعامل في (إذ) قوله ﴿أَسْلَمْتُ﴾ (٢)، وتفسيره: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) الآية، وفي الآية دليل على أن الإيمان والإسلام واحد، وإلا لما صار مسلمًا بالقول إن كان الإسلام هو العمل. ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والوصية: العهد بها، راجعةٌ إلى المِلَّةِ وإلى كلمتِه ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وبنوه ثلاثة عشر رجلًا فيما يروى، منهم إسماعيل نبي اللهِ من [هاجر، وإسحاق نبي اللهِ من سارة] (٤) وزمران ونيسان ومذان ويشبا وشوخ من قطورا وهي امرأة من الكنعانيين، وقد رُوي مكان نيسان: تينشان، ومكان مذان: مذيان. وسبعةُ نفر من امرأة اسمها جحورا (٥). وإسماعيل

стр. 300

منهم بكر أبيه ووصيُّه من بعده بولاية بيت الله الحرام وإقامة الحج للناس، وإسحاق وصيُّه في أهله. واختلِفَ في أن الذبيح أيُّهما، وسنذكرهُ في موضعه إن شاء الله تعالى. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ هو إسرائيل بن إسحاق ﵇ عُطِفَ إبراهيم وتقديره: إبراهيم بنيه [ويعقوب بنيه] (١) وبنوهُ: هُمُ الأسباط وهم اثنا عشر رجلًا ولدت له بنت خاله أربعة نفر: روبيل (٢) ويهوذا وشمعون ولاوي. وولدت له راحيل ابنة (٣) خاله الأخرى: يوسف وبنيامين وأخوات لهما. ووهبت (٤) كل واحدة منهما له أمة فولدت كل أمة ثلاثة رهط وأسماؤهم فيما يروى: يساخور وزبولون ونفتالي (٥) ودان وجون وأشير. وهذه أسماء أعجمية كثر التصحيف فيها على ألسنة العرب، وعند الله الصواب. وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ محكي كما يجيء بعد القول، لأن في الوصية معنى القول (٦). والألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾ للمعهود لا للجنس، والدين هو:

стр. 301

المثال [من الحكم] (١) الذي هو أوجب من السنة والعادة. ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ نهي عن غير المنهي، كقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (٢)، وقولك: لا أرينك هاهنا، ولا تلقينَّ الله غيرَ تائب. ومعنى الآية: لا تكونوا أبدًا (٣) إلا مسلمين حتى تموتوا على ذلك (٤). ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ (أم) بمعنى ألف الاستفهام على وجه الإنكار، كما قال الشاعر (٥): كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا وليس بمعنى "بل" لأن ما يجيء من بعد "بل" يجيء محققًا ولم يرد به التحقيق هاهنا لأنهم لم يكونوا شهداء، ولا يقال: أثبت شهودكم وأراد به آباءهم لأنه لو كان كذلك لقال: إذا قال لكم ما تعبدون من بعدي، ولم يقل: لبنيه. ويحتمل أنه مرتب على استفهام مضمر فيكون تقديره: أشهدتم وصية إبراهيم أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. ومما يقرب هذا التأويل إنكارهم الأمرين جميعًا وتحريفهم الكلم في الموضعين جميعًا، فشهدوا فيه معنى النزول والخلق لأن الحاضر يستعمل بإزاء البادي، قولك: حضرني، بمنزلة: حضر عندي، فيكون عبارة عن القرب فقط (٦). ﴿الْمَوْتُ﴾

стр. 302

مصدر أقيم مقام الاسم، وهو ذهاب الحياة و ﴿إِذْ﴾ هاهنا بدل على الأول. و (ما) سؤال عن ذات الشيء، فكأنه قال: إيش تعبدون من بعدي، وما أعم من من قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١). وقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ويحتمل أن يكون (ما) مقام (مَنْ)، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، معناه: ومن (٤)، وفائدة السؤال: الامتحان كما وردت الأخبار، والسؤال في القبر. والآباء: جمع أب، وفي الأصل: أبو. وإنما عَدَّ إسماعيل مع الآباء لأنَّ العَمَّ يدخلُ في عداد الآباء (٥)، كما أنَّ

стр. 303

الخالةَ تدخل في عداد الأمهات (١). من قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) أراد به: أباه (٣) وخالته، لأنَّ أمه قد ماتت. ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبَ على القطع، تقدير: الإله الواحد (٤)، ووحدانيةُ اللهِ تعالى إنما هي تعاليه عن مقابلةِ الأنداد والأضداد، لم يزل ولا يزالُ متعاليًا عن الجهاتِ والأحوال. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ أي: تلك الأمةُ أمةٌ و (تلك) إشارةٌ إلى شيءٍ يفيدُ مؤنثًا (٥). كما أنَّ (ذلك) للمذكر (٦)، والتاء هي الاسم (٧) فقط. والمراد بالآية هو نفي توجُّه إعراضهم عن الآيات المعجزة والمفعول الواجب لاختلافهم في شأن الأمم الماضية وأحوالهم. ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ نزلت في مثل ما نزل فيه قوله: ﴿وَدَّ

стр. 304

﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١) روي أن عبد الله بن رومان (٢) قال لنبيِّنا ﵇: أَتبع (٣) اليهودية تكنْ مهتديًا، ودعاه وفد نجران إلى النصرانية فأنزل الله (٤). وفي ﴿مِلَّةِ﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: أن معنى قولهم: اتبعوا اليهودية والنصرانية فنصب الملة وأضمر الاتباع اعتبارًا بالمعنى، والثاني: إقامة المضاف إليه مقام المضاف، تقديره: بل أصحاب ملة إبراهيم. والثالث (٥): أن بل (٦) تارة تدخل في الكلام موصولة وتارة مفصولة، وإذا كانت مفصولة فمعناها الابتداء هاهنا فنصب على التحريض والإغراء. ﴿حَنِيفًا﴾ نعت إبراهيم ﵇ نصب على القطع (٧). والحنف: الاستقامة في قول القتبي (٨)، قال: سمي الأعرج أحنف تفاؤلًا، كما سمي

стр. 305

الفلاة: مفازة، واللديغ: سليمًا. وقال غيره: الحنف: الميل، والأحنف: الذي في قدميه ميل. والحنيف: المائل إلى الحق كالعادل. قال الضحاك: الحنيف: المسلم، وإذا كان معه لفظ المسلم فمعناه الحاج. وقال أبو عبيدة: كان الحنيف في الجاهلية من كان على دين إبراهيم وسمي من اختتن وحج البيت [حنيفًا] (١) لما تناسخت السنون فكانوا يعبدون الأوثان ويقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم. والحنيف الذي نعرف اليوم هو المسلم. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ما كان مشركًا ويحتمل أنه قال: لنفي الموالاة بينه وبين من تولى به من مشركي العرب واليهود والنصارى والمجوس. والإشراك: نصب الشريك، والشريك هو المساهم في الحق. في قوله (٢): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ تعليمٌ من الله عبادَهُ كيف يؤمنون وكيف يردّون قول اليهود والنصارى ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. و (ما) بمعنى "الذي"، في محل الخفض على العطف، والأسباط أولاد يعقوب، واحده سِبْط. قال الأزهري: اشتقاقه من السَّبَط وهو شجرةٌ كبيرةُ الأغصانِ، فجرى هذا الاسم في أولادهم مجرى القبيلة في أولادِ إسماعيل. فذكر القتبي (٣): أن ما أُنزل من السماء (٤) على الأنبياء من الكتاب (٥) مائة كتابٍ وأربعة كتب على شيت خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة (٦) وعلى إبراهيم عشرون صحيفة (٧)، وعلى موسى التوراةُ وعلى داود الزبورُ، وعلى عيسى الإنجيلُ، وعلى نبيِّنا القرآنُ، صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين. وذكر أيضًا: أنَ الله تعالى أنزل على آدم تحريم الميتة والدم ولحم

стр. 306

الخنزير، وحروف التهجي في إحدى وعشرين صحيفة فحذا اللهُ (١) تعالى عليها الألسنة كلَّها، وزعم اليهود: أن اسم التوراةِ يشتمل كتاب موسى ومَن بعده من أنبياءِ بني إسرائيل، فيكون ما أُنزِلَ على موسى بعض التوراةِ على هذه القضية (٢). وذكر القتبي عن وهب عن ابن عباس: إن أولَ الأنبياء آدم واَخرَهُم محمدٌ ﷺ ، وكانت الأنبياءُ مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيًا. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لا نقول: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (٣)، كما قالت اليهود. ومن التفريق قولهم: عزيرٌ وعيسى ابن الله، ونسبةُ سليمان إلى السحر ومحمد إلى الاعتداء، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ منقادون في تصديق أُمنائه أجمعين. ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قيل: الباء زائدة (٤)، وتقديره: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، أي: باللهِ. قال الراجز (٥): نحنُ بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضربُ بالسيفِ ونرجو بالفرج وقيل: العرب (٦) تذكر المثل مجازًا، أو تريد به النفس حقيقةً، كقوله:

стр. 307

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، ويقال: أمثلُكَ يقولُ لمثلي. فيكون تقدير الآية على هذا: فإدن اَمنوا بما اَمنتم به، هكذا يروى في قراءة ابن عباس ومصحفِهِ (٢). (في شِقَاق) في خلاف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين بمنزلة سوف (٤). والكفايةُ رفع المؤنة أو دفعُ المضرة. وفيه دلالة على نبوَّةِ نبينا لأنه تعالى كفاهُ إياهم، ومكَّنَهُ بعد قتلِ بني قريظة وإجلاءِ بني النضير وأخذ الجزية من أَهل نجران (٥). ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ دين الله (٦)، ردًا على الملة كأنها تدلُّ عليها، وهو اسمٌ من الصبغ، وهو تلوين الشيء، سُمِّي بذلك لأنه يؤثر في المتدين كالصبغ، قال الفراء (٧): كانت النصارى إذا ولد لهم مولودٌ جعلوهُ في ماءٍ لهم، يعدُّودنَ ذلك تطهُّرًا لهم كالختان. وقيل: كانت النصارى تصبغُ أولادَهَا بماء لهم أصفر، يريدودن أنه يصير بذلك نصرانيًا خالصًا، ويقولون للمرتد: إدن ارتددتَ فانصبغ بهذا الماء. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، معناه: ليس أحدٌ أحسنُ من اللهِ صبغةً، ودينًا، ومما قام مقام الصبغ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وورودهم على الحوض غُرًّا محجلين من آثار الوضوء.

стр. 308

﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ استفهام بمعنى الزجر والإنكار، ومحاجتهم تحتمل أوجهًا ثلاثة: في ذات الله، كقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (١) و ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٢)، و ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ (٣) و ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ﴾ (٤) وإنه ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٥)، بأفواههم التراب. والثاني: في دين الله كقولهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٦)، وقولهم لعبدة الأصنام: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٧). والثالث: في الاختصاص برحمة الله، كقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٨) و ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٩). والذي يبعد محاجتهم إقرارهم بأنَ الله ربهم متفرد بالقدم (١٠) يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد ويجازي كلَّ عاملٍ بعمله. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ الواو للاستئناف. وإخلاصنا هو الإخلاص بالتوحيد للهِ تعالى حيثُ لم ندَّعِ لهُ ولدًا ولا شبيهًا ولم نثبت للهِ حالا ولا محلًّا، لا كونَ العالَمِ شيئًا قبل تكوين اللهِ إياه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد وابن أبي (١١)

стр. 309

نجيح (١): كانت (٢) عند اليهود والنصارى في كتبهم شهادةٌ من الله بإسلام الأنبياء فكتموها ولو أظهروها لسَلَّموا له ما يأتي به من عند الله من الإخبار بإسلام الأنبياء، وهذا بمنزلة قولك (٣): ومن أبخلُ مِمَّن عنده فضلُ نعمةٍ لم ينفعه من السلطان. فعلى هذا، تقديره: تكن الشهادة بإسلامهم عند الله فلا يكتمها لأنه متعالٍ عن الاتِّصافِ بالظلم. قوله (٤): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ مقدمة في التلاوة على قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ مؤخَّرة عنها في النزول وهي في شأن اليهود عند ابن عباس (٥) والبراء (٦) (٧) وفي شأن مشركي العرب عند الحسن (٨) والمنافقين عند السدي (٩)، ويحتمل أنَّها في شأن الجميع، والسين بمعنى سوف ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما حملهم (١٠) على التولِّي والإعراض.

стр. 310

والقبلة اسم لما يستقبل وهي مختصة في الشرع بما يجب استقباله في الصلاة ﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي استقبالها وهي بيت المقدس، والمراد بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ جميع المساجد على وجه الأرض وكذلك تشبيه إحدى (١) حالتيهم بالأخرى، أي: كما وليناكم عن قبلتكم التي كنتم عليها. ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ عدلا وخيارًا، ويحتمل أنَّ ذلكَ إشارة إلى قوله (٢): ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ والفعل وَسَط بفتح السين وساطة وسطة، وقيل: وسُط بضم السين وساطة (٣) ﴿لِتَكُونُوا﴾ أي: لكي تكونوا ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع (٤) شهيد وشهادتهم يوم القيامة على الكفَار بتكذيب (٥) الأنبياء ﵈ لمَا عاينوه أو ثبت عندهم بالوحي أو علموه بالأخبار المتواترة، وقيل: حجة على الناس عند إجماعهم. وإنما صاروا كذلك؛ لأنَّ كلَّ نبي كان يتلوه نبي فكان يجب انتظار (٦) الأنبياء في الواقعات، فلما وقع الختم بنبينا ووقع اليأس ببعث رسول وجب عليهم الاجتهاد في الواقعات، وصار إجماعهم حُجَّة إذْ لا سبيل إلى الإهمال ولا إلى النص.

стр. 311

﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول يوم القيامة: تبعني هذا وعصاني هذا ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) وقيل: حُجَّة على أمته، واعلم أنَّ النبي ﵇ كان حُجَّة على أهل عصره لمعاينتهم معجزاته، وعلى العالمين عامة لعلمهم به من طريق الوحي المعجز والأخبار المتواترة على وجه لا يمكِّنهم التشكيك في كونه وكون بعض معجزاته. واختلف في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ قيل: هي المنسوخة بدليل قوله: ﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾ وقيل: هي الناسخة (٢)، وقوله: ﴿كُنْتَ﴾ أي: صرت أو أنت عليها، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. وروي ما يدلُّ أنَّ الكعبة كانت قبلة مِنْ قَبْل، روي أنَّه ﵇ كان في الابتداء يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلّي صلاة الضحى (٤) وتلك الصلاة لا (٥) تنكرها قريش، وقوله ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم المتبع ممتازًا من المتقلب في الظاهر (٦)، والأشياء إنَّما تكون معلومة عند الكينونة لا قبلها، إذْ يستحيل (٧) كون ما لم تكن، وإنْ كان اتصاف الله تعالى بالعلم لا لابتداء (٨) له، وقيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي ليعلم أولياؤنا (٩)، كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا

стр. 312

انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (١) و (الانقلاب) الانصراف والنكوص (٢). وقوله: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لتأكيد وصف الانقلاب كقولك: أقبل بوجهه، وولى على دبره، والعقب مؤخر القدم ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: وما كانت إلا كبيرة كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بنسخ القبلة، وذلك أنَّ اليهود قالوا للمؤمنين: إنْ كان دينكم الأول حقًا فقد بطل، وإن كان باطلًا فكيف حال إخوانكم الذين ماتوا عليه من قبل كأسعد بن زرارة (٤) والبراء بن معرور (٥)، فخطر ببال المؤمنين ذلك، وسألوا النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هو الأصل وهو الدين ينسخ بعض الشرائع وهي الفروع، واللام في ﴿لِيُضِيعَ﴾ لام الجحود (٦)، وما [كان] (٧) الله ليضيع، والإضاعة نقيض الحفظ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٨) الرؤوف: يرحم على المصاب ولا أحد من الناس إلا وهو مصاب لاختلال حال، أو لاكتساب وبال. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ عن البراء بن عازب قال:

стр. 313

صلَّى (١) رسول الله ﷺ (٢) إلى بيت المقدس ستة عشرة (٣) شهرًا (أو سبعة عشرة شهرًا) (٤) ثم وجهه (٥) إلى الكعبة (٦)، وفي التاريخ ستة عشرة (٧) شهرًا وثلاثة أيام لأنَّه ﵇ (٨) قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر (٩) فأسند التاريخ إلى المحرم، وكان التحويل للنصف من رجب من السنة الثانية (١٠)، قيل: والسبب في ذلك أنَّ (١١) الله تعالى لما أراد أن يردَّ نبيَّه ﵇ إلى قبلة أبيه إبراهيم وأن يجمع القبلة والحج في دار واحدة ويميز (١٢) المخلصين من المنافقين (١٣) جعل قلب نبيِّه مريدًا بذلك الأمر ليكون إحداثه إكرامًا له، فذكر النبي ﵇ (١٤) لجبريل ما كان في نفسه من ذلك فقال (١٥) جبريل: إنما أنا عبد مثلك فأسأل ربك (١٦)، وكان ﵇ (١٤) يصلِّي ويقلب وجهه في السماء لا ينطق بما يريد مهابة (١٧) أو محافظة

стр. 314

لآداب (١) النبوة حتى أتمَّ الله أمره فأكرم عبده وأنزل وحيه، ويجوز تمنِّي ما يجوز في العقل كونه كتمني تحريم الخمر وحجاب النساء، بخلاف تمني إباحة الظلم والفواحش وتحريم العدل والإحسان. و (التقلب) لازم من التقليب و (الوجه) ما يواجه الإنسان به مع انضمام القرب إليه وذلك من قصاص الناصية (٢) إلى أسفل الذقن ومن الأذن إلى الأذن ﴿شَطْرَ﴾ نحو المسجد الحرام المحدق بالكعبة، وإنما أمرنا باستقبال الكعبة إلى استقبال ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والحرام اسم من التحريم كالحلال من التحليل، وإنما سمي حرامًا لكونه حرامًا على الاَفاقي (أن يدخله) ابتداء غير محرم أو علي كل أحد في جميع عمره مرة وإنَّما قال ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ليعلموا أنها قبلتهم بالمدينة (٣) وبغيرها من البلاد لا قبلة لهم غيرها. وإنما لم يقل، (٤): (فولُّوا وجوهكمٍ إليه) لرفع المشقة، إذ لو قال كذلك لوجب على الرجل أن يستقبله استقبالًا لو سار على وجهه لصادف عين القبلة، فهذا أمر عسير. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ علماء اليهود، تواطؤوا ولبسوا الأمر على غيرهم وهم يعلمون أن التحويل إلى الكعبة حقٌّ من ربِّهم لما قرؤوها في كتابهم، وقيل: الهاء (٥) راجعة إلى المسجد الحرام؛ لأنهم يعلمون فضيلته ويعترفون (٦) بها، والسلام في قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ﴾ للتأكيد والقسَم. ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾ لما قالت اليهود والنصارى ما ولاَّهم عن قبلتهم فأنزل الله جوابًا محتملًا في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أردفه قوله: ﴿وَلَئِنْ (٧)

стр. 315

اتَّبَعْتَ﴾ (١) فأيس النبي ﵇ (٢) عن أتّباعهم وأمته من نسخ طارئ يردُّه إلى قبلتهم وقطع المجادلة بينه وبينهم ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم خربوا البيت وخفي مكان الصخرة فتفرقوا لخفائه (٣) وقد أعرض بعضهم عنها وتوجه إلى المشرق وتشتتت أهواؤهم وتساووا في الضلالة والغواية، فأخبر الله عن حالهم وحذر نبيَّه ﵇ عن اتباعهم، وإنما حذَّره مع كونه معصومًا (٤) ليبقى مكلَّفًا مثابًا فلا يكون استباقًا منه كما قال في شمأن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ واللام في ﴿لَئِنّ﴾ لام التأكيد، فلمَّا ضمّت إلى "أن" الشرطية أحدثت فيها معنى كقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ولولا اللام لقالوا: لا يخرجوا معهم والتنوين في "إذًا" عوض عن كلام محذوف ومجازه: إنَّك إذا اتبعت أهواءهم كنتَ من الظالمين، ولام التأكيد داخلة على ما يجيء بعد إذا وربما لم تدخل فينصب إذا اعتمد عليها. تقول للقائل: أزورك (٥): إذًا أكرمك، ويجوز كون "إذًا" بدلًا عن (٦) الشرط ويكون حقيقتها للتوقيت، قال: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي (٧) ...

стр. 316

ثم قال ... إذًا لقام بنصري معشر حشف (١) ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عن قتادة والربيع (٢) أن الهاء راجعة إلى البيت أو المسجد، وقيل: كناية عن أمر النبي ﷺ (٣)، قال عبد الله بن سلام: إني لأعرف بمحمد من يزيد ابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذلك؟ قال: لأني لستُ أشك في محمَّد ونعته وصفته أن نبي ولعل والدة يزيد أحدثت، فقبل عمر رأسه وقال: وفقك الله يابنَ سلام (٤)، والأظهر أنها في شأن البيت أو المسجد وما في الأنعام في شأن نبينا، وإنما عمَّهم بالمعرفة وخصَّ فريقًا بالكتمان؛ لأنهم كانوا جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب فكتم فريق ولم يكتم فريق مثل عبد الله بن سلام وكعب (٥)

стр. 317

ووهب (١) ووفد الحبشة، والمعرفة علم بتمييز الذهن، وقيل: تلخيص نقيضه العلم (٢) لقوله عليه الصلاة (٣) والسلام: "تعرَّف إلى الله فى الرخاء يعرفك في الشدة" (٤). وقيل: سكون النفس إلى ما وقع به العلم، لقولهم: النفس عروف (٥)، وضد المعرفة الإنكار، ولذلك أوجب أبو حنيفة معرفة في الإيمان (٦).

стр. 318

﴿الْحَقُّ﴾ يحتمل أنه مبتدأ أو يريد ببما الحق المذكرر من قبل وهو البيت أو المسجد أو نعت نبينا ﵇، ويكون خبره في ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وحكمه ويحتمل أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ خبر (١) مبتدأ محذوف، وتقديره: هو الحق، فيريد هو الوحي الذي ذكر فيه حالة أهل الكتاب هو الصدق من ربك (٢)، ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ والامتراء افتعال من المرية وهي الشك - نعوذ بالله منه- والوجهة والوُجهة الجهة، والمراد بها القبلة وما في معناها مما يجب أن يقبل عليها ولا يعرض عنها من أمور الدنيا نظيره: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣) ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (٤)، وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وقيل: باقية غير منسوخة إذ في كل كتاب وجوب الإيمان بنبيِّنا ﵊ (٥) مصرّحًا ومعرّضًا وواجبات لم ينسخها الإسلام فهم مدعوون إليها ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ بادروا، والاستباق: المبادرة. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ (٦). ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّه﴾ أي يحضركم الله ويجمعكم يوم (٧) الجمع، وفيه تهديد لمن ترك أمره وتطميع لمن أطاعه، وإنَّما كرر ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ للتأكيد (٨)،

стр. 319

وقد اتصل الأول (١) بالإخبار عن علم أهل الكتاب (٢). والثاني: بالشهادة المحضة أنه حق (٣). والثالث: ينفي حجة الناس (٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾ اللام للتعليل (٥) و"أن" الخفيفة تحل الفعل محلَّ الاسم، تقول: أحب أن تفعل كذا وأكره أن لا تفعل، وهي أداة لتفسير العلم والحسبان والإيقان والادِّعاء والزعم ونحوها، ومجازُه: لئلا يكون لغير الظالمين من الناس عليكم حجة إذ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي وإنما انتفت حجة غير الظالمين ولم تنتفِ حجتهم لأن الحجة كالبينة والعادل لا يأتي ببينة الزور فكذلك بالحجة الداحضة (٦)، والظالم بخلافِهِ، وفي الآية دليل على جواز استثناء (٧) الأكثر من الأقل لأن الذين ظلموا كانوا أكثر من بقية الناس، و (الخشية): الخوف، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ عطف على قوله ﴿لِئَلَّا﴾ (٨).

стр. 320

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ تشبيه وقع لإتمام النعمة كقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما لا تعلمون يعني علم الأولين والآخرين (٢) وشرائع الدين قد تضمنه قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلَّا أنه (٣) أتى بلفظين مختلفين تأكيدًا ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ عطف بالفاء لتعقيب الاهتداء وذكر (٤) العبد إلهه هو ذكره مخلصًا بالثناء وذكر الله إياه بالرحمة وحسن (٥) البلاء، والعبد يصل إلى ذكر الله (٦) تعالى بذكره وقد أوجبَ الله تعالى ذكره على ما (٧) ذكره (٨) فإذا ذكر الله فهو العلة والجزاء. ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ ولا تجحدوني، نظيره في التعدي بغير الياء (٩):
следующие страницы →