← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

و ﴿نُزُلًا﴾ على التفسير (١) والنُّزل والنزُل بمعنى وهو الرزق يعده المنزل وهو المضيف، النزول: وهم الضيفان، ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ المتاع والقليل، وقيل: خير وليس بشر بخلاف ما عنده للفجار. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، قال مجاهد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (٢)، وعن قتادة وابن جريج أن النبي ﵇ لما بلغه وفاة النجاشي صلّى عليه فعيرهم المشركون، وقالوا: صلّى على علج فأنزل الله (٣)، واتصال ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ بما قبله من حيث إن الجزاء بعد الحساب. واتصال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما قبله من حيث أطمع الله المؤمنين فيما عنده، فلذلك دلَّهم على ما يعملون به الصبر على أي مكروه وعن آية شهوة، و (المصابرة) للعدو وعلى مكروه الحرب وحرها، و (المرابطة) مقاومة العدو بالثبات على مرّ الأمر، والظاهر من (الرباط) ارتباط الخيل

стр. 562

ولكنه يستعمل في كل ما يلزم ويثبت، وفي الحديث: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١) (٢). ...

стр. 563

سُورَةُ النِّسَاءِ مدنية، وهي مائة وخمس وسبعون آية حجازي (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه السورة تشمل على أحكام كثيرة وإنما ابتدت (٢) بالموعظة ليكون الكلام بعده أوقع في الأسماع وأنجع في القلوب ﴿خَلَقَكُمْ﴾ من غير تفصيل بين الشهود والغيب للإيجاد، وهو قريب من تغليب المفرد على المضاف والمذكر على المؤنث والأعم وجودًا على الأعز وجودًا ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ نفس (٣) آدم ﵇، وإنما أُنّث اعتبارًا (٤) باللفظ (٥) ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ من تلك النفس ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء.

стр. 564

قال ابن عباس والحسَن وإبراهيم (١): خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وفي الحديث: "إنّ المرأة خلقت من ضلع فإذا أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها وفيها عوج" (٢). وروي أن الله ألقى النوم على آدم وخلق حواء (٣) من ضلعه اليسرى، فلما استيقظ قيل له: يا آدم ما هذه؟ قال: المرأة لأنها خلقت من المرء فقيل: ما اسمها؟ قال: حواء (٤)؛ لأنها خلقت من حيّ وليس من الحوّة واللقس، كما أن آدم ليس من الأدمة بل لأنّه من أديم الأرض، وإنما لم تخلق من مائه؛ لأنّ الماء يقتضي رحمًا يستقر فيها ولم يكن ثمة رحم وإنما تخلق من غيره لتكون شجنة منه فيكون إليها أميل وعليها أقبل وليكون هذا الجنس بعضهم من بعض. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للتكرار كما في قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ١٩، ٢٠] وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥] وإنما عرّف نفسَه (٥) بالخلق والتساؤل به؛ لأنّ الخالق يستحق العبادة والمخلوق به يستحق التعظيم. و (الرقيب) (٦) دائم النظر على وجه التحفظ. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ نزلت في رجل من غطفان وكان لابن أخ له عنده مال، فلما بلغ امتنع عن رده، فشكا إلى النبي ﷺ فنزلت فرد عليه

стр. 565

المال (١)، وسمي اليتامى بالحالة الماضية لقول عمر لبلال ألا إن (٢) العبد قد نام، وقول ابن عمر ﵁: "ما زدناك على عجوة وزبيب" (٣)، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾ تستبدلوا الخبيث بالطيب أي الحرام بالحلال. قال ابن المسيب والضحاك والسدي والزهري أنه أن تأخذ من مال اليتيم شاة سمينة وتعطيه شاة مهزولة (٤). ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم (٥) كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. (الحوب): الإثم (٦). وقال الفراء: الإثم العظيم، وفي الحديث: "ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي" (٧)، وقد يطلق بمعنى الحاجة

стр. 566

ومنه قيل في الدعاء: "إليك أرفع حوبتي" (١). سأل عروة بن الزبير عائشة عن قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. قالت (٢): يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في مالها (٣) فيعجبه (٤) مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن تقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فيقول (٥) لا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهنّ وتبلغُوا بهنّ على نسبهنّ في الصداق وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس (٦) استفتوا رسول الله ﷺ (٧) بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت: والذي ذكر الله أنهُ يتلى عليكم في الكتاب هذه الآية التي فيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت عائشة في (٨) قوله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رغبة أحدكم عن يتيمته، التي تكون في حجره حتى (٩) تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا لم يكن لهن مال وجمال (١٠)، و (١١) اليتيمة: الصغيرة، وفيه دليل على أن للولي أن يتزوجها وهو مذهب علي. ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ من غير إثم

стр. 567

وكراهة و (ما) بمعنى (١) (من) كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ معدولات من اثنتين واثنين وثلاثة وثلاث وأربعة وأربع، وإنما لم يقل اثنتين وثلاثًا وأربعًا لئلا يوهم التسع، وإنما لم يقل أو ثلاث (٢) أو رباع لأن فيه ليس معناه اثنتين فتوهم الجمع ولكن معناه اثنتين اثنتين وكذلك معنى ثلاث ورباع وإن لم يقل ومثلث ومربع ولا اثنان وثلاث ورباع ليجمع بين اللغتين (٣). ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بين النساء في القسمة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي فاختاروا وعاشروا ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ما حل لكم من الحرائر ذوات الأرحام وأمهات الرضاع وأخوات الرضا عة (٤) والمشركات والذكور ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ لا تجرؤوا ولا تعتدوا، و (العول): مجاوزة (٥) الحد، وفيه العول في

стр. 568

الفرائض، ومنه يقال للبكاء الشديد: العويل، ولو كان من كثرة (١) العيال أو الافتعال لقال: أن لا تعيلوا من الإعالة [وأن لا تعيلوا من العيلة] (٢). وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾ خطاب للأزواج. وقال الفراء: خطاب لأولياء المرأة (٣). كانوا في الجاهلية لا يعطونها من صداقها إلا بعيرًا يحملونها عليه ويرسلونها إلى بيت الزوج ويحبسون ما في الصداق لأنفسهم. والصدقات جمع صدقة مثل مثلات ومثلة. وعن علي بن أبي طالب قال: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم (٤)، وهذا في حكم المرفوع؛ لأنّ الغاية لا تدرك (٥) قياسًا واجتهادًا. ﴿نِحْلَةً﴾ عطيّة (٦) مصدر جاء (٧) بخلاف المصدر فهي في معنى الإيتاء وإنما أجري مجرى العطيّة لأنّه يثبت من غير معاوضة، وقيل: النحلة ما ينتحله الرجل من الدين وهي نصب لأنّه مفعول له (٨).

стр. 569

﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ طابت أنفسهن بالخروج لكم عن شيء من الصداق، أي رضين ببدله، وإنما قال: ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ ليتناول القليل والكثير والبعض والكل. و (من) في ﴿مِنْهُ﴾ ليتبين الجنس دون التبعيض فـ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ سائغًا شافيًا حال للمفعول (١)، والمراد به نفي الوبال ورفع الحرج عن الآكلين، يقال: هنأني الطعام ومرأني، فإذا لم يقل (٢) هناني قلت: أمراني با لألف. وقال ابن الأعرابي: هنأني (٣) ومرأني وأمرأني (٤)، إذا انهضم الطعام، ولا يقول (٥): مرئني. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ قال ابن عباس: لا تعمل إلا (٦) ما خولك الله من المال وجعله معيشة لك فتعطيه أولادك وتنظر إلى ما في أيديهم ولكن أمسكه (٧) وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقتهم (٨). وقيل: الخطاب للأوصياء، وإنما قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ على سبيل المجاز. كقولك: استرق بأموالنا إذا استرق أموال (٩) أقربائك وجيرانك. وكسوتك: نقيض قولك: عريته. وكسى يَكسى إذا صار مكتسيًا، والكاسي من كسَوت: وهو الملبس، ومن كسى يُكسى وهو اللباس. ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أن

стр. 570

تقول: خيركم الله وأصلح بالكم ونصركم مصالح معاشكم ومعادكم، وقيل: هو العدة الجميلة وتمنيه الخير، وقيل: هو الوعظ، وفي الجملة هو أن تلطف (١) لهم القول بما يرضيهم ولا يسخط ربّه. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ واختبروهم في المعاملات قبل البلوغ. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ تأجيل وتوقيت، وهو بلوغهم وقت الإنزال ما بين ثنتي عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة (٢). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ (٣) أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال: ثماني عشرة سنة (٤) وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ (٥). ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ شرط؛ أي فإن أحسستم منهم هديًا في المعاملات. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ حكم معلق بشرط ومجرده لا يدل على نفي ما عداه، ولأن الآية تضمنت حكم الدفع عند وجود الشرط ولم تتضمن الدفع عند عدمه. وعن ابن سيرين وإبراهيم النخعي لم يَريان (٦) الحجر على الحرّ (٧)، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ (٨) ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾ أي (٩): مسرفين أو بإسراف. وكل نفقة لم يأذن بها الله

стр. 571

تعالى فهي إسراف ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: مبادرين كبرهم مصدر عمل في فعل (١) ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ محكم متفق في معناه ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مختلف فيه. قال عمر: يا رقي إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم إن احتجت أخذت منه وإن (٢) أيسرت رددت (٣) (٤)، فهذا (٥) يدل على أنه لا يأخذه إلا على وجه الاستقراض، وبه قال أبو العالية وعبيدة السّلماني (٦). وعن ابن عباس أنه أباح للوصي الطعام إن احتاج إليه (٧) ولم يبح له الكسوة، وعنه أنه قال: إن المحتاج إنما يأكل على وَجْه العمالة (٨)، وبه قال مجاهد وابن المسيب (٩)، وقال الشعبي: هو كالمضطر فإنْ أيسر رد وإنْ لم يوسر فهو له حلال (١٠). وعن سعيد بن جبير: إن أيسر رد وإن لم يوسر دعا اليتيم فاستحل منه (١١). وهذا إن لم يفرض له الأب والقاضي عمالة، فأما إذا فرض فهو له حلال غنيًا أو فقيرًا.

стр. 572

﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ندب كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافيًا من شاهد، وقيل: محاسبًا لكم على أعمالكم إن أشهدتم أو لم يشهدوا. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ نزلت في رفع حكم الجاهلية، كانت العرب لا تورث إلا من يطاعن ويحمي المال. وكانت الفلاسفة تورث الإناث دون الذكور فأبطل الله حكمها، والسبب في نزولها روي أن رجلًا توفي عن امرأة وبنات وأخوين، فأراد الأخوان أن يذهبا بالمال فجاءت المرأة ورفعت بحال (١) البنات إلى رسول الله ﷺ (٢)، فأنزل الله تعالى الآية، فدعاهما رسول الله ﷺ (٣) وتلا عليهما فقالا: أنورث من لا يطاعن بالرمح ولا يذود عن المال؟! فقال ﵇: "أعطيا البنات الثلثين والزوج الثمن" يعني أمهما "وما بقي فلكما" قال: فمن يلي أموالهن يا رسول الله؟ قال: "أنتما" (٤). وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل (٥) عن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ منه لتبيين الجنس. ﴿نَصِيبًا﴾ نصبه على الحال (٦). ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ورثة الرجل من غير أولاده. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أولاده لأنهم أكثر مما يبقون صغارًا يتامى (٧)

стр. 573

﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ أصحاب الوصية، و (الرزق) هو قسم المال على فرائض الله و (القول المعروف) أن يقول: هذه حقوقكم وأنصباؤكم في كتاب الله. وعن ابن عباس وعبيدة السلماني، عن سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين ومجاهد والشعبي (١) أن المراد بهؤلاء من حضر منهم غير وارث ولا صاحب وصيّة، وأن الأمر بالرزق واجب بحكم غير منسوخ ثم اختلفوا، قال بعضهم: يعطون من نصيب البالغين برضاهم. وقال بعضهم: يرضخ لهم شيء من رأس المال. وقد ذبح لهم عبيدة السلماني شاة من التركة وأطعمهم ثم قال: كنت أحب أن يكون ذلك من مالي لولا هذه الآية (٢). وهكذا روي عن ابن سيرين وابن المسيب وأبي مالك والسدي والضحاك أن وجوب حكم هذه الآية منسوخ ولكنه باق (٣) على سبيل الندب والاستحباب (٤). و (القول المعروف) أن يقول: بورك فيكم، صنع لكم، وأن يعتذر إليهم بقلة المال. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ قال ابن عباس وابن جبير وقتادة والسدي والضحاك (٥): وإنما أمروا بالخشية لئلا يسرفوا في الوصية إذا تركوا ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يخافون الفقر عليهم فكأنهم (٦) كانوا يخافون الفقر (٧) على ذراريهم

стр. 574

ومع ذلك يكثرون الوصية غلوًا ورياء فنهوا عن ذلك وأُمروا بالخشية والاتقاء لئلا يسرفوا في الوصية (١). وعن الحسن أن المأمورين بالخشية عوّاد المريض كانوا يحرضونه على كتاب (٢) الوصية ولا ينظرون للورثة فحذرهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يخشوا على ذرية هذا المريض كما لو كانت لهم ذرية كيف كانوا يخافون عليهم (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ خص الأكل بالظلم لرفع الجناح عن المخاطبين (٤) والآكلين بالمعروف و (الصلي) و (الصلا) بمعنى، تقول: صلى يصلى صلًا وصلاة وصَليًا إذا مسّها، وصل اللحم: إذا (٥) شواه، والإصلاء والتصلية على سبيل الإحراق. و (السعير) النار المتقدة ذات الالتهاب. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت في ورثة سعد بن الربيع فيما يروى عن جابر بن عبد الله قال: دعاني رسول الله في بني سلمة ومعه أبو بكر فوجدني لا أعقل فرشّ عليَّ الماء فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فأنزل الله الآية (٦) ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بمعنى الأمر ومعناه: لكل ابن ضعف ما

стр. 575

لكل ابنة يرثون جميعًا بالتعصيب ﴿كُنَّ﴾ أي: الأولاد اسم يُطلق على الأنثى، والمراد به البنات حالة الانفراد يرثن بالفرض للابنتين الثلثان، وقال ابن عباس: لهما النصف (١)، وغيره اعتبر الابنتين بالأختين من الأب والأم أو من الأب فروي أن سعد بن الربيع (٢) استشهد وترك ابنتين وامرأة وعمّا فورّث النبي ﵇ الابنتين الثلثين والمرأة الثمن وأعطى الباقي للعم ولا تيقنا (٣) باستحقاق إحدى الابنتين ثلث المال وأكثر منه لو كانت واحدة وشككنا في بخسها (٤) عنه ولأن (٥) الاثنين (٦) في حكم الجماعة بدليل تقدم الإمام عليهما، فإن قيل علق بالشرط قلنا لفظة فوق زائد في الكلام (٧) قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] أي: الأعناق، وقال ﵇: "لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام" الخبر، وأراد ثلاثة أيام، فلم يثبت كونها شرطًا، وإن ثبت فهو منسوخ لحديث سعد بن الربيع. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ أي الولد واحدة،

стр. 576

وتقدير الرفع: وإن كانت واحدة من الأولاد ولكل واحد من الأبوين مع الولد (١) السدس. ثم بيّن فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد فكان الباقي للأب ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يعني اثنين من الإخوة والأخوات في قول عامة الصحابة، وفي قول ابن عباس ثلاثة منهم ردّ الأم إلى السدس. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ بيان تقديم الوصية على الميراث ولفظة (أو) يطلق ويراد بها الواو، ويحتمل أنه لإباحة تقديم أيهما كان على الميراث ﴿نَفْعًا﴾ نصب على التفسير (٢)، و (النفع) هو الإيراث لم يكونوا يعلمون حتى أعلمهم الله تعالى. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر (٣)، أي يوصيكم الله فريضة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ أي: لم يزل ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي: ولد الموروث وولد ابنه وإن سفل دون ولد البنت لأنه ينسب إلى أبيه، ودون القاتل ومفارق الملة ودون المملوك. ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ أي: متكلل للنسب، نصب على الحال، وقيل: على خبر كان. وقيل: الكلالة المصدر لا بمعنى الاسم نصب بنزع

стр. 577

الخافض تقديره: بكلالة، أي: بإحاطة (١) (٢) وإحداق به، ومنه سمي الإكليل إكليلًا، والكلالة يعبر به عن الموروث مرة وعلى الوارث أخرى، فالموروث الذي لا يرثه الأب والجد من فوقه، والولد من دونه، والموروث الذي ليس (٣) بينه وبين الموروث والد، وإليه ذهبَ أبو بكر الصدِّيق وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وهو قول عمر، ثم رجع وقال: الكلالة من لا ولد له سواء كان له والد أم لم يكن. وروي عنه أنه لم يقل فيه شيئًا. ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ من الأم، فإن كانوا أي كانت الإخوة والأخوات أكثر من ذلك" أي من واحد. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حال للموصي وهو أن يضار ورثته بأن يزيد وصيته على الثلث ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ [النساء: ١١]، وقيل: منصوب بإضمار فعل ﴿عَلِيمٌ﴾ لإفادته العلم والحلم (٤) ﴿حَلِيمٌ﴾ لحلمه عن المضار بالوصية ومنعه نفاذ وصيته لئلا تحق (٥) مضارته فتحق (٦) عقوبته.

стр. 578

﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى هذه الوصايا أو (١) الفرائض و (٢) إلى جميع الأحكام التي تقدمت، وذلك إشارة إلى الدخول الذي هو من قضية الإدخال، ويحتمل أنّه إشارة إلى الخلود، و ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال (٣) بـ "من"، ومن يصلح للواحد والجماعة. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ يأبى أحكام الله تعالى ويحكم بغيرها فيكفر وإن حمل على أدنى معصية؛ فإدخال النار جزاء فيجوز نسخه وليس بخبر (٤)، والخلود يجوز أن يكون متناهيًا. ﴿خَالِدًا﴾ نصب على الحال (٥) بـ "من". ﴿وَاللَّاتِي﴾ جمع التي على غير قياس. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ الزنا ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي: من المؤمنين إن ادعى عليهن مدعٍ أنهن زنين فاستشهدوا على دعواه أربعة من الرجال العدول، هذا حكم الله لم ينسخه شيء

стр. 579

﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ احبسوهن (١) إلى أن يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ أو إلى أن يحكم الله فيهن بحكم آخر صار منسوخًا بخبر عبادة بن الصامت "خذوا عني" (٢) أي: خذوا عني الخبر، ثم نسخ التغريب (٣). والجمع بين الجلد والرجم (٤) بخبر ماعز وغيره (٥). ﴿وَاللَّذَانِ﴾ قال مجاهد: الرجلان (٦)، وأبطل القاضي أبو عاصم (٧) فائدة التثنية على هذا القول إلا أن تكون الفاحشة هي اللواطة (٨). وقيل:

стр. 580

الرجل والمرأة، وعن السدي (١): أن الآية الأولى كانت في النساء الشيب وهذه الآية كانمت في البكرين (٢)، ثم نسختا جميعًا بالجلد في سورة "النور"، والرجم على لسان النبي ﵇. (الإعراض) الصفح. ﴿التَّوْبَةُ﴾ إعادة النعمة، والتوقيف على الله مجازاة في ضمان الله، ووعده للذين يعملون العمل السيء بغير علم بوجوب (٣) العقوبة ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ قبل المعاينة، فالله نفى توبته عن الذين يتوبون ويؤمنون عند المعاينة قبل خروج أنفسهم، والذين يموتون سكرى ومصعوقين وفجاءة فلا يعاينون إلا بعد الموت، فالتوبة على الله غير واجبة لهذين الفريقين ولكن أمرهم في مشيئته يغفر لمن يشاء ما خلا الشرك والكفر والنفاق من غير وعد ولا ضمان ولكن بفضل (٤) منه ورحمة. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: جعلناه (٥) عتادًا لهم، والعتاد: المعتد اللازم، والشيء العتيد: الحاصل المعدّ. ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان الرجل يرث امرأة أبيه في الجاهلية بالمهر الأوّل إنْ شاء تزوجها بذلك وإنْ شاء زوجها ممن شاء أن يكون له المهر، هكذا روي عن الحسن وأبي مجلز (٦)، إلاّ أن مجاهدًا قال: ابنه لم يتزوج امرأة أبيه ولكنه يزوجها من غيره وليس ذلك بصحيح إلا أن عني به أمه (٧). ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ نهى الأزواج عن إمساكهن على وجه مضارتهن

стр. 581

ليفتدين بمهورهن، عن ابن عباس. وقال الزهري: كانوا يطلقون ويراجعون بغير عدّة ويطولون (١) العدة بذلك مضارهّ؛ لا يقربونهن ولا يدعونهن يتزوجن (٢)، فنهوا عن ذلك. و (الفاحشة المبينة) هو النشوز، عن ابن عباس وأبي مجلز: يجوز للرجل قبول الفداء حينئذ (٣). وقال قتادة والسدي: هو الزنا والحكم على هذا منسوخ (٤)، و (معاشرفهن بالمعروف) أن يُحسن معها المقام والعشرة بالإنصاف في المبيت والنفقة وحسن الخلق وبشاشة الوجه ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فيه ترجية وتطميع للرج الذي خير يرزقهم الله (٥) من نساء يكرهن لدمامتهن أو فقدهن مِنْ ولد أو ميراث أو موافقة أو ثواب على حسن معاشرتهن. ﴿كَرْهًا﴾ نصب بنزع (٦) الخافض (٧) ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ إن حرصتم عليها. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ هو أن يطلق (٨) امرأة ويتزوج أخرى، ويتعين ذلك على من عنده أربع وأراد خامسة (٩) ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ أعطيتم أوجبتم لها من الصداق ﴿قِنْطَارًا﴾ مثلًا فلا تستردوا ولا تحبسوا من ذلك القنطار شيئًا يعني بغير رضاها (١٠). ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ استفهام بمعنى النهي

стр. 582

والإنكار ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: بهتان وهو أن يدعي الإبراء أو يجحد الوجوب أصلًا، والآية في المدخول بها، ويدلس على جواز المفاداة بالصداق وإن كان مكروهًا. ﴿وَكَيْفَ﴾ (١) أداة التعجب، وهي هاهنا بمعنى النهي والإنكار و (الإفضاء إليها): الوصول إليها في الخلوة سواء وجد الجماع أم لم يوجد عند الزجاج والفراء (٢)، وعن ابن عباس أنه الجماع (٣)، فعلى القول الأول الخلوة أوجبت كمال المهر بالآية، وعلى القول الثاني أوجبت بقضاء الخلفاء الراشدين، و (الميثاق الغليظ) هو العقد والإشهاد. وقال الزهري: كان يقال للناكح: لله عليك أن تمسكها أو تسرحها بإحسان (٤)، وفي الحديث: "أخذتموهن بأمانة الله واسثحللتم فروجهن بكلمة الله" (٥) فهذا كله في الميثاق الغليظ. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ تحريم موطوءة الأب ومنكوحته عن ابن عباس وعكرمة وقتادة (٦)، وفي قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أربعة أقوال: استثناء متصلًا، كأنه قيل: أنتم منهيون عن نكاحهن وذلك موهم للماضي

стр. 583

والحال والمستقبل فاستثنى ما سَلَف لإزالة الإيهام، والثاني: أن النهي مقصود على ابتداء العقد دون استبقائه، وهذا لا يصح لأن الشرع لم يرد بجواز استبقاء نكاح محرمة على التأبيد، والثالث: استثناء منقطعًا بمعنى لكن، والرابع: أن يكون الاستثناء بمعنى واو العطف (١) كقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: صاروا. وقيل: صار (٢) مكروهًا عند بعض العرب ويسمون الولد مقيتًا. وفي قول من قال كان (٣) في شريعة من قبلكم أو (كان) زائدة نظر. و (المقت) البغض. ﴿وَسَاءَ﴾ بئس ذلك السبيل من سبيل. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني: الوالدات واحدهن أمّ. والبنات الإناث من الولد وإحداهن بنت. والأخوات بنات الأبوين وإحداهن أخت. والعمات أخوات الأب وإحداهن عمّة، والخالات أخوات الأمّ وإحداهن خالة، ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ الإناث من ولد الأخ (٤). ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ الإناث من ولد الأخت، و (الأمهات من الرضاعة): المرضعات في مدة الرضاعة وبناتهن، و (أمهات النساء) و (الربائب) بنات الزوج من غير الزوج وإحداهن ربيبة، والصبي في حجر فلان؛ أي في كفالته ورعايته، و (حليلة الرجل) امرأته، وإنما سميت حليلة لأنها نزيلته، أو لأنّها تحلله. والتقدير: حرِّم عليكم نكاح أمهاتكم. وأجناس المحرمات خمسة: النسَب والرضاع والمصاهرة والسبب والجمع. وما يحرم من النسب سبع: الأم والابنة والأخت والعمّة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت.

стр. 584

وما يحرم من الرضاع: كل ما يحرم مثلهُ من جهة الأم أو من جهة الأب في النسب. وما يحرم من المصاهرة فأربع: أم المرأة وابنتها وامرأة الأب وامرأة الابن وموطوءة هؤلاء. وما يحرم بالسبب فست: معتدة الغير والحامل من الغير والمبتوتة حتى تنكح زوجًا غيره، والكافرة من غير أهل الكتاب وذات الزوج والأمة على الحرة. وما يحرم بالجمع نوعان: كل شخصين لو كانا ذكرًا وأنثى من وجهين حرم التناكح بينهما كالأختين، والجمع بين أكثر من أربع للحر (١) وثنتين للعبد. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ ذوات الأزواج ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع يمين وهي اليد اليمنى، وإنما يسند الملك إليها لأنها أضبط اليدين وأقواهما غالبًا وأكثر الكسب بها. ومجرد الملك بالسبي أو الوراثة أو الشراء لا يوجب فسخ عقد النكاح ما لم ينضم إليه معنى بسبب الزوج من مباينة الدار أو نحوها. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ وأُبيح لكم أن تتزوجوا بمن وراء هؤلاء اللواتي سبق ذكرهن ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ تفسير لما أحل ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ متزوجين غير زانين، والسفاح: الزنا، والكناية في ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ راجعة إلى (ما) وهي للواحد والجماعة ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿فَرِيضَةً﴾ مقدرة. وفي قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ إباحة الإبراء والخلع، وفي فحواه أن العقد لا يعزل عن المهر إذا اتصل بالدخول وإن جاز إسقاطه بعد الوجوب، وذكر العلم والحكمة لإفادة العلم والحكمة في الشريعة أو لعلمه بعلل النصوص وبالمصَالح فيها. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ نزلت (٢) في أخيار المؤمنات حرائِرهن وإمائِهن على

стр. 585

الكتابيات حرائِرهن وإمائِهن، لا في قصر الإباحة على المؤمنات، و (الطول) الفضل والغنى منصوب على التفسير (١) للاستطاعة المنفية، وعن إبراهيم النخعي أن المراد به الهوى (٢)، والتقدير: من لم يكن عنده قصد ورأي وحزم لمصَائر الهوى وبصبر عن الإماء ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائِر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فليتزوج مما ملكت أيمانكم من الإماء ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إمائكم المؤمنات، والفتاة: الشابة في اللغة، وقال ﵇: "لا يقولنَّ أحدكم عبدي وأمتي بل يقول فتاي وفتاتي أو غلامي وجاريتي فإنكم كلكم عبيد والرب واحد" (٣). وعدم الطول ليس بشرط في جواز نكاح الإماء المؤمنات ولكنه مندوب إليه بقول علي ﵁: "إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة الثلث وللحرة الثلثين" (٤). وقال جابر بن عبد الله: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة والله أعلم" (٥). ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾ يريد الأخذ بالظاهر وكون الحقيقة إلى الله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: الأحرار والعبيد والحرائر والإماء، بعضهم من بعض في باب الإِسلام والشريعة والموالاة ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ يفيد وقوف العبد على إجازة المولى بخلاف العقد على الحرائر ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ مزوجات

стр. 586

أو عفائف ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ زانيات ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أخلاء، وإنما ذكره لأنّ من العرب من لا يعد السر سفاحًا ﴿أُحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة: أسلمن، عن ابن مسعود وزر والشعبي (١)، وهو يحتمل التزوج أيضًا، وبضم الهمزة (٢) إذا تزوجن عن ابن عباس ومجاهد (٣)، وهو يحتمل أدخلن في الإسلام. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ زنين ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر من الجلد، وحكم جلد العبد مستفاد من فحوى الآية وثبت بالإجماع. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الندب إلى نكاح الإماء والتنبيه عليه ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ الإثم والضرر في دينه ودنياه من العزوبة أو الهوى (٤) ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ قيل: الصبر من الكل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقيل: الصبر عن العنت ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقيل: عن نكاح الإماء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فإن قيل: كيف ندب إلى ما الصبر عنه خير؟ قلنا: إن فعله خير من وجه وهو أن فيه مندوحة عن الزنا، والصبر عنه خير وهو أن لا يعرض أولاده للرق. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام بمعنى "أن" عند الفراء والكسائي (٥)،

стр. 587

وكذلك في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] و ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ (١) [الصف: ٨]. ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: الأحكام الشرعية ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: الأنبياء ﵈ (٢) لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] و ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ البقرة: ١٣٠] و ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن ذلك تحريم الأمهات والبنات وما لم ينسخ من الشرائع المتقدمة. والآية وما بعدها في أهل البيت وفي أولياء الله دون الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ الميل: الجور وهو نقيض الاستقامة. و ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الكفار والشياطين. ﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ أراد رفع الإصر وضعف الإنسان وقلّة احتماله التكليف وسرعة تغيره بما يلقى من المكروه والمحبُوب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا فضل مبتدأ واتصاله بما قبله من حيث الأحكام المأمور بها والمنهي عنها. و (الأكل (٣) بالباطل) بالربا (٤) والقمار والبخس والظلم وما يشاكلها؛ عن السدي (٥). وأكلها بغير معاوضة؛ عن

стр. 588

الحسن (١). والظاهر أنه بذل المال في السفاح دون النكاح لتقدم ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ والاستثناء منقطع لأن التجارة عن تراضٍ ليست من جنس المنهي عنه، قيل: لما نزلت هذه الآية امتنع الناس عن التبسط حتى نزل ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] في سورة "النور". ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقيل: هو نهي عن أن يقتل الرجل نفسه. وإنما وصف نفسه بالرحمة لأنه أراد بنا الخير حيث نهانا عن أكل المال بالباطل وقتل النفس المحظورين بالعقل قبل الوحي ذلك إشارة إلى قتل النفس عن عطاء، وقيل: إلى الظلم الموجود في أكل الأموال وقتل الأنفس جميعًا، وقيل: إلى ما نهى من أول السورة إلى هنا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جزاء وشرط وليس بخبر (٢) ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: الإصلاء ﴿يَسِيرًا﴾ غير عسير. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ الاجتناب والمجانبة أن تدع الشيء جانبًا ولا تتعرض له. و (الكبائر) المجمع عليها ثلاثة (٣)؛ الشرك: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، والكفر: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ [المائدة: ٥]، والنفاق، وما عداها مختلف فيه، فقيل: كل ما نهى من أول السورة إلى هاهنا من الكبائر، وقيل: كل ما أوجب الحد. وقيل: كل ذنب أوجب الله عليه (٤) حدًّا في الدنيا وتوعَّد عليه بالنار في الآخرة، وقيل: كل ذنب كان محظورًا في قضية العقل قبل الوحي، وقيل: كل (٥) ما أرسل الله في ذلك رسُولًا وعاقب عليه أمة، وقيل: ما يرجع إلى فسق الديانة والاعتقاد، وقيل: ما يبطل العدالة، وقيل: ما وصفه الله في القرآن بالعظم أو الكبر

стр. 589

والاعتداء. ولو بقيت الكبائر لخصها الناس بالاجتناب وارتكبوا سائر المناهي اتكالًا على هذه الشريطة، ولو ارتكبوا لبطل التفاضل بالورع (١). ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ نزلت في أم سلمة قالت: الجهاد كتب علينا فنصيب من الثواب ما يصيبه الرجال (٢)، عن مجاهد، وقيل: تمنى الرجال أن يزادوا في ثواب الآخرة كما زيدوا في الميراث في الدنيا (٣)، وقيل: حسد الناس بعضهم بعضًا فنهوا عن ذلك. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ أي: لكل واحد [من الفريقين نصيب من قضية ما كسبوا من أجل كسبه، ويحتمل أن معناه لكل واحد] (٤) من الفريقين حظ في الدنيا إذ جميع كسب الإنسان ربما لا يكون رزقًا وإنما يجمع لغيره ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إبدال عن المنهي عنه، أي: سلوا من فضله مكان ما كنتم تمنون، وقيل في الزبور: يا ابن آدم لا تقل: اللَّهم ارزقني مال فلان، ولكن قل: اللَّهم ارزقني مثل مال فلان ﴿عَلِيمًا﴾ أخبر عن معلومة من أنصباء الرجال والنساء. تقدير الآية: ولكلِّ شيء مما (٥) ترك الوالدان والأقربون ﴿وَالَّذِينَ

стр. 590

عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ جعلنا موالي يستحقونه. أو تقديره: ولكل واحد جعلنا (١) ثَمَّ (٢) بينهم من الذين تركهم الوالدان والأقربون والذين عاقدتهم الأيمان. و (المولى) على وجوه والجميع ينهى عن نوع قرب واختصاص، وإنما أسند العقد إلى اليمين لأنها سببُ انعقاده كقوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] والمراد بالمعاقدين عن ابن عباس وعنه: هم الذين آخى رسول الله ﷺ (٣) بينهم، ومولى الموالاة يرث عندنا (٤)، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود ومسروق. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي (٥)، وقيل: نزلت في حبيبة بنت سهل (٦)، وقيل: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. لطمها لطمة فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ (٧) واستعدى عليه فأمرها رسول الله ﷺ بالقصاص فأنزل الله الآية فدعاهما وتلا عليهما الآية وقال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خيرًا" (٨)، وكان القصاص جاريًا بين الرجال والنساء في كل شيء إلى أن نسخ الله بهذه الآية. وقيل: أمرهُ محمول (٩) على العفو دون القصاص لاعتبار المساواة فيما دون النفس ﴿قَوَّامُونَ﴾ قيامون وقيمون (١٠) على مصالحهن بسبب ما فضلهم الله عليهن في العقل

стр. 591

والشهادة والجهاد والولاية والإمامة وبسبب إنفاقهم على الزوجات ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ غير الناشزات الفاسدات ﴿قَانِتَاتٌ﴾ مطيعات لله ولأزواجهن ﴿حَافِظَاتٌ﴾ لأنفسهن (١) وبيوتهن بحفظ الله تعالى وعصمته إياهنّ وما حفظ الله عليهن من الأحكام الشرعية أو بما حفظ الله لهن من حقوقهن من المهر والنفقة، وإنما أثنى عليهن ليعلم أنه ما عليهن من سبيل. والهجران في المضاجع هو أن لا يضربها مدة ويرى من نفسها الملال عنها لعلها تخاف الفرقة فتترك النشوز وتحسن العشرة والطاعة ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أدِّبوهن بضرب لا إتلاف فيه ولا تبريح ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ في الدين والفراش ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾ تطلبوا ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ حجة وعلة ولا تتجنوا عليهن، وإنما وصف الله نفسه بالعلو والكبرياء لتعاليه عن إباحة التجني والعدوان والكبر شأنه في إقامة القسي والأخذ للمظلوم من الظالم المتجني. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ حاكمًا، والظاهر أن الحاكم (٢) من تحاكم إليه الخصمان ورضيا بحكمه وجعلاه كالوكيل فيما أُسند إليه، والحاكم الذي له أن يحكم وإن لم يتحاكم إليه (٣)، وإنما أمر بحكمين لأنه أبعد من الجور والميل ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ أي: يجعل حكم أحد الحكمين موافقًا لحكم الآخر إن أرادا إصلاحًا، وليس للحكمين أن يحكما بالطلاق والخلع إلا أن يكون الزوجان قد أذنا لهما في ذلك. (الخبير العليم) كقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] وقيل: المخبر والمخبّر والمعلّم واحد. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وهذا فصل آخر يتناول ما تقدم من حيث إن الجميع أمر ونهي و ﴿إِحْسَانًا﴾ نصب على الحث والتحريض (٤) ومثله قوله تعالى:

стр. 592

﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]. و (الجار): النزيل في الحي وهو المجاور ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أدنى الجيران ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أبعدهم، وقيل: ذي القربى المناسب القريب، والجنب الأجنبي الغريب ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الرفيق في السفر؛ عن ابن عباس وابن جبير والحسن ومجاهد والضحاك (١)، وعن ابن عباس أيضًا: هو المنقطع إليك يرجو خيرك ونفعك وإليه ذهب ابن زيد (٢)، وقال ابن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى: هو المرأة (٣) ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الضيف؛ عن قتادة وابن زيد (٤)، والمسافر الغريب؛ عن الربيع (٥) ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء، ويجوز أن يدخل في عمومه الدواب والمواشي. وقال ﵇: "كلكم راعٍ وكلكم مسوول عن رعيته" (٦)، وقال ﵇ في العبيد والإماء: "اكسوهم ما تلبسون وأطعموهم ما تطعمون" (٧). وقال

стр. 593

عند الوفاة: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (١). و (الاختيال) افتعال من الخيلاء وهو ركوب الرأس والذهاب بالنفس. و (الفخور) الذي يكثر التفاخر بتقدير المكارم تكبرًا وتعظمًا غير شكر، وإنما لا يحب لأنه يأنف عن طاعة الوالدين ومخالطة الأقربين ومرافقة الجيران ومعاشرة العبيد والإماء، ويخاف الفقر والذلّ في بذل الأموال فلا يبذلها. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ عن ابن عباس ومجاهد: اليهود خاصة حيث كتموا نعت (٢) نبينا ﵇، والظاهر أنه في البخيل المعتل المعتذر عند السؤال كذبًا وشحًا. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ يقتضي مضمرًا فكأنه قال: هم كافرون. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ وإنما جاز وصفهم بالكفر لأن من اعتقد أن البخل حسن محمود ورضيه وأوصى به غيره فقد كَذب الله ورسول الله (٣) فكان كافرًا (٤). ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ إنما ذكرتهم لئلا يظن (٥) ظان أن كل منفق محمود مأجور؛ فإنّ المختال الفخور ربما أنفق رياء وذلك غير مقبول منه ولا محسُوب له عند الله إذا لم يبتغ وجهه والدار الآخرة. ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ يقتضي مضمرًا فكأنه قال: قرينهم الشيطان ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ وإنما لم يصرح به لأن الملفوظ به يدل عليه. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ إلزام محض من طريق النظر كقولك: هب أني مبطل في الإنذار فهل عليك بأس في الحذر، وهب أنه غير مستحق (٦) فهل عليك لوم في السخاء، كذلك الإيمان بالله واعتقاد انقضاء الدنيا واجب في العقل

стр. 594

قبل الدعوة، ومواساة الفقراء محمود عند كل ذي عقل، فماذا عليهم في الإجابة لداعٍ يدعو إلى هذه المعاني (١)، سواء كان عدوًا أو صديقًا صغيرًا أو كبيرًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ لا يخلف الوعد بزيادة العقاب أو نقص الثواب، ومجازه أن الله لا يظلم شيئًا وإنما ذكر ذلك لأنه أقل ما يثبت في القواعد المحسوسة، أو لأنه أقل أجزاء (٢) الجوهر لا يستثير منه بعضه. ومثقال الشيء مقداره في الوزن، والذرة من الحيوان النملة الصغيرة الحمراء؛ وهي جسم مؤلف من الذرة، والجماد جزء واحد من أجزاء الغبار وذلك ليس بجسم. فالله تعالى لا يزيد في عقاب ولا يبخس من ثواب ذلك القدر، فإن كان ذلك القدر حسنة ضعفها إلى عشرة أمثالها إلى سبع مائة إلى ما شاء من فضله، وإنما وصف الأجر بالعظم لأنه لا ينقص ولا ينفد. ﴿فَكَيْفَ﴾ في مثل هذا الموضع تقتضي تهويل الأمر، وتقديره: كيف يختالون وكيف يصنعون أو كيف هم أو كيف حالهم، وحذف المستفهم عنه أبلغ في التهديد ليذهب نفس السامع كل مذهب، والمراد بالتوقيت يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا (٣) عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩] والشهداء: الأنبياء والمرسلون وسائر الأئمة، يقولون: هذا أجاب وهذا لم يجب وهذا أطاع وهذا لم يطع، وذلك بعد أن يثبت الله أقدامهم وينزل عليهم السكينة ويذهب بالوجل عن قلوبهم، وأما في ابتداء الوهلة فيقولون: لا علم لنا كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآية، وعميت الأنباء على المشهود عليهم أيضًا فلا يتساءلون، ثم يوقف الله من يشاء للجواب الصالح ويجحد من قدر له الجحود، ثم ينطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بفعلهم (٤) فحينئذ

стр. 595

يقولون: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] عن ابن مسعود أن النبي ﵇ (١) قال له: "اقرأ" قال: عليك أقرأ يا رسول الله وعليك أُنزل؟! قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأ سورة "النساء"، فلما انتهى إلى هذه الآية دمعت عينا رسول الله ﷺ (٢) (٣)، وفي بعض الروايات قال: "اللَّهم هذا علمي بمن أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم يرنِ" (٤). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفان من الزمان أضيف أحدهما إلى الآخر فصارا زمانًا معرّفًا فكأنك تقول: يوم إذ يكون كذا، فلذلك تعرف وصَار حكمه حكم الفعل وهذا على قول من يعرب اليوم من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وأما من لم يعربه فيقولون: هذان اسمان جعلا اسمًا واحدًا بني على صيغة واحدة لزمان معين ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ واو استئناف، أي: لا ينكتم شيء مما (٥) يتحدثون فيما بينهم أو تحدث به أنفسهم. ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ موضع الصلاة وهو (٦) المسجد- دون الدعاء والصلاة - المعهود؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا (٧) عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ والعبور لا يتصور إلا في المسجد؛ فإن قيل عن أبي عبد الرحمن السلمي: إن عليًا وعبد الرحمن بن عوف كانا في دعوة رجل من الأنصار وأصابوا من الخمر وقدموا عليًا في صلاة المغرب وقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] على غير ما أنزلت فنزلت الآية (٨)، قلنا: اعتبار عبور السبيل الذي نطق به الكتاب أولى

стр. 596

من اعتبار حادثة علي، فإنْ قيل: لم لا تحملونه عليهما جميعًا (١)؟ قلنا (٢): لامتناع حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، فإنْ قيل: كيف حملتم قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على العقد والوطء جميعًا، قلنا (٣): لأنه حقيقة فيهما كأسهم الإخوة في حجب الأم والمعنى المفسد عدم منه. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الواو للحالى و (سكارى) جمع سكران، وقيل: الجمع سكرى، وسكارى جمع الجمع ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يفيد القضاء عند الصحو ﴿وَلَا جُنُبًا إ﴾ أي: ولا مجنبين، و (الجنب): واحد وجمع إذا كان نعتًا لاسم، يقال: رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وإن أقمته مقام الاسم ثنيت وجمعت. وإنما استثنى ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ لضرورة، قال إبراهيم: هو أن لا يجد طريقًا غيره (٤)، وقيل: هو أن لا يصل إلى الماء الآية فيتيمم ويدخل ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ مقدم على الاستثناء في التقدير ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بحال تخافون زيادة المرض باستعمال الماء. وقال ابن عباس: هو صاحب الجدري وصاحب القرحة. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إن كنتم مسافرين ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: رجع عن قضاء الحاجة. و (الغائط): اسم للمكان المنخفض (٥). و (اللمس): كناية عن الجماع؛ عن علي وابن عباس وأبي موسى الأشعري (٦)، ولأنّه لمس مطلق. والمراد بالماء: الماء الشرعي دون

стр. 597

اللغوي لجواز التيمم مع وجود الماء النجس, ولهذا جوزنا الوضوء بنبيذ التمر لأنه ماء شرعي (١)، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ معطوف على المعنى المقدر لأن عدم الماء غير شرط في حق المريض. وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ جواب للشرطين جميعًا، والتيمم: القصد، والقصد لا يتم إلا بالفعل، والفعل تيمم من غير حصول الانفعال، فلذلك اكتفينا بضرب اليدين من غير رفع الصعيد. و (الصعيد) وجه الأرض لقوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] و ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، و (الطيب): الطاهر. وإنما وصف نفسه بالعفو والغفران لأنه رفع الإصر ولم يؤاخذنا بما يشق علينا. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ما في ضمنها من النهي عن موالاة اليهود والتحذير عنهم ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: أن تنسوا السبيل وتضيعوه. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ منكم فهؤلاء أعداؤكم وإن أظهروا مودة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ خبر بمعنى الأمر وتقديره: اكتفوا باللهِ من ولي، و (الكافي): القائم بالحاجة، والباء في ﴿بِاللَّهِ﴾ دليل على ما النفي، وقيل: للتعجب والمبالغة و ﴿وَلِيًّا﴾ نصب على الحال. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مِنَ﴾ تفسيرًا، أو تبيينًا و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ ويحتمل أن تكون راجعة إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾، ويحتمل أن تكون متصلة بقوله: ﴿نَصِيرًا﴾ أي: ينصره منهم، ويحتمل أن تكون منقطعة مبتدأ تقديره (٢): من الذين هادوا من يحرفون الكلم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام معلوم (٣) ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (٤)﴾ [مريم: ٧١] أي: يردها ولا يحسن إضمار (من) إلا في المبتدأ بمن ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ غير صاغر ولا مجبر على الاستماع؛ كأن

стр. 598

المؤمنين يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى، وقيل: اسمع لا سمعت، وقيل: اسمع غير ممكّن من الاستماع وكأن المنافقين واليهود يريدون بهذا اللفظ أحد هذين المعنيين (١). ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ على أنه مفعول له أو على التفسير والطعن في الذين هو الطعن عليه وَعيبُه (٢)، وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ وما بعده يدل على ما في قلبه ﴿وَانْظُرْنَا﴾ أي: انتظر وتأنّ بكلامك ﴿لَكَانَ﴾ هذا القول الثاني (٣) ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أعدل وأقسط وأبعد عن الليّ ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ﴾ حرمهم التوفيق لمثل هذه المقالة المحمودة خبرًا لكفرهم أو أمره ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم ويحتمل ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) إيمانًا قليلًا، وذلك قولهم (٥): ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نزلت في شأن اليهود (٦) ويحتمل العموم في أهل الكتاب وغيرهم بادروا وقت هذا الوعيد الكائن لا محالة، والوعيد أحد شيئين: إمّا طمس الوجوه وردها على أدبارها وإما اللعن، واختلف في الطمس والرد على الأدبار، قيل: محو آثار الوجوه من أصلها وصرف الأعين إلى الأقفية والمشي قهقرى؛ عن ابن عباس وابن جريج (٧)، وقيل: الطمس (٨) كختم القلوب وإغشاء الأسماع والأبصار وهو الخذلان،

стр. 599

والذهاب بالبركة والتوفيق. و (الرد على الأدبار): هو الحشر والإجلاء إلى الشام (١). وقيل: الطمس (٢) إنبات الشعر على الوجوه كإنباته على الأقفية وإليه ذهب الزجاج، وهذا الوعيد كائن لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. ولعن أصحاب السبت مسخهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: مأمور الله كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وفائدته على هذا الإخبار عن نفاذ القدرة في جميع المرادات، وقيل: المفعول الموعود (٣) وفائدته أن الله لا يخلف الميعاد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في وحشي قاتل حمزة (٤) وهي على العموم وتضمنت مغفرة من غير توبة لأنه نفي مغفرة الإشراك؛ وتضمنت مغفرة الكبائر. والإشراك بالله من وجهين: إثبات شيء لا ابتداء له مع الله تعالى (٥)، والثاني: إثبات مدبر منفرد بفعله دون الله. فالأول: إشراك الدهرية والثنوية، والثاني: إشراك عبدة الجن والإنس والملائكة والنجوم والأصنام. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾ قيل في نزولها: أن اليهود حملوا أولادهم الأطفال إلى النبي ﵇ فقال ﵇ (٦): "ما عليهم ذنب" فقالوا: ما نحن إلا أمثال هؤلاء ما نعمله بالليل يغفر لنا بالنهار وما نفعله بالنهار يغفر لنا بالليل، فأنزل (٧). وقيل: سبب نزولها قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٨) [المائدة: ١٨] بأفوا ههم التراب، وقيل: إن

стр. 600

بعضهم أثنى على بعض، والتزكية وضعه بالعدالة وبأنّه زكي، و (الفتيل) الوسخ الذي ينفتل بين الإصبعين؛ عن ابن عباس (١). وقيل: الفتيل: في شق النواة، والنقير: النقطة على ظهر النواة، والقطمير: القشر (٢) الرقيق على ظاهر النواة (٣). ﴿انْظُرْ﴾ إنما أمرنا (٤) بالنظر للتعجب، وموضع التعجب شدة وقاحتهم وغاية جهلهم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب قدما مكة فأتتها قريش وقالوا: أنتم أهل كتاب وعلم أخبرونا عنا وعن محمد ﵇ (٥)، قالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: ديننا القديم ودينه الحديث؛ ونحن نسقي اللبن علي الماء ونصل الرحم ونسقي الحجيج ونفك العناة، ومحمد صُنبور (٦) قطع أرحامنا واتبعه سُرّاق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو أهدى (٧) وأصحابه؟ قالا: بل أنتم أهدى سبيلًا (٨)، وهما يعلمان أنهما يكذبان لا محالة لأنّهما كانا يريان (٩) محمدًا ﵇ يوحّد ويذكر اسم الله (١٠) على الذبيحة ويتوضأ (١١) ويغتسل ويذكر الأنبياء بخير ويؤمن بهم ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن
следующие страницы →