← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رسول الله ﷺ (١) (٢) مخالطتهم، وعن الشعبي (٣) والضحاك (٤) أنهم كانوا يتورَّعون (٥) عن أموال اليتامى ويتشاءمون بمخالطتهم على العادة الجاهلية. قوله: ﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾ أي: عن أموالهم ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ﴾ الرعاية والحفظ ﴿خَيْرٌ﴾ من الإضاعة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ بالأموال فتأكلوا معًا وتشربوا معًا من غير تمييز فهم إخوانكم، وقد قال الله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي الذي يخالطهم ليفسد أموالهم ليسَ (٦) كالذي يخالطهم ليصلح أموالهم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لكلَّفكم ما يشقُّ عليكم، والعنت المشقة، وأكمة عنوت أي شاقَّة المصعد، وعنت البعير إذا أحدث في قوائمه كسر بعد جبر (٧)، وقال ابن الأعرابي: أصل العنت التَّشديد، يقال: فلان يتعنَّت فلانًا ويُعْنِتُهُ ثم نقل إلى معنى الهلاك (٨). ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي (٩) وكان

стр. 387

رجلًا شجاعًا فبعثه رسول الله ﷺ (١) إلى مكة ليخرج ببعض المستضعفين سرًا، وكانت له عشيقة بمكة تسمَّى عناق فأبصرته في الطواف فدعته إلى نفسها فأبى وقال: إن الإسلام قد حال بيننا وبين السفاح، ولكن أستأذنُ رسول الله ﷺ (٢) الله في (٣) نكاحك فقالت: أبي تتبرَّم (٤) وصاحت، فاجتمع الناس على مرثد وضربوه، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ (٥) أخبره بالقصة واستأذن في نكاحها فأنزل الله الآية (٦)، وهي عامة في جميع المشركين كلهم أهل الكتاب وغيرهم عن ابن عباس والحسن ومجاهد والربيع ثم (٧) خصصت بآية المائدة (٨)، وقيل: الآية لم تتناول أهل الكتاب لأنَّها نزلت في مشركة غير كتابية، والله تعالى فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب في جميع القرآن (٩). و (النكاح) في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة لقوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١٠) ولقوله ﵇ (١١): "ملعون مَنْ نكح يده" (١٢)، وعبارة عن العقد

стр. 388

الذي وضع لاستباحة (١) الوطء (٢) مجازًا. و (الأمة) المرأة المملوكة ملك اليمين أصلها أموة مثل فروة، وتصغيرها أميَّة، وجمعها إماء (٣)، والعبد: الرجل المملوك ملك اليمين و (لو) للمبالغة كما قال الشاعر: فقلتُ يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوارأسي لديك وأوصالي (٤) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ نزلت في مجامعة النساء في الحيض، والسبب في ذلك أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت ولا يواكلونها ولا يشاربونها، فسألوا رسول الله ﷺ (٥) فأنزل الله الآية (٦) وهي تقتضي اعتزالًا عن العموم في الظاهر لكن النبي ﵇ (٧) خصَّصها ببيانه وقال: "جامعوهنَّ في البيوت واصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح" فقالت اليهود: ما يدعُ هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن الحضير (٨) وعبَّاد بن

стр. 389

بشر (١) يخبران رسول الله ﷺ (٢) بقول اليهود ثم قالا: أفلا ننكحهنَّ في المحيض؟ فتغيَّر وجه رسول الله حتى ظنَّ الناس أنه قد غضب عليهما (٣). وأراد بالنكاح المباشرة فيما تحت الإزار، لقول عائشة ﵂: "ربما باشرني النبي ﵇ (٤) وأنا حائض فوق الإزار" (٥). وعن عمر أنه قال: وأما الحائض فلك منها ما فوق الإزار وليس لك ما تحته (٦)، والمحيض مصدر كالمسير والمصير، وقيل: اسم لأوان الحيض، كالمغرب اسم لأوان الغروب ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ اجتنبوا، افتعال من العزل، وهو قريب من الصرف ﴿النِّسَاءَ﴾ جمع المرأة وكذلك النسوة والنسوان، و (الأذى) كل ما يتأذى ويتقذر منه ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من الدم، عن مجاهد والحسن (٧). ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ بالماء فيأخذ بنفس الطهر فيما إذا كان أيام عشر أو بالطهارة أو وجوب الصلاة فيما دون العشر ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ باعتزاله عن مجاهد (٨)،

стр. 390

وعن ابن رَزِين (١) (٢) الأمر بالتطهر ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال عطاء: أراد بالتطهر بالماء (٣)، وعن أبي العالية أراد بالتطهر من الذنوب (٤)، والأول أولى لقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ نزلت في إباحة إتيان النساء في بيان المأتي والسبب في ذلك ما زعم اليهود أن مَنْ أتى امرأته من ورائها كان الولد أحول، وهذا السبب مروي عن ابن عمر وجابر وأم سلمة (٥) (٦)، واتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإتيان وهو المأتي فهو موضع ابتغاء النسل (٧)، وقد روي أن النبي ﵇ قال لذلك الرجل: "فإن الله تعالى قد نهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهن" (٨).

стр. 391

وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي من أين شئتم وكيف شئتم يدلُّ عليه ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ واتصال قوله ﴿وَقَدِّمُوا﴾ بما قبله من حيث محافظة واستعمال الأحكام ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مجاوزة حدوده ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يؤمنون بهذه الأحكام ويقبلونها طوعًا يرضون الله تعالى. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ نزلت في أبي بكر حين حلف أن لا يحسن إلى مسطح (١)، وباقي قصته في سورة النور (٢)، وقيل: نزلت فيه حين حلف أن لا يصل (٣) إلى ابنه حتى يسلم (٤)، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان الأنصاري (٥) (٦) ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه (٧)، واتصالها بما

стр. 392

قبلها من حيث التقوى، وللـ (عرضة) معنيان؛ أحدهما: العدة المبتذلة. والثاني: الحائل المانع، وأصله من اعتراض الجدار والجذع أو الخيل أو الحية لك في طريقك، فتقديرها على المعنى الأول ﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾ اسم الله عدة مبتذلة لأيمانكم أن لا تبرّوا، وعلى المعنى الثاني: ولا تجعلوا اسم الله مانعًا لأن تبروا أي أبركم، فيكون ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ في موضع الجرِّ بدلًا عن الأيمان على طريق الاشتمال عند الخليل والكسائي (١)، وعند سيبويه في محل النصب تقديره: تاركين أن تبروا أو لتبروا (٢). ووحدة الأيمان اليمين وهي الحلف وإنما سمِّي يمينًا لأنهم كانوا يصافحون بأيمانهم عند ذلك، وقيل: للتوثيق والتشديد، واليمن القوة عندهم، وعن ابن عباس أن اليمين اسم من أسماء الله تعالى فإن صحت فاليمين بمعنى اليامن، تقول: يمن الله الإنسان يمنًا ويُمنًا فهو ميمون، تقول العرب: يمين الله وأيمن الله وذلك على الجمع، وربما يستخفّون

стр. 393

فيقولون: وأيم الله (١)، وقال أبو عبيد الهروي (٢): يقولون م (٣) والله ومَ والله ومُ (٤) والله، ومَن الله ومن الله ومن الله (٥)، وأيمِ الله بالكسر. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت في تنويع الأيمان (٦) فذكر نوعين منهما: اللغو والغموس، وذكر النوع الثالث في سورة المائدة، وهو المقصود المأمور بحفظه مع اللغو، و (المؤاخذة) قريب من المضايقة والمناقشة والمعافاة كالنقيض له، و (اللغو) ما لا حكم له أو ما لا وجه له، واليمين من اللغو أن يحلف على شيء ماضٍ أو حال سهوًا فإذا هو بخلافه عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن ومجاهد والسدي والربيع، وعن ابن عباس (٧): ما يجري في اللفظ من غير قصد مثل: لا والله وبلى والله، واليمين الغموس هو أن يحلف على شيء في الماضي وهو يعلم أنه كاذب، سمَّيت غموسًا لغمسها صاحبها في الإثم ثم في النار.

стр. 394

﴿غَفُورٌ﴾ لم يؤاخذ باللغو ﴿حَلِيمٌ﴾ لم يتعجل بالعقوبة ومكّن من التربة عن الغموس و (الحليم) الذي لا يغلقه الغضب. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ نزلت في حكم الإيلاء وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يحلفون على ترك قرب (١) نسائهم السنة والسنتين لا يقربوهنَّ ولا يسرحوهنَّ، فوقَّت الله ذلك بأربعة أشهر (٢)، وحكم الإيلاء ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ولا تربص بعدها لحظة كما في المطلقة ثلاثة قروء وفي المتوفى عنها زوجها بعد أربعة أشهر وعشرًا، وإن وقت أقل من أربعة أشهر لم يكن موليًا، والإيلاء الحلف والألية والألوة ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يعني في الأربعة الأشهر، وفي قراءة عبد الله (٣): ﴿فإن فاءوا﴾ فيهن، والفيء للقادر بالحنث، وهو الوطء ولغير (٤) القادر بقوله: فِئْتُ لأن الإيلاء لا يزيل الملك في الحال، وإنما يزيل في ثاني الحال فجاز فيه الاستدراك بالقول إذا لم يكن بالفعل كالطلاق الرجعي. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يعني ترك الفيء إلى انقضاء مدة الإيلاء وقعت تطليقة بائنة، هكذا روي عن عثمان (٥) وعليّ وزيد بن ثابت (٦) وابن عباس

стр. 395

وابن عمر (١)، ولا تتعلق (٢) هذه الفرقة بقضاء القاضي؛ لأنَّ ابتداءه غير متعلق بحكمه بخلاف فرقة اللعان والعنة. و (العزم) القصد، و ﴿الطَّلَاقُ﴾ التخلية والتسريح، وإنما يقال للمرأة طالق لأنَّ هذا نعت مختصٌّ بها كالحائض والحامل، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ المطلقة من التطليق دون الإطلاق للمبالغة (٣) في الوصف لأنَّ طلاقها يتأبد (٤) ويوجب حرمة بخلاف الإطلاق المستعمل في الإرسال، والتربص بالشيء (٥): ترقُّب نزول الحادثة. وإنما قال: ﴿قُرُوءٍ﴾ ولم يقل: أقراء لذكر المطلقات إذ كل مطلقة منهن تتربص ثلاثة أقراء فيجتمع قروءًا (٦) كثيرة، وقيل: "من" فيه مقدر أي: ثلاثة من قروء (٧)، قال أبو عمرو بن العلاء (٨): من العرب من يسمَّي

стр. 396

الحيض قرءًا، ومنهم من يسمِّي الطهر قرءًا، ومنهم من يجمعهما فيسمِّي الطهر مع الحيض قرءًا (١)، غير أنَّ الحيض أولى لكونه لغة النبي ﵇ (٢)، وإليه ذهب في تفسير (القرء) عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو الدرداء (٣) ومعاذ وأبو موسى الأشعري (٤). ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحيض والحبل، وعارض بين الشرط والخبر ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ والبعل الزوج مثل فحل وفحولة، ويقال للمرأة بعلة والمباعلة المباشرة ﴿أَحَقُّ﴾ أولى ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾ في حالة العدة إلى حالة لا

стр. 397

يعتدون ولا يقتضي للغير فيه حق لقوله: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ في ذلك الوقت ﴿إِصْلَاحًا﴾ استدراك النكاح لا تطويل العدة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ من حق الصحبة وحسن العشِرة درجة رتبة وشرف لما فضَّلهم الله تعالى في العقل وغير ذلك ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بما شاء، حكيم لا يخطىء في حكمه. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يفيد وقوع الطلاق بعد الطلاق سواء جمع أو فرق على وجه المباح أو المحظور، والمرَّة ظرف زمان الفعل الواقع نظيره التارة ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ يفيد جواز الرجعة بعد تطليقتين، والإمساك قريب من الحفظ ونقيضه الإرسال. وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بعد الطلقة الثالثة، والتسريح قريب من الإخراج والإبراز، والسنة بتفريقهن في ثلاثة أطهار لم يجامعها (١) فيها تفسيرًا لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ نهي عن منع المهر وبخسه واسترداده في جميع الوجوه، ثم خصَّ الاستثناء بالاغتصاب وأباح النهي عنه عند الخلع ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ إقامة حقوق النكاح. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ يفيد إباحة المنهي عنه للزوج على هذا الوجه وإباحة الافتداء للمرأة برفع إثم (٣) النشوز عنها، ويصحُّ الخلع في غير مجلس القاضي، وإليه ذهب عمر وعثمان وابن عمر (٤) وهىِ تطليقة بائنة سواء ذكر منه طلاق أو لم يذكر ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ تطاء زوجًا لقوله ﵇ (٥)

стр. 398

لتميمة (١) بنت وهب (٢): "لا حتى (٣) (تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك) " (٤) وهو قول علي وعائشة وأكثر أهل العلم. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ على المرأة والزوج الأول ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ بنكاح جديد ﴿إِنْ (٥) ظَنَّا﴾ إن كان غالب ظنهما أنهما يؤدِّيان حقوق النكاح. ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدمة. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قربن من منتهى أجلهن، و (الأجل) هو الوقت المضروب، وإنما عبر عن القرب بالبلوغ على سبيل التوسع، يقال: بلغت قرية كذا ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يعني الرجعة ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ بترك الرجعة ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ لا تراجعوهن للإضرار بهنَّ لتطويل العدة ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ عليهن أو لتتعدوا حدود الله ﴿ذَلِكَ﴾ (٦) إشارة إلى المنهي عنه، والكاف علامة الخطاب، فلذلك جاز الاجتفاء بالتوحيد في خطاب الجمع على تقدير العسل أو الحرب وظلم النفس بكسب الوبال عليها (٧) ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ

стр. 399

اللَّهِ هُزُوًا﴾ لا تستحقوا بحرمتها فيهون عليكم محاورتها ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ الإسلام، ويحتمل أنها عامة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ راجع إلى الحكم المذكور في الآية أو إلى الأمر بالذكر أو إلى ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ نزلت في شأن معقل بن يسار (١) المدني كانت أخته جمل بنت يسار تحت رجل من قضاعة اسمه أبو البداح بن عاصم (٢) فطلَّقها، فلما انقضت عدَّتها هويها وهويته فأرادا أن يتراجعا فمنع معقل فأنزل الله الآية (٣)، وعن السدي أن جابر بن عبد الله عضل ابنة عم له فأنزل الله الآية (٤). وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أراد إنقضاء الأجل، ولولا ذلك لكان الزوج يقدر على الرجعة من غير نكاح جديد، والعضل التحريج والتضييق، وكذلك الأمر المعضل، وقال للأزواج: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وفي الآية دليل على أن لهنَّ أن يتولين عقود نكاحهن، وفي

стр. 400

تسمية الله إياهم أزواجًا بعد ارتفاع العقد وانقضاء العدة دلالة على بقاء التسمية حقيقة بعد زوال المعنى على سبيل الحكاية. ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ والتراضي تفاعل عند (١) الرضا، والتفاعل يكون بين اثنين فصاعدًا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى النهي والكف عن العضل ﴿أَزْكَى﴾ أدخل في باب التزكية، وقيل: أزكى: أطهر لكم، فجمع بين اللفظين تأكيدًا ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ و ﴿يُجَاهِدُونَ (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم على سبيل الجواب. و (الإرضاع) (٣) سقي اللبن، والرضيع الذي يتغذَّى باللبن (٤) بالارتضاع (٥) لا يتغذى بغيره من صغره حولين كاملين لا ينقص منهما ﴿لِمَنْ (٦) أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ﴾ يوفي الرضاعة المفروضة، والإتمام لا يدلُّ على منع الزيادة كقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ والرضاع والرضاعة اسم من الإرضاع (٧) ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي على الأب نفقة الوالدات المرضعات، و (الكسوة) ما يكتسى من اللباس، وهذا يدلُّ أنها نزلت في المطلقات وإلا لكانت النفقة واجبة للنكاح لا للإرضاع. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ التكلُّف: الأمر بغير المراد، والوسع: الطاقة، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: لا تدخل الوالدة ضررًا على أب المولود بمنع الدرِّ عن الولد، والثاني: لا يدخل أب الولد ضررًا على الوالدة بالاسترضاع كرهًا من غير أجرة أو بانتزاعه منها كرهًا.

стр. 401

وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يحتمل هذين الوجهين ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ المراد: كل موسر من ذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، فإذا اشتركوا في استحقاق الميراث لزم كل واحد على قدر ميراثه وما أخذ الوارث من الإرث والورث (١) وهو الأصل، يقال: فلان يرجع إلى إرث صدق وقيل: الإرث البقيَّة فالوارث الذي يأخذ الإرث، و (الفصال) الفطام ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ مشاورة، وهو أن يعرض بعض القوم رأيهُ على بعض، من (٢) قولهم شار البائع السلعة يشورها، إذا عرضها للبيع، وفيها دلالة أن بعض (٣) الحولين وقت الرضاع، وعن ابن عباس إنْ تراضيا على الفصال قبل الحولين أو بعدهما (٤) ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ بعد الحولين لأنه رفع الجناح. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ وتقديم الناسخ على المنسوخ في التلاوة والكتابة لأحد سببين. إما التعبد وإما الإيقاف (٥) الذي كان بعد فطم رسول الله ﷺ (٦) كما اتفق تقديم سورة الجهاد (٧) على سورة المتاركة وهي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ اسم مبتدأ (٨) وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يكون إخبارًا عنه،

стр. 402

والوجه أنك إذا ابتدأت باسم ثم ذكرت اسمًا مضافًا إلى الأول أو منه بسبب أجزاك أن يبقي الأول وتخبر عن هذا الثاني، قال الأخفش: إنما جاز أن يكون ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرًا بتقدير ضمير عائد إلى (١) المبتدأ تقديره يتربصن (٢) (من بعدهم والضمير في يتربصن) (٣) عائد إلى قوله ﴿أَزْوَاجًا﴾، وقال أبو العباس: تقديره أزواجهم يتربصن، وقال الزجاج (٤): النون في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ قائمة مقام أزواجهم فكأنه قال: يتربصن أزواجهم، والضمير في يتربصن عائد إلى المقدر دون قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ إلا أنَّ في هذين نظرًا. و (التوفي) (٥) القبض، تقول: توفيت حقي واستوفيت، والمراد: قبض

стр. 403

الأنفس عن الدنيا بالموت ﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون، وهذا فعل لا مصدر له ولا يشتقُّ منه الاسم ولا يذكر بلفظ الماضي ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ باجتناب الزينة والطيب والكحل بالإثمد وترك النقلة عن المترك هكذا روي عن ابن عباس (١) وابن شهاب (٢) (٣) ﴿وَعَشْرًا﴾ أي عشر ليال، وقال ابن (٤) المسيب (٥) وأبو العالية (٦): إنما زيدت عشر ليال لأن فيها ينفخ الروح في الولد ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ من التخلية بينهن وبين ما يردن من التزين للخاطبين والخروج عن البيت على ما يجوز في الشريعة ولا ينكر على ما ﴿عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريض بالكلام صرفه عن الظاهر وعن المراد ﴿خِطْبَةِ﴾ مصدر كالخطب وهو مثل قولك: إنه لحسن المشية والقعدة والجلسة والزكوة،

стр. 404

وقولك: ما خطبك يا فلان؟ أي ما شأنك وإرادتك؟ فالخطبة من الزوج والاختطاب (١) من ولي المرأة والخُطبة من الخطيب في عقد النكاح أو في غيره من المجامع بما يخاطب (٢) ويسمى التشهد خطبَة الصلاة ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أضمرتم، و (الكنّ) الستر سرّارنا عن إبراهيم والحسن، وقال الشاعر: ويحرُم سِرُّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارُهم أنْفَ القِصاعِ (٣) وقال ابن المسيب (٤): السِّر أن يواعدها خفية ما لا لئلا تسبقه بنفسها، والقول المعروف ما أبيح على وجه التعريض ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾ تقصدوا عقدة اسم من العقد، وعقد الشيء ضبطه وإحكامه بنوع تأليف الكتاب ﴿أَجَلَهُ﴾ انتهاء العدة التي أوجبها الله عليها، وخوف الشيء اتقاؤه، وإنما ذكر المغفرة والحلم لئلا يميلهم هذا التحذير عن الاعتدال بين الخوف والرجاء، فالله تعالى رفع الجناح عن شين التعريض والإضمار وحرَّم شيئين: المواعدة سرًا وعزم عقد النكاح، أما التعريض فقد قال ابن عباس: أن يقول بمشهدها (٥): إني أريد أن أتزوج بزوجة (٦)، وأما الإضمار أن يخطر بباله أو ينويه من غير عزم صحيح، وأمَّا المواعدة سرًا فقد سبق ذكرها، وأما العزم فهو أن يؤكِّد رأيه عليها ويقصدها من غير تردُّد فيعظم عليه قوتها. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال الكلبي: نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهرًا ثم طلَّقها قبل الدخول فقال ﵇ (٧): "متِّعها ولو بقلنسوتك" أما إنها لا تساوي شيئأ ولكني أحببتُ

стр. 405

أن أحيي السنَّة (١)، وللآية معنيان؛ أحدهما: إباحة الطلاق للرجال إن شاؤوا في الحيض والطهر واحدة وأكثر ما داموا قبل المسيس، والثاني: أن يقيم (ما) مقام اللواتي أو مقام حين ولا تجعلها شرطًا لاستدامة الحال. وفائدة الرخصة على هذا القول نفي تحرجهم عن تلك لما يرونه فرارًا من المهر. وألمرأد بالمس المطلق في باب النساء وكذلك اللمس المطلق في بابهن. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ (أو) بمعنى الواو (٢) تسمّوا لهنَّ مهرًا صحيحًا ثابتًا غير فاسد ولا مجهول، والمتعة لها أمور بها واجبة مما يصلح لمثلها على مثله يراعي جنبة الرجل بذكر قدره وجنبة المرأة بقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وعن عمر: أدنى ما يجرى في متعة النساء ثلاثون درهمًا (٣)، وبذلك أمر شريح (٤)

стр. 406

رجلًا (١). وعن ابن عباس: أعلاها خادم ودون ذلك ورِق ودون ذلك كسوة (٢)، وروي أنه قدم الكسوة على الورِق، وحكم المتوفى عنها زوجها قبل المسيس والتسمية حكم المدخول (٣) بها قضى (٤) بها عبد الله بن (٥) مسعود باجتهاده، وأخبره معقل بن يسار أنه وافق قضاء رسول الله ﵇ (٦) في بروع بنت واشق الأشجعيَّة (٧) (٨). ﴿الْمُوسِعِ﴾ ذو السعة، والسعة في المعيشة و ﴿الْمُقْتِرِ﴾ الذي ضاقت معيشته، والقدْر والقدَر (٩) لغتان، وهو الحد مقدر الشيء، تقديره: إما حد ذاته وإما حدّ شأنه وإما حدّ ما يستحقه من الذكر، ويقتضي نوع نذير ممن

стр. 407

يجد ﴿مَتَاعًا﴾ نصب على المصدر (١) أي ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ متاعًا و ﴿حَقًّا﴾ نصب على إضمار حكمنا (٢) أو قلنا أو أخبرنا حكمًا أو قولًا أو خبرًا حقًا، قاله الفراء وقال: الحق والباطل في الأحكام دون الأسماء (٣) وإنما خصَّ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ تشريفًا لهم كقوله: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فنصف ما فرضتم فلهن أو فعليكم نصف المسمى ونصف الشيء جزئيه (٤). ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يسقطن هذا النصف أيضًا (٥) أو بعض ﴿أَوْ يَعْفُوَ (٦) الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ الزوج عن المرأة استرداد نصف المهر، وقيل: المراد به ولي المرأة وليس بصحيح بدلالة قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن عباس: هذا خطاب للأزواج (٧) والنساء جميعًا ولأنَّ عقد النكاح بعد العقد بيد الزوج دون الولي، وإنما كان أقرب للتقوى لأنَّ من ترك حقَّ نفسه كان أصبر على الكف عن كفِّ غيره. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ولا تتركوا فيما بينكم تفضل بعضكم على بعض بالعفو والمسامحة.

стр. 408

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تنبيه للمخاطبين وحثٌّ على الائتمار بالأوامر. وقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ الآيتان عارضتان في إيتاء الأحكام الأزواج من حيث التلاوة والكتابة واتصالهما بما قبلهما من حيث قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إذ هو يقتضي المحافظة على الصلاة وغيرها والمحافظة محافظة الأموال على إقامتها، وهي مفاعلة من (١) الحفظ وهو ضد التضييع، وقيل: المحافظة المواظبة، فكذلك عداها بـ (على)، وقيل: صلاة الوسطى غير داخلة في الصلوات لأنها عطف عليها، وقيل: دخلت فيها إلا أنه ذكرها ثانيًا تشريفًا لها (٢). و ﴿الْوُسْطَى﴾ الذي بين شيئين. قال ابن عباس (٣) وعائشة (٤) وحفصة (٥) (٦) وأبو هريرة (٧) أنها صلاة العصر، وعن أبي روق (٨) في قوله:

стр. 409

﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾: أقسم بصلاة العصر، وهي التي شغل عنها سليمان (١) وخبر صلوات الخمس (٢) يدلُّ عليه ﴿قَانِتِينَ﴾ ساكتين عن كلام الناس، قال زيد بن أرقم (٣): كنا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلت الآية. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نردُّ السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك (٤). ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ جمع راجل كتاجر وتجار وصاحب وصحاب ﴿أَوْ رُكْبَانً﴾ جمع راكب كفارلس وفرسان يعني إن خفتم ميلة العدوِّ عليكم فصلُّوا رجالًا على ما فسّر في سورة النساء أو ركبانًا على ما بيَّنه النبي (٥) ﵇ (٦) (٧)، فإذا زال الخوف فصلّوا صلاة الأمن، وقيل: فاذكروه بالثناء والحمد والتسبيح لإيقاع الفعل بعد الخوف كما شرع قبل الخوف، ولا يجوز صلاة راجل (٨) ماشيًا ولا صلاة راكب مسايفًا أو طاعنًا لأن الآية

стр. 410

اقتضت عموم الأحوال لا عموم الركبان والرجال، والمراد: الخوف من العدو أو ما يقوم مقام العدو مما فيه تلف النفس. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ نزلت في رجل من المهاجرين يقال له حكيم بن الحارث (١) مات في أول الهجرة (٢)، فأمر الله تعالى وصيَّة لأزواجهم نفقة سنة لا يخرجن مكرهات من بيوت أزواجهنَّ، فإن خرجن طائعات بطلت النفقة ووجبت العدة ثلاثة أقراء. وعن مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد وأبوان وامرأة فتوفي (٣) فدفع إلى رسول الله ﷺ (٤) فأعطى الوصيَّة الوالدين والأولاد بالمعروف والمرأة نفقة سنة، وكان الحكم أن تسكن المرأة بيت زوجها إن كانت من أهل المدر وإن كانت من أهل الوبر (٥) فأنْ تعتزل، وإن خرجت طائعة بطلت النفقة فنسخت الوصيَّة بالميراث والعدَّة بأربعة أشهر وعشرًا أجمعوا أنها منسوخة وإن اختلف في الناسخ (٦) ﴿وَصِيَّةً﴾ نصب على

стр. 411

إضمار الأمر ورفع بالابتداء (١) و ﴿مَتَاعًا﴾ نصب بوقوع الوصية عليه، والمصدر ينصب كالفعل (٢) ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ من غير نصب بانتزاع الخافض عند الفراء (٣) وقيل: الإخراج، وقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ تفسير لما في قوله: ﴿مِمَّا﴾.

стр. 412

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ خبر وليس بأمر لكنه مستحبٌّ عندنا لكلِّ مطلقة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ عارضة في أثناء أحكام (١) الشريعة والذي أوجب إيرادها هاهنا هو الأمر بالقتال بعدها ليكو ن وا أقدر على فريضة القتال بعد إلاعتبار. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تنتهِ رؤيتك إليهم كما تقول للطليعة: أما ترون أما تبصرون إلى موضع كذا غبارًا أو كيفية، والمراد به رؤية القلب وهو العلم كقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) وألف الاستفهام في مثل هذا الموضع لا تقتضي (٣) استعلامًا ولا نفيًا ولا إثباتًا ولكنها للتوقيف كقولك: ألم تسمع، أما سمعت، أما بلغك، إلا أنها مع التوقيف تقتضي إحداث تعجب واستجهال (٤) (في الحقيقة وأما في المجاز فيجوز إطلاقه سواء) (٥) تعجبت واستجهلت أم لم (٦) تتعجب ولم تستجهل (٧)، والفعل رأى يرأى إلا أن الهمزة حذفت استخفافًا فأعطيت الراء حركتها. و ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ جماعة من بني إسرائيل، روى السدي عن أبي مالك: كانوا في قرية يقال لها داورْدَان تقرب من واسط العراق (٨)، والألوف جمع ألف، وزعم ابن زيد أنه جمع ألف أي مؤتلفة القلوب (٩)، وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف (١٠).

стр. 413

وعن مقاتل ثمانية آلاف (١)، وعن عطاء سبعين ألفًا (٢)، وعن السدي وأبي مالك ثلاثين ألفًا (٣)، وعن أبي روق عشرة آلاف، وعن الضحاك عددًا (٤). ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي الطاعون، وقال الحسن: حذر القتل في القتال (٥) ﴿مُوتُوا﴾ أمر تكوين وتصيير وإلجاء ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ردَّ إليهم الحياة الدنيوية بعد أن صاروا عظامًا في قول السدي وهلال بن يساف (٦) ومجاهد ووهب (٧) وبعد أن أروحت (٨) أجسادهم (٩) رائحة الموتى من قول الكلبي ومقاتل،

стр. 414

قالوا: كان الإحياء بدعوة حزقيل النبي ﵇ (١) قال القتبي (٢): هو حزقيل (٣) بن بوزا (٤)، وقال مقاتل أن حزقيل هو ذو الكفل ﵇ (٥). ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمر لأمة محمَّد ﷺ (٦) مرتب على (٧) الأمر بمحافظة الصلوات، وقال مقاتل بن حيان (٨) أنه أمر لهؤلاء (٩) الموتى بعد الإحياء. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ يعطي القرض، والقرض في الأصل هو القطع، ثم استعير لما تقتطعه من مالك فتدفعه إلى أخيك لينفقه ويغرم مثله من غير عقد ولا تأجيل، ثم استعمل في تقديم الحسن والسيء إذا اقتضت الجزاء، قال أميَّة بن أبي الصلت (١٠): لا تخلطن خبيثاتٍ بطيِّبة ... واخلع ثيابك منها وانجُ عريانا كلُّ امرىءٍ سوف يُجزى قرضًا حسنًا ... أو سيئًا ومدينًا مثل ما دانا (١١)

стр. 415

والمضاعفة والتضعيف أن يزيد (١) على الشيء مثله مرة فصاعدًا ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أراد الأخذ بالقبول والدفع بالجزاء. وعن أبي أمامة (٢): لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: [استقرض ربُّنا وهو غني، قال النبي ﵇: "نعم، أراد بذلك أن يدخلكم الجنة" فرجع] (٣) واستقبل أبا (٤) الدحداح (٥) عمرو بن الدحداح الأنصاري فأخبره الخبر فجاء أبو الدحداح وقال: يا رسول الله إن أقرضت قرضًا تضمن لي بالجنة؟ قال: "نعم" قال (٦): وزوجتي؟ قال: "نعم" قال (٧): وصبيتي؟ قال: "نعم" قال: فإني أُشهدك يا رسول الله أني (٨) جعلتُ حائطيَّ قرضًا لله ، فقال رسول الله: "يا أبا الدحداح إنا لم نسألك (٩) كليهما فأمسك إحداهما معيشة لك ولعيالك" قال: إذًا فخيرهما للهِ تعالى ثم رجع حتى أتى أمَّ الدحداح وهي تحت النخل مع صبيانها وأنشأ يقول: هداك ربي إلى سبيل الرشادِ ... إلى سبيلِ الخيرِ والسَّدادِ

стр. 416

تدني من الحائطِ بالودادِ ... وقد مضى قرضًا إلى التنادِ أقرضتُة لله على اعتمادِ ... طوعًا بلا منٍّ ولا ارتدادِ إلا رجاء الضعفِ في المعادِ ... فارتحلي بالنفسِ والأولادِ والبر لا شك فخير زادِ ... قدّمه المرء إلى المعادِ قالت أم الدحداح: أما إذا بعتَ من الله ورسولِهِ فبيع ربيح لا يقال ولا يستقال، وأيم الله لولا ذلك لم تملك إلا حصتك، فأنشأ يقول: بشَّرك (١) الله بخيرٍ وفرح ... مثلك أدَّى (٢) مالديه ونصح أزلك الحظ إذا الحظ وضح (٣) ... قد متَّع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهر البلح ... والعبد يسعى وله ما قد كدح ... طول الليالي وعليه ما اجترح ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أتوا الحائط الآخر، فقال النبي ﵇ (٤):"كم من عِذقٍ رداح وقصر فياح لأبي الدحداح في الجنة" (٥). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ

стр. 417

أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ في أشمويل بن هلقا (١) ويروى هلقاثاو (٢) في شأن داود بن إيشا ﵇، والقصَّة في ذلك أن بني إسرائيل مكثوا دهرًا ما لهم ملك يقاتل، وقد استولى عليهم أعداؤهم يسكنون ساحل بحر الروم (٣) بين مصر (٤) وفلسطين يقال لهم البلشتاثا (ويروى البلشتانا ولهم ملك يدعى جالوت، فلقي بنو إسرائيل منهم بلاء) (٥) شديدًا لما غلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرًا من أولادهم، وكان عهد الله فيما يروى إلى بني إسرائيل من بعد موسى ويوشع ﵈ (٦) ألا (٧) يقاتلوا إلا من قاتلهم، فلما آل الأمر إلى ما ذكرنا نبغ في بني إسرائيل طاغية ودعاهم إلى أن يملِّكوه ويبايعوه ليقودهم إلى القتال، فبايعوه على ذلك ثم جاؤوا إلى (٨) أشمويل بن هلقا واسم أمه حنَّة وكان يدعى ابن العجوز (٩). ويروى عن السدي أنه كان يسمى شمعون أيضًا، وهو بالعربيَّة سمعون (١٠) أي سمع الله دعاء أمه فيه واختاره للنبوة. ويقال: هو المراد بإسماعيل المذكور في سورة الأنعام بين إلياس واليسع وكان من نسل هارون، وطلبوا منه ملكًا يرجون أن يشيرهم إلى

стр. 418

ما بايعوه فقال أشمويل: هل كدتم تمتنعون عن القتال؟ قالوا: لا، فملَّك عليهم بوحي من الله طالوت وهو رجل من سبط يامين وكان مسكينًا راعي حمير وكان خرج من قريته يطلب حمارين له فنزل بأشمويل ﵇ (١) فأعلمهم أنه ملكهم فأبوا أن يقبلوه لأنه لم يكن من سبط النبوة وهو سبط لاوي بن يعقوب ولا من سبط الملك وهو سبط يهودا، ولم يكن له (٢) مال أيضًا، فأعلمهم أن الله فضَّله عليهم بالرأي والمنظر والنجدة، وهذه المعاني أسباب الملك دون الأصل، فلما كذبوه أتى بمعجزة على دعواه وهي الإخبار عن التابوت الذي كانت (٣) فيه السكينة وبقيَّة من تركة موسى وهارون ﵉، وذلك أن التابوت إنما كان ذلك من شمشار (٤) مقدار ثلاثة أذرع في ذراع كانت بنو إسرائيل بعد موته في الحروب يجعلونه (٥) أمام جندهم فإذا صوّت وسار ساروا خلفه وإذا سكن وقفوا بوقفه، ثم استولى على ذلك التابوت قوم من العمالقة فذهبوا به فجعل الله في أعينهم الناسُور (٦) (٧) فعلموا أن ذلك أصابهم بغصبهم (٨) التابوت فحملوها على عجل وشدّوها إلى ثورين وتركوا الثورين في (المفازة فبعث الله ملائِكة تسوق الثورين إلى) (٩) ديار بني إسرائيل وأخبرهم أشمويل ﵇ بمجيء ذلك التابوت قبل أن يأتيهم (١٠) ذلك فصدقوه وقبلوا طالوت ﵇ طوعًا أو كرهًا. ثم إن طالوت سار بهم إلى العدو، فلما انتهى إلى نهر فلسطين

стр. 419

أخبرهم بإلهام الله تعالى وتوفيقه (١) من جهة أشمويل ﵇ (٢) أنَّ الله تعالى جعل ذلك النهر محنة للمخلصين وغيرهم. فمن شرب منه فوق غرفة جبن عن القتال ولم يكن من أصحاب طالوت، ومن اقتصر على مقدار غرفة أيَّده الله تعالى وكان من (٣) أصحابه، فشربوا منه وعصوا أمره إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا من جملة ثمانين ألفًا فإنهم شربوا على (٤) مقدار غرفة فجعل الله لهم رواء وعبروا النهر. ﴿وَلَمَّا (٥) بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ واستنصروا الله (٦) ومدَّ أشمويل بوحي من الله طالوت الملك بداود وهو إذْ ذلك صبيٌّ وله ستة إخوة مع طالوت كلّهم أكبر منه، ونادته في مسيره ثلاثة أحجار كل واحد يقول: خذني يا داود فإني أصنع بجالوت كذا وكذا، فجعلها في مخلاة له، فلما شهد الفئتين وجد جالوت بين الصفين عليه بيضة من نحاس فيها ثلاثماية رطل وبقاسها (٧) الجوشن وسائر السلاح، ووجد طالوت الملك يطوف على أصحابه ويحرِّضهم ويضمن لمن خرج نصف ملكه وتزويجٍ ابنته، فقال داود: أنا أخرج إليه، فاستحقره واستحقره الناس أيضًا، وقال إخوته: إنما يقول هذا القول من عزته وصباه، ثم قال له طالوت: هل جرَّبتَ نفسك؟ قال: نعم، قصد الأسد ذات يوم سائمة أبي فأخذت بفكَّيه وشققته نصفين، قال إخوته: إن هذا لمن عزتهً أيضًا حيث خاطر بنفسه لاستنقاذ السائمة، قال داود ﵇ (٨): كان ذلك أمانة مني وشققته على ما لي.

стр. 420

فدعا له طالوت بالبركة فإذا هو طويل عليه فنزعه (١) وبرز إلى جالوت وفي يده مقلاع ومِلقاع لغة، قال جالوت: بم تقاتلني أيها الصبي؟ قال: بمقلاعي هذا، قال: بمثله يقاتل الملوك؟ قال داود: وهل يرمى الكلب إلا بالحجر؟ ثم أدخل يده في مخلاته ليستخرج الحجر من تلك الثلاثة فإذا هي تراكمت وصارت كتلة واحدة فأخرجها وجعلها في ملقاعِه وأدارها من فوق رأسِه ثم رمى بها جالوت، فلما انتهت إليه صارت ثلاثة كما كانت، فوقع أحد الثلاثة في رأسِهِ والآخر في فؤادِهِ والآخر في خاصرتِهِ، فخرَّ جالوت قتيلًا ونفذت الأحجار منه فقتلت أناسًا كثيرًا من الكفار وانهزم الباقون. ثم إن طالوت ندم على ما ضمن من تزويج ابنته ونصف ملكه وحسد داود ﵇ (٢) وتوارى منه داود ﵇، وافترقت بنو إسرائيل فرقتين، وطال القتال إلى أن صفا الأمر لداود ﵇ وجمع له الملك والنبوة، وتاب طالوت بعد شرٍّ كثير واستشهد هو وبنوه في سبيل الله (٣) (٤). وعن مقاتل (٥) أن أصحاب جالوت (٦) كانوا من بني إسرائيل أيضًا إلا أنهم كانوا كفارًا، وذكر ابن المقفى: أنَّ جالوت كان من عشيرة فرعون، وعن قتادة أن هذا النبي هو يوشع بن نون ولا أدري كيف جمع بينهما يعني يوشع وداود من طول العهد، وقيل: إن الملائكة لم تسُق الثورين وإنما رفعته بين السماء والأرض.

стр. 421

﴿الْمَلَإِ﴾ الوجوه والأشراف لا واحد له من لفظه، والأملاء (١) جمع الجمع، وقيل: الملأ جماعة تمتلي بها الأعين، وسمع النبي ﵇ (٢) رجلًا يقول يوم بدر: قتلنا عجائِز صلعًا، فقال ﵇ (٣): "أولئك ملأ من قريش لو حضرت فعالهم احتقرت فعالكم" (٤) (٥) وإنما حَسُن دخول (هل) على (عسى) لأنَّ (عسى) (٦) يشبه (٧) الأفعال و (ما) للنفي عند المبرد (٨)، وقوله: ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ في تقدير الابتداء، وقال غيره: (ما) للاستفهام، والعلة في دخول (أن) اعتبار المعنى والمعنى ما يمنعنا أن نقاتل (٩) وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾.

стр. 422

﴿أُخْرِجْنَا﴾ أجلينا من ديارنا وأخرجنا من بين ظهراني أهالينا وذرياتنا. وقيل: إنها خفض قوله: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ على الاتباع، والتقدير: وسبيت أبناؤنا (١) ويجوز الإعراب على الاتباع لقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ والبَسطة والانبساط التوسع وقيل: الزيادة والفضل ﴿وَالْجِسْمِ﴾ الجوهر المؤلفه ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو الصندوق على وزن فاعول مثل كانون وجمعه توابيت بلغة قريش وبلغة الأنصار التابوه (٢) والتوابيه والتوابيت (٣)، والسكينة فعل في معنى الطمأنينة، والمراد بها ههنا ذات (٤) السكينة، واختلف فيها قال علي أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان (٥). وعن مجاهد أنها كانت من الزبرجد وكان لها جناحان ورأس كرأس الهرَّة (٦)، وعن وهب بن منبه أنها كانت روحًا من الله يكلِّمهم بالبيان (٧)، وعن السدي أنها طشت من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ﵈ (٨)، و (البقية) هي عصا موسى ورضراض (٩) الألواح، عن ابن عباس وقتادة

стр. 423

والسدي (١)، والتوراة (٢) وشيء من ثياب موسى ومن كتب العلم عن الحسن وعمامة هارون وقفيز المن أيضًا في بعض الروايات (٣)، والمراد بآل موسى وآل هارون أنفسهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ على زعمكم، وذلك لأنهم كانوا قد كفروا بردِّهم على نبيهم. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ خرج من البلد كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ (٤) والجنود جمع الجند، وهو الجيش، فمن شرب من مائه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ لم يذقه، والطعم يشمل المأكول والمشروب (٥) جميعًا ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ الاستثناء راجع إلى الشاربين خصَّ نَهْيَهُ به (٦) بعد العموم، والغرفة من المائع كالقبضة من الذرير ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ على الوجه المحظور ﴿جَاوَزَهُ﴾ (٧) عبره ﴿طَاقَةَ﴾ وسع وهو الاستطاعة ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ ما أكثر من فئة وإن كانت سؤالًا عن كثرة الشيء وقلَّته إذا نصب ما بعده فإنه يعبر به عن الكثرة عند المبالغة إذا جرَّ ما بعده، وكذلك كائن إلا (٨) أن (كم) أعم (٩)

стр. 424

منه، و (الفتنة) الفرقة، قال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (١) وهو مأخوذ من قولك فاوت رأسه وفايته إذا شققته فانفرف و (الغلبة) العزّ بفتح الغين. ﴿بَرَزُوا﴾ خرجوا، والمبارز الذي يخرج في وجه خارج غيره للقتال ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ أي صبَّه علينا صبًّا يغمرنا كما يغمر الماء الإنسان ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: شجِّعنا فلا ننهزم، وتثبيتك الشيء إقامتك إياه، الأقدام جمع قدم وهي مقدم الرجل ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ كسروهم، وأصل الهزم الكسر (٢)، وسقاء منهزم أي منكسر بعضه على بعض، ويقول: هزمت البئر والبير الهزيمة التي خسفت حتى فاض ماؤها، ومنه الحديث: "زمزم هَزْمَةُ جبريل" (٣) أي ضربها برجله، وقصب منهزم منكسر، ثم كسر الجند منهزم وردهم والنيل منهم بالأسر والقتل ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ والحال يدلُّ عليه. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولولا دفع الله بعض الناس ببعض ﴿لَفَسَدَتِ﴾ خربت (٤) ثم اختلف في كيفيَّة الدفع، قيل: يدفع الكفار بالمؤمنين، وقيل: يدفع الرعاء (٥) بالملوك، وقيل: يرفع الله البلاء عن البعض ببركة بعضهم كما روي في الحديث: "لولا رجال خشَّع وصبيان رُضَّع وبهائم رُتع لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا" (٦).

стр. 425

﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، والآية دليل على نبوة نبينا ﵇ لأن الوحي الظاهر لا يكون إلا إلى الأنبياء فأخبر عن رسالته أيضًا لئلا يتوهم سامع الآية نبوة من غير رسالة. ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى المرسلين ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أفاد العلم بتفاضل الرسل ﵈ بالخصال الشريفة بعد استوائهم في رتبة الرسالة كتفاضل المؤمنين فيها بعد استوائهم في رتبة الإيمان، وتقدير ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ كلَّمه الله والذين كلَّمهم الله مثل آدم وموسى ونبينا ﵈. و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب على التفسير (١) كقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (٣) بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٤) والدرجة كالخطوة يقال: جاء على أدراجه، وذهب على أدراجه، ودرج القوم إذا مضوا وانقرضوا، إلَّا أنَّ أكثر استعمالها في المعاني ولذلك تسمى الثنايا الغلاظ مدارج، وتدرج فلان إذا ترقى شيئًا بعد شيء، فإذا الدرجة المرقاة، والمراد ههنا الرفعة بالشأن دون الجثث (٥)، ومن الذين رفعهم الله درجات آدم بسجود الملائكة وافتتاح النبوة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (٦) وإدريس برفعته ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٧) ونوح
следующие страницы →