← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿الْمَلَإِ﴾ الوجوه والأشراف لا واحد له من لفظه، والأملاء (١) جمع الجمع، وقيل: الملأ جماعة تمتلي بها الأعين، وسمع النبي ﵇ (٢) رجلًا يقول يوم بدر: قتلنا عجائِز صلعًا، فقال ﵇ (٣): "أولئك ملأ من قريش لو حضرت فعالهم احتقرت فعالكم" (٤) (٥) وإنما حَسُن دخول (هل) على (عسى) لأنَّ (عسى) (٦) يشبه (٧) الأفعال و (ما) للنفي عند المبرد (٨)، وقوله: ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ في تقدير الابتداء، وقال غيره: (ما) للاستفهام، والعلة في دخول (أن) اعتبار المعنى والمعنى ما يمنعنا أن نقاتل (٩) وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾.

стр. 422

﴿أُخْرِجْنَا﴾ أجلينا من ديارنا وأخرجنا من بين ظهراني أهالينا وذرياتنا. وقيل: إنها خفض قوله: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ على الاتباع، والتقدير: وسبيت أبناؤنا (١) ويجوز الإعراب على الاتباع لقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ والبَسطة والانبساط التوسع وقيل: الزيادة والفضل ﴿وَالْجِسْمِ﴾ الجوهر المؤلفه ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو الصندوق على وزن فاعول مثل كانون وجمعه توابيت بلغة قريش وبلغة الأنصار التابوه (٢) والتوابيه والتوابيت (٣)، والسكينة فعل في معنى الطمأنينة، والمراد بها ههنا ذات (٤) السكينة، واختلف فيها قال علي أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان (٥). وعن مجاهد أنها كانت من الزبرجد وكان لها جناحان ورأس كرأس الهرَّة (٦)، وعن وهب بن منبه أنها كانت روحًا من الله يكلِّمهم بالبيان (٧)، وعن السدي أنها طشت من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ﵈ (٨)، و (البقية) هي عصا موسى ورضراض (٩) الألواح، عن ابن عباس وقتادة

стр. 423

والسدي (١)، والتوراة (٢) وشيء من ثياب موسى ومن كتب العلم عن الحسن وعمامة هارون وقفيز المن أيضًا في بعض الروايات (٣)، والمراد بآل موسى وآل هارون أنفسهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ على زعمكم، وذلك لأنهم كانوا قد كفروا بردِّهم على نبيهم. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ خرج من البلد كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ (٤) والجنود جمع الجند، وهو الجيش، فمن شرب من مائه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ لم يذقه، والطعم يشمل المأكول والمشروب (٥) جميعًا ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ الاستثناء راجع إلى الشاربين خصَّ نَهْيَهُ به (٦) بعد العموم، والغرفة من المائع كالقبضة من الذرير ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ على الوجه المحظور ﴿جَاوَزَهُ﴾ (٧) عبره ﴿طَاقَةَ﴾ وسع وهو الاستطاعة ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ ما أكثر من فئة وإن كانت سؤالًا عن كثرة الشيء وقلَّته إذا نصب ما بعده فإنه يعبر به عن الكثرة عند المبالغة إذا جرَّ ما بعده، وكذلك كائن إلا (٨) أن (كم) أعم (٩)

стр. 424

منه، و (الفتنة) الفرقة، قال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (١) وهو مأخوذ من قولك فاوت رأسه وفايته إذا شققته فانفرف و (الغلبة) العزّ بفتح الغين. ﴿بَرَزُوا﴾ خرجوا، والمبارز الذي يخرج في وجه خارج غيره للقتال ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ أي صبَّه علينا صبًّا يغمرنا كما يغمر الماء الإنسان ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: شجِّعنا فلا ننهزم، وتثبيتك الشيء إقامتك إياه، الأقدام جمع قدم وهي مقدم الرجل ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ كسروهم، وأصل الهزم الكسر (٢)، وسقاء منهزم أي منكسر بعضه على بعض، ويقول: هزمت البئر والبير الهزيمة التي خسفت حتى فاض ماؤها، ومنه الحديث: "زمزم هَزْمَةُ جبريل" (٣) أي ضربها برجله، وقصب منهزم منكسر، ثم كسر الجند منهزم وردهم والنيل منهم بالأسر والقتل ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ والحال يدلُّ عليه. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولولا دفع الله بعض الناس ببعض ﴿لَفَسَدَتِ﴾ خربت (٤) ثم اختلف في كيفيَّة الدفع، قيل: يدفع الكفار بالمؤمنين، وقيل: يدفع الرعاء (٥) بالملوك، وقيل: يرفع الله البلاء عن البعض ببركة بعضهم كما روي في الحديث: "لولا رجال خشَّع وصبيان رُضَّع وبهائم رُتع لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا" (٦).

стр. 425

﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، والآية دليل على نبوة نبينا ﵇ لأن الوحي الظاهر لا يكون إلا إلى الأنبياء فأخبر عن رسالته أيضًا لئلا يتوهم سامع الآية نبوة من غير رسالة. ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى المرسلين ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أفاد العلم بتفاضل الرسل ﵈ بالخصال الشريفة بعد استوائهم في رتبة الرسالة كتفاضل المؤمنين فيها بعد استوائهم في رتبة الإيمان، وتقدير ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ كلَّمه الله والذين كلَّمهم الله مثل آدم وموسى ونبينا ﵈. و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب على التفسير (١) كقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (٣) بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٤) والدرجة كالخطوة يقال: جاء على أدراجه، وذهب على أدراجه، ودرج القوم إذا مضوا وانقرضوا، إلَّا أنَّ أكثر استعمالها في المعاني ولذلك تسمى الثنايا الغلاظ مدارج، وتدرج فلان إذا ترقى شيئًا بعد شيء، فإذا الدرجة المرقاة، والمراد ههنا الرفعة بالشأن دون الجثث (٥)، ومن الذين رفعهم الله درجات آدم بسجود الملائكة وافتتاح النبوة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (٦) وإدريس برفعته ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٧) ونوح

стр. 426

بالنصرة العامَّةِ ونشر ذريته، وإبراهيم بالبركة عليه وعلى آله، وبأن له لسان صدق في الآخرين، وموسى بالكلام والكتاب وابتعاث الأنبياء على شريعته، وعيسى بالآيات والرفع، ونبينا بالدعوة العامة والمعجزة الباقية وبنسخ الشرائع وختم النبوة وبالمعراج الأعلى والشفاعة المدَّخرة صلوات الله على جميع الأنبياء والمرسلين ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾ ما اختلف الذين وما اشتجروا يدلُّ عليه قوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ وإنما عبَّر عنه بذلك لأنه قضيته (١) وغايته ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ دليل على أنه لم يشأ اتفاقهم وشاء اختلافهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ يدلُّ على أنه شاء كينونة اختلافهم فخلقه فيهم تمكينًا ومدًّا على ما أراد من غير إخبار ليميز الخبيث من الطيب بالحكمة. ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لا دفع بالثمن كما أن الشراء أخذ بالثمن والبيع دفع به ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ صداقة وهي مصدر الخليل، وعن الحسن (٢) أن المراد بالنفقة الزكاة (٣)، وعن ابن جريج (٤) التطوع وإنما أمر بالمبادرة ليقدموا خيرًا فلا يخسروا يومًا لا بيع فيه فيفتدوا ولا خلَّة فينبسطوا في خير أخلائهم ولا استبداد لِأَحَدٍ في الشفاعة فيشفعوه إلى أن يفدي الله تعالى من شاء من المؤمنين بمن شاء من الكافرين ويزيل الأهوال عن أفئدة المتقين فيعودا متحابين متشفعين بإذنه ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بترك المبادرة. عن أُبي بن كعب أن النبي ﵇ (٥) سأله: "أي آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ " (قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أبا المنذر! أتدري أي آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ ") (٦) قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ

стр. 427

الْقَيُّومُ﴾، قال: فضرب على صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١). واتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الفريقين والإنذار بيوم الدين ليزيد ذكر الله تعالى خشوع قلوب قدّر لها الخشوع، واسم الله مبتدأ و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره و ﴿الْحَيُّ﴾ ذو المشيئة والقدرة (٢) و ﴿الْقَيُّومُ﴾ الدائم الفعل، وقيل: الثابت بنفسه، وقيل: القائم بالحوائج (٣) وزنه فيعول من القيام والقيام فيه لغة، و (السِّنة) الوسن وهو النعاس ومخامرة النوم مع اليقظة، و (النوم) السبات وانقباض الروح من غير قطع وسبب مع بقاء القوى الحيوانية (٤) في الجسد، وإنما نفى النوم بعد الوسَن على طريقة قولهم: ما لفلان قليل ولا كثير ونفي القليل ربما أثبت

стр. 428

الكثير كقولك: غير مرَّة وغير واحد ولا يطيقه رجل ورجلان، فأكد النفي بهما كما قال زهير (١): لا سنة في طوال الدهر تأخذهُ ... ولا ينام ولا في أمرِهِ فندُ (٢) ﴿مَا﴾ قائم مقام الأشياء، أي له الأشياء التي ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من غير عرض وجوهر ﴿مَنْ ذَا﴾ استفهام بمعنى النفي كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ والاستثناء مخصص للنفي وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [يفيد إحاطة العلم بهم من أولهم إلى آخرهم (٣) ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، (٤) أي بشيء من معلومه إلا أَنَّ الإحاطة بصفة الله من المحال كما تقول: هذا الدرهم ضرب الأمير، وفيه دليل على أن العقول قاصرة عن إدراك أقصى العالم وإن كان محدودًا متناهيًا في علم الله تعالى والكرسي مبنيٌّ على النسبة كالدَّردي والخرثىّ والمراد به العلم عند بعضهم (٥) و (العرش) الرفيع المستوي عليه عند

стр. 429

بعضهم وكرسي دون العرش عند الآخرين (١) وسمي الكرسي المعهود لاستقلاله بما يوضع عليه أو بمن يجلس عليه. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ أي لا يوقره ولا يكله ولا يعجزه، والكناية راجعة إلى الله تعالى عند بعضهم، والكناية في ﴿حِفْظُهُمَا﴾ عائدة إلى الجنسين السماء والأرض ﴿الْعَلِيُّ﴾ العالي عن مساواة غيره ﴿الْعَظِيمُ﴾ الممتنع بجلاله عن الإحاطة به. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ عن الحسن وقتادة والضحاك: نزلت في أهل الكتاب والمجوس إذا بدلوا الجزية (٢)، وعن السدي وابن زيد أنها منسوخة بآيات القتال (٣)، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: نزلت في أبناء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لأحدهم الولد دفع ما ولد له من ولد إلى اليهود ليعيش تَيَمُّنًا بأهل الكتاب (٤) فنشأ كثير من أولادهم فيما بين اليهود متهوِّدين، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا أن يخيِّروا أولادهم على الإسلام فنهاهم الله تعالى عن ذلك (٥)، وقيل: الإكراه إنما يكون قبل الإعجاز وإقامة الحجة، فأما العمل على الحق بعد البيان فلا وإن كان بالسيف

стр. 430

كالمطالبة بالحق بعد شهادة الشهود، والإكراه الحمل على غير المراد وإلجاء واضطرار ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ الإصابة والاستقامة و ﴿الْغَيِّ﴾ ضده، والرشد والرَّشد والرشاد (١) بمعنى. و (الطاغوت) اسم لكلِّ معبود دون الله تعالى أو مطاع في معصية الله (٢)، وهو واحد يذكر في لفظه مشتق من الطغيان، وقال أبو علي: هو مصدر يوضع موضع الجمع والواحد (٣) (٤)، و (الاستمساك) والتمسك بمعنى اللزوم وشدة الأخذ. و (العروة) المتعلق يقال: عروة الجوالق وعروة الكوز وعروة الباب، قال الأزهري (٥) (٦): وعروة الكلأ ما له أصل نابت كالشيح الأرضي، وهذا مثل للتمسك بالمعرفة والتوحيد بإذن الله ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ انكسار وانصداع من غير أن يبين (٧)، وفي الحديث: "درَّة بيضاء لا فصم فيها ولا قصم" (٨) ويروى: "ولا وصَم". ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أراد ولاية النص، ولذلك خصَّ المؤمنين

стр. 431

يخرجهم بالتوفيق والتأييد دون الإلجاء فلا يستحقون ثوابًا إذا أدّوا الدعوة فيشاركهم غيرهم، وإنما شبَّه الكفر بالظلمات لأنه وإن كان ملَّة واحدة فإنَّ فيه اعتقادات مختلفة، وجعل النور مثلًا للإيمان لأنه اعتقاد واحد، فأما ضلالات أهل البدع في الإيمان فليس بإيمان هان لم يكفروا بها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ (١) الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالتسويل (٢) والغرور بعد خذلان الله ومشيئته العامة التي هي علَّة الأشياء كلها، ومثل النور الفطرة، إذ كل مولود يولد على الفطرة، وقيل: المراد به بعض من الاعتقادات (٣)، وقيل: إنه الإيمان فتكون الآية خاصة في المرتدين، وقيل: إنه العقل. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ نزلت في شأن إبراهيم ﵇ ودعوته نمرود إلى الإسلام، والقصة فيه أن نمرود قيل هو فريدون بن كنعان بن حام بن هويجهان (٤) بن أرفخشد (٥) علا في (٦) الأرض بعد الضحاك بن علوان بن عمليق بن عاد واعتقد في النجوم القدرة وتدبير الدنيا، واتَّخذ أصنامًا على أسمائها ثم ادَّعى الربوبية لنفسِهِ على أحد الأوجه الثلاثة، إما على وجه المخاريق واليزنجات، وإما على وجه ما رزق من الغلبة والقهر واستعباد الناس واحتواء الممالك، وإما على وجه رأى لنفسه في قضية أحكام المنجمين من العلو في الأرض، والوجه الأول أظهر لوقاحته وارتكابه بقوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ وكان قد اتفق له ظن بخروج (٧) إبراهيم ﵇ إما من جهة أخبار الأنبياء المتقدمة وإما من جهة الأراهيص والأوهام، وإما من جهة أحكام المنجمين فكاد يقطع النسل

стр. 432

لذلك وأبى الله إلا إتمام نوره، والقصة طويلة، فلما بعثه الله إليه (١) دعاه إلى ربِّه تعالى فأنكر عليه وسأله: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فلبَّس أمره نمرود على الناس وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ودعا رجلين من جنسه استوجبا القتل في حكمه فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: أمتُّ هذا وأحييتُ هذا ليوهم الناسَ أن إبراهيم كان يعنيه، أو ليوهمهم أن إبراهيم كان يجادله فانقطع بالمنع أو نحوه. فلما علم إبراهيم ذلك منه جادله أيضًا وتحدَّاه إلى أن يأتي بالشمس من المغرب معارضة فبُهت وكان (٢) عجزه عن الفعل دلالة على كذبه، وعجزه عن الجواب معجزة لإبراهيم ﵇ حيث لم يقال أنا الآتي بها من المغرب أو لا أسلم أن ربك الآتي بها من المشرق أو آية دلالة على الربوبية في الإتيان بها من المشرق، وإنما جادله إبراهيم بهذه النكتة الثانية ولم يجادله بحقيقة الإحياء والإماتة؛ لأنَّ هذه الثانية كانت أقرب إلى أفهام المستمعين حولهما، وقيل: جادله بالنكتة الأولى وأظهر تمويهه وأخذه بالمجاز وأقام الحجة بتلك النكتة، ثم أتي بالنكتة الثانية بعد إلاستفتاء إلا أن الله أوجز القصة، والأصح أنه لم يكن يجادل أولًا وإنما ذهب نمرود إلى الجدال. ﴿أَلَمْ تَر﴾ يقتضي تعجبًا فكأنه قيل (٣): هل رأيت كمثله (٤) والهاء في قوله ﴿أَنْ آتَاهُ﴾ (٥) راجعة إلى نمرود، ويجوز تسليط الكافر ابتلاء كقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ والشمس جسم منير جعلهُ الله آية النهار وسيره في ذلك، واختلف في حرِّها، قيل: شعاعها (٦) يوصل إلينا حرارة النار من دون الفلك بإذن الله تعالى،

стр. 433

وقيل: هي نار في الخلقة، واختلف في سيرها والله أعلم بحقيقتها (١)، و (البهت) كالدهش، قال: فبهتهم ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لا يوفِّقهم للاهتداء ولا يرشدهم، والمراد به: المقدّر عليهم أن يموتوا على الكفر. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ نزلت في عزير ﵇ (٢)، وقيل: في أرميا النبي ﵇ (٣) (٤)، وقيل: في الخضر ﵇ (٥)، وقيل: في كافر (٦)، والأصح أنه عزير أو أرميا ﵉، وذلك في أيام بخت نصَّر والتجاء بعض بني إسرائيل إلى صاحب مصر وخراب إيليا، وذكر في قصة أرميا أنه توارى بمصر حيث تبعهم بخت نصر واستردَّهم من صاحب مصر ثم اتخذ جنتيه بمصر يتعيش بهما، فأوحى الله تعالى إليه ليجزيك هذا البلاء الذي قضيته على إيليا وأهلها وأنه ليس زمان العمران ولكنه زمن الخراب فاعمد إلى جنتيك (٧) فاهدم جدرها وانتف بقلها وعوّر نهرها والحق بإيليا فلتكن بلادك حتى يبلغ كتابي أجله، فخرج أرميا مذعورًا وركب أتانًا له معه سلة فيها عنب وتين وقربة من ماء، فلما لحق بأرض إيليا رفع له شخص بيت المقدس من بعيد ورأى خرابًا عظيمًا فهاله (٨) ذلك فخطر

стр. 434

بباله أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها فتلفظ به من غير إنكار، فابتلاه الله في الحال. وقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ معطوف (١) على معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ وقد ذكرنا أن معناه هل رأيت كمثله، وقيل: معناه أو الذي على طريقة من يعبر عن يقين بمثله ﴿خَاوِيَةٌ﴾ خالية، ويعبر به عن الزوال والسقوط ﴿عُرُوشِهَا﴾ والعرش البناء من غير سقف أي ظل، وكان ابن عمر إذا نظر إلى عروش مكة قطع التلبية (٢) (إحياء القرية) عمارتها. ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أقمت بمكان أو على حال، وإنما قال ﴿يَوْمًا﴾ لأنه لم يرَ الشمس حتى انتبه، فلما حقق النظر رأى بقيَّة أثر الشمس فقال: أو بعض يوم، وإنما لم يشعر بمدة لبثه لأحد معنيين: إما لأنه لما غير عليه الحال أنساه الحالة الأولى أعني (٣) حالة الموت، وإما لأنه لم يرَ في حال الموت شيئًا كالنائم الذي لا يحتلم لم يدر مقدار نومه وإن رأى رؤيا

стр. 435

استدلَّ بها على طول نومه، و (المائة) اسم لعشر عشرات من العدد، وإنما كتبت بزيادة الألف لئلا يشتبه بمئة و (١) (العام) الحول. واختلف في قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قيل: هو التسني من السنين والسنوات والمساناة (٢)، وقيل: هو التسنه من المسانهة (٣) (٤)، وقيل: هو التسنن من الحمأ المسنون (٥)، و (الحمار) ما يتولد بينه وبين الفرس البغل، فالله تعالى حبس الآفات عن طعامه وشرابه ولم يحبس عن حماره ليشتبه عليه أمره ولا يقدر على قياس ثم تبيَّن بتبيين الله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ الواو لأحد معنيين: إما لكونه معطوفًا على سبب مضمر قبله أو التقديم مسبّب بعده (٦) كقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧) و (العظم) ما جاوز حدَّ العصب صلابة من جسَد الحيوان و (اللحم) ما جاوز العلقة انعقادًا. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي﴾ نزلت في إبراهيم، والقصَّة فيه أن نمرود لما لبس أمر الإحياء والإماتة على الناس أحبَّ إبراهيم ﵇ (٨) أن يصير

стр. 436

ذلك من جهة الله تعالى محسوسًا (١) له بعد أن كان معقولًا (٢)، والدليل على مزية العلم الضروري على غيره أنك تقول فيما علمته بالأخبار علمته حتى كأني شاهدته، ولا تقول فيما شاهدته علمته حتى كأني عقلته، وقيل: إن نمرود توعَّده إن لم يره ما ادِّعاه لربِّه تعالى من الإحياء والإماتة، وقيل أن إبراهيم مرَّ على جيفة فرأى السباع تصيب منها والطيور، وربما ألقت الطير بعض أجزائها في البحر فتلقمه الحيتان، فخطر بباله من كيفية الإحياء بعد التلاشي فسأل ربه أن يريَه كيف يحيي الموتى، والإراءة إحداث الرؤية في الرائي، وذلك لا يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد وربما كان إظهار الموتى له فيتعدَّى إلى مفعولين (٣). والمراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إثبات إيمانه كما قال حسَّان (٤): ألستُم خيرَ من ركِبَ المطايا ... وأندى العالمينَ بطون راحِ وكان (٥) هذا السؤال لإظهار شأنه للسامعين وتزكية عن الشكِّ والإنكار كسؤاله عيسى ﵇ (٦): ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٧) ﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنتُ، ولكن أريد هذه الرؤية ليطمئنَّ قلبي ولا يخطر بباله شيء من الشبه (٨)،

стр. 437

والاطمئنان هو السكون ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال محمد بن كعب (١) وعبد الله بن سلام: أخذ ديكًا وحمامة وطاوسًا وغرابًا (٢)، وعن ابن عباس بدل الطاوس بطة (٣)، فقطعهن وخلط بعض أجزائهن ببعض ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ وأمسك الرؤوس ففعل ذلك ثم ناداهنَّ فامتازت أعضاء كلٍّ منهن وائتلفت به ثم أتته سعيًا ثم دفع إلى كل شخص رأسه. و (الصرّ) (٤) القطع (٥)، و (الجبل) الطود، وهو واحد الأجبل،

стр. 438

و (السعي) العدو والمشي. قيل: فائدة تخصيص الطير عموم الاعتبار ولأنها تطير كالجن وتمشي كالإنس والبهائم والحشرات وتبيض كالحيتان. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في الحثِّ على النفقة من فرض ونفل واتصالها بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وما بينهما من القصص عارض، وفي الآية مضاف مضمر تقديره: مثل نفقة أو كمثل زراع حبَّة (١) والحبة ثمرة السنبل والسنبلة من الزرع كالعنقود من الكرم والنخل، وفيها تشريف عدد السبع قبل ينبت ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وقيل: هذا شيء متصور وإن لم يوجد، وذلك يكفي في التمثيل لقوله: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ يزيد على سبعمائة مثلها فصاعدًا. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (٢) (٣)، (الإتباع) الإعقاب (المنّ) تذكير النعمة اقتضاء

стр. 439

الشكر، وذلك لا يحقُّ إلا لله (١) تعالى؛ لأنَّه هو المنعم على الحقيقة و (الأذى) النكرة والشتم على الصدقة أو الحلف المكروه بالفقير بتعييره ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ مبتدأ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عطف عليه خبر على التفضيل (٢) و (الصدقة) ما يتصدق به من الخير والمعروف ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن الصدقات ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بعقوبة المانِّ بصدقته. ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ إبطال الصدقة إحباط ثوابها، ولا يحبط الخير شيء إلا المنّ لهذه الآية، والكفر لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ والربا لهذه الآية، ولأنه لا يقع لوجه الله كالذي يحتمل أن يكون تشبيهًا بمشار معروف من المنافقين أو من اليهود والمشركين، ويحتمل أن يكون تشبيهًا لمن يوجد بهذه الصفة و (الرياء) مصدر كالمرأة (الصفوان) الحجر الأملس و (التراب) أجزاء الأرض و (الوابل) المطرُ الشديد (الصلد) الحجر الذي لا غبار له وهو يبرق، ويقال للأرض التي لا تنبت صلدة. ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ تثبتنا والتفصيل يجوز مكان التفعل عند زوال الاشتباه قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٣) وقيل: تثبيت النية أو الثواب. والرَّبوة والرُّبوة والرِّبوة والرباوة وهو ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء (٤) وهي أبهى بقاع الأرض وأبهجها، وفي حديث الفردوس: "ربوة الجنة"

стр. 440

والأكل الثمار المأكول له ﴿وَابِلٌ﴾ طش وهو المطر، وإنما قالَ ذلك لأنَّ مثل هذه البقعة قلَّ ما يحط به المطر من وابل أو طل (١)، وقولُه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية مثل كمثل الصفوان وفيه تحذير عن موجبه ونقيضه وهو المنّ والأذى. ﴿نَخِيلٍ﴾ جمع نخلة واحدته نخلة ﴿وَأَعْنَابٍ﴾ جمع عنب، والعنب ما يسمى يابسه زبيبًا، وإنما خصهما لأنهما أعم نفعًا لأنه ينتفع به (٢) حالة الرطوبة والجفاف والعصر تفكهًا واقتياتًا وتداويًا (٣) ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ الشيخوخة، قال زكريا ﵇: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ (٤) ﴿ضُعَفَاءُ﴾ جمع ضعيف كالفقراء والشركاء، والمراد به: النسوان والولدان الذين لا يهتدون بِحِيْلَةٍ ولا كسب ﴿فَأَصَابَهَا﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ لأنه بمنزلة لو كانت يقال وددت أن يكون كذا ووددت أن لو كان كذا (الإعصار) من النكبات وفي المثل: إن كنت ريحًا فقد (٥) لاقيت إعصارا (٦) يضرب لمن

стр. 441

يعتقد قدره (١) في نفسه فيبتلى بمن فوقه. و (الاحتراق) افتعال من الإحراق، والإحراق إفساد (٢) النار الشيء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ فيها أمر بالنفقة فهو على الوجوب، ولذلك قلنا العشر واجب من قليل الخارج وكثيره، ولقوله ﵇: "فيما سقت السماء العُشر" (٣) و (التمِمم) القصد و ﴿الْخَبِيثَ﴾ ضدّ الطيب، والمراد به الحرام، وقيل: هو الرديء من الجنس كالمهزول والمسن من السائمة والسود من البيض والدقل من الرطب والمتدود من الرطاب ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ من غير مائكم ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي إلا على إغماض أو بإغماض عن حقكم مسامحة ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في صفاتِهِ وقيل: شكور مثنٍ على عباده بخير وفقهم هو له، فعملوه بإذنه. ﴿الْفَقْرَ﴾ خلو اليد عن المال، فالشيطان يخوِّف المتصدِّق به ويأمره بمنع الزكاة، عن مقاتل: كل فحشاء في القرآن فهو بمعنى الزنى إلا هذه. ﴿يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إن من أوتي الحكمة اعتقد وعد الله لا وعد الشيطان (٤). وفي قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ حثٌّ على الصدقة والعزم على الخير وإيجابه والنذر إيجاب خير في الذمة والتزام طاعة لم يكتبها الله، وفي الحديث: "قضى عمر وعثمان في الملقاط بنصف نذر الموضحة" (٥)

стр. 442

بفتح الذال يعني الأرش وهو عبارة عن الواجب أيضًا، وفي فحوى قوله: ﴿اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ القبول والإنابة، والهاء راجعة إلى الظالمين الآخذين بوعد الشيطان الممسكين عن النفقة. ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ الصدقة (١) تظهروها، ومنه البداء وهو ظهور الشيء في الرأي و (نعم) ضد بئس ﴿تُخْفُوهَا﴾ تسرُّوها (٢) فيما يستحبّ أبدلوه من الصدقات هي الزكاة المفروضة وما تنفقون في سبيل الله بالتعاون وما يستحبّ إخفاؤه صدقة التطوّع ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ لأن ما يخفى لا يخالطه العجب والرياء ويحتمل الوصف من غير تفضيل، وتكفير السيئة مغفرتها وتمحيصها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ نزلت فيمن دفع الصدقة المسنونة والمندوبة إليهم، والسبب في ذلك أن أسماء بنت عُميس (٣) (٤) امرأة أبي بكر (٥) امتنعت عن الإنفاق على أقاربها من المشركين في عمرة القضاء إلى أن تستأذن رسول الله ﷺ (٦) فنزلت (٧)، وقيل: إنَّ (٨) الأنصار أمسكوا عن

стр. 443

الإنفاق على أقاربهم من الكفار ليضطرُّوهم إلى الإسلام (١) فأنزل (٢)، ومعناه لا تسأل عنهم لتؤخذ بضلالتهم ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ خاصٌّ في المؤمنين المخلصين، وقيل: هو خبر بمعنى النهي (التوفية) التكملة والقضاء. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ﴾ نزلت في المستحقين الزكاة وفيها إضمار (٣) وتقديره: صدقتكم المفروضة للفقراء أو (٤) ادفعوا إلى الفقراء ﴿أُحْصِرُوا﴾ أشغلوا عِن الكسب بما ألزموا من الهجرة والغزو وأنواع الصدقات ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ مشيًا وتقلُّبًا ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ يظنُّهم من لا يعلم حالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾ من سبب تعفُّفهم عن السؤال والإلحاح و ﴿التَّعَفُّفِ﴾ (٥) التصبر، وقال جرير: وقائلة ما للفرزدق لا يرى ... عن السرِّ يستغني ولا يتعفَّف (٦) و (السيما) علامة الحال تبدو في الوجه كالضيزى والشعرى

стр. 444

و (الإلحاف) الإلحاح لأنَّ السائِل إذا ألحَّ فقد جعل سؤاله لازمًا للمسؤول شاملًا إياه كاللحاف. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ كانت له أربعة (١) دراهم ليس له غيرها، فسأله سائل بالنهار فأعطاه درهمين، وسأله سائلٌ بالليل فأعطاه درهمين، وخرج من (٢) ماله فأنزل الله ثناء عليه (٣)، وقيل: نزلت في علف دواب المجاهدين (٤). وقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ الفضل (٥) في المداينات وإنما نزلت على فضلِ الصدقات لأنه في الأموال، والربا (٦) في اللغة عبارة عن الزيادة والنماء، وفي الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفات معهودة، والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري: "الذهب ... " الخبر (٧) تلقته الفقهاء بالقبول فدخل في حيِّز التواتر، وعلَّتها بقياس غيرها عليها التقدير مع الجنس؛ لأنَّ التقدير تعلق به الحكم كالجنس لا يقومون يوم القيامة. ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ والخبط باليدين كالذي (٨) بالركبتين والرمح

стр. 445

بالرجلين والتخبط (١) كمثل، وفيه معنى الصرع والمس إلمام الجن وهو الجنون، وذلك إشارة إلى قيامهم ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قاسُوا أن الزيادة في آخر العقد بالإنساء كما هي في أول العقد (٢)، فردَّ الله عليهم قياسهم وعاقبهم على ذلك وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٣)﴾ قال: ما سلف، أي ما سبق حالة الحظر ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عفا عنه ما ارتكب من الشيء المكروه في العقول بغير إباحةٍ في الشرع، والدليل على كراهته في العقل أنه يؤدي إلى قطع الرحم والأخوة ويذم فاعله ولا يحمد. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ﴾ المحق النقص (٤) يعني ذهاب البركة، ومنه محاق القمر ﴿وَيُرْبِي﴾ يزيد الصدقات بالإثابة عليها، جاء على التجنيس (٥) كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ وقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ في العائد على آكل الربا مستحلاًّ له (٦).

стр. 446

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عارضة وإنما اقتضى الحث على دفع الصدقة وترك الربا (١) بالترغيب في ثواب الطاعة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ نزلت في عباس وعثمان وخالد قد أسلفوا وأُمروا بتركه (٢). والأظهر أنها نزلت في مسعود (٣) وحبيب (٤) وعبد ياليل (٥) وربيعة [أبناء] (٦) عمرو بن عمير الثقفي (٧) كانوا يداينون بني

стр. 447

المغيرة ابن عبد الله المخزومي وغيرهم من قريش وكانوا (١) قد أسلموا على أن كل ربا (٢) عليهم فهو موضوع (٣) (وكل ربا (٤) لهم فهو غير موضوع) (٥) وكان ﵇ (٦) أمر بأن يكتب لهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلممن، وكان فعلهم (٧) هذا دفعًا لهم وحسن نظر في شأنهم من غير خيانة ولا غَدْر، كما روي أن رجلًا أسلم على أن لا يصلِّي إلا صلاتين فقبل (٨) ﵇ (٩) إسلامه، فلما تمكَّن الإسلام من قلبه دخل في الصلوات كلها، وهؤلاء الثقفيّون ظنّوا أنه أجابهم إلى ملتمسهم فلما حلَّ الأجل طالبوا بني المغيرة فاختصموا إلى عتَّاب بن أسيد (١٠) فكتب أسيد قصتهم إلى رسول الله ﷺ (١١) فأنزل الله الآية وبعثها النبي ﵇ (١٢) إليهم فأذعنوا لأمر الله وعلموا أن حكم المؤمنين (١٣) ذلك لا

стр. 448

الذي توهَّموه من قبل (١). و (البقاء) ضدُّ الفناء و (الحرب) ضد السلم و (رأس المال) أصله (٢) [﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الربا (٣) و ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بمنع رأس] (٤) المال. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مديونًا لكم، و (العسرة) ضيق المعيشة والحال، والعسر ضد اليسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أي تصدقكم بالإبراء خير لكم من النظرة. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ روى الكلبي عن أبي صالح (٥) عن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل ﵇ وقال النبي ﵇ (٦): "ضعها في رأس المائتين وثمانين من سورة البقرة" (٧) ونزولها بمنى في حجة الوداع، وعاش النبي ﵇ (٨) بعدها أحدًا (٩) وثمانين يومًا (١٠)، وفي رواية:

стр. 449

إحدى (١) وعشرين يومًا (٢)، وعن ابن جريج: تسعة أيام (٣)، وهذا يقتضي أن يكون نزولها بالمدينة بعد الرجوع عن حجة الوداع، يقال: وفيت حقك ووفيت حقك إليك ما كسبت جزاء ما كسبت من عمل، وقيل: ما كسبت من جزاء بعملها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ التداين المداينة، وإنما أكَّد بدين لئلاَّ يوهم المجازاة، وقيل: للتأكيد كما تقول: تكلَّمت بكلام وإنما قال: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ليعلم أن الدين إنما يكون مؤجلًا وأن جهالة (٤) الأجل في البيوع نسيئة (تفسدها) وإنما هو لفظ وتسمية لا شيء غيرها، قال ابن عباس: أشهد أن الله تعالى أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم وأنزل فيه الحول آية من كتابه (٥). ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ليكون الصك وثيقة للحق وهو على الندب، ولهذا أبدل (٦) الرهن منه وجوَّز الائتمان بعدهما كانت بالعدل لا ينقص من حق الدائن ولا يزيد على المديون، فلذلك استحبَّ تعديل الشروط. ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ نهى عن الندب والاستحباب يدلُّ على أن الكاتب يحبُّ أن يكون عالمًا بالشروط، وقيل: شكرًا لما علمه الله ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ أي فيملي (٧) كما يقال: تطننت وتطلينت (٨) و (الإملاء) إلقاء الكلمة على الكاتب، وأصلهُ من الإمهال لأنه يلقى فيميل ليكتب ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ليكون

стр. 450

ذلك إقرارًا منه ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ ينقص قال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. و (السفيه) الجاهل عند مجاهد (١) لم يذكر صغرًا ولا كبرًا، وهو ينصرف إلى الصغير لذكر (٢) الضعيف بعده، وبه قال السدي (٣)، والضعيف ضعيف العقل من عتهٍ أو جنونٍ، وقيل: من لا يحسن العبارة ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ لا يقدر ولعجمة أو خرس ﴿وَلِيُّهُ﴾ ولي المديون عن الضحاك وابن زيد (٤). ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الأحرار المسلمين كقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ شهودًا ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ ممن تحمدونهم بالصلاح والعفَّة دون الفسق والمجون، وفسق الديانة من أهل الدين لا يبطل الشهادة كشهادة أهل (٥) الكتاب بعضهم على بعض بخلاف فسق (٦) المجنون، والمراد بالضلال النسيان والتذكير والادِّكَار الذكر، وزعم ابن عيينة (٧) (٨) أنه ما يضاد

стр. 451

التأنيث ففيه (١) نظر إذا ما دعوا لإقامتها إلى الحاكم (٢) عن قتادة والربيع (٣). ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ لا تملّوا ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿أَقْوَمُ﴾ أبلغ في انتظام الشهادة وتلخيصها عن الزيادة والنقصان وصونها عن النسيان. (التجارة الحاضرة) ما تكون يدًا بيد. ﴿تُدِيرُونَهَا﴾ صفة ثانية للتجارة، و (الإدارة) التعاطي ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ [إن كانت الراء المدغمة مفتوحة فمعناه أن لا يشتغل الكاتب والشهيد عن شغلهما] (٤) وإن كانت الراء المدغمة مضمومة فمعناه أن لا (٥) يميلا فيضرا بأحد المتعاقدين. ﴿فَرِهَانٌ﴾ ارتفع لتقدير وهو بدل عن الكتاب (٦) وأجمعوا أن الرهن ما يأخذه الدائِن من ملك المديون بحق العقد لا يجوز أن يكون الحر والمكاتب وأم الولد مرهونًا وكذلك قولنا في المدبر واتفقوا أَنَّ القبض شرط في الرهن، ولذلك لم يجز رهن المشاع لأنه يؤدي إلى زوال القبض بالمهاياة. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية منسوخة عن ابن عباس وابن

стр. 452

مسعود وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسَن (١)، وهذا يدلُّ على جواز نسخ الوعيد على ما سبق من وجوه النسخ، فإن قيل: هل كان يجوز قبل النسخ تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: هو على وجهين: تكليف ما لا يتوصل إليه إلا بطلب النفس وهو جائز عقلًا وشرعًا لجواز طلب الحق إذا كان وجوده مرجوًا من غير إلمام النفس كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) الآية، والآخر تكليف ما لا يتوصل إليه بوجه ما، وهو جائز على وجه العقاب والعدوان دون التعبُّد، قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (٣) وقال ﵇: "من كذب في رؤياه كلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقدهما أبدًا" (٤) وقيل: الآية عامة خصصها قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويحتمل أنها عامة في اللفظ خاصة في المعنى لدلالة الحال، ويحتمل أنها فيما سبيله الاعتقاد دون العمل، ويحتمل أن تكون المحاسبة على وجه الإخبار دون السؤال والجزاء، قيل:

стр. 453

لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ شقَّ ذلك على المؤمنين فشكوا إلى النبي ﵇ فـ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فأثنى الله تعالى على نبيِّه وعلى المؤمنين بذلك وخفَّف عنهم، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي ﵇ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: "هذا باب من السماء فتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم"، فنزل منه ملك فقال: "هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم" فسلَّم على رسول الله فقال: "أبشر بنورين أوتيتَهما لم يؤتَهُما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم البقرة لم تقرأ بحرف إلا أعطيته" (١) فأما ابتداء نزول الآية فقيل أنه كان ليلة المعراج وإنما قال: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ لأنه ردّ في اللفظ ولو ردّ إلى المعنى لقال: آمنوا، وقد نزل القرآن بالطريقتين جميعًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وإنما لم يبن (كل) إذ أنقطع عن المضاف لأن فيه معنى الإضافة، وإن انقطع بخلاف قبل وبعد ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ﴾ أي يقولون: لا نفرق ضدَّ ما قالت الكفار: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ﴾. ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ السمع الإجابة والطاعة إتيان الطاعة واستعمالها وهي ضد المعصية ﴿غُفْرَانَكَ﴾ نصب على سبيل السؤال والطلب قريب من الإغراء (٢). ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ الآية قيل أن جبريل قال للنبي ﵇: إن الله

стр. 454

تعالى أثنى عليك وعلى أمتك فسله حاجتك، فدعا النبي ﵇ بهذه الدعوات فذكر الله أخبارًا عنه وعن أصحابه ليكون ذلك ثناء عليهم أيضًا، وعن علي قال: خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ النسيان ضد الذكر، وكانت المؤاخذة عليه جائزة على ما سبق في تكليف ما لا يطاق، فأما من يُعرض اليوم للنسيان فيجوز أن يكون مؤاخذًا أيضًا، والخطأ ما يقع من غير قصد كتولد القتل من الضرب وإصابة الإنسان برمي الصيد ﴿إِصْرًا﴾ ثقلًا كتحريم البقية، وقال ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ مثل ما أوجبته على من قبلنا من تعليق التربة بالقتل وقطع الجلد بإصابة النجاسة ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ لا تكلِّفنا ما يستحيل فعلهُ منَّا على وجه العذاب والعقاب ولا ما يتلف أنفسنا علينا في فعله على وجه الشرع و (التحميل) التكليف، وفي المثل: النفس عَزُوف وما حملتها احتملت. ﴿وَاعْفُ﴾ امسح ومحص عنا ذنوبنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ واستُر قبائحنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أرد بنا الخير، وهذه الأدعية وغيرها عبادة وإظهار للحاجة وتعرض القضايا المعلقة بالشروط دون أن يطالب الله بإحداث ما لم يشأه ولم يعلمه إذ ذاك ﴿فَانْصُرْنَا﴾ أعنَّا على قهرهم وردِّهم ولا تكلنا في ذلك ولا غيره إلى أنفسنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وعن النبي ﵇ مخبرًا عن الله تعالى عند كل فصل من هذه الأدعية: "فعلتُ واستجبت"، والله أعلم. ***

стр. 455

الخاتمة الحمد لله الذي بفضله ومنَّته أكرمني بهذا العمل الجليل حتى يسَّر لي بلوغ خاتمة بحثي واكمال فصوله ومباحثه، فعلَّقت على كلِّ ما يحتاج إلى تعليق فجليت المبهمات وفصَّلت المجملات وحررت المسائل المختلفة وترجمتُ الأعلام وأسندت الأشعار إلى دواوينها والمفردات إلى معاجمها، وناقشتُ المسائل الفقهية والأصولية والعقدية واللغوية والنحوية وأوضحتُ الراجح منها وفق الأدلة والبراهين والاستدلالات بعيدًا عن الجمود والتعصب متجردًا للحق. وقد جليت عملي وأوضح التى بسطت طبيعة عملي في التحقيق من خلال الفصول والأبواب والمباحث التي تضمنها العمل وفق المعايير العلمية في تحقيق المخطوطات. كما تجلَّى لي من خلال عملي في هذا الكتاب أن مادة الكتاب تحوي جوانب عدة تعرض لها المؤلف: الجانب الأول: أن مادة الكتاب بسطت بأسلوب في غاية السهولة والجزالة والاختصار، فهي تصلح لعامة طبقات القُرَّاء المتخصصين منهم وغير المتخصصين. الجانب الثاني: أن مادة الكتاب يمكن أن نستلَّ منها معجمًا لغويًا لكثرة المفردات اللغوية التي طرقها المؤلف وبسط القول في معانيها. الجانب الثالث: أن المؤلف قد حرر وناقش كثيرًا من المسائل النحوية والإعرابية، بل يكاد يطغى على كثير من صفحات هذا الكتاب التفسير

стр. 456

النحوي، زيادة على ذلك إسناده لمذاهب النحاة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه والفراء والزجاج والكسائي وغيرهم من أعلام النحاة والمدارس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية، ويمكننا أن نجعله مرجعًا ومصدرًا لمعرفة آراء النحاة. الجانب الرابع: المسائل البلاغية المنثورة في الكتاب على قلَّتها فقد بسط القول فيها وحررها في مواضعها، وهذا مما يستغرب على المؤلف الذي يعد إمام البلاغيين وكان المتوقع أن يحشو مادة الكتاب بهذا الجانب لكن ربما أراد أن يأخذ كتابه طابع الاختصار. الجانب الخامس: بسط المؤلف في أسباب النزول بكثرة، ولو جمعت من التفسير كله لاستوعبت مجلدًا كاملًا لكثرتها. الجانب السادس: استعمل المؤلف أسلوب التقسيمات فيما يحتاج إلى تقسيم، والتعداد فيما يحتاج إلى تعداد، والتفصيل فيما يحتاج إلى تفصيل وهكذا محاولًا تحقيق أسلوب الحصر لهذه المسائل لتقريبها. وبهذا يتبين لنا قيمة الكتاب وما يحويه من مادة علمية رصينة، وقد بذلت قصارى جهدي بعد ما أدركت جلالة الكتاب وقدره وجلالة وقدر مؤلِّفه، مما دفعني إلى مضاعفة الجهد بأقصى ما لديَّ من إمكانيات. وأرجو أن أكون قد أدَّيتُ ما عليَّ بأحسن وجه بما يرضي الله ثم بما يرضي قُرَّاءَنا الكرام، والله الموفق. ***

стр. 457

توصيات ١ - يوصي الباحث بضرورة الاعتناء والاهتمام بهذا الكتاب وطباعته لما يتضمنه من محتويات علمية رصينة، وما لمؤلفه من مكانة مرموقة بين الباحثين والعلماء. ٢ - كما أوصي نفسي أولًا - حيث أخذت العهد عليها- بإتمام باقي الكتاب إلى تفسير سورة الناس ليخرج الكتاب كاملًا وليحصل به النفع. ٣ - أوصي الباحثين في مجال النحو والصرف بالاستفادة من تحرير المسائل النحوية المنثورة في هذا الكتاب فهي كثيرة ومفيدة جدًا لا يستغني عنها طالب العلم. هذا والله أسأل أن يكون عملي خالصًا لوجه الله تعالى. والحمد لله رب العالمين. ... إلى هنا ينتهي العمل برسالة الماجستير التي قدِّمَت لجامعة الجنان في لبنان - وقد نقلنا الفهارس إلى آخر التفسير، وذلك لتوحيد العمل ولئلا يتشتت القارئ

стр. 458

دَرْجُ الدُّرَرِ في تَفْسِير الآي والسُّورْ تَأليِفْ عَبْد القَاهِر بن عَبْد الرَّحمن الجرجَاني المتوفي (٤٧١هـ) تحقيق وَليدْ بن أحمَد بن صَالِح الحُسَيْن * إيَاد عَبْد اللَطيف القَيْسي مِنْ سُورَة آلْ عِمْران إِلى سُورَة التَّوْبَة المجلَّد الثَّاني

стр. 459

سُورَة آلْ عِمْران مدنية (١)، وهي مائتا آية في غير عداد أهل الشام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن أبي إسحاق والربيع أنَّ نيفًا وثمانين آية مِنْ أوّل هذه السورة نزلت في وَفْد نجران (٢)، وقد مضى تفسير حروف المقطعة. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أصْل التورية عند الكوفيين تورية بوزن تَوْصِية، فلما أخرجوا اللفظ مِنْ حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة (٣)، فانقلبت الباء ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها (٤)، وهو معنى

стр. 460

الإيراء؛ لأنّ الله تعالى أورى لموسى ﵇ نارًا، وكان ذلك سبب كتابه، فُسمّي كتابه بذلك، وقيل: سمي لكونه (١) ضياء وهدى، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. وقيل: إنّه مِن التعريض؛ لأن التعريض في التوراة كثير. وقيل: إنّه باللغة العبرية (توروه) (٢) وهو الأدب المتأدب. وعند البصريين وزن التورية وَوْرَية كقوصرة قلبت الواو الأولى تاء كما في تَوْلَج، مشتق من الإيراء. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ إفعيل مِنَ النَّجل، والنَّجل عبارة عن الولادة والتولّد والتوليد، يقال: قبح الله ناجليه، أي والديه، وإنما سُمّي كتاب عيسى بذلك لأنَّ الحكمة تتولد منه (٣)، وقال الأصمعي: الإنجيل كُلّ كتاب مسطور وافر السطور (٤). وقيل: إنّ الله تعالى أعطى المسيح أربعَ كلمات، فأعطاها هو أربعة (٥) نفر من الحواريِّين: يوحنا ومتّى ومرقوش من جملة الاثني عشر، ولوقا من جملة السبعين، فاستخرج هؤلاء الأربعة من تلك الكلمات معانيها بإلهام مِنَ الله، وضمّنوها كتابًا وسمّوه الإنجيل؛ لأنّه كالمتولّد مِنْ تلكَ الكلمات الأربع (٦).
следующие страницы →