← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بهذا الإمداد شوكتكم وكثرت عدتكم وسكنت روعتكم، ﴿وَمَا (١) النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من حكم الله وتقديره، وهذا دليل أن العبد محتاج إلى الله تعالى في جميع أحواله. (القطع): إبطال التأليف بالجز، و (الطرف) حدف الشخص، و (الكبت) القهر، والمكبوت: الحزين، والكبت والكبد بمعنى، كما يقال: سبد رأسه وسبت؛ أي: حلقه، و (الانقلاب): الانصراف، و (الخيبة): انقطاع الأمل، ولا بدّ لحروف المعاني من أفعال يتصل بها إلى الأسماء، فالتقدير (٢): وأنهم أذلة ليقطع أو منزلين ليقطع أو مسومين ليقطع (٣)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ﴿لِيَقْطَعَ﴾: ليقتل طائفة منهم وينقصهم، وإنما استعمل في النقص قطع الطرف دون الوسط (٤) لأن قطع الوسط يأتي على الكل. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت حين لعن ﵇ أبا سفيان (٥) بن حرب والحارث بن هشام وصفوان بن أمية، فتاب الله عليهم وأسلموا وحسن إسلام بعضهم أو كلهم (٦)، وقيل: نزلت في قنوته على عُصية وذكران حين قتلوا سبعين رجلًا ببئر معونة من أصحاب الصفة (٧)، قال

стр. 527

ابنِ مسعود: كاد ﷺ (١) أن يدعو (٢) على المنهزمين يوم أحد، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بعدها (٣). وعن ابن عباس وأنس والحسَن وقتادة والربيع: أنه ﵇ أراد أن يدعو (٢) على الكفار أجمعين يوم أحد لما شجوا رأسه وكسروا رباعيته فأنزل (٤)، وقيل: أنها نزلت في النهي عن المثل والعقوبات، كانت هند أعطت قلادتها يوم أحد لوحشي قاتل حمزة واتخذت قلادة من الآذان والأنوف وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فحرمها الله عليها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وعن سعيد بن المسيب أن عبد الله بن جحش قال قبل أحد: اللَّهم إن لاقينا هؤلاء غدًا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ويمثلوا بي فيقول لي (٥) يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؛ فأقول: فيك فيك، فلما كان يوم أحد قبض الله الكفار ففعلوا به ما تمناه فمر به من سمع مقالته، فقال: أما هذا فقد أعطاه الله في نفسه ما سأله في الدنيا، وهو يعطيه ما سأله في الآخرة، ولما بلغ الأمر هذا المبلغ همّ ﵇ (٦) أن يعمهم بالدعاء، وأن ينال منهم ضعف ما نالوا، فأنزل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ [النحل: ١٢٦] الآية. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ الشأن والألف والسلام للمعهود وهو في معنى قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٦] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]،

стр. 528

﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) معطوف على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ويحتمل أنه في معنى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقيل: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني إلا أن يتوب عليهم، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، فعلى هذا معناه: ليس لك أن تحكم على أعيانهم بجنة ولا نار حتمًا إلى أن يظهر الله أمره ويميز الخبيث من الطيب. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يدل أن إطلاق الملك يوجب نفاذ المشيئة واتجاه العذاب على حكم المشيئة. واتصال آية الربا بما تقدم من حيث ذكر المتن لأنها توجب الشكر والانقياد، وإنما بدأ بالربا لأنه كان من شرائع الجاهلية فنهى المسلمين عنه، ليدخلوا في السلم كافة ولا يتشبهوا بالكفار، (والأضعاف أقلها ثلاثة) (٢) والأضعاف المضاعفة (٣) أقلها ستة (٤)، وإنما ذكر لقبحه في المعاملة.

стр. 529

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إنما ذكر الرسول ليعلم أن أوامره شريعة واجبة وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقيته إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنه ﵇ (١) قال: "أوتيت الكتاب ومثله مرتين" (٢). وذكر أولي الأمر في النساء ليعلم أنه يترك الاجتهاد لاجتهادهم وأن لهم إقامة الجمعة والعيد والفيء والحدود، وإن وقع التنازع (٣) في شيء رجحوا إلى كتاب الله وسنة رسوله. ﴿وَسَارِعُوا﴾ المسارعة إلى الجنة وهي مسابقة بعض الناس بعضًا أو مسابقتهم انقضاء الأجل إلى عمل يوجب الجنة، فقيل: إنه التوبة، وقيل: الغزو، وقيل: الهجرة، وقيل: الوقوف على قضية الأمر والنهي، وقيل: الجمعة والجماعات. وعن سعيد بن جبير: الطاعة (٤)، وعن أنس بن مالك: التكبيرة الأولى (٥)، وعن عثمان: الإخلاص في العمل، وعن علي: الفرائض. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾ أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام

стр. 530

كقوله ﵇: "الضبع نعجة (١) سمينة" (٢)، وذكر العرض دليل على الطول أنه زائد والطول لا يدل على العرض، قيل: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ الآية، فقال عمر لأصحاب محمَّد ﵇: أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السماوات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؛ قال؛ حيث شاء الله، (وقال عمر: والنار حيث شاء الله) (٣)، فقال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين، إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت (٤). و ﴿السَّرَّاءِ﴾ حالة السرور والنعمة، و (كظم الشيء) حبسه عن الظهور والخروج. يقال: كظم البعير على جرّتِه إذا ردّها في حلقه، وكظم فلان القربة. والكظام لوح عريض يسد به فم النهر، وهو مستعمل في الغضب والحزن إذا لم يظهرهما الإنسان. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآيتان تدلان (٥) أن الله تعالى أحب أن يعبد بابتداء الخير والرجوع إلى الخير بعد الشر. وفي الحديث: "إن الله (٦) تعالى يحب العبد المفتن التواب" (٧)، (والفاحشة: الكبيرة، وظلم الأنفس:

стр. 531

الصغاير. وقيل) (١): الفاحشة: ما يعدو، وظلم النفس: ما لا يعدو، ويحتمل قلبُ هذا، ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ بقلوبهم عند ألوان دامت عليهم بعد الغفلة، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾ استفهام بمعنى التقرير (٢)، ﴿الذُّنُوبَ﴾ الجرائم التي تكون آثامًا دون ما يمكن الناس مغفرته. واختلف في أرجى آية، قيل: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وقيل هذه الآية. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ لم يعزموا المقام على ما فعلوا بترك نية الإقلاع عنها والتوبة منها، وقال عطاء: إذا أذنب أحدكم فليسرع إلى الرجوع يغفر الله له، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ عالمين أنه معصية، فأما إذا اشتبه عليهم مما يسوغ فيه الاجتهاد فلا عليهم، وقيل: وهم يعلمون أن الله يقدر أن يجعل الذنوب مغفورة، ﴿الْعَامِلِينَ﴾ عاملو الخصال المذكورة من الخيرات. ﴿سُنَنٌ﴾ واحدها سُنّة: وهو ما وضع من رسم (٣) ومثال في السيرة،

стр. 532

قال الحسَن وابن إسحاق: سنن الله تعالى في المكذبين (١)، وقال الزجاج: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ سنن وطرايق، هذا إشارة إلى التنبيه على السنن الخالية، وقيل: إلى النظر المأمور به. (الوهن): الضعف (٢)، وإنما جاز النهي عنه لأن الإنسان ربما اكتسبه بالجبن والتخوف (٣) وتمكن الأهوال من القلب، و (العلو): الرفعة والسمو مكانًا أو مكانة، وأراد ها هنا (٤) المكانة والغلبة، ومنه كان فضيلة هذه الأمة علي بني إسرائيل حيث قال لموسى ﵇ وجنده: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]. وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ متصل بالنهي، وقيل: بالخبر. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ نزلت في تسلية المؤمنين مما أصابهم يوم أحد، وشاور رسول الله يومئذٍ أصحابه في الخروج إلى العدو، وقال: "إني رأيتني لبست درعًا فأولتها المدينة" (٥) فأشار عليه ابن أبي بن سلول (٦) أن لا يخرج، وأشار عليه رجال من المسلمين أن يخرج، فلبس درعًا وخرج في ألف رجل، وانخذل ابن أبي بن سلول (٦) بثلث الناس غيظًا أن لم يقبل قوله (٧)، واتبعه عمرو بن حزام. (ولما وصل) (٨) رسول الله ﷺ (٩) إلى الشعب من

стр. 533

أحد (١) أمَّر عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف (٢) على خمسين رجلًا من الرماة وأوصاهم أن لا تبرحوا أكانت الحرب لنا أو علينا كيلا تأتينا الخيل من ورائنا، وظاهر بين درعين وجعل ظهره إلى أحد، وتهيأ للقتال (٣). ودفع سيفًا إلى أبي دجانة ضمن أن يأخذه بحقه، وتعمم بعمامة حمراء وتبختر بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: "إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموضع" (٤)، وقاتل أبو دجانة يومئذٍ قتالًا (٥) شديدًا موفيًا عهده (٦)، وحميت الرب فقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش (٧) فخلفه سعد بن أبي طلحة، فرمى سعد بن أبي وقاص فقتله (٨) فخلفه شافع، فرماه عاصم بن ثابت الأنصاري وقتله، فخلفه الحكم بن الأخنس، ثم عبد الله بن حميد وأبو حذيفة بن حميد وأبو أمية بن حذيفة (٩)، وأسر أبو عزة الجمحي الشاعر بعد ما من عليه رسول الله ﷺ (١٠) يوم بدر فجيء به إلى رسول الله ﷺ (١٠) فضرب عنقه وقال: "لا تمسح خديك بين الصفا والمروة، وتقول: خدعت محمدًا مرتين" (١١) وصدق الله وعده عبده وانهزم الكفار، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢] الآية.

стр. 534

فلما نظر أصحاب المركز إلى القوم قد انكشفوا أقبلوا يريدون النهب والغنائم وخلوا ظهور المسلمين عارية، فأتوا من ورائهم وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، يقال: إنه كان إبليس (١)، وصار المسلمون ثلاثة أثلاث: ثلث قتلى، وثلث جرحى، وثلث منهزمون. وكان حمزة يقاتل رجلًا من الكفار فتعرض وحشي وطعنه بحربة في أنثييه فقتله (٢)، ثم خلصوا إلى رسول الله ﷺ (٣) فقذفوه بالحجارة فأدمي وجهه وأصيبت رباعيته، وكان زياد بن السكن الأنصاري ممن شرى نفسه لرسول الله ﷺ (٤) وفداه بنفسه، وترس أبو دجانة دون رسول الله يقع في ظهره النبل. وقصد عبد الله بن قمئة الليثي قتل رسول الله فدرأ عنه مصعب بن عمير فقتل مصعبًا (٥) وهو يرى أنه رسول الله ﷺ (٦)، ورجع إلى أبي سفيان مبشرًا بقتل رسول الله ﷺ (٦)، وأقبل أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة وغيرهما من المهاجرين فوجدهم واقفين متحيرين، فقال: ما بالكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا إكرامًا (٧) على ما مات عليه (٨) نبيكم، ثم انحاز إلى القوم فقاتل حتى قتل (٩)، وأول من عرف رسول الله (١٠) بعد هذا كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت

стр. 535

المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليَّ أن اسكت (١). ثم نهض المسلمون إلى رسول الله يقيم نحو الشعب، ونادى أبو سفيان حين أراد الرجوع بأعلى صوته: اُعلُ (٢) هُبَل فوق ذروة الجبل، يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، فأمر رسول الله ﷺ (٣) عمر بن الخطاب أن يجيبه، فقال: الله أَعْلَى وأَجَل، لا سواء قتلانا في الجنة يتنعمون وقتلاكم في النار يعذبون، فلما سمع أبو سفيان ذلك، فقال: هلمَّ يا عمر أنشدك الله هل قتلنا محمدًا؟ قال: كلا، وإنه ليسمع كلامك، فقال: والله إنك عندي أصدق من عبد الله بن قمئة الليثي زعم أنه قتله (٤). وكان ﵇ يقول يومئذٍ لسعد: "ارم فداك أبي وأمي" (٥). وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنتيه فردَّها رسول الله إلى مكانها فعادت (٦) كأحسن ما كانت (٧). ولما انصرف رسول الله ﷺ (٨) تبعه أبي (٩) بن خلف يقول: لا نجوت إن

стр. 536

نجوت، فقالى بعضهم: ألا يعطف عليه رجل؟ فقال ﵇ (١): "دعوه" حتى إذا دنا تناول حربة من الحارث بن الصمة ثم عطف عليه وأشار بها إلى عنقه فخدش خدشة، وقد هراء عن فرسه يقول: قتلني محمَّد! وأحاطت به قريش تقول: ما بك بأمر، وهو يقول: بلى، فإن محمدًا كان توعدني أن يقتلني، فلو بزق علي بعد مقالته تلك لقتلني، فكان كما قال ولم يبلغ مكة (٢). ولما انتهى رسول الله ﷺ (٣) فم الشعب استقبلته فاطمة معها قربة من ماء وغسلت الدم عن وجهه، ثم جيء بعلي وعليه نيف وستون جراحة من طعنة ورمية وضربة، فجعل رسول الله يمسحها بإذن الله ﷺ (٢) فتلتئم بإذن الله كأن لم تكن، وجيء حمزة وسائر الشهداء فصلى عليهم رسول الله حتى كبر سبعين تكبيرة (٤)، فلما فرغ رسول الله من صلاته مال نساء المدينة يبكين موتاهن، قال: "أما حمزة لا بواكي عليه (٥) "، له. فبكت نساء المدينة حمزة أولًا، ثم بكين قتلاهن (٦) (٧) وصار ذلك عادة لهن إلى يومنا هذا. (مداولة الأيام): صرفها وإدارتها (٨)، ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف على المعنى

стр. 537

وكأنه (١) قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ فلأنه مس القوم قرح مثله، وليعلم، وقيل: فيه إضمار وتقديره نداولها بين الناس لضروب من المصلحة، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾، وقيل: أول القصة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢] ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف عليه (٢)، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يجيبكم بالشهادة، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لم يدلهم عليهم (٣) لمحبتهم (٤)، ولكن بهذه المعاني. والتمحيص والمَحْق كلاهما إذهاب الشيء، إلا أن المراد بتمحيص المؤمنين تمحيص ذنوبهم وما في قلوبهم من الغلّ والعيوب، ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ سلب عزيمتهم وشوكتهم وإزهاق أرواحهم بالعقوبة لهم في ثاني الحال أو بالمداولة. ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ نزلت في قوم لم يشهدوا بدرًا فلما شاهدوا الموت في أصحابهم يوم أحد (٥) فهزموا (٦) ولم يقدموا لما تمنوا؛ عن الحسن ومجاهد وقتادة والربيع (٧)، وهي وجه العتاب وإنما تمنوا ذلك

стр. 538

لأنهم كانوا متيقنين لمحاربة الكفار وقتلهم بعض المسلمين، فلم يقع تمنيهم لغلبة الكفار ولكنه لما رجوه من أن يكون ذلك البعض، واختلف في رؤية الإعراض، فمن جوز أراد به رؤية العينين، ومن لم يجوز فهي رؤية (١) القلب. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد وفي المتشككين في أمرهم إذ سمعوا: ألا إن محمدًا قد قتل (٢)، فأخبرهم الله تعالى أن محمدًا ليس إلا رسولًا وأنه قد خلت من قبله الرسل موتًا وقتلًا، أي هو سائر إلى ما صاروا إليه وأنكر عليهم الانقلاب على أعقابهم إن مات أو قتل، وألف الاستفهام داخلة على الشرط لفظًا وعلى الجزاء معنى؛ لأن الجزاء كلام مستقل بنفسه لقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أي: فهم الخالدون إنْ مت (٣) (٤)، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ تهديد ووعيد كما في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ [آل عِمرَان: ٩٧] والمراد بالشاكرين المضادون للمنقلبين المرتدين لخليفة رسول الله أبي بكر الصديق وأصحابه (٥) وأمثاله.

стр. 539

﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ها هنا قدر الله، وفي الآية تشجيع للمؤمنين، كتب ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ مؤقتًا، ومثله يجيء للتأكيد كقوله: ﴿وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١]، ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، و ﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨]، و ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] (١). ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الغنيمة، والذكر و ﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ المغفرة والأجر (٢). والمرافى بالشاكرين مريدو ثواب الآخرة، وإنما كرر وعد جزائهم للتأكيد، وقيل: لما يجمع لهم من ثواب (٣) الدارين. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في معنى كم (٤)، والقتل واقع على النبي وعلى الربيين معه في قراءة من قرأ بغير ألف، والوهن منفي عن الباقين كذلك على قراءته، كقول الرجل: هزمنا بنو فلان وقتلونا، أي: قتلوا أصحابنا، والربيّون جمع ربية وهي الجماعة، وقيل: العربي والرباني الرجل المنسوب إلى الرب (٥)،

стр. 540

﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: بعقولهم وآرائهم، ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من الشدائد والمصائب، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بقلوبهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ما خضعوا وما تضرعوا ولكن صبروا، ﴿قَوْلَهُمْ﴾ نصب لأنه خبر (ما). و (الذنوب): هي الآثام، و (الإسراف): مجاوزة الحد والتمادي والانهماك، والسرف: ضد القصد. وقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية تحريض للمؤمنين أن يقتدوا بأولئك الماضين لينالوا ما نالوا، وإنما قال (١): ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ للتأكيد وإزالة الإيهام؛ فإن من المثوبة ما ليس فيه. قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يدل أنهم كانوا بهذه الخصال محسنين. لما حذر الله المؤمنين الانقلاب على أعقابهم إن مات رسوله ﵇ أو قتل، ذكر السبب الداعي إلى ذلك ليحذروه وهو طاعة الكفار. ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ (بل) للإضراب عن الأول والإقبال على الثاني، أي: بل الله هو أهل لأن يطاع لا الذين كفروا. ﴿سَنُلْقِي﴾ قيل: لما انصرف أبو سفيان عن أحد، قال: أين الموعد؟ فأمر النبي ﵇ أن يقول: بدر الصغرى فرجع على ذلك، فلما كان وقت ذلك ألقى الله في قلوب الكفار الرعب فلم يحضروا (٢) وأرسلوا نعيم بن مسعود الثقفي يخوف المسلمين لئلا يخرجوا (٣) وفي ذلك أنزل الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٣]، و ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف، ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ الباء للمسبب، ﴿بِاللَّهِ﴾ الباء بمعنى مع ﴿بِهِ﴾ أي بعبادته وإشراكه، والسلطان الحجة والبرهان، قال الله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحمن: ٣٣]، وقال: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥] وكل معبود دون الله لم ينزل الله به سلطانًا قط، و (المثوى) موضع اللبث والثوي.

стр. 541

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) أنزل الله تثبيتًا للمؤمنين وحسمًا للخواطر الفاسدة، وبين الله أنه (٢) صدق وعده بالتمكين من أصحاب الألوية وأتى غرة الجمحي وأمثاله ورد الكفار أجمعين يوم أحد من أول الالتقاء إلى أن عصت الرماة بتركهم المركز بعد ما أراهم الله ما يحبون من النصرة والظفر، وتنازعوا واختلفوا فيما بينهم وفشلوا بما سمعوا من الإرجاف أن محمدًا قد قتل، ثم صرفهم بعد ذلك عن الكفار بما كسبوا وأدالهم منهم ليمتحنهم بالقتل والشدائد عقوبة لتركهم المركز، وإنما عفا عنهم كما عفا عن بني إسرائيل بعد الموت وقتل الأنفس، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: تهلكونهم بمشيئته وأمره، يقال: البرد محسة للبيت، وقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الآية، قيل: عارض، وقيل: بيان لحالهم عند تركهم المركز، فإن بعض ترك الغنيمة وبعضهم للجهاد ومباشرة القتال والقتل. والمراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ وقت صرفهم وابتلائهم، والإصعاد هو الذهاب في الصعود وهو الارتقاء، وقيل: الإصعاد الإبعاد في الأرض، وقيل: أن تذهب على وجهك ولا تميل (٣)، ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ لا تثنون ولا تعرّجون (٤) في إخوتكم أي من ورائكم، تقول: إليَّ عباد الله، إليّ يا أهل سورة البقرة وآل عِمرَان، ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: غمًا غم فالأول الهزيمة، والثاني ما ذكره ابن جريج أن أبا سفيان لما (٥) توسط الشعب وقف فظن المسلمون أنه سوف يميل عليهم فأنساهم ذلك الغم الأول (٦)، وقيل:

стр. 542

غمكم مكان ما غمتم نيته ليترك إجابته، ﴿لِكَيْلَا﴾ أي: إنما أثابكم غمًا لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنائم ولا ما أصابكم من العناء والمشقة والجراح، قيل: هذا الغم الثاني الذي أنساكم الغم الأول مخافة الاستئصال، والغم: حزن كأنه يغشى القلب ويستره لما يشغله عن كل شيء. ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ والقصة أن أبا سفيان لما وعدهم الرجوع تهيأ المسلمون للقتال وطارت قلوب المنافقين فأنزل الله أمنه على المسلمين حتى غشيهم النعاس وامتازوا عن المنافقين، وذلك أدل دليل على وجود الأمن وزوال الخوف، ولذلك قال ﵇: "النعاس في الحرب من الرحمن وفي الصلاة من الشيطان" (١)، روى أنس عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا (٢)، ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ شغلتهم أنفسهم عن كل شيء حتى لم يهتموا إلا لأنفسهم، و ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ هو الباطل، ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٣) ثم بين ظنهم فقالوا: يقولون أي في أنفسهم ﴿هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على وجه الإنكار، أي: ما لنا من الخير والظفر والفلاح من شيء في متابعة هذا الرجل وفي هذه الحروب (٤)، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ﴾

стр. 543

استدلالهم الفاسد واعتبارهم الباطل، فبين الله تعالى أن المعلوم المقدر كائن لا محالة، وذلك وحده لا يدلس على حق وباطل إذ هو علم في جميع الحيوان، كتب وقدر وقضى، والمضجع موضع الإضجاع، والمراد بالمضاجع (١) ها هنا المصارع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد منهم من انهزم ساعة ومنهم من رجع إلى المدينة ومنهم من خرج إلى جلعب (٢) جبل بالمدينة فلم يرجع إلا (٣) بعد ثلاث (٤)، ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بأن خوفهم أن يقتلوهم، قيل: التوبة الإقلاع عن الذنوب والمظالم، وإنما توصل إلى تخويفهم بشؤم تركهم المركز فعفا الله عنهم أجمعين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في المؤمنين تحذيرًا أن يكونوا كالمنافقين وإنما قال: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ ولم يقل: إذ ضربوا؛ لأن المراد هو الإخبار عن عادتهم في الحال والماضي والمستقبل دون الإخبار عن فعلة واحدة فيما مضى، و ﴿غُزًّى﴾ جمع غازي كركع وسجد جمع راكع وساجد، والغزو: الخروج إلى القتال، ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ لام العاقبة، وإنما يصير ذلك حسرة في قلوبهم لافتضاحهم في الدنيا وخسرانهم في الآخرة والله هو المحيي والمميت في الحقيقة لأن هذه الأسباب الموهمة للموت. واللام في قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب (لئن) خير لكم وذلك لأن القتيل والميت محتاجان إلى المغفرة ورحمة من الله مستغنيان من حطام الدنيا فما يحتاجان إليه أبدًا، هو ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مما يستغنيان عنه. ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ بشرى للعارفين وتطييع للمحسنين وتنبيه للمذنبين وتقريع للكافرين.

стр. 544

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ (ما) صلة عند الكوفيين وقائم مقام شيء عند البصريين (١)، والرحمة كالبدل والبيان، و (اللين): ضد الخشونة والفظاظة، ورجل لين الجانب إذا كان رقيقًا سهل المأخذ، و (الفظ) في الأصل ما في الكرش من الفرث، ورجل فظ سيء العشرة والخلق، وإنما زاد غلظ القلب في الوصف للتأكيد؛ لأن من الناس من يكون رقيق القلب سريع الرضا حسن المرجع سيء الخلق والعشرة، و (الانفضاض): التفرق والانتشار، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ يقتضي إباحة العفو، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على الوجوب، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ على الندب والإباحة، والمعنى فيه استمالة قلوب القوم بالإصغاء إليهم وبإشراكهم في إمضاء الأمر، ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (٢) فرض لازم لا يسع تركه. في قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ بيان المعنى الموجب للتوكل وخذلانك صاحبك وتركك (٣) إياه إلى قدر نفسه بلا إعانة ولا توفيق إرادة منك هوانه يقال: طيبة خذول إذا قعدت عن تعهد ولدها وقالت الأشعرية الخذلان نسخ قدرة الخير بقدرة الشر. ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ نزلت في يوم بدر فقدوا قطيفة حمراء فاتهم بعض المنافقين أو الجهال رسول الله. و (الغلول): الخيانة، وأصله من انغلال الماء بين الأشجار (٤)، وتواترت الأخبار في تعظيم شأن غلول الغزاة في الغنيمة.

стр. 545

(اتباع رضوان الله): اتباع ما يرضاه من الأفعال كالأمانة، والذي باء بسخط من الله هو الغال ونحوه، و (السخط): إرادة الخذلان والشر. معنى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ إن المتبعين رضوان الله والذين باؤوا [بغضب من الله] (١) بمسخط منه ليسوا في درجة واحدة ولكنهم ذوو درجات ومدارج، وأما أهل الجنة فأمرهم معروف وقد قال ﵇: "إن أهل الجنة ليتراؤون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" (٢)، وأما أهل النار فإن لهم دركات لا محالة بعضها أسفل من بعض، ولا تكون بعضها أسفل إلا وبعضها أعلى، فالأعلى درجة بمقابله الأسفل. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر المتن في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٩] ووجه المنة ها هنا أنه لو كان من غير العرب لمنعتهم النخوة العربية عن الإيمان به، ولما فهموا كلامه ولا نالوا به شرفًا ومجدًا، فأرسل إليهم رسولًا من أنفسهم عرفوه وامتحنوه وسمّوه أمينًا قبل دعوته ليزيدهم أسباب الإيمان, وإن أجرينا على العموم فهو من أنفسنا لأنه آدمي مثلنا من ذرية نوح تمكننا متابعته في هديه وسمته ولا تنفر عنه طباعنا ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ ما كانوا إلا في ضلالة كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] واللام مكان الاستثناء (٣)، وقيل:

стр. 546

المبالغة، أي: يرشدهم وإن كانوا غير راشدين لنوع تأكيد، و ﴿لَمَّا﴾ استفهام بمعنى الإنكار (١) وهو داخل على الفعل العامل في (لما) أعني قوله: قلتم، والواو للعطف على مضمر، فكأنه قال: أعصيتم أمر نبيكم وقلتم: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ عارض وهو كالوصف لهذه المصيبة المذكورة والمراد بمثليها ما أصابوا يوم بدر (٢)، ووجه النهار من يوم أحد إلى أن صرفهم الله عنهم بما كسبوا، ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي: هو من عند أنفسهم بتركهم المركز، وعن قتادة: بخروجهم من المدينة وكان من رأيه ﵇ (٣) أن يتحصن بالمدينة، وبذلك عبروا رؤياه (٤) وأشار إليه (٥) ابن أبي بن سلول، وعن علي: بأخذهم الفداء يوم بدر ولو قتلوا الأسارى لما بقيت للكفار شوكة، وقد عاتبهم الله على أخذ الفداء يومئذٍ حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] (٦) وفيه بعد وغموض.

стр. 547

﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئته وتقديره، والفاء لكونه مشبهًا بجواب الشرط؛ لأن (ما) مناسب للشرط (١). ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ خالفوا ظاهر أمرهم، أراد (٢) ابن (٣) أبي بن سلول وأصحابه (٤) حين انخذلوا، وإنما سمي المنافق منافقًا تشبيهًا لليربوع وذلك أن له حجرين يقال لأحدهما: القاصَعاء والآخر النافقاء، فإذا طلب من أحدهما خرج من الآخر، وقيل: اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق (٥) التراب فإذا أراد به ريب رفع التراب برأسه فخرج، والنفق السرب، ونفق الشيء: إذا دخل في السرب، وتنفقته: إذا استخرجته (٦)، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ قاتلوا دفعًا عن حريمكم إن لم يقاتلوا حسبه، وقيل: كثّروا الجيش بخيلكم إن لم تقاتلوا لأن تكثير الجيش يؤثر في قلوب الأعداء (٧)، ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ أي:

стр. 548

لا يكون اليوم قتال، ولو (١) علمنا أن اليوم قتال لكنا معكم، وإنما جعلهم يومئذٍ إلى الكفر أقرب؛ لأن المراد ظاهرهم، كانوا قبل ذلك إلى الإيمان أقرب بما يظهرون من موالاة المؤمنين فصاروا يومئذٍ إلى الكفر أقرب لإظهارهم العداوة والخذلان، ولو كان باطنهم مرادًا لكانوا يومئذٍ وقبله وبعده سواء في كونهم كفارًا على الحقيقة عند الله. ﴿الَّذِينَ﴾ نصب بدل عن الأول (٢) لإخوانهم في النسبة وبني أعمامهم، وقيل: إخوانهم في النفاق، الذين قاتلوا رياءً لا جهادًا فقتلوا، و (القعود): الجلوس، ومجازه التخلف عن السعي في الأمور، ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ ادفعوا الموت المكتوب عليكم ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنهم لو قعدوا لصرفوا القتل المكتوب عليهم عن أنفسهم. ﴿أَحْيَاءٌ﴾ رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: بل هم أحياء، وقال

стр. 549

الزجاج: لو كان منصوبًا على تقدير أحسبهم أحياء لكان جائزًا (١) وليس كذلك لأن الأمر من الحسبان غير جائز. و (الفرح): السرور، والفرِح ذو الفرح كالورع والوجِل، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: كما يفرحون بأحوال أنفسهم فكذلك يفرحون بما يبشرهم الله به من الوعد لإخوانهم ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ نعت للمؤمنين، واستجابتهم حين ندبهم رسول الله ﷺ (٢) إلى قتال (٣) قريش ببدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة عليها بطن منهم، وقيل: إن قريشًا لما رجعوا من أحد وكانوا (٤) بالروحاء قال بعضهم لبعض: بئسما صنعتم لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، فبلغ ذلك النبي ﵇ فندب المؤمنين إلى الخروج إليهم فأجابوه بالسمع والطاعة، ولما بلغ ذلك قريشًا مضوا ولم يرجعوا (٥). ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ القائل نعيم بن مسعود الأشجعي وحده (٦)

стр. 550

وذلك لما أراد المدينة فأتاه أبو سفيان، وقال: إني واعدت محمدًا أن (١) نلتقي ببدر الصغرى وليس يتأتى في ذلك الآن، وأكره أن يخرج هو وأصحابه ولا نخرج نحن فيزيده ذلك جرأة (٢)، فثبِّطه عن الخروج ولك عشرة من الإبل، فقدم نعيم بن مسعود وخوَّف المؤمنين فلم يصغوا إليه (٣)، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: كافينا الله، أحسبك الشيء: إذا كفاك، وأحسبك فلان: إذا أعطاك حتى قلت: حسبي، و (الوكيل): الذي يوكل الأمر إليه. ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ القصة فيه أنهم لما وفدوا بدر الصغرى سنة أربع من الهجرة أصابوا سوقًا وربحوا ربحًا كثيرًا وكسبوا أجرًا عظيمًا باستجابتهم (٤). ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ﴾ قتال ولا شر. وعن عثمان قال: والله ربحت دينارًا بدينار. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ إشارة إليه كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ كالبيان المشار (٥) إليه، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ لأن قوله: إنما ينجع في قلوب أوليائه من الكفار والمنافقين دون أولياء الله من المؤمنين، إذ المؤمن لا يخاف غير الله، وقيل: يخوف بأوليائه كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ نزلت في المنافقين، عن مجاهد وابن إسحاق، وقيل: في رؤساء اليهود (٦) والذين كتموا بعثة النبي ﵇ (٧) والنهي مصروف إلى

стр. 551

غير المنهي، كقولك (١): لأرينك ها هنا ولا يرينك أحد، والحزن لكفر الكافرين طاعة ما لم يجاوز الحد، فالنهي ها هنا عن مجاوزة الحد في الحزن دون الحزن القليل كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]. و (مسارعتهم في الكفر): مسابقتهم فيما بينهم، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بيان لغير النبي ﵇، إذ هو كان عالمًا بذلك، قيل: هذا البيان بإذن الله كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] ثم بين موجب مسارعتهم في الكفر هو إرادته أن لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل الرفع بإسناد الفعل إليه إذا قرأت بالياء، وفي محل النصب إذا قرأت بالتاء (٢)، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مفعول قائم مقام مفعولين إذا قرأت بالياء (٣) كقولك: لا يظنن زيد أنه منطلق، وهو المفعول

стр. 552

الثاني لفظًا إذا قرأت بالتاء (١)، كقولك: لا تظنن زيدًا أنه منطلق، وفي الحقيقة هو المفعول الثاني هو المفعول حقيقة فقط؛ لأنك تنهى عن ظن الانطلاق لا عن زيد نفسه، و (الإملاء): الإمهال. ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلت في الفرق بين المخلصين والمنافقين؛ عن ابن جريج ومجاهد وابن إسحاق، وذلك أن القوم تمنوا أن يعطوا علامة يعرفون بها أحد الفريقين من الآخر (٢) ومعناه: ما الله بتارك للمؤمنين، اللام لام الجحد، وإنما تنصب لأنها في الحقيقة لام كي (٣) الذي أنتم عليه من حال الالتباس والاختلاط ﴿حَتَّى﴾ غاية لمحالِ الالتباس كقولك (٤): لست أدعك على ما أنت عليه حتى (٥) أعزك وأكرمك، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: لا يعطيكم ما تمنيتم من العلامة، ولكن الله يلهم ويعطي العلامة من اجتباه من رسله كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ﴾ [الجن: ٢٦] الآية، و (الاجتباء): الاختيار أصله من اجتبيت الماء إذا حصلته لنفسك. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ نزلت في اليهود بخلوا بإظهار نعت النبي ﵇ عن ابن عباس (٦)، وقيل: مانعي الزكاة (٧)، وقيل: في الذين امتنعوا

стр. 553

عن الإنفاق في الجهاد (١)، و (البخل): الشح، وضده السخاوة، وفي الحديث: "إن البخل والجبن لا يجتمعان في قلب مومن" (٢)، ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يجعل ذلك طوقًا في أعناقهم، جاء في التفسير أنه يجعل شجاعًا أقرع فيطوق به البخيل الذي يمنع الواجبات (٣)، و (الميراث): اسم من ورث، كالميزان من وزن. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ نزلت في فنحاص بن عازور اليهودي من بني قينقاع، وذلك أن أبا بكر الصِّديق ﵁ قرأ ذات يوم ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فقال اليهودي على وجه الاستهزاء: لئن كنت صادقًا فإن الله إذًا لفقير (٤)، فلطم أبو بكر وجهه، فرفعٍ اليهودي ذلك إلى النبي ﷺ ، وأنكر قول نفسه، فأنزل الله تصديقًا للصدِّيق وتقريعًا لليهودي (٥)، والآية تدل على أنه لا يجوز أن يوصف الله بما لا يليق به جدًا ولا هزلًا ولا على وجه التشنيع تعظيمًا له، ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ في نسخ أعمالهم، و (القتل) معطوف على ﴿مَا قَالُوا﴾ ونقول عند إدخالهم النار أو عند استصراخهم فيها: ﴿ذُوقُوا﴾ ﴿الْحَرِيقِ﴾: اسم من الإحراق.

стр. 554

﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى كناية قولهم وقتلهم، وإلى القول لهم: ﴿ذُوقُوا﴾ وإنما أسند الفعل إلى اليد لأن أكثر العمل إنما يكون بها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بأن الله، وإنما جعله سببًا لأن كناية قتل الأنبياء بغير حق عدل منه، ولو لم يكتب ذلك لكان ظلمًا على الأنبياء - تعالى الله عن ذلك - وإبدال المؤمنين عنهم قد أظلم والله ليس (١) بظلام للعبيد فبقوا في النار غير معذبين أو لأنه بتعذيبهم غير ظالم فلذلك يعذبهم، ولو كان تعذيبهم ظلمًا لما عذبهم، ثم وصف العبيد الذين تقدم ذكرهم. و ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ تأويلًا لقوله ﵇ (٢): "من جاءكم بكلام ما أتيتكم به فلا تقبلوه" (٣) فأخطأوا في التأويل ولم يعلموا أن كل ما يقع به الإعجاز شيء واحد فتعلقوا بالصورة، وطالبوا بالكيفية الظاهرة جهلًا، وقيل: إنهم قالوا ذلك اختلاقًا وافتراءً لم يكن عندهم شيء مما يحتمل هذا المعنى بوجه من الوجوه، ألا ترى نقض الله تعالى عليهم علتهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي﴾ وقيل: إن في التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول بني فلان (٤) فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان (٥) تأكله نار منزلة من السماء حتى يأتيكم المسيح وخاتم النبيين فأظهروا بعضًا وكتموا بعضًا فكذبهم الله في ادعائهم التمسك بالعهد. و (القربان): اسم لما نتقرّب به إلى الله تعالى من المال كالنهبان، وهو مخصوص بالنعم الأهلي في الأحكام، وكان بنو إسرائيل قبل أن

стр. 555

يغير الله عليهم يذبحون القرابين ويضعونها (١) في بيت لا سقف له فينزل نار بها صوت فتأكلها إن كانت طيبة متقبلة، وكذلك قربان هابيل (٢). ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيه (٣) تسلية للنبي ﵇، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والزبور: كل كتاب ذي حكمة، وزبرت الكتاب إذا أحكمته (٤)، ﴿الْمُنِيرِ﴾ المبين. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ تسلية للنبي ﵇ أيضًا من حيث إن نعيم الدنيا وبؤسها لا تبقيان، وأن الناس إنما يوفون أجورهم يوم القيامة. فالاعتبار بالحالة الآخرة دون هذه، و (ما) (٥) في ﴿وَإِنَّمَا﴾ كافة إذ لو كانت بمعنى (الذي) لكان أجورهم بالرفع (٦) ولكان قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من الصلة، والصلة لا تنفك عن الموصول كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر: ١٨] و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨]، و ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ [النحل: ٩٢]، و ﴿أُجُورَكُمْ﴾ هو المفعول الثاني و ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف، و (الفوز) النجاة، وسمي المهمة مفازة على وجه التفاؤل، إلا كمتاع الغرور وإنما شبهها به لأنه يسرُّ عاجلًا ويسوء آجلًا وكذلك الدنيا، و ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كل ما استمتعت به مغرًّا، والغرور قريب من الخداع.

стр. 556

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ نزلت في النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ عن ابن عباس (١)، وهي عامة في الظاهر لأن المؤمنين ابتلوا بأموالهم وأنفسهم من وجوه كثيرة و (سمع الأذى) ما سمعوا من وصفهم الله (٢) بما لا يليق به، ووقيعتهم في النبي ﵇ وتضليلهم (٣) المؤمنين، و (الصبر) ههنا هو صبر النفس على مرّ القدر والتسليم لله تعالى والرضا بقضائه واحتمال الأذى فيه وتنتهوا عما نهى الله تعالى عن ذلك إشارة إلى كسب الصبر والاتقاء، و ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ عزيمتها، وهي الشروع (٤) فيها بالحزم وابتداؤها بالجد، وعن عطاء أنه حقيقة الإيمان. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الهاء عائدة إلى الكتاب. و ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ في جماعة من أهل خيبر أتوا النبي ﵇ وزعموا أنهم على دين إبراهيم يطلبون بذلك المحمدة فأنزل الله الآية وفضحهم، فما أتوه هو زعمهم وتلبيسهم، ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ ببعيد، والمفازة موضع الفوز. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث نفي فوز القوم من عذاب الله تعالى لاقتداره وسعة ملكه. عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه وقرأ العشر الخواتم من سورة "آل عمران" (٥)، الخبر. عن ابن عباس قال: بعثني أبي (٦)

стр. 557

إلى رسول الله ﷺ أحفظ له صلاته، قال: فهبَّ رسول الله ﷺ من الليل فتعار ببصره إلى السِماء ثم تلا هؤلاء الآيات من سورة "آل عمران": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى انتهى إلى عشر منها. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ (١) عن عمران بن حصين، قال: سألت النبي ﵇ عن صلاة الرجل وهو قاعد، قال: "من صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد" (٢). ﴿وَعَلَى﴾ حرف وإنما عطفها على الاسم لأنها في معناه قيامًا وقعودًا ومضطجعين، والتفكير هو الاعتبار بتأليفها وتصويرها، ﴿بَاطِلًا﴾ نصب بنزع الخافضة (٣) أي: حرف الصفة، أي: لأمر أو حكم باطل هزل غير حق وجد، وقيل: الباطل ها هنا بمعنى المبطل، أي: ما كنت مبطلًا في فعلك، في الحديث: "نزلت هذه الآية: وبل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها" (٤).

стр. 558

(الإخزاء): الإلجاء إلى الخزاية وهي الاستحياء أو الإيقاع في الخزي وهو الفضيحة، وههنا أقاويل أربعة: أحدها: أنه لا يدخل المؤمنين النار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم لأنه تعالى لا يخزي النبي والذين آمنوا معه، أي: والمؤمنين. وهذا قول فيه مقال، وقال مقاتل: المراد بالإدخال ههنا التخليد (١). وقيل: المراد بالإخزاء ههنا الإلجاء إلى الخزاية، وبقوله: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] الآية الإيقاع في الخزي، فالله تعالى يلجىء بعض المؤمنين إلى الخزاية ولكنه لا يوقعه في الخزي. وقيل: إن النار لا تعم عصاة المؤمنين فلا يكون داخلًا فيها وإن مسَّته، وإنما يتصل قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ بما تقدم لأن الحال يدل على أن من يدخله النار إنما دخله عقوبة لظلم حصل منه على نفسه أو غيره، وإنما قال: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ولم يقل: من ناصر لنظم رؤوس الآي أو مقابلة للظالمين و (المنادي): القرآن، عن قتادة ومحمد بن كعب القرظي (٢) كقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وعن ابن جريج وابن زيد أنه رسول الله ﷺ (٣)، لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ويحتمل أن يكون المراد بالسمع سمع القلب، وبالمنادي نذير الله في قلب كل مؤمن،

стр. 559

وليس فيها دلالة على نفي وجوب الإيمان قبل السماع لأن (١) الله أثنى على الذين سمعوا ولم يذكر (٢) غيرهم. والسلام بمعنى إلى (٣) كقوله: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأوحي لها ﴿أَنْءَامِنُوا﴾ ترجمة للنداء، ﴿وَتَوَفَنَا﴾ موافقين للأبرار حاصلين في عدادهم كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]. ﴿رَبَّنَا﴾ تكرار للنداء ﴿وَآتِنَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾، ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ على ألسن رسلك أو على نصرة رسلك أو على اتباع رسلك، وهذا يدل على أن خير الآخرة إنما تستحق بوعد الله تعالى لا غير أو العبد لا يستحق ثوابًا إلا بوعد سيده. والسبب في نزول قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لم يذكر النساء في شيء من الهجرة وأنا أول من هاجر من النساء (٤)، ﴿مِنْ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقيل: هو بيان لجنس العاملين (٥)، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، والمراد به اتفاقهم في صفة

стр. 560

الإيمان كما نقول لفرق اليهود والنصارى والروافض والمعتزلة بعضكم من بعض، أي: يجمعكم أصل واحد من مقالة، وقريب منه قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ويحتمل نسبة الأرحام لأن الجميع ذرية رجل واحد ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ مجازه أوحشوا وعوملوا بالمكروه، و ﴿ثَوَابًا﴾ نصب على المصدر، وقيل: على التفسير (١). ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ في معنى ولا يعجبك ولا تحسبن ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلافهم سالمين غانمين، ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ الأرض الموضع جمع بلدة. ﴿مَتَاعٌ﴾ أي: ذلك متاع قليل. ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ وخافوا واتقوا سخطه، ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال،

стр. 561

و ﴿نُزُلًا﴾ على التفسير (١) والنُّزل والنزُل بمعنى وهو الرزق يعده المنزل وهو المضيف، النزول: وهم الضيفان، ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ المتاع والقليل، وقيل: خير وليس بشر بخلاف ما عنده للفجار. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، قال مجاهد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (٢)، وعن قتادة وابن جريج أن النبي ﵇ لما بلغه وفاة النجاشي صلّى عليه فعيرهم المشركون، وقالوا: صلّى على علج فأنزل الله (٣)، واتصال ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ بما قبله من حيث إن الجزاء بعد الحساب. واتصال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما قبله من حيث أطمع الله المؤمنين فيما عنده، فلذلك دلَّهم على ما يعملون به الصبر على أي مكروه وعن آية شهوة، و (المصابرة) للعدو وعلى مكروه الحرب وحرها، و (المرابطة) مقاومة العدو بالثبات على مرّ الأمر، والظاهر من (الرباط) ارتباط الخيل

стр. 562

ولكنه يستعمل في كل ما يلزم ويثبت، وفي الحديث: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١) (٢). ...

стр. 563

سُورَةُ النِّسَاءِ مدنية، وهي مائة وخمس وسبعون آية حجازي (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه السورة تشمل على أحكام كثيرة وإنما ابتدت (٢) بالموعظة ليكون الكلام بعده أوقع في الأسماع وأنجع في القلوب ﴿خَلَقَكُمْ﴾ من غير تفصيل بين الشهود والغيب للإيجاد، وهو قريب من تغليب المفرد على المضاف والمذكر على المؤنث والأعم وجودًا على الأعز وجودًا ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ نفس (٣) آدم ﵇، وإنما أُنّث اعتبارًا (٤) باللفظ (٥) ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ من تلك النفس ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء.

стр. 564

قال ابن عباس والحسَن وإبراهيم (١): خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وفي الحديث: "إنّ المرأة خلقت من ضلع فإذا أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها وفيها عوج" (٢). وروي أن الله ألقى النوم على آدم وخلق حواء (٣) من ضلعه اليسرى، فلما استيقظ قيل له: يا آدم ما هذه؟ قال: المرأة لأنها خلقت من المرء فقيل: ما اسمها؟ قال: حواء (٤)؛ لأنها خلقت من حيّ وليس من الحوّة واللقس، كما أن آدم ليس من الأدمة بل لأنّه من أديم الأرض، وإنما لم تخلق من مائه؛ لأنّ الماء يقتضي رحمًا يستقر فيها ولم يكن ثمة رحم وإنما تخلق من غيره لتكون شجنة منه فيكون إليها أميل وعليها أقبل وليكون هذا الجنس بعضهم من بعض. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للتكرار كما في قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ١٩، ٢٠] وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥] وإنما عرّف نفسَه (٥) بالخلق والتساؤل به؛ لأنّ الخالق يستحق العبادة والمخلوق به يستحق التعظيم. و (الرقيب) (٦) دائم النظر على وجه التحفظ. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ نزلت في رجل من غطفان وكان لابن أخ له عنده مال، فلما بلغ امتنع عن رده، فشكا إلى النبي ﷺ فنزلت فرد عليه

стр. 565

المال (١)، وسمي اليتامى بالحالة الماضية لقول عمر لبلال ألا إن (٢) العبد قد نام، وقول ابن عمر ﵁: "ما زدناك على عجوة وزبيب" (٣)، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾ تستبدلوا الخبيث بالطيب أي الحرام بالحلال. قال ابن المسيب والضحاك والسدي والزهري أنه أن تأخذ من مال اليتيم شاة سمينة وتعطيه شاة مهزولة (٤). ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم (٥) كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. (الحوب): الإثم (٦). وقال الفراء: الإثم العظيم، وفي الحديث: "ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي" (٧)، وقد يطلق بمعنى الحاجة
следующие страницы →