← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ظلَّ يومه يعمل فجاء صلاة العشاء فوضع رأسه فنام قبل أن يطعم فأصبح صائمًا (١)، فرآهُ النبي ﵇ (٢) من آخر النهار وقد أجود فقال: "إني أراك قد أجهدت" فقال: يا رسول الله، ظللتُ يومي أعمل فجئتُ صلاة العشاء فنمتُ قبل أن أطعم (٣)، وجاءه عمر بن الخطاب وقد أصاب من النساء فنزلت الآية (٤). قال ابن عرفة: الرفث الجماع ههنا (٥)، والرفث بالتصريح بذكر الجماع، وقال الأزهري (٦): كلمة جامعة لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، وإنما عدَّاه بـ"إلى" اعتبارًا بالمعنى وهو الإفضاء، وكل شيء ستر شيئًا فهو لباس له، وقال ابن عرفة: اللباس من الملابسة وهي الاختلاط والاجتماع، وأنشده: إذا ما الضجيعُ ثنى عطفه ... تثنَّت فكانت عليه لباسا (٧) ﴿تَخْتَانُونَ﴾ افتعال من إلى خيانة وهي النقص، والمراد: نقصهم أنفسهم الثواب والفضل حين ترخصوا بما لم يرخصه الله تعالى بعد قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الوجوب في الظاهر، إلا أنا صرفناه إلى الإباحة وكذلك قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ والمباشرة إمساس البشرة البشرة (٨) والمراد بها الرفث، و (الابتغاء)

стр. 352

الطلب، و ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هو الخير مثل إباحة الاستمتاع والأكل والشرب، ومثل الولد، ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ بياض الثاني ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ سواد الليل شبههما بخيطين لامتدادهما، وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ للتفسير، وهذه الآية تدلُّ على جواز صوم الجنب؛ لأنَّ المجامعة إذا وقعت في آخر الليل فلا بدَّ من أن يقع الغسل بعد الفجر، ويدُّل على جواز الاعتكاف في كلِّ مسجد يؤذن فيه، قال علي: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة (١)، وإليه ذهبت عائشة (٢) وابن مسعود (٣)، ولا اعتكاف إلا بصوم له أو لغيره، وإليه ذهب علي (٤) وعائشة (٥) وابن عمر (٦) ومجاهد وأبو فاختة (٧) (٨) عن ابن عباس (٩). و (الحد) في اللغة بمعنى الحجب والمنع، قال الشاعر (١٠):

стр. 353

لا تعبدون إلهًا غير خالِقِكم ... فإن دُعيتم فقولوا دونَه حدَدُ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ نزلت فيمن لأخيه عليه مال ولا بينة له عليه (١)، وقيل: في امرؤ القيس بن عابس (٢) (٣) الكندي خاصمه عبدان بن ربيعة (٤) (٥) الحضرمي في أرض فاختصما إلى النبي ﵇ (٦) وأراد الكندي أن يحلف فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ (٧) اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فأبى

стр. 354

أن يحلف فحكم عبدان في أرضه (١)، وعن ابن عباس والحسن وقتادة: نزلت في الوديعة تكون عند رجل ولا بينة عليه بالباطل بالكسب الباطل كالغصب (٢) ونحوه، والواو عند البصريين للجمع وعند الكوفيين للصرف (٣)، قال: لاتنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ ... عارٌ عليكَ إذافعلتَ عظيمُ (٤) ﴿بِهَا﴾ أي بالحجة، يقال: أدلى بحجته، ويقال: (بالأموال) أي الرشوة، أي: لا تتوسلوا ﴿بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ وفي حديث عمر حيث استسقى وقد دلونا به إليك توسلنا بالعباس (٥) قدس الله روحه (٦)، وأصل

стр. 355

الإدلاء إرسال الدلو و ﴿الْحُكَّامِ﴾ جمع حاكم مثل شاطر وشطار، والحاكم الذي يمنع الخصمين بقضائه (١) عن التعدِّي، والحكما القضاء الحتم. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ نزلت في معاذ بن جبل وأمثاله (٢) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 356

اَلْأَهِلَّةِ﴾ هكذا روي عن ابن عباس وقتادة والربيع (١) فبيَّن الله لهم وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه (٢)، وهو أن يشترك الناس كلهم في معرفة مواقيتهم التي هي لمعاملاتهم وحجهم وصومهم وذكاتهم من غير استخراج بحساب دقيق مخوف عليه من غلط فاحش، و ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ جمع هلال كالإمام والأئمة، قال الزجاج (٣): الهلال يكون ليلتين من أول الشهر، وقيل: ثلاث ليال، وقال الأصمعي (٤) (٥): ما لم يتحجر أي بخيط مستدير، وقيل: ما لم يَبْهَرُ بالليل ثم يصير قمرًا، و (المواقيت) جمع ميقات كميزان وموازين، والميقات هو الوقت من زمان أو مكان، والواو في قوله ﴿وَالْحَجِّ﴾ إن كان للعطف فالأهلة كلها مواقيت (٦) للحج وإن كانت

стр. 357

للاشتراك فستة أشهر مواقيت الحج لا محالة أشهر الحج وثلاثة قبلها لأن إطلاق الشركة تقتضي المساواة. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ نزلت في غير الحمس (١) والحمس قريش ومن ولدته قريش (٢) وكنانة وجديلة قيس (٣)، فغير الحُمس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم إلا أن يتسوروا أو ينقبوا ظهور الأخبية، وكانوا لا يسكنون تحت سقف ويفيضون من عرفات فدخل النبي ﵇ (٤) في بعض إحرامِهِ من باب بستان قد خرب وتبعه رجل من غير الحمس فأنكر النبي ﵇ (٥) تركه نسكه برأيه من غير شرع لئلا يؤدي ذلك إلى ترك الإفاضة مِن عرفات فاحتج الرجل لدخوله بدخوله ﵊ (٦) على طريقة من يرى الأمر حقيقة في الفعل كما في القول، فردَّ عليه النبي ﵊ (٧) قوله: "أنا أحمسي" (٨)،

стр. 358

فقال الرجل: إن كنتَ أحمسيًا فأنا أيضًا أحمسي، رضيتُ بهديك، فرفع الله الجناح عن ذلك الرجل لإرادته الخير وعفا عنه ونسخ عادة غير الحمس في هذه الخصلة وجعل عادة الحمس فيها شرعًا للمسلمين كلهم، وقال الزجاج: كان بعض من قريش ومن (١) سائر العرب يكره دخول البيت من بابه تطيُّرًا إذا رجع من سفره خائبًا (٢). وقال أبو عبيدة: هو في ترك طلب البر من وجهه وطلبه من غير وجهه. ﴿وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ نزلت في قريش عن ابن عباس، وذلك حين خاف المسلمون عام الصلح أن لا يفي أهل مكة بعهدهم وكرهوا القتال في الحرم وفي الأشهر الحرم فأنزل الله الآية ليعتقدوا القتال ولا يكرهوا (٣) ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يعني المقاتلة ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بقتل النسوان والصبيان، وروي أنه -﵇- (٤) رأى عام الفتح امرأة مقتولة فأرسل إلى خالد بن الوليد (٥) "أن لا يقتل ذرية ولا عسيفًا" (٦) ..

стр. 359

والآية غير منسوخة على هذا الوجه، وأصل الاعتداء ههنا (١) مجاوزة القتال في سبيل الله إلى القتال في غير سبيله، وقيل: هو قتال من لم تبلغه الدعوة وهي غير منسوخة على هذين أيضًا. وقيل: هي مجاوزة القتال على وجه المجازاة إلى القتال على سبيل الابتداء، والآية منسوخة على هذا بآية السيف (٢)، والمقاتلة مفاعلة من القتال، والقتال الحرب ومعاطاة القتل، والاعتداء افتعال من العدوِّ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ دلالة على أن إطلاق المحبَّة في موضع الإرادة مجازًا (٣) لانتفائه (٤) مرة وثبوته أخرى لإجماعنا (٥) أن المعتدين مرادون لله تعالى، وإن خالفونا في الاعتداء هل هو مراد أم لا؟ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ نزلت فيمن نزلت الآية المتقدمة و (الثقف) الإدراك والمصادفة، يقال رجل ثقف لقف، وثقْف لقْف إذا كان سريع الإدراك لطلبته، وهو عام خصَّه قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ﴾ يعني من الحرم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ مختص بحادثة مخصوصة، روي أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من المشركين في يوم شك من رجب فعابَ المشركون ذلك فنزل (٦)، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي كفرهم الموجب لقتلهم أشد فسادًا من القتل المنهي عنه في الأشهر الحرم المأمور به في سائر الأشهر، والفتنة الابتلاء والامتحان بالشر.

стр. 360

وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ منسوخ بآية السيف (١) ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ للانتهاء معنيان: بلوغ النهاية، قال الله تعالى: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٢) والانتهاء هو الوقوف على قضية النهي كما أن الائتمار هو وقوف على قضيَّة الأمر وهو المراد ههنا أي امتنعوا عن القتال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عن مجاهد أنها ناسخة (٣)، وقيل: هي منسوخة ﴿الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي التديُّن لله، وهو أن يكون تديُّن الإسلام الذي ارتضاه دينًا، والانتهاء هو عن الكفر على قول مجاهد (٤)، وعن القتال على قول من يعدُّها منسوخة ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ أي مجاوزة العدوان. ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ نزلت في إقامة قتال المشركين في يوم الشك من رجب مقابلة قتالهم عام الصدَّ في شهر ذي القعدة ليكون قصاصًا، وقيل: هي إقامة عمرة القضاء مقام العمرة التي صدَّ عنها المشركون بالحديبية (٥) ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ المحرَّمات أي بعضها ﴿قِصَاصٌ﴾ ببعض مثل القتل بالقتل والجرح بالجرح، وقيل: الحرمات حرمة الشهر والإحرام والحرم، وفيه اختصار، وتقديره: الحرمات بالحرمات قصاص مع المتقين بالنصرة والولاية. ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ روى حيوة بن شريح (٦) عن يزيد بن أبي

стр. 361

حبيب (١) عن أسلم قال: حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس، فقالوا: يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري وقال: أيها الناس، إنكم لتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت فينا يا معشر الأنصار لما قوي الإسلام وكثر ناصروه أمرنا أن نقيم في أموالنا ونصلح ما ضاع منها، فردَّ الله تعالى ذلك علينا وأنزل قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بالروم (٢). وروي أن رجلًا من أزد شنؤة تقدم وحده إلى الكفار في محاصرة دمشق فردَّه المسلمون وأتوا به عمرو بن العاص (٣) فلامه وأنكر عليه (٤)،

стр. 362

وقال: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقول أبي أيوب أصحّ لأنَّه شهد النزول وعرف البيان. وما كان من جعفر الطيَّار (١) يوم مؤتة، غير أن الرجل إذا ضيَّع نفسَه ولم يقاتل وتعرض للقتل فإنَّا نرى فيه رأي عمرو بن العاص حينئذٍ؛ لأنَّه كالقاتل نفسه، و ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ اسم من الهلاك، وقال الخارزنجي (٢) (٣): لا أعرف مصدرًا على التَّفعُلة بضمّ العين إلا هذا، والمراد ههنا الهلاك في أمر الديانة، والهلاك يستعمل في غير ذلك، قال عمر: لولا علي لهلك عمر (٤). ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ محبة الله عبده ارتضاؤه لدينه (٥) وسائر كراميه، ومحبة العبد ربَّه ارتضاؤه للعبادة والذكر، والفرق بين المحبة والإرادة أنك تريد عدوَّك بالمكروه والسوء ولا تحبه بالمكروه والسوء. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ عطف التطوع على الفرض، ويجوز ذلك إذا حلَّ محل

стр. 363

الواجب في التأكيد كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقيل: أراد بها العمرة الواجبة بالإحرام المتقدم؛ لأنه قال: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ والإتمام إنما هو بعد الشروع، وعلى هذا حجة على من لم يأمر القارن بطوافين وسعيين، وقرأ الشعبي: ﴿والعمرةُ﴾ بالرفع (١)، ويراها تطوعًا ويجوز التطوع بما لا أصل لها في الفرائض كالاعتكاف. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ منعتم بالعوائق من الخوف والمرض والفقر، وروى إبراهيم بن علقمة ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ من مرض أو حبس قال: فحدثت به سعيد بن جبير (٢) فقال: هكذا قال ابن عباس (٣)، ونحر هدي الإحصار لا يجوز في غير الحرم لما روي عن ناجية بن جندب الأسلمي (٤) عن أبيه أنه ذهب بهدي رسول الله ﷺ (٥) وأخذ في شعبة لا يبصرونه حتى نحره بالحرم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة فصاعدًا، والهدى والهدي لغتان، و (الحلق) والسبت واحد ورأس الشخص الطرف الأَعْلَى خلفه أو مقدمه، والحلق ساقط عن المحصر كسائر أفعال المناسك و (بلوغ الهدي محله) بلوغه الحرم كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦).

стр. 364

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ نزلت في كعب بن عجرة (١) (٢) ومن كان في حالِهِ و (الفدية) من الصيام ثلاثة أيام، ومن الصدقة ثلاثة أصوع من الحنطة يصرفها إلى ستة مساكين، ومن النسك ما تيسر وهو جمع نسيكة وهي الذبيحة على وجه القربة، والمحصر مخيَّر بين هذه الأشياء ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ في القابل بعد زوالط الإحصار ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أراد أن يأتي بالعمرة وجبت عليه لتحلُّله عن الحج بغير فعلِهِ وبالحجة التي هي قضاء عن الحجة المفروضة وأراد أن يجمعهما (٣) بإحرامين في أشهر الحج في سفر واحد؛ لأنه يكون متمتعًا ولو جمع بينهما جامع تطوعًا أو من نذر فحكمه كذلك ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ في أشهر الحج تلك عشرة للتأكيد، قال: ثلاث بالغداة فهنَّ حسبي ... وستٌ حين تدركني العشاءُ فذلك تسعةٌ في اليوم ريّي ... وشرب المرء فوق الريِّ داءُ (٤) ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ النازلين بين البيت والمواقيت التي وقتها رسول الله ﵇- (٥).

стр. 365

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ نزلت في شؤون كثيرة كذكر أشهر الحج والنهي عن الأشياء الثلاثة والأمر بالزاد والراحلة وإباحة التجارة في الإحرام وإيجاب الوقوف لذكر الله تعالى بالمشعر الحرام. و ﴿الْحَجُّ﴾ فعل و (الأشهر) ظرف، وجعل الفعل مبتدأ والظرف خبرًا على أحد تقديرهما أحدهما على حذف المضاف أي مدة الحج أشهر، تقول العرب: الحر شهران والبرد شهران (١)، والثاني أن يجعل الظرف مقدرًا للمبتدأ أو مقدرًا لشيء صفة له كما تقول: هذه الحنطة صاع وهذا الشعير قفيز (٢)، والأشهر المعلومات (٣): شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وإنما أطلق اسم الجمع على شيئين وبعض الثالث؛ لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل كما قام يومان ونصف مقام ثلاثة أيام في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وقام يوم ونصف مقام يومين في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فمن فرض فيهنَّ عين الوجوب فيهنَّ بالإحرام، وعن عطاء أنه التلبية، وتلبية النبي ﵇ (٤): "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" (٥)، ويجوز الزيادة عليه.

стр. 366

و (الرفث) هو الجماع (١) و (الفسوق) ما يخرج به الرجل عن طاعة الله من الأشياء التي هي محظورة بعقد الإسلام أو بعقد الإحرام (٢) و (الجدال) (٣) المجادلة، وهي (٤) إقامة الحجة بمقابلة الحجة، والمراد ههنا قبل المدافعة في أمر الحج أنه في أشهر، وقيل: أن تمادي صاحبك حتى تغضبه، وفي فحوى قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ القبول والإنابة ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قيل: إن قومًا متكلين كانوا يحجون بغير زاد فيبقون كلاًّ على الناس ويرونه توكلًا على الله وتقوى من أنفسهم، فأمر الله برفع الزاد للحجِّ وبيَّن أن خير الزاد للمعاد التقوى وترك السؤال والاتِّكال على الله لا الحج بغير زاد (٥)، وعن سعيد بن جبير: الزاد الكعك والسويق (٦) وهو البلغة. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عمر بن ذر (٧)

стр. 367

عن مجاهد (١) كانوا يخرجون حجاجًا لا يركبون ولا يتجرون ولا يتزودون فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فرخص لهم في الركوب والتجارة وأمروا بالتزوُّد، وعن سعيد بن جبير: كانت التجار ينزلون عن يسَار مسجد مِنَى ولا يحجون، والحاج ينزلون عن يمينه ويحجون حتى نزلت الآية فحجوا جميعًا (٢). ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ وهو أن يثبت به ليلة التحريم تصلي الفجر بالغلس ثم تقف فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتكبر وتهلِّل وتدعو إلى أن يسفر (٣) ثم [تدفع إلى مني قبل طلوع الشمس (والمشعر الحرام) هو المزدلفة كلها موقف فإن لم] (٤) تبت به ولم تقف ودفعت إلى مني على وجهك من غير عذر فعليك دم وحجك تامٌّ، وروي أن النبي ﵇ قدَّم ضعفة أهلِه إلى مني (٥) وهو توقيت وليس بأمر الوقوف بها، والإفاضة هي الدفع في السير وكلام مفاض ومستفاض ومستفيض أي جار، و ﴿عَرَفَاتٍ﴾ اسم واحد على صيغة الجمع، وإنما سمي ذلك الموقف عرفات لوقوف الناس واحتباسهم به، وقيل: لطيبه، وقيل: لأن آدم اندفع من سرنديب (٦) وحواء من جدة فالتقيا من هناك فتعارفا (٧)، وقيل: لأن

стр. 368

جبريل عرفه إبراهيم ﵇ ليقف هناك (١). و ﴿الْمَشْعَرِ﴾ المعلم والموسَم. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ نزلت في افتراض الوقوف بعرفات، وعن عطاء (٢) كانت قريش تفيض من جمع وهو المزدلفة، ويقولون: إنا حمس لا يرون الإفاضة من الجبل وغيرهم يفيضون من عرفات فأمروا أن يفيضوا من حيث أفاض الناس. و ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو (٣) كما في قوله: ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ﴾ وقيل: الإفاضة من عرفات وجب من فحوى قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ وهذه الإفاضة (٤) من جمع إلى مني وهذا مخالف للإجماع، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرفة، والظاهر أنَّ المراد بالناس غير الحمس، وقيل: آدم ﵇ (٥)، وقيل: إبراهيم ﵇ (٥) وحده، وقيل: إبراهيم ومن حجَّ معهُ من الناس (٦)، ومن أدرك الوقوف بعد الظهر إلى أن تمضي ليلة النحر فقد أدرك الحج.

стр. 369

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ متعبداتكم بمنى (١)، وقال مجاهد (٢): ذبائحكم، واختلفوا في تشبيه ذكر الله بذكر الآباء، قيل: من حيث التوحيد، فكما لا يدَّعي (العاقل لنفسه أبوين فكذلك لا يدعي) (٣) إلهين (٤)، وقيل: من حيث إنَّ الصبي يفزعُ في كلِّ أموره إلى أبيه فكذلك المؤمن يجب أن يفزعَ إلى الله تعالى (٥)، وقيل: كان أهل الجاهلية يقفون بين الجبل والمسجد ويذكرون آباءهم بصالح الأعمال ويتفاخرون بذلك (٦)، فأمر الله أن يذكروه هناك بصفاته الحميدة فإنه أولى ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ بل أشد، وقيل: ﴿أَوْ﴾ (٧) بمعنى الواو. ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ قريشًا وأمثالهم كانوا لا يسألون الله تعالى إلا ثواب الدنيا وكانوا ينكرون المعاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ نزلت في المؤمنين، وقيل: أول من دَعا بها أبو بكر في الحج الأكبر (٨)، والحسنة في الدارين هي النعمة عند مجاهد والعافية (٩) عند قتادة (١٠)، ويحتمل أنه

стр. 370

نعت لاسم مضمر وهو العيشة أو الحالة ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ ثواب أعمالهم (١) وهو الخلاف المنفي في الآية الأولى و (النصيب) الحظ والقسم و (السرعة) ضد البطء، والمراد بـ (الحساب) عد الأعمال. روي أن الله تعالى يحاسب الكل مرة واحدة لا يشغله حساب عن حساب، وينتهي الحساب في مقدار حَلبة شاة (٢)، وروي في مقدار فواق ناقة، وروي في مقدار لحظة. ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ نزلت في الإقامة بمنى (٣) لذكر الله وفي حكم النفر وأيام مني هي المعدودات ثلاثة بعد اليوم العاشر الذي هو آخر الأيام المعلومات، وأيام النحر ثلاثة أيام أولها آخر الأيام المعلومات وآخرها الثاني من المعدودات أفضلها أوَّلها، وأخذ في تفسير المعلومات والمعدودات بقول ابن عباس (٤) وابن عمر (٥) وفي توقيت النحر بقولهما وبقول علي (٦) وأنس ﵃ (٧). ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو أن يرمي الجمار يومين بعد يوم النحر وينفر مع النفر الأول، واختلفوا في رفع الإثم، قيل: هو التخيير بين الأمرين كما نقول: من أفطر في (٨) السفر فلا حرج عليه ومن صام فلا حرج عليه، وقيل: وجب الرمي ثلاثة أيام بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فلما أباح التعجُّل في اليومين خرج اليوم الثالث من الوجوب،

стр. 371

فلو لم يرفع الإثم عن المتأخر لما جاز الرمي فيه، إذ التنفل بالرمي عبث ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي رفع الإثم لمن اتقى محظورات الإحرام. روي أنَّ رجلًا توفي بمنى فقيل لعمر: أما تشهد دفنه؟ فقال: وما يمنعني عن دفن من لم يذنب (١) من غفر له، قال ﵇: "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢)، و (الحشر) الجلا. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ قال السدي وغيره: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي (٣) وكان رجلًا حسن المنظر حلو المنطق خبيث السريرة، واسمه فيما يروى أبيّ وإنما لُقِّب بالأخنس لأنَّه خنس مع ثلثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة يوم بدر ولم يشهدوا (٤)، قال الحسن: نزلت في كل منافق ومراء (٥) معناها عامة تنبيهًا لرسول الله ﷺ (٦)، وإعجاب الشيء بالشيء أن يسرَّه ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ﴾ يعني يقول: الله شهيد على ما في قلبي من الوفاء والإخلاص ﴿وَهُوَ أَلَدُّ﴾ أشد الخصومَةِ فإنْ كان (الألد) (٧) ههنا بمعنى النعت فالخصام مصدر كالقتال، وإنْ كان على معنى

стр. 372

التفصيل فالخصام جمع خصم نحو كلب وكلاب، والمخاصمة قريب من المحاجَّة. ﴿سَعَى﴾ ذهب ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قيل أنه بيَّت قومًا من الطائف كان بينه وبينهم جدال بعد ما رجع من عند رسول الله ﷺ (١) فقتل مواشيهم وأحرق زروعهم (٢) (٣)، وقيل لم يحرق إلا كدسًا واحدًا من الشعير ولم يعقر إلا حمارًا واحدًا (٤) ﴿وَالنَّسْلَ﴾ الذرية ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ طالبته المنعة وحملته عليه، كما نقول: أخذ فلان فلانًا بحقِّه أي طالبه به ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ جزاؤه جهنم أخذت من التجهم وهو النكرة. قال رؤبة: رُكيَّة جِهِنَّام أي: بعيدة القعر (٥)، وقال يونس: اسم أعجمي (٦)، وقال أبو عبيدة: جهنم إنما لا ينصرف لأنه اسم مؤنث زاد على ثلاثة أحرف، والمراد به دار العذاب التي أعدَّ الله لأعدائه في الآخرة ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الوطاء الفراش، قال الله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وأصل المهد التوثير. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ نزلت في كل مؤمن معناها صفته، والله تعالى جمع بين صفة المنافقين والمؤمنين على سبيل التنويع والإطباق

стр. 373

وكان عمر وعلي (١) يؤوِّلانها بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشري نفسه ويبذلها في سبيل الله لابتغاء مرضاته، والشري بمعنى البيع قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٢) وقيل: نزلت في صهيب بن سنان (٣) (٤) واختلفوا في قصَّته قيل إِنَّهُ اشترى نفسه من مواليه وقال: لا يضركم أكنت منكم أو من غيرهم (٥) ثم هاجر إلى رسول الله ﷺ (٦)، وقيل: اشترى نفسه من أهل مكة جميعًا [مع جماعة من المستضعفين، وقيل: كان صهيب قد أعتق من قبل إلا أنه لما هاجر تبعه قوم من أهل مكة] (٧) فنشر

стр. 374

كنانته (١) وقال: والله لا أضع سهمًا إلا في قلب رجل ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي، إنْ شئتم فتقدموا وإن شئتم فخلّوا سبيلي وأدلّكم على مالي بمكة، فقالوا: نخلِّي سبيلك، فدلَّهم على ماله، وهو عربي من ولدِ النمر بن قاسط سبته الروم في صغره ثم وقع بالحجاز وصار مملوكًا لزيد بن جدعان فكان يسمى صهيبًا الرومي. و (المرضاة) مصدر مثل المرحمة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ نزلت في العامة، وقيل: نزلت في قوم من اليهود كانوا قد أسلموا ويتحرجون عن بعض رخص الإسلام مثل أكل لحوم الإبل ونحوه (٢)، و ﴿السِّلْمِ﴾ بالكسر: الإسلام، وإذا أريد به الصلح (٣) فالفتحة والكسرة لغتان. ﴿كَافَّةً﴾ نصب على الحال أو التأكيد، ويجوز بناء على التنوين كما في يومئذ. و (الكافة) مأخوذة من لغة الشيء وهو صرفه ونهايته. وفي فحوى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديد لأن العزيز لا يمنعه شيء عن معاقبة المفسدين من عبيده ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ نزلت في المتثبطين عن الإيمان مع مشاهدة الآيات على وجهِ التهديد. و ﴿هَلْ﴾ أداة استفهام، والمراد به النفي كما تقول: هل بقي بعد هذا شيء ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون، كقوله: ﴿انظُرُونَا﴾ (٤) وقوله: ﴿انظُرَنا﴾ (٥). ولقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ثلاثة معانٍ: أحدها: كون المأتي في ظلل من الغمام كما نقول: (أتيت فلانًا في بيته فخرج إليَّ، والثاني: إتيان الآتي بظلل كما تقول) (٦) أتاهم السلطان في عسكر لجب، والثالث: [لبس الأمر على المأتي كما

стр. 375

تقول: أتاه الملك على صورة كذا وإنما هو في نفسه على صورته وإن] (١) لبس الأمر على المأتي والله متعال عن الحلول وعن أن يحيط به شيء في عظمته (٢). و (الظلل) جمع ظُلَّة، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أمضي حكم الله فيهم. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نزلت في تذكير ما نصب الله لبني إسرائيل من الأدلة وإعراضهم عنها وإزالتهم نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكفران (٣) ليكون في ذلك تعزية لرسول الله ﵇ (٤) وتنبيهًا للمخاطبين، وقوله: ﴿سَلْ﴾ أمر من السؤال أصله: اسأل، وقيل: من سأل يسال مثل (٥) نال ينال، وفائدة السؤال تذكيرهم حالتهم الأولى وتقرير (٦) الأمر عند من لا يؤمن بالتنزيل، و ﴿كَمْ﴾ أداة للسؤال عن عدد الشيء وقلَّته وكثرته، ﴿مِنْ﴾ للتفسير ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ يغيِّر والإنسان لا يبدل نعمة الله بالبؤسِ غير أنه يكفر فيؤدي ذلك إلى بديل النعمة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ والنعمة ههنا (٧) أدلَّة الحق، وقيل: عامة. ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنزلت في أبي جهل وأمثاله كانوا يسخرون من المستضعفين (٨)، وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يسخرون من

стр. 376

صعاليك المهاجرين (١). و (التزيين) قريب من التحسين، والزينة هو الحسْن المكتسب، فالكفار زُيِّنَ لهم الحياة الدنيا حيث نظروا إلى بهجتها المحسوسة ولم يتفكَّروا في عاقبتها فأُعجبوا بها ولهوا عن غيرها كما قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ ومزيِّنها لهم هو الله، قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ والسخرية: الاستهزاء. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾ في الرتبة والحال ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير مناقشة في حسابه مثل نعمة سليمان، وقيل: بغير أن يكون عليه حساب يعني نعيم الآخرة، وقيل: ما لا يحصيه كل أحد لكثرته يعني نعيم الآخرة أيضًا. ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (٢): كانوا على شريعة من الحق من لدن آدم إلى أن كفروا في عصر نوح ﵇ (٣)، وقيل: إلى أن قتل قابيل هابيل (٤)، وقيل: كانوا أمة على الجاهلية في عصر نمرود إلى أن أرسل الله إبراهيم وذويه عليهم (٥) السلام (٦) ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصب على الحال (٧)،

стр. 377

﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي ومع إرسالهم، وقيل معهم بمعنى عليهم، والمراد بالكتاب الجنس، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالدين. والأحكام التي هي (١) الحق وما اختلفوا فيه هو مثل اختلافهم في آدم ﵇ وفي ملة إبراهيم ﵇ (٢) وفي أمر سليمان وعيسى ﵇، وغير ذلك من الأهواء وما اختلفوا فيه (٣) من (٤) شيء إلا من بعد أن (٥) أوتوا علمهُ (٦) لينفي فيما بينهم ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ المؤمنين ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إلى الحق الذي اختلفوا فيه، واللام مكان "إلى" في قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ تفسير لما اختلفوا فيه (٧). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ قد سبق الكلام في (أَم) إذا كانت متصلة أبنيت على استفهام سابق، وإذا كانت منقطعة أبنيت على كلام سابق، وهو ذكر أشهر الكفرة بالمؤمنين وما يصيب المؤمنين من ذلك من الحزن ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ ولم يأتكم، و (لما) و (لم) بمعنى (٨) إلا أن (لم) يقتضي نفيًا مجردًا، و (لما)

стр. 378

يقتضي نفيًا دون نفي، إذ المنفي به مراد إثباته في المستقبل لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ (١) ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (٢). ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ صفتهم أي يعرض لكم حال كحالهم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أزعجوا وحركوا مرة بعد مرة من كثر (٣) البلايا (٤) ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (٥) لوعد الله تعالى (٦) غير تشكك فيهم (٧)، و ﴿مَتَى﴾ استفهام عن أوان الشيء. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري (٨) من (٩) بني سلمة بن جشم قُتل يوم أحد (١٠) وكان شيخًا كبيراً وعنده مال

стр. 379

سأل رسول الله ﷺ كيف ينفق، وكان ذلك قبل الزكاة فأنزل (١): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ عن ابن عباس: لما كتب الجهاد على المسلمين شقَّ عليهم ذلك لما فيه من المشقة، فنزلت الآية (٢). قال ابن عرفة: الكُره بضم الكاف المشقة، والكَره بالفتح ما أكرهت عليه (٣)، تقديره: ذو كره (٤) لكم. (عسى) لعلَّ، وهو حرف يشبه الفعل ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾ شيئًا على قضيَّة الطبيعة أو على قضيَّة (٥) مجرد العقل [﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي على قضيَّة الوحي مثل التقرب بالرأس وبذل النفس في الجهاد ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يعني على قضيَّة الطبيعة ومجرد العقل] (٦) ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ على قضيَّة الوحي مثل الانتفاع بقليل الخمر والانتفاع بالميتة قبل أن يتسارع (٧) إليه الفساد ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ يعني علل النصوص والمصالح فيها. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في أول غزاة غزاها المسلمون، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش (٨) قبل بدر بشهرين في

стр. 380

ثمانية رهط من المهاجرين منهم واقد بن عبد الله (١) [التميمي إلى بطن نخلة ترصد عير قريش، فمرَّ بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله] (٢) بن المغيرة ونوفل بن عبد الله في يوم يراه المسلمون سلخ جمادى الآخرة وهو غرَّة رجب، فرمى واقد بن عبد الله بن المغيرة (٣) التميمي وأصاب عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا الحكم وعثمان واستاقوا العير، فلما تبيَّن أن اليوم من (٤) رجب أطنب المشركون في لوم المسلمين وتخوَّف المسلمون أيضًا وباله؛ لأنَّ القتال في الأشهر الحرم كان محظورًا إذْ ذلك، فسألوا رسول الله محمد فأنزل الله الآية (٥). ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ مكسور على طريق بدل الاشتمال (٦)، وبدل الاشتمال هو إبدال حال الشيء أو ما يجري مجراه منه، وإنما نوِّن ﴿قُلْ (٧) قِتَالٌ﴾ لأنه لم يرد به القتال المسؤول عنه ولكن أخبر ابتداء بإنشاء يوجد في الشهر الحرام، فمنها: قتال، كبير، ومنها (صد عن سبيل الله) والصدُّ هُو المنع والصرف، ومنها كفر بالله وبالمسجد الحرام، ثم استأنف وقال: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ وهو الصد المذكور أكبر عند الله إثمًا ووبالًا ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ وهي

стр. 381

الكفر ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ المسؤول عنه أو المخبر به، فهون القتال مع كبره بجنب الصدِّ والكفر اللذين دعوا إلى القتال لتكون (١) الجريمة من جَنِيَّة الكفار ولا يحزن المسلمون بمباشرتهم القتال المحظور سهوًا. ثم أخبر عن عقيدة الكفار فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: لا يبرحون عن قتالكم ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إن قدروا، ثم حذَّر المؤمنين ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي يرتدّ، وهو لغة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بطلت (٢) ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ (٣) قيل: اشتقاقه من الحبوط، وحبوط العمل مِنْ حبط الدابة وهو أن تفرط في أكل العشب حتى تنتفخ بطنها فتموت حبطًا (٤)، قيل: لما هوَّن الله تعالى أمر القتال وخفَّف عن المسلمين ذلك طمعوا أن يكتب ذلك لهم جهادًا فيثابوا عليه، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم عطف عليه ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ للجمع بين المؤمنين الذين لم يبتلوا بالقتال في الشهر الحرام وبين المهاجرين الذين ابتلوا به خاصة. و (المهاجرة) المفارقة في اللغة، وهي في الإِسلام رتبة لقوم هجروا أوطانهم وإخوانهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة لوجه الله كما ختم الله النبوة بمحمد ﵊ (٥) ختم الهجرةَ بعمِّه عباس فيما يروى، ومجاهدة الكفار: المبالغة في قتالهم باستفراغ ما في الوسع. ﴿يَرْجُونَ﴾ يطمعون.

стр. 382

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ نزلت في ذكر سؤال عمر ﵁: ما هذه الخمر المضيعة لأموالنا المفسدة ذات بيننا؟ (١)، وهي (٢) سؤال بعضهم عن المال الذي يجب إنفاقه، وقيل أن حمزة هو الذي سأل عن الخمر والميسر، وقيل: اتَّخذ بعض الصحابة دعوة فيها سعد بن أبي وقاص فشربوا وتفاخروا وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار فشجَّه بعضهم ثم ترافعوا إلى رسول الله ﷺ (٣) فأنزل (٤)، والخمر المجمع عليها عصير العنب إذا غلي واشتدَّ وقذف بالزبد، واشتقاقها من الخمر وهو كل ما سترك من شجر أو نبات، ويقال: اختمرت المرأة إذا لبست الخمار، وليس كل ما يخامر العقل خمرًا (٥) كما أنَّه ليس كل (٦) ما يبدع بدعة ولا كل ما يبحر بحيرة، وقد روي عن ابن عباس: حرمت الخمر بعينها والسكر من كلِّ شراب (٧)، وقال

стр. 383

الحسَن: تحريم الخمر ثبت بهذه الآية؛ لأنَّ الإثم لا يكون إلا في تناول المحظور مع أنَّ (١) الله صرَّح تحريم الإثم (٢) بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ (٣) وقال قتادة: ثبت بآية المائدة وهو قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤) يدل على النهي ويدل عليه ما روي عن عمر أنه كره شرب الخمر فدعا فقال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر، فنزل قوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعا ثانيًا فنزل قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٥) فدعا ثالثًا فنزل قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا. وقد حصل إجماع أهل الإِسلام على حرمة الخمر وإن اختلفوا في محرمها (٦). الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه بقداح لهم سمي ميسرًا لأنه موضع التجزئة وكل (٧) شيء جزَّأته فقد يسرته، والياسِر الجازر (٨).

стр. 384

قال الأزهري (١): وعن مجاهد: الميسر كعاب فارس وقداح الروم (٢)، وعن ابن عمر: الميسر القمار (٣)، وعن القاسم بن محمَّد (٤) أنه سئل عن النرد والشطرنج فقال: كل ما صدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٥)، وعن ابن سيرين (٦): ما كان من شرب أو قنان أو نَصَفٌ فهو الميسر (٧). ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ هي مثل الربح في بيع الخمر واللذة والنشاط في شربها والفوز بالأموال في القمار ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٨) لأنَّ إثمهما باقٍ ونفعهما فانٍ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ نزلت في جواب السائلين عن المنفعة في الآية الأولى. و ﴿الْعَفْوَ﴾ الفضل الذي يسهل دفعه (٩)، يقال: خذ ما

стр. 385

عفا لك، أي جاءك سهلًا، وهذا منسوخ بآية الزكاة وعن ابن عباس والسدي (١)، وقال مجاهد: هذا مفسَّر بآية الزكاة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكير تفعّل من الفكر، وهو البحث عن المعاني (٢) بالاهتمام. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سأل عبد الله بن رواحة (٣) (٤) وعن مقاتل أن السائل عنهم ثابت بن رفاعة (٥) (٦) والسبب في ذلك أنه لما نزل قوله: ﴿إِنَّ (٧) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٨) تحرَّج (٩) الناس وتركوا أموال اليتامى فكان (١٠) يفسد اللبن وينتن اللحم ولا يتعرض أحد، فشقَّ ذلك عليهم فسألوا

стр. 386

رسول الله ﷺ (١) (٢) مخالطتهم، وعن الشعبي (٣) والضحاك (٤) أنهم كانوا يتورَّعون (٥) عن أموال اليتامى ويتشاءمون بمخالطتهم على العادة الجاهلية. قوله: ﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾ أي: عن أموالهم ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ﴾ الرعاية والحفظ ﴿خَيْرٌ﴾ من الإضاعة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ بالأموال فتأكلوا معًا وتشربوا معًا من غير تمييز فهم إخوانكم، وقد قال الله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي الذي يخالطهم ليفسد أموالهم ليسَ (٦) كالذي يخالطهم ليصلح أموالهم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لكلَّفكم ما يشقُّ عليكم، والعنت المشقة، وأكمة عنوت أي شاقَّة المصعد، وعنت البعير إذا أحدث في قوائمه كسر بعد جبر (٧)، وقال ابن الأعرابي: أصل العنت التَّشديد، يقال: فلان يتعنَّت فلانًا ويُعْنِتُهُ ثم نقل إلى معنى الهلاك (٨). ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي (٩) وكان

стр. 387

رجلًا شجاعًا فبعثه رسول الله ﷺ (١) إلى مكة ليخرج ببعض المستضعفين سرًا، وكانت له عشيقة بمكة تسمَّى عناق فأبصرته في الطواف فدعته إلى نفسها فأبى وقال: إن الإسلام قد حال بيننا وبين السفاح، ولكن أستأذنُ رسول الله ﷺ (٢) الله في (٣) نكاحك فقالت: أبي تتبرَّم (٤) وصاحت، فاجتمع الناس على مرثد وضربوه، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ (٥) أخبره بالقصة واستأذن في نكاحها فأنزل الله الآية (٦)، وهي عامة في جميع المشركين كلهم أهل الكتاب وغيرهم عن ابن عباس والحسن ومجاهد والربيع ثم (٧) خصصت بآية المائدة (٨)، وقيل: الآية لم تتناول أهل الكتاب لأنَّها نزلت في مشركة غير كتابية، والله تعالى فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب في جميع القرآن (٩). و (النكاح) في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة لقوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١٠) ولقوله ﵇ (١١): "ملعون مَنْ نكح يده" (١٢)، وعبارة عن العقد

стр. 388

الذي وضع لاستباحة (١) الوطء (٢) مجازًا. و (الأمة) المرأة المملوكة ملك اليمين أصلها أموة مثل فروة، وتصغيرها أميَّة، وجمعها إماء (٣)، والعبد: الرجل المملوك ملك اليمين و (لو) للمبالغة كما قال الشاعر: فقلتُ يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوارأسي لديك وأوصالي (٤) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ نزلت في مجامعة النساء في الحيض، والسبب في ذلك أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت ولا يواكلونها ولا يشاربونها، فسألوا رسول الله ﷺ (٥) فأنزل الله الآية (٦) وهي تقتضي اعتزالًا عن العموم في الظاهر لكن النبي ﵇ (٧) خصَّصها ببيانه وقال: "جامعوهنَّ في البيوت واصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح" فقالت اليهود: ما يدعُ هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن الحضير (٨) وعبَّاد بن

стр. 389

بشر (١) يخبران رسول الله ﷺ (٢) بقول اليهود ثم قالا: أفلا ننكحهنَّ في المحيض؟ فتغيَّر وجه رسول الله حتى ظنَّ الناس أنه قد غضب عليهما (٣). وأراد بالنكاح المباشرة فيما تحت الإزار، لقول عائشة ﵂: "ربما باشرني النبي ﵇ (٤) وأنا حائض فوق الإزار" (٥). وعن عمر أنه قال: وأما الحائض فلك منها ما فوق الإزار وليس لك ما تحته (٦)، والمحيض مصدر كالمسير والمصير، وقيل: اسم لأوان الحيض، كالمغرب اسم لأوان الغروب ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ اجتنبوا، افتعال من العزل، وهو قريب من الصرف ﴿النِّسَاءَ﴾ جمع المرأة وكذلك النسوة والنسوان، و (الأذى) كل ما يتأذى ويتقذر منه ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من الدم، عن مجاهد والحسن (٧). ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ بالماء فيأخذ بنفس الطهر فيما إذا كان أيام عشر أو بالطهارة أو وجوب الصلاة فيما دون العشر ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ باعتزاله عن مجاهد (٨)،

стр. 390

وعن ابن رَزِين (١) (٢) الأمر بالتطهر ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال عطاء: أراد بالتطهر بالماء (٣)، وعن أبي العالية أراد بالتطهر من الذنوب (٤)، والأول أولى لقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ نزلت في إباحة إتيان النساء في بيان المأتي والسبب في ذلك ما زعم اليهود أن مَنْ أتى امرأته من ورائها كان الولد أحول، وهذا السبب مروي عن ابن عمر وجابر وأم سلمة (٥) (٦)، واتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإتيان وهو المأتي فهو موضع ابتغاء النسل (٧)، وقد روي أن النبي ﵇ قال لذلك الرجل: "فإن الله تعالى قد نهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهن" (٨).
следующие страницы →