← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

النحوي، زيادة على ذلك إسناده لمذاهب النحاة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه والفراء والزجاج والكسائي وغيرهم من أعلام النحاة والمدارس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية، ويمكننا أن نجعله مرجعًا ومصدرًا لمعرفة آراء النحاة. الجانب الرابع: المسائل البلاغية المنثورة في الكتاب على قلَّتها فقد بسط القول فيها وحررها في مواضعها، وهذا مما يستغرب على المؤلف الذي يعد إمام البلاغيين وكان المتوقع أن يحشو مادة الكتاب بهذا الجانب لكن ربما أراد أن يأخذ كتابه طابع الاختصار. الجانب الخامس: بسط المؤلف في أسباب النزول بكثرة، ولو جمعت من التفسير كله لاستوعبت مجلدًا كاملًا لكثرتها. الجانب السادس: استعمل المؤلف أسلوب التقسيمات فيما يحتاج إلى تقسيم، والتعداد فيما يحتاج إلى تعداد، والتفصيل فيما يحتاج إلى تفصيل وهكذا محاولًا تحقيق أسلوب الحصر لهذه المسائل لتقريبها. وبهذا يتبين لنا قيمة الكتاب وما يحويه من مادة علمية رصينة، وقد بذلت قصارى جهدي بعد ما أدركت جلالة الكتاب وقدره وجلالة وقدر مؤلِّفه، مما دفعني إلى مضاعفة الجهد بأقصى ما لديَّ من إمكانيات. وأرجو أن أكون قد أدَّيتُ ما عليَّ بأحسن وجه بما يرضي الله ثم بما يرضي قُرَّاءَنا الكرام، والله الموفق. ***

стр. 457

توصيات ١ - يوصي الباحث بضرورة الاعتناء والاهتمام بهذا الكتاب وطباعته لما يتضمنه من محتويات علمية رصينة، وما لمؤلفه من مكانة مرموقة بين الباحثين والعلماء. ٢ - كما أوصي نفسي أولًا - حيث أخذت العهد عليها- بإتمام باقي الكتاب إلى تفسير سورة الناس ليخرج الكتاب كاملًا وليحصل به النفع. ٣ - أوصي الباحثين في مجال النحو والصرف بالاستفادة من تحرير المسائل النحوية المنثورة في هذا الكتاب فهي كثيرة ومفيدة جدًا لا يستغني عنها طالب العلم. هذا والله أسأل أن يكون عملي خالصًا لوجه الله تعالى. والحمد لله رب العالمين. ... إلى هنا ينتهي العمل برسالة الماجستير التي قدِّمَت لجامعة الجنان في لبنان - وقد نقلنا الفهارس إلى آخر التفسير، وذلك لتوحيد العمل ولئلا يتشتت القارئ

стр. 458

دَرْجُ الدُّرَرِ في تَفْسِير الآي والسُّورْ تَأليِفْ عَبْد القَاهِر بن عَبْد الرَّحمن الجرجَاني المتوفي (٤٧١هـ) تحقيق وَليدْ بن أحمَد بن صَالِح الحُسَيْن * إيَاد عَبْد اللَطيف القَيْسي مِنْ سُورَة آلْ عِمْران إِلى سُورَة التَّوْبَة المجلَّد الثَّاني

стр. 459

سُورَة آلْ عِمْران مدنية (١)، وهي مائتا آية في غير عداد أهل الشام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن أبي إسحاق والربيع أنَّ نيفًا وثمانين آية مِنْ أوّل هذه السورة نزلت في وَفْد نجران (٢)، وقد مضى تفسير حروف المقطعة. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أصْل التورية عند الكوفيين تورية بوزن تَوْصِية، فلما أخرجوا اللفظ مِنْ حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة (٣)، فانقلبت الباء ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها (٤)، وهو معنى

стр. 460

الإيراء؛ لأنّ الله تعالى أورى لموسى ﵇ نارًا، وكان ذلك سبب كتابه، فُسمّي كتابه بذلك، وقيل: سمي لكونه (١) ضياء وهدى، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. وقيل: إنّه مِن التعريض؛ لأن التعريض في التوراة كثير. وقيل: إنّه باللغة العبرية (توروه) (٢) وهو الأدب المتأدب. وعند البصريين وزن التورية وَوْرَية كقوصرة قلبت الواو الأولى تاء كما في تَوْلَج، مشتق من الإيراء. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ إفعيل مِنَ النَّجل، والنَّجل عبارة عن الولادة والتولّد والتوليد، يقال: قبح الله ناجليه، أي والديه، وإنما سُمّي كتاب عيسى بذلك لأنَّ الحكمة تتولد منه (٣)، وقال الأصمعي: الإنجيل كُلّ كتاب مسطور وافر السطور (٤). وقيل: إنّ الله تعالى أعطى المسيح أربعَ كلمات، فأعطاها هو أربعة (٥) نفر من الحواريِّين: يوحنا ومتّى ومرقوش من جملة الاثني عشر، ولوقا من جملة السبعين، فاستخرج هؤلاء الأربعة من تلك الكلمات معانيها بإلهام مِنَ الله، وضمّنوها كتابًا وسمّوه الإنجيل؛ لأنّه كالمتولّد مِنْ تلكَ الكلمات الأربع (٦).

стр. 461

عن (١) عبد الله بن سلام وأخيه عُبيد الله عن الصامين باليمن أنّ الإنجيل الصحيح عندهم أملاه عليهم المسيح ﵇، وأن هذه (٢) الكتب الأربعة كتب التلامذة، اكتتبها (٣) لهم يهودي وحرّف الكَلِم عن مواضعه. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ الانتقام: المعاقبة وهو افتعال من النقمة، والنقمة: العقوبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى﴾ لا ينكتم عليه ﴿شَيْءٌ﴾ وضدّه الظهور، وإنّما لم يقتصر على ﴿شَيْءٌ﴾؛ لأنَّ ذِكر السماء والأرض أبلغ في التهديد وأوقع في النفوس (٤). ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ التصوير: إحداث الصورة، والصورة (٥) شكل الأجسام حقيقة ويعبر بها عن كيفية كل متكيف، وأصلها من الإحالة، و (٦) ﴿الْأَرْحَامِ﴾ جمع رحم، ككبد وأكباد وفخذ وأفخاذ، وهي موضع الحيض والحبل، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ كما يشاء من غير إلجاء أحد أو أمره إيّاه، إذْ هو أعلى (٧) مِنْ (٨) أنْ يكون أمرُه تحت أمر ونهي هاباحة وحظر، وممّن صوّره في الرحم عيسى ﵇، والتصوير يوجب التخليق (٩)، والتخليق: قبل ولادته.

стр. 462

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال الربيع بن أنس: نزلت في وفد نجران حيث قالوا للنبي ﵇ (١): أليس عيسى روح الله وكلمته؟ قال (٢): نعم، حسبنا هذا (٣). كأنّهم ذهبوا إلى روح الله، وكلمته هو ما قدّروه نفسًا لا هويته وتوهموها فعبدوها فأنزل الله الآية وهي في المتشابه والمحكم، قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقيل: نزلت في اليهود حيث أوّلوا الحروف المقطعة على مدة بقاء هذه الأمة من طريق حساب (٤) الجمل (٥)، وهي أصله يرد إليه كل من أوّل متشابهًا، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ من البدعة والضلالة، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ (٦) عن هذه الآية فقال (٧): "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم" (٨). وسئل محمَّد بن إسحاق بن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال: بدعة ابتدعوها ولم يكن (٩) أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين يتكلمون في تلك، وكانوا ينهون عن ذلك ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة (١٠). والمحكم ما أحْكم وجهه بتشديد (١١) اللفظ وتلخيصه، فلم يترك

стр. 463

للمتأول فيه متعلَّق وإنّما قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يقل أمهات الكتاب؛ لأنّه اعتبر المعنى وهو الأصل فجعل الآيات شيئًا واحدًا، ثم وحّد وقرب منه (١)، كقوله تعالى (٢): ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٥]. و ﴿وَأُخَرُ﴾ جمع أُخرى، وإنما لم يصرف (٣) للتأنيث، والعدل (٤) عند البصريين، وقال الكسائي: لأنّه صفة كالاسم مثل عُمَر (٥)، ﴿زَيْغٌ﴾ مَيل عن

стр. 464

الحق. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال (١): ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ: ١٢]. (يتبعون) يتتبعون، و (التأويل) ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر، وقيل: هو تبيين ما يؤدي إليه فحوى الخطاب على وجه الاستخراج. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: مآله ومصيره وما يؤدي إليه، وها هنا وقف تام، وفي قراءة أبي: ويقول (٢): ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، وكذلك روى طاوس عن ابن (٣) عباس، وفي مصحف عبد الله: ﴿إنْ تأويله إلا عند الله﴾، ثم استأنف (٤): ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾. وقال أبو حاتِم: والراسخون في تقدير: وأما الراسخون، وإلى هذا ذهب في مسألة القدر والصفات علي وعائشة وأم سلمة وغيرهم، وإحدى فوائد نزول (٥) المتشابه الائتلافات، قيل: هل كان النبي ﵇ (٦) يعلم تأويل هذا النوع من المتشابه؟ قلنا: يجوز أن يعلم بالتوقيف (٧) لا مِنْ جهة نفسه، كما علم أشياء مِنَ الغيب. فإنْ قيل: هل يجب الإيمان بغير المعلوم؟ قلنا: نعم للإعجاز (٨) الحاصل بالنظم المعلوم ووقوع بائن معناه موافق للمحكم المعلوم، وفي

стр. 465

معناه ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (١)﴾ [النساء: ١٦٢] (الرسوخ): الغاية في الثبوت، وفي الحديث: "الإيمان راسخ بالقلب مثل الجبال الرواسي (٢) " (٣). ﴿رَبِّنَا﴾ محمول على ﴿آمَنَّا﴾، أي: يقولون (٤): ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تخذلنا ولا تمسك عنّا (٥) توفيقك وتزيغ قلوبنا، وقيل: لا تعاقبنا على ذنوبنا على إزاغة قلوبنا (٦)، وقيل: لا تكلفنا البحث عن المتشابه فتفرق (٧) بنا الأهواء، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ أي: أعطنا، وإنّما عبر عن الإعطاء بالهبة؛ لأنّه تمليك بغير بدل، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ مِنْ عندك وكل ما هو في الغيب أو كان شأنه موقوفًا على حكم الله تعالى، يقال: هو عند الله؛ لأنّه لا سبيل لغيره إليه بوجه ما، ﴿رَحْمَةً﴾ نَعمة وهي الهدى أو العافية أو الجنة دون اتصاف الرحمن برحمته (٨). ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لشأن يوم (٩) أو إلى يوم، ويحتمل أنّ اللام هي التي تدخل في التواريخ، و (الجمع) ضمّ أحد المفردين إلى الآخر، ﴿لَا

стр. 466

يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: هو غير متصرف بما يقتضي بغضًا أو ذمًا و ﴿الْمِيعَادَ﴾ وقت الوعد من الله مِنْ عذاب الله وعقابه. ﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف وما بعده خبر مبتدأ تقديره: (وإنّهم كدأب) ويحتمل: أن الذين كفروا كدأب آل فرعون، أي: كفرهم (١)، والدأب: الشأن المعتاد. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ الغلبة: القهر والاستيلاء والاستعلاء. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ الآية: العلامة والعبرة، و ﴿وَأُخْرَى﴾ (٢) رفع على سبيل الابتداء (٣) كأنّك قلت: إحداهما. قال الشاعر: إذا مِتُّ كانَ الناسُ صنفين شامت ... وآخرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنع (٤) ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مثل الشيء ما لا يميّز بينه وبينه على وجه (٥) المشابهة والمجانسة (٦) أو على الإحالة (٧)، فإنْ كان على سبيلِ المجانسة (٨) فهو

стр. 467

غيره لأنّه يتميز عنه بالمكان أو ببعض الصفات، وإذا كان على طريق الإحالة (١) فمثل الشيء نفسه؛ لأنّ التميّز بين الشيء ونفسه محال، والمراد هاهنا الكمية والعدد دون الطول والعرض وغيرهما، فإنْ كان المراد به القلّة (٢) فهو صرف رؤيتهم عن المجموع، وإن كان المراد به الكثرة فهو على سبيل اللبس والتخييل، وتقديره: (يرونهم حينئذٍ كأنّهم مثلاهم) لاستحالة أن يزيد الشيء على كميته فيكون واحد اثنين في حالة واحدة، ووقوع الخلاف في المشاهدة مع عدم الحيل البشرية والأغراض الفاسدة المعهودة من الأول (٣) ونحوه لا يكون إلا مِنْ فعل الله تعالى، فإذا (٤) أظهر ذلك لنبي من الأنبياء كان ذلك إعجازًا (٥)، وإنما قال: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ للتأكيد، قال الفراء (٦): مثل الشيء اثنان؛ لأنّ (٧) مثل الشيء ضعفه، وضعف كميته مرتين وضعفاه هو مثله مرتين (٨). و"التأييد" الإعانة والمعونة وذلك إشارة إلى (٩) الأمر والشأن (١٠) و (العبرة) فعل

стр. 468

المعتبر كالقعدة والجِلْسة، و (الاعتبار) باتخاذ المذهب والمعبر للنفس إلى مقصود (١) يتوصل إليه بالعقل. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ على أحد معنيين حبّ المتشهيات أو الحب الشهوي، فأضافه إلى أصله كقولهم (٢) من بهيمة، و (الشهوة): توقان النفس. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، والقنطار مجموع كثير من المال أقله ما قاله السدي مائة (٣) رطل من ذهب أو فضة (٤)، وأكثره ما ذكره أبو عبيدة من قول العرب أنه وزن شيء لا يحدونه، وفيما بين القولين أقوال (٥)، ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مُنفْعَلة كقولهم: (ألف مؤلّفة) و (بدرة مبدرة)، وقيل: معناه المضعّفة، فأقل ما يفيد اللفظ تسعة قناطير. و ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ منطبعان من الجوهر جعلهما الله تعالى (٦) ثمنين للأشياء، فالذهب أصفر إلى الحمرة والفضة أبيض. ﴿وَالْخَيْلِ﴾ اسم جنس للفرس (٧) والبرذون والحصان والروكه وهو معطوف على القناطير دون الذهب والفضة. و ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الراعية. عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والربيع (٨) يقول: أسمتها

стр. 469

وسومتها فهي سايمة (١)، قال الله تعالى: ﴿شَجَرٌ (٢) فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠]. وعن ابن عباس: أنها المعلمة (٣) من السيماء، قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع نَعَم، والنَعَم: الماشية من الإبل والبقر والغنم لا واحد لها (٤) من لفظه، و ﴿الْمَآبِ﴾ المرجع. قال عبيد بن الأبرص (٥): فكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ طلب الإصغاء من المستمعين وليس باستئذان. وكذلك قوله: هل أنبئكم، ألا أنبئكم، ﴿جَنَّاتٌ﴾ رفع على الابتداء عند البصريين وعلى أنه خبر الكلام عند الكوفيين، وأجاز البصريّون "جناتٍ" على الجرّ بدلًا عن لفظة "خير" وعلى النصب بدلًا من خبر محمولًا على محله دون لفظه، ولم يخبر الفراء المكان الفاصل، وإنما كان المعاد خبرًا من المعاد لمعان (٦) (٧) أحدهما: الأمن من زوال النعمة (٨).

стр. 470

(الأسحار) جمع سَحَر كأسفار وسَفَر، والسحَر أوان انفلاق الصبح، وإنما خصّ ذلك الوقت بالدعاء؛ لأن اليقظة في ذلك الوقت أضن على النفس وأخلص لوجه الله تعالى، والقائمين بالليل يفرغون من الصلاة تلك الساعة فيشغلون بالدعاء والاستغفار كما أخبر الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨] فإنّما نصب على القطع (١). وتقديره: شهد الله القائم بالقسط إقامة القسط، [وقيامه بالقسط: إقامة القسط] (٢) في العالم بين العقلاء كما يقال: فلان قائم بالحوايج، ويحتمل أن يكون القسط صفة من اسمه المقسط فيكون عبارة عن قيامه مقسطًا، وثبوته عادلًا من غير كيفية وحال كما يقال: فلان قائم بالخلافة والإمارة. و ﴿الدِّينَ﴾: الحكم، ولذلك يقال للحاكم: الدّيان، وفي حديث بعض التابعين: كان علي ديّان هذه الأمة، قال الأعشى للنبي ﵇:

стр. 471

يا مالك الملك وديان العرب (١) والدين الطاعة (٢) من قولهم: دان فلان لفلان. وقيل: العادة والسُّنّة، قال الشاعر (٣): تقول إذا دَرَأْتُ لها وضيني ... أهذا دِينهُ أَبَدًا ودِيني؟ و ﴿الْإِسْلَامُ﴾ الانقياد لله تعالى في الناسخ من أحكامه والمنسوخ، وفيما قدر من خير وشر وحلو ومر، وترك المنازعة والابتداع، وقد علم أهل الكتاب هذا ثم أبوا قبول الناسخ وابتدعوا في الدين، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تهديد لمن كفر بآياته. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ (٤)، وإنما كان قوله:

стр. 472

﴿أَسْلَمْتُ﴾ جوابًا لهم من أوجه أربعة: أحدها. أنهم حاجّوه في عبادة المسيح فقالى: بل أسلم وجهي لمن استوجب العقول عبادته ضرورة ولا أعبد غيره اشتباهًا ومنية. والثاني: أنهم أقروا بوجوب عبادة الله فسلموا له دعواه ثم ادعوا عبادة آخر معه فأجابهم بأنه أخذ المجموع دون المختلف ديه. والثالث: أنهم الحق في لزوم سير (١) معهودة بعضها منسوخ (٢) وبعضها بدعة، فقال ﵇: "بل الحق في الانقياد لله فيما يمحو أو (٣) يثبت". والرابع: أنه أعرض (٤) عن جدالهم وأخبر بما يقطع جدالهم كقول موسى ﵇ حيث قال فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الشعراء: ٢٧، ٢٨]. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ بمعنى الأمر (٥) كقوله (٦): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ومثل: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧) [هود: ١٤] و ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافات: ٥٤]، و ﴿الْبَلَاغُ﴾ اسم من التبليغ كالعذاب والتعذيب والكلام من

стр. 473

التكليم، وتبليغ الرسالة أداؤها وإيصالها، وفي قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ تمهيد لعذر النبي ﵇ بعد البلاغ، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ معنى التهديد. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ عن أبي عبيدة بن الجراح أن بني إسرائيل قتلوا من أول النهار في ساعة واحدة ثلاثة وأربعين نبيًا، فقام إليهم مائة رجل من الصّالحين ينهونهم فقتلوهم أيضًا (١). وقد قتلوا زكريا ويحيى ﵉ (٢) وسعوا في قتل المسيح ﵇ (٣) أبلغ سعي، وسمّوا نبينا ﵇. والفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٤) على الجزاء ليضمن الاسم الموصول نوعًا من الشرط. حبوط عملهم في الدنيا أنه لم يفعلوا حسنًا، وحبوطه في الآخرة بطلان الثواب. ﴿نَاصِرِينَ﴾ من عذاب الله تعالى، وإنّما جمع ناصرين لنظم الآي. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام يقتضي ذم المستفهم عنه كما تقول: ألم تر إلى خبث فلان، ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما بقي من التوراة مصونًا عن التحريف والتبديل بتغيير اللفظ أو التأويل، ﴿إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ جميع (٥) التوراة (٦)،

стр. 474

وقيل: هو القرآن المعجز (١)، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ بإسلام إبراهيم، ونعت نبينا ﵇ (٢)، وآية الرجم وسائر ما خوطبوا به من أمر الدين، وإنما أكّد التولي بالإعراض لأن من المؤتمرين من يتولى عن الأمر وينصرف (٣) من عنده مقبلًا على الطاعة فنفى هذا الإيهام. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ تعليل لجرأتهم بقولهم الذي اختلفوا فيه ثم اعتقدوه، ﴿وَغَرَّهُمْ﴾ خدعهم، و ﴿مَا﴾ في محل رفع (٤) لإسناد الغرور إليه مجازًا (٥). ﴿فَكَيْفَ﴾ في هذا الموضع لتفخيم الأمر وتهويله، والمستفهم عنه مضمر تقديره: كيف يصنعون أو كيف يحتالون أو كيف يعتذرون. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قيل أن رسول الله (٦) أخبر أصحابه يوم الخندق بفتح فارس وملك الروم، فقال بعض المنافقين: هذا الرجل ليس يأمن في (٧)

стр. 475

بيته حتى صار يحتدق على نفسه ثم يطمِع في ملك الملوك! فأنزل الله الآية (١) تنافيه معنى الدعاء والسؤال، و ﴿اللَّهُمَّ﴾ في الأصل: يا الله، فعلّق بآخره الميمان بدلًا عن حروف النداء عند البصريين. وقال الفراء: أرى أن الميم في آخره بقية كلام وتقديره: يا الله أم بالخير، أي: اقصد، مثل هلم إلينا، وقيل: ميم جمع ألحقت بالاسم وذلك جمع الخلق (٢)، و ﴿اللَّهُمَّ﴾ على هذا آله الخلق وآله العباد زيدت ميم أخرى للتأكيد أو زيادة كما زيدت في عبثم ونحوه. وعن الحسن أن ﴿اللَّهُمَّ﴾ مجمع الدعاء. وعن أبي رجاء العطاردي: في هذا جماعة سبعين (٣) اسمًا من أسماء الله تعالى. وعن النضر بن شميل (٤): من

стр. 476

دعا بهذا الاسم فقد دعا الله بجميع أسمائه (١)، ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الذي يكون له المملكة وملك اليمين، ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ أي: البسطة والسلطان، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ تجذبه وتسلبه، ﴿وَتُعِزُّ﴾ تجعله عزيزًا من أي وجه كان دنياويًا كان أو عقباويًا، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ تجعله ذليلًا من أي وجه كان، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: تحت يدك وسلطانك وتصرفك وإحداثك، وإنما خص الخير دون الشر لمعنيين: أحدهما: أن الله يوسف بأنه رب محمَّد ورب إبراهيم ولا يحسن أن يوسف برب الكلب والخنزير إلا عند العموم. والثاني: أن كل فعل لا يقع منه إلا حميدًا فيه نوع مصلحة عاجلًا أو (٢) آجلًا، والذم ينصرف إلى المكتسبين للأفعال (٣). ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الإيلاج: الإدخال، فالله تعالى يدخل بعض ساعات الليل في النهار إذا قدر طلوع الشمس بالصيف في البروج

стр. 477

الشمالية، ويدخل بعض ساعات النهار في الليل إذا قدر طلوع الشمس بالشتاء في البروج الجنوبية، ويجعل كل النهار ليلًا (وكل الليل نهارًا) (١) بتفاوت الحساب بين السنة القمرية والسنة الشمسية، ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الجماد كالطير من البيض، والنفس من النطفة، والدود من الأنداء، والعاقل من السفيه، والمؤمن الولي من الكافر العدوّ، ويخرج الجماد من الحي كالشعر والنطفة والبيض من الحيوان، والسفيه من العاقل، والكافر العدو من المؤمن الولي. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ نهى عن (٢) المغابنة فلايكن من دون المؤمنين، أي: مع موالاة المؤمنين إلا أنه يقتضي نوع حقًا (٣) وامتياز كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣]، وذلك إشارة إلى اتخاذ الأولياء ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن دين الله كقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ويحتمل: ليس من رحمة الله وإثابته، ﴿فِي شَيْءٍ﴾ ثم استثنى (٤) من أظهر (٥) موالاتهم خوفأ على نفسه كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. روي أن قريشًا (٦) كلفوا عمارًا وأصحابه على شتم رسول الله ﷺ (٧)، ففعل عمار وأصحابه ثم أخبروا رسول الله ﷺ (٨) فصوّبهم جميعًا.

стр. 478

وأخذ مسيلمة (١) الكذاب رجلين من المسلمين فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. [قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم] (٢). قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ، فكرر عليه قوله مرارًا والرجل يقول قوله، فأمر بضرب عنقه، ولما سمع ذلك رسول الله ﵇ (٣)، قال: "أما الأول، فقبل رخصة الله تعالى، وأما الآخر فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئًا له" (٤). والاختيار الثبات لأنه من عزائم الأنبياء لم يكن له رخصة في التقية قط والأخذ به أولى، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ ينذركم ويأمركم أن تتقوا مقته وسخطه. ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ "يوم" نصب على الظرف لأحد الأشياء الأربعة: أحدها: الخبر الذي في ليس (٥).

стр. 479

والثاني: المصير (١). والثالث: العقاب المضمر بالتحذير (٢). والرابع: الجر في فحوى يعلمه (٣) الله. ﴿وَمَا﴾ في محل النصب لوقوع الوجود أو الود عليه (٤)، والأمد: الأجل والغاية نصب بأن، والكافر إنما يتمنى بُعد الأمد كما يتمنى طول الأجل ولا محيص، و (إحضار الأعمال) إحضار ثوابها وإحضارها في جوهر قابل لها كالمرآة يقبل الصورة أو كان العرض عينًا قائمة. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ﴾، (إن) كانت في شأن المؤمنين فـ (إن) (٥) بمعنى إذ، وإن كانت في شأن الكفار فإن للشرط على قضية زعمهم (٦). ﴿اصْطَفَى آدَمَ﴾ أبونا صفي الله ﴿وَنُوحًا﴾ وهو ابن ليك بن متوشالخ بن أنوخ، وأنوخ هو إدريس ﵇ بن الياردين بن مهلايل بن فتبين بن

стр. 480

أنوش بن شيت النبي ﵇، ونوح اسم أعجمي سمي نوح لكثرة نياحته وبكائه من خشية الله تعالى، بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ولم يؤمن به إلا شرذمة، ولما أتاح الله له النصرة والفرج أوحى الله إليه أن اصنع الفلك على ما سنذكره، ثم إنه لما خرج من السفينة وعاد إلى الدنيا بهجتها نشر الله ذريته في أقطار الأرض من بنين ثلاثة: سام (١) وهو ولي (٢) عهد أبيه وولده (٣) إرم وأرفخشد (٤). ويافث وهو المبرّك المرضي وولده الترك والخزر والأسبان والصقالب ويأجوج ومأجوج. وحام وهو الطريد المدعو عليه وولده قرط وكوش وكنعان منهم الهند والسند والسودان. وأما عمران قيل: هو أبو موسى وهارون، وقيل: هو جد عيسى ويحيى (٥)، وهذا أصح (٦). واصطفاهم بالرسالة لقوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وتخصيص الأربعة لأن كل واحد أصل موصل بافتتاح وحي بعد فترة وغاية في الإسناد والانتشار والاعتراف. والعالم (٧) الذي اصطفى الله آدم عليهم هم (٨) الملائكة المأمورون

стр. 481

بالسجود، وأمره بأن ينبئهم بأسماء الأشياء ﴿ذُرِّيَّةً﴾ نكرة نصب على البدل (١) ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقالة امرأة عمران حنَّة (٢). وعمران هو ابن ماثان بن إلياقيم (٣) من ولد داود (٤) من أشراف بني إسرائيل وعبَّادهم، وكان صهرًا (٥) لزكريا النبي ﵇. إيشاع (٦) أخت مريم و (المحرر) الذي تجرد للعبادة. ويكون حبيسًا (٧) لخدمة المسجد [لا يعمل للدنيا فهو المعتق في اللغة، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لأن الذكر يمكنه لزوم المسجد] (٨) عامة أحوالِهِ. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عارض تلفظت به لحاجة في نفسها وليس بمتصل بالدعاء، فمن قاله جعل مريم من أسماء الأعلام، وقيل: هو متصل بالدعاء، ومريم التي لا تريد الرجال، وقيل: لا تطاوع في الشر. وعن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "ما من مولود إلا ويمسُّه الشيطان حين يولد ولذلك يستهلُّ (٩) صارخًا إلا مريم وابنها" (١٠). وهذا عموم بمعنى الخصوص لأنَّه روي أنَّ الملائكة (١١) نزلت يحرسون نبينا ﵇

стр. 482

حين ولد، وروي أنَّ فاطمة الكبرى (١) وضعت عليًا في جوف الكعبة (٢) ولا سبيل للشيطان إليها (٣). ﴿بِقَبُولٍ﴾ ولم يقل بتقبل لأنهما بمعنى، وكذلك لم يقل إنباتًا لأن في النبات معنى الإنبات كقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]، ولم يقل: معاهدة، وقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ [البقرة: ٢٣٦] في آية المتعة ولم يقل (٤): تمتعًا، وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يقل: بتداين. (الكفالة) قبول في معنى الضمان، و (المحراب) الصومعة سميت لبعد ارتفاعها وكونها منفردة منقطعة، ومنه سمي القصر محرابًا، وسمي صدر المسجد محرابًا (٥)، و (الرزق) الذي كان يجيئها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء (٦). عن ابن (٧) عباس والضحاك ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، وعن الحسن أنه كان يأتيها من الجنة، وفي هذا أبين دلالة على جواز كرامة الأولياء من عند الله مِنْ قضائه وحكمته.

стр. 483

﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون إخبارًا من قول مريم ويحتمل أن يكون كلامًا مستأنفًا. ﴿هُنَالِكَ﴾ من الأسماء المشار بها إلى الظروف، فهنا أقرب وهناك بعده وهنالك أبعد منه كذا وذاك وذلك، وحقيقتها للأماكن وقد تستعمل في الأزمنة لإيهامها. ﴿دَعَا﴾ لما شاهد كرامة مريم ازداد رجاء أن يرزقه الله ولدًا حالة الشيخوخة وإن كان مخالفًا للعادة، ﴿طَيِّبَةً﴾ اعتبار اللفظ أُنّث النعت وذكر الفعل اعتبارًا بالمعنى. ﴿فَنَادَتْهُ﴾ قيل: ملك من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، وقيل: ناداه جبريل ذكره بلفظ الجمع تشريفًا له (١)، (يحيى) اسم لا ينصرف للعلمية أو للمضارعة مع التعريف (٢)، ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على القطع أو الحال بكلمة عيسى ﵇ (٣) أو الإنجيل أو وحي [اختص يحيى ﵇ بتصديقه من قبل أبيه أو من قبل نفسه، ﴿وَسَيِّدًا﴾ إمامًا ورئيسًا، ﴿وَحَصُورًا﴾ لا يشتهي النكاح عن ابن مسعود (٤)، وذلك لغلبة حالة الخوف عليه، والأنبياء من كان يخشع مرة] (٥) ويبتهج أخرى، ﴿وَنَبِيًّا﴾ من الأنبياء، وقيل: على التقديم والتأخير: وحصورًا من الصالحين ونبيًّا، إلا أنه قدم وأخر النظم.

стр. 484

وإنما قال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ طمعًا منه أن يعيده الله شابًا وامرأته شابة أو ليريه آية من طريق المشاهدة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أو لم يعلم أن الغلام المبشر يكون من امرأته هذه (١) (...) (٢) أنه من غيرها أو يأمره الله باتخاذ ولد ولده غيرهما، و (الغلام) الصبي و (العاقر) التي يهلك النسمة في رحمها لانسداد وخلل في طبيعتها ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كما ذكرنا، وقيل: عمد جبريل إلى سعفة يابسة فحركها فصارت رطبة، فالتشبيه وقع بها، وقيل (٣): كذلك تقدير كلام السائل مجازًا على وجه الرفق، ﴿اللَّهُ﴾ رفع بالابتداء. ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ كسؤال إبراهيم، وقيل: كان (٤) من حين استجيب له إلى أن حبلت امرأته أربعون سنة، فطلب الآية ليعلم أوان الحبل، ﴿رَمْزًا﴾ إيحاءً (٥)، ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ العشية وهي مدة ما بين العصر إلى العشاء الآخرة، وقيل: من الظهر إلى العشاء، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ صيرورة الزمان بكرة، وهي وجه النهار مقدمه ومنه الباكورة. ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ واو استئناف بدل عن الأول، ﴿اصْطَفَاكِ﴾ لولادة عيسى من غير زوج، وقيل: هذا الاصطفاء بدل عن الاصطفاء الأول (٦)، ﴿نِسَآءِ

стр. 485

الْعَالَمِينَ﴾ عالمي زمانهم، ومعنى التطهير: من العيوب والذنوب، وقيل: من الحيض والأدناس، وقيل: من مسيس الرجال (١)، وتقديم السجود لا يوجب تقديمه على الركوع لأن الواو للجمع والاشتراك دون الترتيب لأن الواو في الاسمين المختلفين كالنسبة في المتفقين وإنما بدىء في الصفا لقوله: "ابدأوا بما بدأ الله" (٢) ذلك إشارة إلى البناء المذكور. والهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾ عائدة إليه، و (الوحي) إعلام في السر، والخطاب يوجب العلم ضرورة ﴿يُلْقُونَ﴾ الإلقاء الطرح والإيقاع، (القلم) القدح سمي به لأنه يبرى، ومنه سمي السهم قلمًا، وقلم الكاتب قلمًا، ومنه (٣) تقليم الأظفار، والقصة في ذلك أنّ عباد مسجد بيت المقدس وأحباره تنازعوا في كفالله مريم وضربوا بالقداح فخرج سهم زكريا ﵇ (٤)، وقيل: كانت لهم أقلام من الحديد يكتبون بها وحي الله تعالى فألقوها في الماء فطفا قلم زكريا ورسب سائر الأقلام (٥)، وإنما جعل الله هذا الخبر إعجازًا لنبينا ﵇ (٦)؛ لأنَّ هذا النوع من العلم لا يستفاد إلا بالقراءة والكتابة أو بمجالسة أهل العلم أو بوحي من عند الله، وقد عدم منه الوجهان الأولان، فتعين الثالث.

стр. 486

﴿بِكَلِمَةٍ﴾ روح، والروح جوهر لطيف مَسموع بسمع ما فعله الله من غير شيء وأودع كلامه الذي قاله وتكلم به فهو من كلام الله كالنفس من كلام خلقه، ومزية الروح على الريح كمزية النفس على التراب والحياة تركب هذين الجوهرين. وإنما سمي (مسيحًا) لأنّ زكريا مسحه بالدهن ودعا له بالبركة أو (١) لأنه تمسّح بصنع يحيى بن زكريا من ماء الأردن أو لمساحه الأرض بسياحته فيها أو لأنه كان يمسح التراب فينام عليه بلا فراش ولا بساط أو لأنه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرآن (٢) بإذن الله تعالى، أو كان أمسح القدمين غير أخمصهما (٣). ﴿وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو القدرة والجاه ﴿الْمُقَرَّبِينَ﴾ المخصوصين بإمامة الأولياء والخطاب والتوفي من غير موت والتجلي. ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ صفة، أي: ومكلمًا في المهد، أي: في حالة الرضاعة حيث قال: إني عبد الله، ﴿وَكَهْلًا﴾ نصب على الحال. والفائدة أنه ولد لثمانية أشهر والعادة جارية أن المولود لثمانية أشهر لا يعيش، وقيل: الفائدة أنه رفع وهو شاب فيكلم الناس كهلًا حين ينزل، والكهل الذي تم شبابه وقارب الشيخوخة وحدّ ذلك بثلاث وثلاثين سنة. واكتهل النبت إذا تم طوله (٤).

стр. 487

﴿بَشَرٌ﴾ إنسان، روي أن زكريا زوّجها من يوسف بن داود النجار، فلما (١) صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها فكف عنها، وكان رجلًا صالحًا فكره أن يغشى عليها وائتمن أن يسرحها خفية، فتزايا له ملك في النوم وبشره بأمر عيسى حقيقة ففرح وسكن إلى أن ولدت، ثم حملها وابنها إلى ناصرة خوفًا من آجاب الملك، وقيل: من هوادش الملك (٢). ﴿وَرَسُولًا﴾ عطف على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ (٣)، ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: قائلًا إني قد جئتكم، ويحتمل أنه أراد به (٤) الرسالة؛ لأنّ الرسالة في معنى القول والخلق ها هنا بمعنى (٥) التأليف والتصوير دون التكوين (٦)، ﴿الطِّينِ﴾

стр. 488

التراب المؤلف بتأليف دون الحجر، ﴿كَهَيْئَةِ﴾ أي: مثل هيئة، والهيئة كيفية البنية، يقال: هاء ويهاء وهيئة (١)، و (النفخ) تعجل النفس وغيره، والهاء عائدة إلى المثال أو الطين. (الإبراء) إزاحة (٢) الضرر من مرض أو دين، و ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الذي ولد أعمى، ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ الذي به برص وهو داء تبيضُّ منه البشرة، وأما بياض يد موسى نفى الله عنها الداء (٣) حيث قال: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] و (الادخار) افتعال من الدخر، فالدخيرة ما تعد لنا في الحال من متاع ونحوه، وكانوا يدَّعون معرفة الله تعالى فقال: إن كنتم تعرفون الله ففي هذا آية لكم لأن من صفة المعروف جل ذكره أن لا يفعل الإعجاز دعوة إلا لنبي مختار مخير. ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ معطوف على قوله: ﴿بِآيَةٍ﴾ أو مقترنًا أو معجزًا بآية من ربكم، وهو حال للمجيء، و (أحل لكم) معطوف على مصدقًا، أي: لأصدق ولأحل وهو لحوم الإبل والثروب وبعض الطيور والحيتان. عن سعيد بن جبير وقتادة ووهب (٤)، وهذا يدلّ أنّ الله أحل لهم طيبات حرم الله على اليهود، ولم يحل لهم الظلم والعدوان والكفر، والأب في كلام عيسى ﵇ (٥) هو الفاعل لأنّ الرجال تكنى بأفعالهم؛ كني النبي ﵇ (٦) أبا القاسم لقسمه بين الناس رزق الله تعالى، وكني علي أبا تراب لاضطجاعه على التراب مرة (٧)،

стр. 489

وكني أنس أبا حمزة لأنه كان يجتنى بقلة فسمى (١) حمزة، ويقال للأرض: أم لأنها مبتدأ الخلق، وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩] أي: مآله، ويقال: ابن كذا، أي: مبلغ زمان بقائه فسمي ابنًا من غير ولادة. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ الإحساس من النفس كالعقل من الروح، وهو مستعمل في معنى الرؤية والسمع والعلم (٢)، قوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، وقال ﷺ (٣) لرجل: "متى أحسست أم ملدم؟ "، يعني: الحمى (٤). وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ على وجه الحث والإغراء ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؟، ويقال (٥): (الذود إلى الذود إبل)، وقيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ في السبيل، أي: مرضاته. وقيل: من أنصاري إلى الله، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] (٦).

стр. 490

﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾ قال ابن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم (١)، وكانوا يصطادون السمك، وكان أفضلهم شمعون الصفا، فقال لهم: تصحبونني فتصطادوا الناس فآمنوا به. وعن الضحاك أنهم كانوا قَصَّارين محوَّري الثياب (٢)، وعن عطاء أن مريم أسلمته إلى كبير القصّارين ليتعلم الحرفة، فتعلم عنده أيامًا، ثم عرض لهذا (٣) الأستاذ بسفر مدة عشرة أيام فدفع أثوبة (٤) الناس إلى عيسى ﵇، وأمره بأن يصنع كل ثوب منها بلون آخر وأن يغسل بعضها فجعل جميعها في جبّ واحد. قال لها: تكوني (٥) بإذن الله كما أريد، فلما رجع الأستاذ طالبه بالأثوبة، فأشار إلى جب واحد ففزع الأستاذ وضاق ذرعًا، وقال: أيها الصبي أفسدت أثوبة الناس، قال ﵇ (٦): قم وانظر، فجعل الأستاذ يخرج الأثوبة بعضها مغسولًا وبعضها مصبوغًا بألوان مختلفة من صبغ واحد، فعلم أنه من فعل الله فآمن هو وأصحابه بعيسى ﵇ (٧)، فهم الحواريون، [ثم لقب هذا اللقب كل ناصر لنبي، حتى قال النبي ﵇ (٨): "لكل نبي حواري وحواري طلبة والزبير (٩) "] (١٠)، وقيل: الحواري المتجرد

стр. 491

للنصرة المتمحض في الموالاة. وقال الأزهري (١): هم (٢) خُلْصَان الأنبياء (٣). وتأويله: الذين أخلصوا ونُقُّوا عن كل عيب (٤)، ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أولياؤه ﴿وَاشْهَدْ﴾ وإنما طلبوا منه ذلك لتحقيق الموالاة وتبركًا ليتأكد حالهم بها. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾ أي فاكتب أسماءنا مع أسماء المؤمنين (٥)، وقيل: المراد بالشاهدين: الشهداء (٦). ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ عامل بالظرف، والمكر إيصال الشرّ في السرّ، فمكرهم ما احتالوا في قتل عيسى وفي صلبه، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون (٧)، وإنما قيل: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك

стр. 492

إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين (١). ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل: أمات الله عيسى ثلاث ساعات (٢) ثم أحياه ورفعه من غير صلب ولا قتل وأُلقي (٣) مثاله على غيره (٤)، وقيل: متوفيك: قابضك، وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها: إني رافعك ومطهرك من الذين كفروا (٥)، أي: في الحال، ومتوفيك: أي (٦) بعد الزوال، وقال السدي (٧): المصلوب رئيس من رؤساء اليهود دخل ليخرج عيسى ﵇ (٨) من بيته فألقى الله مثاله عليه ورفعه ﵇ (٨)، وقيل: المصلوب هو الموكل الذي كان عليه رقيبًا، وقيل: المصلوب الذي ارتدّ من الحواريين وشقي بعيسى ﵇ ودلّ اليهود عليه، وقيل: إنّه أخبر برفعه فاتخذ ضيافة لأصحابه وأطعمهم ثم أتى بماء فتطهروا به، ثم طلب منهم أن يسألوا الله تعالى تبقيته فيما بينهم وخرج من عندهم ثم اطلع عليهم فوجدهم هجوعًا فأعاد الماء إليهم وأيقظهم، وطلب منهم أن يتطهروا ثانيًا

стр. 493

ويسألوا الله تبقيته فيما بينهم، فتطهروا وتشمروا للصلاة والدعاء، وخرج عيسى ﵇ ثم التفت إليهم فوجدهم سامدين نائمين، فأعاد الماء إليهم وأمرهم أن يتطهروا وقال: سبحان (١) الله أما عهدت إليكم منشورًا منه (٢)، وتطهروا وقصدوا للصلاة والدعاء فخروا نائمين، فعند ذلك أيقن عيسى ﵇ (٣) بأنه لا محالة مرفوع، وقال: مَنْ الذي يفديني بنفسه ويكون معي في الجنة؟ فاختار ذلك شمعون، فألقى الله تعالى مثاله ﵇ (٣) ورفع عيسى ﵇ (٤) (٥). وروي أن مريم جاءت بالليل تحت الصليب مع طائفة من الحواريين يبكون وينوحون (٦) فأظهر الله تعالى لهم عيسى حيًا غير مصلوب حتى كلمهم وبشرهم بسلامة نفسه وبأنّه راجع إلى الدنيا، ووجه أولئك الحواريين إلى البلاد وأوصى إلى كل واحد وصيته (٧). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [اليهود والنصارى، أما اليهود] (٨) فلدعوتهم صلب عيسى ﵇ (٩) وغير ذلك، [وأما النصارى فلتسليمهم دعوى اليهود وبغير ذلك. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة] (١٠) إلى ما سبق و ﴿نَتْلُوهُ﴾ خبر له والباقي خبر ثانٍ،

стр. 494

أو ﴿ذَلِكَ﴾ (١) معنى الذي، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ (٢) صلة له والخبر قوله ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾، ﴿الْآيَاتِ﴾ (٣) آيات الله ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الذي يفيد الحكمة، قيل: إنّ (٤) وقد نجران قالوا لرسول الله ﵇ (٥): إنك سبيت صاحبنا سميته عبدًا، فقال ﵇ (٥): "ليست العبودية بعار على أخي"، قالوا: أرنا عبدًا مثله وجد بغير أب، فضرب الله تعالى هذا المثل (٦). وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية، شبهه بآدم في الوجود من غير أب فقط كما شبه الهلال بالعرجون والكفار بالأنعام، و ﴿آدَمَ﴾ معرفة (٧)، ﴿خَلَقَهُ﴾ كلام مستأنف ليس بصفة ولا حال، فيكون تقديره فصار تكون

стр. 495

شيئًا بعد شيء على التدريج وكأنه لم يكن حيًا دفعة واحدة، وذلك سنة الله في خلق الأشياء (١) للتمكين من الاعتبار (٢)، وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كُنْ﴾، ثم ابتدا فقال: ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: يكون (٣) كل مأمور بأمر. فلما نزلت ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ دعا ﵇ (٤) وقد نجران إلى المباهلة وخرج بنفسه متيقنًا بما أوحى إليه ربه، معه علي وفاطمة والحسن والحسين، ولم يخرج وقد نجران وتكعكعوا عن ذلك لما كان فيهم من التشكيك والظن، فقال ﵇ (٤): "لو خرجوا للمباهلة لاضطرم (٥) الوادي عليهم نارًا"، وجعل آله تحت كسائه ثم دعا فقال: "اللَّهم هؤلاء آلي والِ مَنْ والاهم وانصر مَنْ نصرهم واخذل من خذلهم" ورجع مستجابًا له بفضل مِنَ الله ورحمته، والتزم وقد نجران الجزية وصالحوا على الفيء حلة وثلاثين درعًا عادية من حديد (٦). ﴿تَعَالَوْا﴾ هلموا، والتعالي إلى الشيء التقارب منه على سبيل العلو حقيقة وعلى غيره (٧) مجازًا، والتعالي عن الشيء: التباعد منه على سبيل
следующие страницы →