← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

للنصرة المتمحض في الموالاة. وقال الأزهري (١): هم (٢) خُلْصَان الأنبياء (٣). وتأويله: الذين أخلصوا ونُقُّوا عن كل عيب (٤)، ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أولياؤه ﴿وَاشْهَدْ﴾ وإنما طلبوا منه ذلك لتحقيق الموالاة وتبركًا ليتأكد حالهم بها. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾ أي فاكتب أسماءنا مع أسماء المؤمنين (٥)، وقيل: المراد بالشاهدين: الشهداء (٦). ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ عامل بالظرف، والمكر إيصال الشرّ في السرّ، فمكرهم ما احتالوا في قتل عيسى وفي صلبه، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون (٧)، وإنما قيل: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك

стр. 492

إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين (١). ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل: أمات الله عيسى ثلاث ساعات (٢) ثم أحياه ورفعه من غير صلب ولا قتل وأُلقي (٣) مثاله على غيره (٤)، وقيل: متوفيك: قابضك، وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها: إني رافعك ومطهرك من الذين كفروا (٥)، أي: في الحال، ومتوفيك: أي (٦) بعد الزوال، وقال السدي (٧): المصلوب رئيس من رؤساء اليهود دخل ليخرج عيسى ﵇ (٨) من بيته فألقى الله مثاله عليه ورفعه ﵇ (٨)، وقيل: المصلوب هو الموكل الذي كان عليه رقيبًا، وقيل: المصلوب الذي ارتدّ من الحواريين وشقي بعيسى ﵇ ودلّ اليهود عليه، وقيل: إنّه أخبر برفعه فاتخذ ضيافة لأصحابه وأطعمهم ثم أتى بماء فتطهروا به، ثم طلب منهم أن يسألوا الله تعالى تبقيته فيما بينهم وخرج من عندهم ثم اطلع عليهم فوجدهم هجوعًا فأعاد الماء إليهم وأيقظهم، وطلب منهم أن يتطهروا ثانيًا

стр. 493

ويسألوا الله تبقيته فيما بينهم، فتطهروا وتشمروا للصلاة والدعاء، وخرج عيسى ﵇ ثم التفت إليهم فوجدهم سامدين نائمين، فأعاد الماء إليهم وأمرهم أن يتطهروا وقال: سبحان (١) الله أما عهدت إليكم منشورًا منه (٢)، وتطهروا وقصدوا للصلاة والدعاء فخروا نائمين، فعند ذلك أيقن عيسى ﵇ (٣) بأنه لا محالة مرفوع، وقال: مَنْ الذي يفديني بنفسه ويكون معي في الجنة؟ فاختار ذلك شمعون، فألقى الله تعالى مثاله ﵇ (٣) ورفع عيسى ﵇ (٤) (٥). وروي أن مريم جاءت بالليل تحت الصليب مع طائفة من الحواريين يبكون وينوحون (٦) فأظهر الله تعالى لهم عيسى حيًا غير مصلوب حتى كلمهم وبشرهم بسلامة نفسه وبأنّه راجع إلى الدنيا، ووجه أولئك الحواريين إلى البلاد وأوصى إلى كل واحد وصيته (٧). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [اليهود والنصارى، أما اليهود] (٨) فلدعوتهم صلب عيسى ﵇ (٩) وغير ذلك، [وأما النصارى فلتسليمهم دعوى اليهود وبغير ذلك. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة] (١٠) إلى ما سبق و ﴿نَتْلُوهُ﴾ خبر له والباقي خبر ثانٍ،

стр. 494

أو ﴿ذَلِكَ﴾ (١) معنى الذي، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ (٢) صلة له والخبر قوله ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾، ﴿الْآيَاتِ﴾ (٣) آيات الله ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الذي يفيد الحكمة، قيل: إنّ (٤) وقد نجران قالوا لرسول الله ﵇ (٥): إنك سبيت صاحبنا سميته عبدًا، فقال ﵇ (٥): "ليست العبودية بعار على أخي"، قالوا: أرنا عبدًا مثله وجد بغير أب، فضرب الله تعالى هذا المثل (٦). وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية، شبهه بآدم في الوجود من غير أب فقط كما شبه الهلال بالعرجون والكفار بالأنعام، و ﴿آدَمَ﴾ معرفة (٧)، ﴿خَلَقَهُ﴾ كلام مستأنف ليس بصفة ولا حال، فيكون تقديره فصار تكون

стр. 495

شيئًا بعد شيء على التدريج وكأنه لم يكن حيًا دفعة واحدة، وذلك سنة الله في خلق الأشياء (١) للتمكين من الاعتبار (٢)، وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كُنْ﴾، ثم ابتدا فقال: ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: يكون (٣) كل مأمور بأمر. فلما نزلت ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ دعا ﵇ (٤) وقد نجران إلى المباهلة وخرج بنفسه متيقنًا بما أوحى إليه ربه، معه علي وفاطمة والحسن والحسين، ولم يخرج وقد نجران وتكعكعوا عن ذلك لما كان فيهم من التشكيك والظن، فقال ﵇ (٤): "لو خرجوا للمباهلة لاضطرم (٥) الوادي عليهم نارًا"، وجعل آله تحت كسائه ثم دعا فقال: "اللَّهم هؤلاء آلي والِ مَنْ والاهم وانصر مَنْ نصرهم واخذل من خذلهم" ورجع مستجابًا له بفضل مِنَ الله ورحمته، والتزم وقد نجران الجزية وصالحوا على الفيء حلة وثلاثين درعًا عادية من حديد (٦). ﴿تَعَالَوْا﴾ هلموا، والتعالي إلى الشيء التقارب منه على سبيل العلو حقيقة وعلى غيره (٧) مجازًا، والتعالي عن الشيء: التباعد منه على سبيل

стр. 496

العلو والرفعة حقيقة لا مجاز له، و (الابتهال) المبالغة في الدعاء بالشر، ويقال: عليه بَهْلَةُ الله، أي: لعنته (١). ﴿الْقَصَصُ﴾ الأخبار، والاسم منه قصة والجمع منه قصص وإنه في معنى التلاوة، وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: اتبعي أثره. وفي فحوى قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تهديد للمتولِّين فإنهم مفسدون. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطاب لوفد نجران، عن الحسن والسدي وابن زيد (٢): واليهود (٣)، عن قتادة والربيع وابن جريج (٤): ولأهل الكتابين (٥) في الظاهر، ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ المقالة التي هي قاعدة الدين والأمر هو التوحيد ثم ابتدعت اليهود فادعت اتخاذ الولد كاتخاذ الولي والخليل والبيت فلم يعلموا أن ما ادعوه يقتضي المشابهة أولًا وهو شرك بخلاف اتخاذ الولي والخليل (٦)؛ لأنه يقتضي إرادة الخير بخلاف اتخاذ البيت لأنه يقتضي اتخاذ متعبد للعبادة (٧). وابتدعت النصارى فزعمت أن الله تعالى هو الروح تزوج بمريم وهي النفس فتولد منها المسيح وهو العلم، وزعم بعضهم أن المسيح

стр. 497

عينه جل في العالم، ولم يعلموا أن الله متعال تقدس (١) عن الازدواج والانفصال والتغير والانتقال تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ﴿سَوَاءٍ﴾ عدل (٢) وكذا سوًى وسوى. وقيل: سواء مصدر أقيم مقام الصفة ومعناه كلمة مستوية (٣)، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ (٤) تفسير الكلمة ويدل عليها ﴿اشْهَدُوا﴾ يقتضي التمحيص في مخالفة الخصم، تقول لخصمك: اشهد عليّ بما أقول وحدث به عني (٥) من شئت. و (محاجتهم في أمر إبراهيم ﵇ (٦) قد سبق في سورة "البقرة"؛ وإنما دلَّ نزول الكتابين بعده على أنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا لأنه لم يكن فيهما (٧) ذلك، ولو كان على أحدهما لذكر كما ذكر في القرآن أنه كان مسلمًا ووصفه فيهما (٨) بالطاعة والانقياد ولا محالة وهو الإِسلام، وكانوا يزعمون أن اليهودي الذي لزم السبت والنصراني الذي لزم الصليب ولم يكن هذان (٩) في عصر إبراهيم ﵇ (٦). وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ على معنى اللوم والتسفيه. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ والمراد بمحاجتهم فيما لهم به علم زعمهم ذلك بعد التبديل والتحريف على قراءة قنبل، ومحاجتهم المشركين قبل أن

стр. 498

غيروا وبدلوا أن جعلنا آلهًا، ومحاجتهم المشركين بعد التحريف بما لم يحرفوا ولم يبدلوا، ومحاجتهم عامة المشركين فيما لم ينزل الله في القرآن من الشرائع التي بعثت غير منسوخة (١). ﴿أَوْلَى (٢) النَّاسِ﴾ أقربهم (٣) به، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في عصره لأنهم كانوا أمته، وهذا النبي ﵇ (٤)؛ لأنه كان دعوته والمصلي إلى قبلته والآخذ في الحج بسنته (٥). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لموافقتهم (٦) إياه بالإيمان والاستسلام لأمر الله طائعين وهم الأنبياء ﵈ كلهم وكل عبد مؤمن في السماء والأرض. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ نزلت في مثل ما نزل قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٧) و (الإضلال) ها هنا بالخدع. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأن الله قادر على ما يشاء ولا ينبئكم بمثل هذه الآيات أو تشهدون بخروج النبي ﵇ (٤) وتشاهدون الآيات وقت بدوها.

стр. 499

﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: إن اليهود أرادوا تشكيك المؤمنين بهذه (١) الحيلة ليشتبه (٢) الأمر على المؤمنين فيرتدوا بارتدادهم ويشكوا بتشكيكهم، وقيل: أرادوا التقية ورد المؤمنين عن أنفسهم بإظهار الإيمان بما لا (٣) يوافق شرائعهم كاستقبال القبلة الأولى ونحوه، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوله، وإنما خصوا آخر النهار بالكفر لأن النبي ﵇ (٤) تحول إلى الكعبة في الظهر أو العصر فخص بخاص ويتخذ خاصته. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ نازلة عند قتادة والسدي (٥) وغيرهما في تنويع أهل الكتاب وذم قوم منهم لا يوفون بعهودهم مع العرب قاطبة، وكذلك سائر الأمم من غير أهل الكتاب ويرون الخيانة حلالًا ويحتجون بأنه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: لا حكم ولا حجة علينا في كتابنا في أخذ أموال الأميين، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في إباحة نقض العهود وتحليل الغدر والخيانة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله أمر بالوفاء والأمانة على الإطلاق ولم ينزل في تركهما إباحة إذ هو باقٍ على أصل الحظر ومظنة (٦) العقل، ولذلك لا يجوز في الإِسلام لمن دخل دار الحرب بأمان أن يسرق أو يخون، وعن مجاهد والحسن (٧) أنّها في قوم من اليهود عاملوا المشركين، (لمقت الله) (٨) اليهود حقوقهم وقالوا: إنكم بدّلتم دينكم و ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ (٩) سَبِيلٌ﴾ في منع حق من بدل دينه (١٠). و (الدينار) اسم

стр. 500

المضروب من الذهب للمعاملة (١) و (الدوام) امتداد الحال، وفي صفات الله صفة بنفي حدوث الحال. وفي قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ تأليف استمالة لقلوب المؤمنين بالعهد بل إضراب عن الكلام الأول، و ﴿مَنْ أَوْفَى﴾ مبتدأ وهو شرط (٢)، ﴿وَاتَّقَى﴾ زيادة في الشرط، جوابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ وإنما (٣) لم يقل: فإن الله يحبه لنظم الآي ولم يقل: يحب الموفين بالعهود والمتقين؛ لأن الوفاء بعض التقى فهو داخل فيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نزلت في كنانة بن أبي الحقيق وأبي (٤) رافع وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب عن عكرمة (٥)، وفي الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وكتبوا بأيديهم وزعموا أنه (٦) من التوراة عن الحسن (٧). وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصمه حين

стр. 501

اختصما إلى النبي ﷺ في بئر (١)؛ عن ابن جريج (٢)، وفيمن نفق سلعة بيمين فاجرة (٣)، عن الشعبي (٤). وروى الكلبي: أنها نزلت في امرئ القيس بن عابس (٥) الكندي وعبدان، وقيل: عيدان (٦) بالياء ابن أشوع الحضرمي اختصما في أرض كانت في يدي امرئ القيس ولا بينة لعيدان. وقد همّ امرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله الآية، فنكل وأقر فأنزل الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] وقيل: أخصم (٧) امرؤ القيس ربيعة بن عبدان (٨)، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يناجيهم مناجاة أوليائه ولا

стр. 502

يخصهم بالخطاب، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ لا يقبل إليهم بالرحمة، بل يخذلهم و (١) يعرض عنهم بلا كيفية. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ نزلت في اليهود حيث قدروا ما شاؤوا في التنزيل مضمرًا متأولين، ثم أظهروه وتلفظوا به وزعموا أنه من التنزيل أيضًا (٢) وكذلك فعلت النصارى، و (الليّ): التحريف (٣)، وتلوَّت الحية إذا تثنت، ولؤى الغريم ليًا إذا ماطل وأخلف الموعد (٤)، (الألسنة) جمع لسان وهو آلة النطق. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ نزلت في وفد نجران وأحبار المدينة حيث تناظروا ثم أقبلوا على النبي ﷺ (٥) فقالت اليهود: ما تريد منا إلا ما أراد عيسى من هؤلاء فاتخذوه ربًا، وقالت النصارى: ما تريد منّا إلا أن نتخذك ربًا كما اتخذ هؤلاء عزيرًا، ربًا فكذّب الله الطائفتين وأنزل ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (٦) وسعًا أو حكمًا، ويقول: نصب عطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ (٧)، ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ من

стр. 503

التعليم، والرباني منسوب إلى الربان، [وهو المدبّر القائم بالمصالح، ولم يجىء فعلان من فعل بكسر العين إلا هذا، وقيل: هو منسوب إلى الرب] (١)، والألف والنون زائدتان كما يقال: لحياني ورقباني، ويجوز أن ينسب إلى الله على سبيل التخصيص كما يقال: علم الإلهي وهو مثل الإضافة (٢)، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ﴾ إثبات للحال وليس بإخبار عن ماض، (والدرس) كالنسخ والمحو، ودرس العلم حفظه ونقله من الكتاب إلى القلب (٣) مجازًا. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، ويحتمل أن (إذ) (٤) للمستقبل من الزمان كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦] فتقديره: إذا هو يأمركم بالكفر بعد أن تسلموا بأمره على معنى الإحالة. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أضاف إليهم لأنه أخذ الميثاق لأجلهم أو أخذ ميثاق الأمم دون الأنبياء ولقد صرح ابن مسعود وقرأ: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ حتى ظن مجاهد أن قراءة ابن مسعود هو لفظ القرآن وأن ما انعقد الإجماع من سهو الكاتب وليس كما ظن مجاهد؛ ولأنّ هذا اللفظ يحتمل ما يحتمله لفظ ابن مسعود ولا يتعدى دخول الأنبياء مع الأمم في حكم الميثاق كدخولهم معهم في حكم

стр. 504

التكليف يدل عليه قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) فنصره من لم يدرك نبيًا والوصية بنصره ونصره من أدرك موالاته واتباعه (٢). ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ استقرار و (أخذ الإصر) قبوله، ويحتمل أن الخطاب للأنبياء والربانيين، وأن أخذ الإصر: توثيقه وإحكامه و (اشهدوا)، أي: ليشهد بعضكم على بعض، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ على المجاز (٣)، وإنما جاز ذلك لأنه وصف نفسه بالشاهدة ووصفهم بالشهادة (٤). وقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ خاصة في الأمم دون الأنبياء ﵈، ولا يبعد أن تكون عامة؛ لأن الوعيد لمن المعلوم منه أنه موجبه والذي قضى له بالعصمة عن موجبه سواء، فإذا جاز أحدهما على سبيل التحريف والزيادة والتأديب والتهذيب فكذلك يدل الآخر عليه (٥)، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ والكلام في إسلام الكثرة (٦) كالكلام في قنوته (٧) و (الطوع) (٨) قريب من الرضا وهو ضد الكره.

стр. 505

وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ نزلت في عشرة رهط كفروا بعد إسلامهم ولحقوا بمكة وهي (١) دار الحرب يومئذٍ ثم تاب بعضهم فيستثني الله التائبين (٢) وهي ناسخة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] في رواية علي بن أبي (٣) طلحة عن ابن عباس (٤)، ويصح الجمع بينهما على ما سبق. ﴿كَيْفَ﴾ استفهام بمعنى البيان لموضع التعجب، وقيل: استفهام بمعنى الإنكار والإحالة لأن اجتماع حالتي (٥) الكفر والإِسلام محال، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ هداية التوفيق حالة إصرارهم وعتوِّهم، ولكن إذا شاء هدايتهم سبّب أسبابًا يتضحُ بها (٦) فساد ما هم فيه فيندمون ثم يلهمهم ويهديهم إلى معرفته. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ التائب الذي استثناه من جملة العشرة هو الحرث بن سويد بن الصامت وهي (٧) عامة في كل تائب (٨). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قيل: لما بلغ أصحاب الحارث خبره

стр. 506

قالوا: نقيم بمكة ونتربص محمدًا ريب المنون فإنْ بدا لنا (١) أن نرجع إلى قومنا أيقنا بقوله كما فعل الحارث، فأنزل الله الآية، وإنما نفى قبول توبتهم لأنهم قصدوا توبة على تردد ونفاق وازديادهم الكفر حملهم وظنهم أنهم قادرون على التوبة خداعًا، فالكفر يتزايد بتزايد الاعتقاد الفاسد، والإيمان يتزايد بتزايد (٢) الاعتقاد الصحيح في الآيات الناسخة، ولما كمل الدين صار النقصان في أصل الإيمان وحقيقته كفرًا من جميع الوجوه على أي تأويل لأن تزايد الاعتقاد بعد إنقطاع محال. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ دلالة أن التوبة مقبولة قبل الموت، والتي نفي قولها، هي توبة نفاق وتردد، أو توبة عند معاينة الباس وانقطاع الأحكام الدنيوية (٣)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ في معنى الشرط وتشبيه لإيهامه ولذلك أجاب بالفاء. و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ على سبيل التقدير والتفخيم دون التحقيق، وإنما خص ذلك لأنه مما يتعاظمه الناس في معاملاتهم وعاداتهم (٤) ومبادلاتهم. قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾، قال الكلبي: منسوخة بآية الزكاة وليس كذلك لأنه لا تنافي بينهما إذ الزكاة إنفاق من بعض المحبوب، والبر ها هنا الجنة، عن السدي (٥)، وعن عطاء: أشرف مراتب التقوى (٦)، وقيل: البر الخير. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا﴾ نزلت ردًّا على اليهود حيث أنكروا النسخ

стр. 507

وادعوا أن المحظورات كلها لم تزل (١) كذلك من لدن آدم إلى يومنا هذا، وزعموا أن موسى لم يأت بتحريم حادث ولا تحليل إلا فيما اختلفت العقول فيه، فكذَّبهم الله وأخبر أن الكليات كلها كانت حلًّا (٢) لبني إسرائيل إلا ما حرمها إسرائيل نذرًا، ثم حرم عليهم بعض الطيبات عقوبة لهم، وكانوا كلما أذنبوا ذنبًا عظيمًا حرم عليهم رزق طيب أو سلط عليهم الطاعون. والقصة في نذر إسرائيل أنه اشتكى عرق النسا فنذر إن شفاه الله لا يأكل لحوم الإبل وألبانها لوخامتهما وإضرارهما عند ملازمتهما، وكان من أحبّ الطعام إليه (٣)، ووجه القربة فيه أنه مخالفة لهوى النفس الأمارة بالسوء (٤) وقهر لها، ووجه جوازه من ذات نفسه أن الأنبياء ﵈ كانوا يجتهدون بإذن الله تعالى، يدل عليه حكم داود وسليمان ﵈ في الحرث وكان حكم سليمان بفهم لا محالة وحكم داود مما يسوغ الاجتهاد في مقابلته لمثله، وكذلك قبل نبينا ﵇ الفداء بالمشاورة (٥) والاجتهاد ولم يقتل أسارى بدر، وفيه نزل (٦): ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية

стр. 508

وأذن للمخلفين في غزوة تبوك باجتهاده حتى نزل (١): ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وافتتح الصوم بشهادة الواحد (٢) على سبيل التحري والاجتهاد. وإنما توقف وانتظر الوحي في أحكام لم يكن للاجتهاد إليها سبيل، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] لا ينفي الاجتهاد لأن الاجتهاد ليس بهوى، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] خاص في القرآن وما أوحي إليه من علم الغيب والأحكام دون ما بينه على سبيل المشاورة والاجتهاد والتحري (٣)، ثم لا يجوز في مقابلة اجتهاد النبي -﵇- (٤) اجتهاد إلا (٥) بتمكينه؛ لأن اجتهاده كالنص من حيث تقدير الله كما لو حكم بعض الصحابة حكمًا بمشهد النبي ﵇ (٤) ولم ينكر ذلك. ﴿حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: حلالًا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم، فلم يأتوا بالتوراة خوف الفضيحة بتأويلهم الفاسد. ﴿افْتَرَى﴾ افتعال من الفري المختلق (٦) وهو القطع وكأن المختلق يقطع شيئًا من موهومه الباطل فيتكلم به، وذلك إشارة إلى الإتيان بالتوراة أو تحريم إسرائيل. ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: أخبر بالحق عن كيفية ابتداء التحريم والتحليل، ﴿فَاتَّبِعُوا﴾ استحلوا لحوم الإبل وألبانها فإنه ملة إبراهيم لأنه سبق نذر

стр. 509

إسرائيل (١) لا محالة. ﴿حَنِيفًا﴾ نصب على القطع (٢)، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ثناء عليه. واتصال قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ بما قبلها من حيث اتباع ملة إبراهيم، ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ ضرب متعبدًا لهم، مكة هي (٣) الكعبة، و (بكة) هي مكة لأن الباء قريبة من الميم في المخرج، يقال: سبَد وسمد، وقيل: لأن الناس يتباكون يتراحمون فيها أيام الموسم، ويقال: بكة كأنها تبكُّ أعناق الجبابرة لاتضاعهم فيها (٤) (٥)، و (المبارك) الذي بورك فيه أو عليه، وضده المشؤوم. ﴿وَهُدًى﴾ سببًا من أسباب الهدى فبقعة الكعبة مُتَخَيَّم آدم، فيما يروى أن الله تعالى أنزل عليه خيمة من خيام الجنة ليطوف حولها كما (٦) (يطوف الملائكة (٧) حول البيت (٨) المعمور في السماء الرابعة وقد) (٩) طاف حولها (١٠) سفينة

стр. 510

نوح ﵇، وحج كثير من الأنبياء، وقد دخل خبر وقد عاد في حيّز التواتر، وتواترت الأخبار ببناء إبراهيم البيت العتيق وقد نزل فيه القرآن. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ من جملة الآيات البينات لأنه حكم ثبت كضرورة في الجاهلية والإسلام، في المثل: (آمن من حمام مكة وآمن من ظبي بالحرم) (١)، وقال ابن عباس: لو وجدت قاتل أبي في الحرم (٢) لما هجته (٣)، وعن ابن عمر مثله (٤)، وعن ابن الزبير: إنما يستنزل سعيد مولى معاوية (٥) وجماعة من أصحابه كانوا تحصنوا بالطائفة فأدخلهم الحرم (٦) ثم استفتى ابن عباس فيهم فلم يرخص له في شيء، وقال: هلا (٧) قبل أن أدخلتهم الحرم؛ فأخرجهم (٨) ابن الزبير من الحرم ثم صلبهم (٩). ولسنا نرى الإخراج، ولكن لا يطعم الجاني ولا يسقى ولا يجالس حتى يضطر إلى الخروج فيخرج فيتبع فيقام عليه الحد (١٠). وأما ما دون القتل وما فعل في الحرم يقام فيه وفرض الحج على الفور خلافًا لمحمد، (استطاع السبيل) وجود الزاد والراحلة والسلامة من العوائق،

стр. 511

والعمى عائق عند أبي حنيفة، ومستطيع الإحجاج كمستطيع (١) الحج حين المرض والحبس فيما تواترت فيها الأخبار، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: امتنع التزام هذا الفرض وقبوله، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط إذ الكافر داخل في جملة العالمين. وإنما قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ للإعراض عن خطابهم وإنما وقع الإنكار على وجه السؤال للتعجيز (٢) عن إقامة العذر كقوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أعظم توبيخ وتهديد. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ نزلت في اليهود كانوا يغرون بين الأنصار من الأوس والخزرج بتذكير ما بينهم من الوقائع لينسخلوا من الدين بالضغائن والعصبية، عن زيد بن أسلم (٣)، وفي اليهود والنصارى جميعًا وإنكارهم نعت نبينا ﵇ (٤) عن الحسن (٥)، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تبغون لها، كقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]، والهاء عائدة إلى السبيل، والسبيل يذكر ويؤنث. و (العِوج) - بكسر العين-: الزيغ في الرأي، والعَوج - بالفتح-: الميل فيما يكون منتصبًا (٦)، ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ بما في كتابكم،

стр. 512

وقيل: أنتم عقلاء، كقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: حاضر بالعقل والهمة (١). ﴿فَرِيقًا﴾ للتبعيض والتنويع لأن بعض الذين أوتوا الكتاب (٢) آمنوا ولمٍ يغيروا فما (٣) كانت طاعتهم كفرًا، وقيل: عني به جميع اليهود وذكر فريقًا بمعنى أحد على التأكيد. (الاعتصام): الامتناع من قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإنما بعد الكفر بعد الإيمان لمعنيين: أحدهما: استماع الوحي. والثاني: كونه ﵇ (٤) بين أظهر المؤمنين، فالمعنى الأول باقٍ لعامة المؤمنين المستمعين، والثاني أيضًا كالباقي لمن يلاقي رسول الله صلّى (٥) الله عليه وسلم (٦) بالروح في المنام أو يحيي سنة ويكثر الصلاة عليه ويزور قبره ثم أحال المستعيذ بإثبات الهداية إلى الصراط المستقيم في حق المعتصمين باللهِ على الإطلاق لأنهم بمشاهدة الله تمجدوا بنور الوحدانية وعطلوا عن الرسوم القابلة للآفات فهم ممتنعون عن الغير والحوادث. ﴿بِاللَّهِ﴾ قيل: تقوى الله حق (٧) تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى (٨)، وإنما يكون هذا بتلاشي النفس في مشاهدته وأن لا

стр. 513

يشارك في حول ولا قوة لا ينازع في اختيار بعزم أو خاطر، وقيل: تقوى الله حق تقاته محافظة أحكام الشرع، فالأول في المعتصمين بالله والثاني المعتصمين بحبل الله، وعن قتادة والسدي وابن زيد: أن هذه الآية منسوخة (١) بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ نزلت في الأوس والخزرج وتذكيرهم الضغائن واقتتال الطائفتين. قال ابن إسحاق: كانت العداوة قائمة بينهم مائة وعشرين سنة، فأزالها الله تعالى بجمعهم على الإسلام (٢)، وقال الحسن: نزلت في جميع القبائل وما كان بينهم من الطوايل فرفعها الله بالإِسلام، و (الحبل) العهد وعهد الله القرآن والإِسلام، ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أمر بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة؛ لأن ضد التفرق واحد وهو الإجماع، والنهي عن الشيء الذي له ضد واحد أمر بضده، و (التأليف): التوفيق (٣) وإزالة التنافر، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ حرف أخدود وقبر، وهذا على وجه المثل لمن قرب من الهلاك، ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ أنجاكم من الحفرة والنار، وإنما أخبر عنهما وأعرض عن شفا لأن المقصود فيها. ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام أمر وأصلها كسر، سُكنا لصيرورة الواو من نفس

стр. 514

الكلمة (١)، و (من) للتبعيض (٢) والأمر فرض على الكفاية إذا قام به البعض وحصل المعروف وزال المنكر سقط الفرض عن الباقين، وقيل: (من) لتخصيص المخاطبين وهي مؤكدة كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا (٣) الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ اليهود والنصارى تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الديانة بالمنازعة في الأصول وترك الاقتصار على الكلمة السواء التي ارتضاها الله وكان صدر الأمة عليها. ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف والمظروف، ﴿الْعَذَابَ﴾ العظيم. و (ابيضاض الوجوه): إسفارها ونضارتها لفراغ القلب وبرد العيش، واسوداد الوجوه: إظلامها بالقتر والذلة، وذلك إذا تزايدت الحسرات وغلا الدم وصار الإنسان كالمخنوق، ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ يقال لهم: أكفرتم وهو في شأن المرتدين عن الإسلام ويجوز في أهل الكتاب لأنهم كانوا مؤمنين بما عندهم من نعت نبينا ﵇ (٤) إلى أن غيّروا وبدلوا ويحتمل في الكافة لأن (٥) كل مولود يولد على الفطرة، والذوق إحساس طبيعته بالمس يستعمل في المطعوم والمشروب حقيقة وفي الثواب والعقاب استعارة (٦)، قال الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال أبو سفيان لحمزة: ذق عقق.

стр. 515

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ أي: لا يشاء أن يعاملهم على غير قضية حكمته (١) كإخلاف الوعد وكنقض الثواب من غير نسخ والزيادة في العقاب من غير إنذار، ﴿يُرِيدُ﴾ يحبّ، ومعناه: لا يحب منهم (٢) الظلم فيما بينهم، فاتصالها بما قبلها من حيث ذكر الثواب والعقاب أو من حيث ذكر الوعد والوعيد. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ اتصالها بما قبلها (٣) لأن الإساءة (٤) إلى الملوك على الإطلاق لا يكون ظلمًا ما لم يخالف الحكمة (٥) يدل عليه إحداث الآلام الدنياوية في الحيوان ابتداءً من غير خبر، وعلى المعنى الثاني من حيث ذكر الوعد والوعيد، فأعقب ذكر الملك والاستيلاء ليكون الوعد والوعيد أمكن في قلوب المخاطبين. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ نتظم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢] إلى قوله (٦): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عِمرَان: ١٠٥] وما بينهم عارض، وزعم الكلبي: أنه عني بالخطاب ابن مسعود وسالمًا وحذيفة ومعاذ (٧)، وقال ﵇: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٨).

стр. 516

﴿كُنْتُمْ﴾ أي: أنتم، و (كان) زائدة إلا أنه للتأكيد (١)، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (٢)، وقيل: تكونتم ووجدتم، وقيل: كنتم في اللوح المحفوظ، ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أبرزت وأظهرت من الغيب بتركيب الأرواح والأجساد، وقيل: أخرجت من الكفر إلى الإسلام، ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: أنتم خير الناس للناس وأظهر لتدعوا الناس أو ليراها الناس، والآية دالة على صحة الإجماع، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان الإيمان الموجب للنعمة الأبدية مع الأنبياء والصديقين والشهداء خيرًا من الكفر المقتضي متاعًا قليلًا من الرشى ومواريث الكفار، ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ عبد الله بن سلام وأمثاله، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ الكافرون. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر أهل الكتاب والحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإخبار عن صرف ضررهم، ﴿إِلَّا أَذًى﴾ لن يبلغ ضررهم لكم إلا مقدار ما تتأذون به من القول المكروه ونقض العناء في استئصالهم، وإما أن يهزموكم أو يقاوموكم أو يستزلوكم

стр. 517

فلا (١). ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يستقبلوكم بأدبارهم؛ حالة إدبارهم منهزمين، وهو (٢) مجزوم لأنه جواب الشرط، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ كلام مستأنف لأنه من قضيّة الكفر قاتلوا أو لم يقاتلوا الآن قضية القتال. وحكم الآية معجزة فضلًا عن النظم والمعنى لأن الله أنجز وعده وكبت يهود (٣) المدينة وبني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ويهود خيبر. وكان الإخبار قد سبق به الإنجيل من الله يعني ما نطق به كتابه من المنع عن قتلهم (٤) وسبيهم عند بذلهم الجزية. ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ عهود المسلمين وذممهم مؤتمرين بعهد الله وعهود النصارى والمجوس وعبدة الأوثان لهم (٥)، فإن اليهود لا عزّة لهم ولا منعة حيث كانوا إلا بعهد وذمة، وذلك الثاني بدل عن ذلك الأول، و (العصيان): الاعتداء مع الكفر والقتل في معنى واحد، وقيل: إن العقوبة على كفرهم (٦) وقتلهم وكفرهم وقتلهم بشؤم عصيانهم واعتدائهم على سبيل التدريج. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كالاستثناء في الحكم لأنه خصّ الذم العام المتقدم (٧)، والضمير في (ليسوا) أهل الكتاب سواء مستوين على الصفة المذمومة المقدمة بين اختلافهم ومن خالف الصفة المذمومة المتقدمة منهم ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 518

﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ ﴿قَائِمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة (١) عن الحسن وابن جريج، وقيل: ﴿قَائِمَةٌ﴾ في الصلاة، ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته. ﴿وَيُسَارِعُونَ﴾ يسابقون ويبادرون إلى القرب والطاعات، وضد السرعة: البطء، وضد العجلة: الأناة. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ لن (٢) يجحدوا خيرهم كقوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] بالكفر يعدى بغير يا، قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] (٣) المعنى أن من كسب خيرًا لم يحرم جزاءه ولم يظلم بإخلاف الوعد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خصهم لأن التقدير من عذاب الله وبأسه وعذابه على الإطلاق عليهم دون غيرهم، أو لأن أولاد المؤمنين وأموالهم بنفقاتهم من حيث الكفار والدعاء والشفاعة. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في أبي سفيان يوم بدر على عداوة رسول الله ﷺ (٤)، وقال مقاتل: نزلت في نفقة اليهود على رؤسائهم (٥)، وهي (٦) عامة فيهما وفي كل معصية، ﴿صِرٌّ﴾ برد. نهى ﵇ عن أكل ما قتله الصر من الجراد (٧)، والصر ما يضاعف فيه البرد، وقيل: الصر: النار

стр. 519

ذات الالتهاب، وإنما شبه نفقتهم بهذا الريح لأنها وضعت شرفهم وهدمت مجدهم وأورثتهم العار في الدنيا والآخرة كما أهلكت الريح الحرث، ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بمعصية الله لا حصدوا زرعهم ولا نالوا ثواب المعصية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في قوم أضافوا اليهود والمنافقين لمودة (١) كانت بينهم في الجاهلية (٢). عن ابن عباس: قدم أبو موسى [على عمر الفاروق وذكر من شأن كاتب نصراني فأنكر عمر ذلك وتلا هذه الآية، قال أبو موسى] (٣) له دينه ولي كنانته، قال عمر: لا أرفعهم وقد وضعهم الله، ولا أُقرِّبهم وقد أبعدهم الله تعالى، (بطانة) الرجل خاصته من أصحابه الذين يستبطن أمره، ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ من دون المؤمنين المخلصين، ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ لا يقصرون في أمركم. قال الأزهري: الإلو يكون جهدًا أو يكون بتقصير أو يكون استطاعة (٤)، ﴿خَبَالًا﴾، فسادًا (٥)، ﴿وَدُّوا﴾ حبّوا وتمنوا

стр. 520

عنتكم و ﴿الْبَغْضَاءُ﴾ حالة شدة (١) الغضب. قال الفراء (٢): هو مصدر، (أفواه): جمع فوه كأمواه (٣) وموه، ولم يستعملوه إلا مضافًا لعدم استقلاله، وفوهة الشعب فمه. والفوهة: الكلمة، وما بدا (٤) بأفواههم: اللي بألسنتهم، والتبغيض: تعريضًا وتصريحًا، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ اشتهاء القتل والسبي. ﴿أُولَاءِ﴾ وقعت الإشارة إلى اسم يكنى تقدمت هاء التنبيه على الاسم المكنى، تقول: ها أنا ذا، وها هو ذا، وإنما عادت هاء التنبيه بعد الاسم المكنى ها أنا ذا وها هو هذا، أو هأنت هذا، والمراد بمحبة المؤمنين للكفار: عطف الرحم والشفقة الطبيعية دون اعتقاد المحبة كقوله (٥): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. و (العض) من الإنسان كالكدم من البعير، و (الأنامل) جمع أنملة وهي طرف الإِصبع (٦) في المحسوس وما يقع به ابتداء القبض في المعقول، وإنما فعلوا لما ذاقوا من الغيظ، وكذلك يفعل الإنسان إذا ضاق من تأسف، ﴿الْغَيْظِ﴾ الحزن الذي يسجى، قال الله (٧) تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ تقريع من جهة النبي ﵇ كقولك: اخسأ، مقابلة كقولهم السام عليكم أو الموت مع (٨) الغيظ حقيقة حكمًا من الله أن لا يموتوا إلا مع الغيظ وإن طال عمرهم.

стр. 521

﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تحزنهم، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ عن مخالطتهم، والكيد: إلطاف الحيلة في مكروه، فكيد الله: إلطاف حيلة أوليائه في مكروه من يخالفهم. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ من أول السورة إلى هذه الآية كفصل واحد، وهذه الآية مبتدأ (١) فصل آخر (٢) واتصالها بالفصل الأول من حيث ذكر المتن، والأحوال الموجودة فيما بين المؤمنين والكفار، قال ابن عباس وعلي وعائشة وقتادة والسدي والربيع: نزلت في حرب بدر سنة ثلاث (٣)، وقال الحسن ومجاهد ومقاتل: في حرب الأحزاب وهي الخندق سنة أربع (٤)، ﴿وَإِذْ﴾ ظرف العامل فيه (٥) قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ لأنه بدل على زمان، ويحتمل مضمرًا وهو: كفيناكم ونصرناكم (٦)، (الغدو): البروز في وجه النهار والرواح بالمساء، قال مقاتل: غدا ﵇ على راحلته، وقال مجاهد: على رجليه (٧)، (تبوئة المكان): تهيئته، و (اتخاذه مقاعد): مجالس.

стр. 522

﴿طَائِفَتَانِ﴾: بنو سلمة وبنو حارثة أشار عليهم عبد الله بن أبي بن سلول (١) بالانصراف إلى المدينة والمقام بها (٢)، و (إذ) بدل عن (إذ) الأولى (٣) لاتخاذ وقتهما كقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠]. ﴿هَمَّتْ﴾ كادت على سبيل الاستعارة (٤) كقوله له: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، و (الفشل): الجبن، وروي عن بعضهم قال: ما يسرنا أنا لم نهم لأن الله أعقب قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ وفيه أعظم رجاء، وفي جزء عبد الله: و ﴿الله وليهم﴾ (٥) كما في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩]، بدر اسم رجل غفاري من بطن يقال لهم (٦) بنو النار سميت بدر (٧) باسمه (٨)، وكانت غزوة بدر

стр. 523

في شهر رمضان سنة اثنين وكان لواء رسول الله ﷺ (١) يومئذٍ (٢) أبيض معٍ مصعب بن عمير وراية سوداء مع علي (٣)، وكانت قريش (أخرجت عباسًا وعقيلًا مكرهين مع أنفسهم وكان عباس من مطمعي) (٤) قريش يومئذٍ، فلما التقت الفئتان أهب الله ريح النصر لأوليائه وشاهت وجوه الكفار وكان كما قال الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، قتل حمزة: شيبة بن ربيعة (٥) والأسود بن عبد الأسود المخزومي، وقتل علي: العاص بن سعيد والوليد بن عقبة وعامر بن عبد الله ونوفل بن خويلد وعبد الله بن حميد، وقتل عمر: خالد بن العاص بن هشام، وقتل الزبير: عبيدة بن سعيد بن العاص، وقتل عبيدة بن الحارث: عتبة بن ربيعة، وضرب عمرو بن الجموح رجل أبي جهل ووقف عليه ابن مسعود وارتقى ظهره واحتزَّ رأسه، وقتل عمار: عليّ بن أمية بن خلف (٦). عن سعيد بن جبير: أن النبي ﵇ قتل يومئذِ ثلاثة صبرًا: عقبة ابن أبي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وطعيمة بن عدي، وأسر العباس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فالتجأ عباس إلى مثل قولهما (٧): ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]، فقال النبي ﵇ (٨): "الله أعلم بإسلامك فإن كان حقًا فهو يجزيك وأما ظاهر أمرك فكان علينا" وأمره أن يفدي نفسه وابني أخيه، فقال: ما لي شيء ولا تترك

стр. 524

عمك يسأل الناس في كفه، قال ﵇: "أين المال الذي وضعته عند أم الفضل بمكة وأوصيت منه لعبد الله كذا وللفضل كذا"! "، فقال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله، فأسلم (١) وأدى فداء نفسه ماية أوقية وفدى كل واحد من ابني أخيه بأربعين أوقية، وأمر عقيلًا فأسلم ولم يسلم نوفل إلى أيام الخندق، وفائدة فداء عباس كون إسلامهم على سبيل الاختيار دون الاضطرار وقطع ألسنة الطاعنين المنافقين. ﴿أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل وهو قليل الشوكة والمنعة بالسلاح والعدد (٢)، ودفع (٣) الحاجة إمداد الجيش لزيادة فيهم بالعدد والعدة (٤). والقصة فيه أن فريقًا من المؤمنين كرهوا الخروج على ما سنذكره في "الأنفال" فقال ﵇: "هذا بوحي من عند الله" فأجابوه بالسمع والطاعة. ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال ابن عباس: إن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر (٥)، قيل: هي عدة ليوم أحد على شريطة الصبر فلم يصبروا ولم يكن هذا الإمداد، وقيل: لما وعد النبي ﵇ بثلاثة آلاف بإذن الله

стр. 525

وأجابوه بالسمع والطاعة زاد الله في تلك العدة وهذا أصح (١)؛ لأنه قال: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ أي على وجههم وحالهم دون وقت آخر، قيل: كانت جملة الملائكة يومئذٍ ثمانية آلاف لأن (بل) يثبت الثاني يدفع الأول في اللفظ ولا يثبتهما معًا، وقال في "الأنفال": ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وذلك يكون ألفين وألفان مع ثلاثة آلاف خمسة آلاف، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال ابن عباس والحسَن وقتادة ومجاهد والضحاك أنها الصوف في نواصي الخيل وأذنابها (٢)، وعن ابن عباس: عمايم بيض كانوا يتدلون بين أكتافهم، وقيل: كانت عمايم صفر مثل عمامة الزبير يومئذٍ (٣)، وقال مجاهد: كانت أذناب خيلهم محزوزة (٤)، وقيل: كانوا على خيل بُلق (٥)، فالجمع بين الأقاويل ممكن ما خلا لون العمايم فإنها تخيلت لقوم بلون ولقوم بلون. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: الإمداد، وقيل: الوعد المشروط. وإن عظمت

стр. 526

بهذا الإمداد شوكتكم وكثرت عدتكم وسكنت روعتكم، ﴿وَمَا (١) النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من حكم الله وتقديره، وهذا دليل أن العبد محتاج إلى الله تعالى في جميع أحواله. (القطع): إبطال التأليف بالجز، و (الطرف) حدف الشخص، و (الكبت) القهر، والمكبوت: الحزين، والكبت والكبد بمعنى، كما يقال: سبد رأسه وسبت؛ أي: حلقه، و (الانقلاب): الانصراف، و (الخيبة): انقطاع الأمل، ولا بدّ لحروف المعاني من أفعال يتصل بها إلى الأسماء، فالتقدير (٢): وأنهم أذلة ليقطع أو منزلين ليقطع أو مسومين ليقطع (٣)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ﴿لِيَقْطَعَ﴾: ليقتل طائفة منهم وينقصهم، وإنما استعمل في النقص قطع الطرف دون الوسط (٤) لأن قطع الوسط يأتي على الكل. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت حين لعن ﵇ أبا سفيان (٥) بن حرب والحارث بن هشام وصفوان بن أمية، فتاب الله عليهم وأسلموا وحسن إسلام بعضهم أو كلهم (٦)، وقيل: نزلت في قنوته على عُصية وذكران حين قتلوا سبعين رجلًا ببئر معونة من أصحاب الصفة (٧)، قال

стр. 527

ابنِ مسعود: كاد ﷺ (١) أن يدعو (٢) على المنهزمين يوم أحد، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بعدها (٣). وعن ابن عباس وأنس والحسَن وقتادة والربيع: أنه ﵇ أراد أن يدعو (٢) على الكفار أجمعين يوم أحد لما شجوا رأسه وكسروا رباعيته فأنزل (٤)، وقيل: أنها نزلت في النهي عن المثل والعقوبات، كانت هند أعطت قلادتها يوم أحد لوحشي قاتل حمزة واتخذت قلادة من الآذان والأنوف وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فحرمها الله عليها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وعن سعيد بن المسيب أن عبد الله بن جحش قال قبل أحد: اللَّهم إن لاقينا هؤلاء غدًا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ويمثلوا بي فيقول لي (٥) يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؛ فأقول: فيك فيك، فلما كان يوم أحد قبض الله الكفار ففعلوا به ما تمناه فمر به من سمع مقالته، فقال: أما هذا فقد أعطاه الله في نفسه ما سأله في الدنيا، وهو يعطيه ما سأله في الآخرة، ولما بلغ الأمر هذا المبلغ همّ ﵇ (٦) أن يعمهم بالدعاء، وأن ينال منهم ضعف ما نالوا، فأنزل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ [النحل: ١٢٦] الآية. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ الشأن والألف والسلام للمعهود وهو في معنى قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٦] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]،

стр. 528

﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) معطوف على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ويحتمل أنه في معنى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقيل: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني إلا أن يتوب عليهم، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، فعلى هذا معناه: ليس لك أن تحكم على أعيانهم بجنة ولا نار حتمًا إلى أن يظهر الله أمره ويميز الخبيث من الطيب. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يدل أن إطلاق الملك يوجب نفاذ المشيئة واتجاه العذاب على حكم المشيئة. واتصال آية الربا بما تقدم من حيث ذكر المتن لأنها توجب الشكر والانقياد، وإنما بدأ بالربا لأنه كان من شرائع الجاهلية فنهى المسلمين عنه، ليدخلوا في السلم كافة ولا يتشبهوا بالكفار، (والأضعاف أقلها ثلاثة) (٢) والأضعاف المضاعفة (٣) أقلها ستة (٤)، وإنما ذكر لقبحه في المعاملة.

стр. 529

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إنما ذكر الرسول ليعلم أن أوامره شريعة واجبة وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقيته إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنه ﵇ (١) قال: "أوتيت الكتاب ومثله مرتين" (٢). وذكر أولي الأمر في النساء ليعلم أنه يترك الاجتهاد لاجتهادهم وأن لهم إقامة الجمعة والعيد والفيء والحدود، وإن وقع التنازع (٣) في شيء رجحوا إلى كتاب الله وسنة رسوله. ﴿وَسَارِعُوا﴾ المسارعة إلى الجنة وهي مسابقة بعض الناس بعضًا أو مسابقتهم انقضاء الأجل إلى عمل يوجب الجنة، فقيل: إنه التوبة، وقيل: الغزو، وقيل: الهجرة، وقيل: الوقوف على قضية الأمر والنهي، وقيل: الجمعة والجماعات. وعن سعيد بن جبير: الطاعة (٤)، وعن أنس بن مالك: التكبيرة الأولى (٥)، وعن عثمان: الإخلاص في العمل، وعن علي: الفرائض. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾ أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام

стр. 530

كقوله ﵇: "الضبع نعجة (١) سمينة" (٢)، وذكر العرض دليل على الطول أنه زائد والطول لا يدل على العرض، قيل: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ الآية، فقال عمر لأصحاب محمَّد ﵇: أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السماوات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؛ قال؛ حيث شاء الله، (وقال عمر: والنار حيث شاء الله) (٣)، فقال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين، إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت (٤). و ﴿السَّرَّاءِ﴾ حالة السرور والنعمة، و (كظم الشيء) حبسه عن الظهور والخروج. يقال: كظم البعير على جرّتِه إذا ردّها في حلقه، وكظم فلان القربة. والكظام لوح عريض يسد به فم النهر، وهو مستعمل في الغضب والحزن إذا لم يظهرهما الإنسان. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآيتان تدلان (٥) أن الله تعالى أحب أن يعبد بابتداء الخير والرجوع إلى الخير بعد الشر. وفي الحديث: "إن الله (٦) تعالى يحب العبد المفتن التواب" (٧)، (والفاحشة: الكبيرة، وظلم الأنفس:
следующие страницы →