← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من اعتبار حادثة علي، فإنْ قيل: لم لا تحملونه عليهما جميعًا (١)؟ قلنا (٢): لامتناع حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، فإنْ قيل: كيف حملتم قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على العقد والوطء جميعًا، قلنا (٣): لأنه حقيقة فيهما كأسهم الإخوة في حجب الأم والمعنى المفسد عدم منه. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الواو للحالى و (سكارى) جمع سكران، وقيل: الجمع سكرى، وسكارى جمع الجمع ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يفيد القضاء عند الصحو ﴿وَلَا جُنُبًا إ﴾ أي: ولا مجنبين، و (الجنب): واحد وجمع إذا كان نعتًا لاسم، يقال: رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وإن أقمته مقام الاسم ثنيت وجمعت. وإنما استثنى ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ لضرورة، قال إبراهيم: هو أن لا يجد طريقًا غيره (٤)، وقيل: هو أن لا يصل إلى الماء الآية فيتيمم ويدخل ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ مقدم على الاستثناء في التقدير ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بحال تخافون زيادة المرض باستعمال الماء. وقال ابن عباس: هو صاحب الجدري وصاحب القرحة. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إن كنتم مسافرين ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: رجع عن قضاء الحاجة. و (الغائط): اسم للمكان المنخفض (٥). و (اللمس): كناية عن الجماع؛ عن علي وابن عباس وأبي موسى الأشعري (٦)، ولأنّه لمس مطلق. والمراد بالماء: الماء الشرعي دون

стр. 597

اللغوي لجواز التيمم مع وجود الماء النجس, ولهذا جوزنا الوضوء بنبيذ التمر لأنه ماء شرعي (١)، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ معطوف على المعنى المقدر لأن عدم الماء غير شرط في حق المريض. وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ جواب للشرطين جميعًا، والتيمم: القصد، والقصد لا يتم إلا بالفعل، والفعل تيمم من غير حصول الانفعال، فلذلك اكتفينا بضرب اليدين من غير رفع الصعيد. و (الصعيد) وجه الأرض لقوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] و ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، و (الطيب): الطاهر. وإنما وصف نفسه بالعفو والغفران لأنه رفع الإصر ولم يؤاخذنا بما يشق علينا. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ما في ضمنها من النهي عن موالاة اليهود والتحذير عنهم ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: أن تنسوا السبيل وتضيعوه. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ منكم فهؤلاء أعداؤكم وإن أظهروا مودة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ خبر بمعنى الأمر وتقديره: اكتفوا باللهِ من ولي، و (الكافي): القائم بالحاجة، والباء في ﴿بِاللَّهِ﴾ دليل على ما النفي، وقيل: للتعجب والمبالغة و ﴿وَلِيًّا﴾ نصب على الحال. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مِنَ﴾ تفسيرًا، أو تبيينًا و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ ويحتمل أن تكون راجعة إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾، ويحتمل أن تكون متصلة بقوله: ﴿نَصِيرًا﴾ أي: ينصره منهم، ويحتمل أن تكون منقطعة مبتدأ تقديره (٢): من الذين هادوا من يحرفون الكلم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام معلوم (٣) ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (٤)﴾ [مريم: ٧١] أي: يردها ولا يحسن إضمار (من) إلا في المبتدأ بمن ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ غير صاغر ولا مجبر على الاستماع؛ كأن

стр. 598

المؤمنين يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى، وقيل: اسمع لا سمعت، وقيل: اسمع غير ممكّن من الاستماع وكأن المنافقين واليهود يريدون بهذا اللفظ أحد هذين المعنيين (١). ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ على أنه مفعول له أو على التفسير والطعن في الذين هو الطعن عليه وَعيبُه (٢)، وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ وما بعده يدل على ما في قلبه ﴿وَانْظُرْنَا﴾ أي: انتظر وتأنّ بكلامك ﴿لَكَانَ﴾ هذا القول الثاني (٣) ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أعدل وأقسط وأبعد عن الليّ ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ﴾ حرمهم التوفيق لمثل هذه المقالة المحمودة خبرًا لكفرهم أو أمره ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم ويحتمل ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) إيمانًا قليلًا، وذلك قولهم (٥): ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نزلت في شأن اليهود (٦) ويحتمل العموم في أهل الكتاب وغيرهم بادروا وقت هذا الوعيد الكائن لا محالة، والوعيد أحد شيئين: إمّا طمس الوجوه وردها على أدبارها وإما اللعن، واختلف في الطمس والرد على الأدبار، قيل: محو آثار الوجوه من أصلها وصرف الأعين إلى الأقفية والمشي قهقرى؛ عن ابن عباس وابن جريج (٧)، وقيل: الطمس (٨) كختم القلوب وإغشاء الأسماع والأبصار وهو الخذلان،

стр. 599

والذهاب بالبركة والتوفيق. و (الرد على الأدبار): هو الحشر والإجلاء إلى الشام (١). وقيل: الطمس (٢) إنبات الشعر على الوجوه كإنباته على الأقفية وإليه ذهب الزجاج، وهذا الوعيد كائن لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. ولعن أصحاب السبت مسخهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: مأمور الله كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وفائدته على هذا الإخبار عن نفاذ القدرة في جميع المرادات، وقيل: المفعول الموعود (٣) وفائدته أن الله لا يخلف الميعاد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في وحشي قاتل حمزة (٤) وهي على العموم وتضمنت مغفرة من غير توبة لأنه نفي مغفرة الإشراك؛ وتضمنت مغفرة الكبائر. والإشراك بالله من وجهين: إثبات شيء لا ابتداء له مع الله تعالى (٥)، والثاني: إثبات مدبر منفرد بفعله دون الله. فالأول: إشراك الدهرية والثنوية، والثاني: إشراك عبدة الجن والإنس والملائكة والنجوم والأصنام. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾ قيل في نزولها: أن اليهود حملوا أولادهم الأطفال إلى النبي ﵇ فقال ﵇ (٦): "ما عليهم ذنب" فقالوا: ما نحن إلا أمثال هؤلاء ما نعمله بالليل يغفر لنا بالنهار وما نفعله بالنهار يغفر لنا بالليل، فأنزل (٧). وقيل: سبب نزولها قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٨) [المائدة: ١٨] بأفوا ههم التراب، وقيل: إن

стр. 600

بعضهم أثنى على بعض، والتزكية وضعه بالعدالة وبأنّه زكي، و (الفتيل) الوسخ الذي ينفتل بين الإصبعين؛ عن ابن عباس (١). وقيل: الفتيل: في شق النواة، والنقير: النقطة على ظهر النواة، والقطمير: القشر (٢) الرقيق على ظاهر النواة (٣). ﴿انْظُرْ﴾ إنما أمرنا (٤) بالنظر للتعجب، وموضع التعجب شدة وقاحتهم وغاية جهلهم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب قدما مكة فأتتها قريش وقالوا: أنتم أهل كتاب وعلم أخبرونا عنا وعن محمد ﵇ (٥)، قالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: ديننا القديم ودينه الحديث؛ ونحن نسقي اللبن علي الماء ونصل الرحم ونسقي الحجيج ونفك العناة، ومحمد صُنبور (٦) قطع أرحامنا واتبعه سُرّاق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو أهدى (٧) وأصحابه؟ قالا: بل أنتم أهدى سبيلًا (٨)، وهما يعلمان أنهما يكذبان لا محالة لأنّهما كانا يريان (٩) محمدًا ﵇ يوحّد ويذكر اسم الله (١٠) على الذبيحة ويتوضأ (١١) ويغتسل ويذكر الأنبياء بخير ويؤمن بهم ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن

стр. 601

الزنا وعن جميع الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا هو دين المرسلين، فأدّى بهما العدوان والخذلان إلى اختيار المشركين على المؤمنين، وروي أنهما سجدا لصنم قريش تقربًا إليهم واستمالة لقلوبهم (١). و (الجبت): كل ما عبد من دون الله تعالى؛ عن ابن عرفة وأبي عبيد، وعن الشعبي: الجبت: الساحر (٢)، وقيل: السحر بلغة الحبشة يعني مشتركة بينهم وبين بعض العرب (٣)؛ وفي إحدى الروايتين الجبت: الأصنام (٤) ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ مترجم الأصنام، وفي الرواية الأخرى: الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: حيي بن أخطب (٥). ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ متصلة معادلة لألف الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾ أنفسهم (٦) أو ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وقيل: متعلقة بمعنى ألف الاستفهام. و (إذًا) يوجب جواب شرط. و (النقير): أدنى ما يتعين بنقر الأصابع أو المنقار، والمعنى: أن الله تعالى وصفهم بغاية البخل. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: الناس محمدٌ ﵇ (٧) (٨). والفضل إباحة التزوج له بكم شاء من النساء (٩) (١٠). وآل إبراهيم:

стр. 602

سليمان ﵇ فالملك العظيم ملكه. وقال السدي (١) كذلك إلا أنه قال: وآل إبراهيم داود ﵇ وملكه سليمان ﵇ وملكه. كان قد أبيح لداود ﵇ (٢) تسع وتسعون امرأة مهرية وثلثمائة سرية، ولسليمان ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية، وقيل: إبراهيم وما آتاه الله تعالى (٣) في (٤) النساء. وذلك أن اليهود عيّروا رسول الله ﷺ (٥) قالوا: لو كان نبيًا لشغله شأن النبوة عن شأن النساء، فبيَّن الله تعالى حالة من مضى من الأنبياء حجة لنبيّه ﵇، وقال قتادة: ﴿النَّاسَ﴾ العرب (والفضل) النبوة (٦)، والوجه أنهم حسدوهم وقالوا: هذا أمر لا يكون إلا في بني إسرائيل، فبين الله أنهم وبنو إسرائيل شرع سواء لأنهم جميعًا من ابني إبراهيم: إسماعيل وإسحاق فكانا اثنين آتاهما الله تعالى الكتاب والحكمة والملك، وقيل: ﴿النَّاسَ﴾ محمَّد وأصحابه (٧)، وعن الحسن: أن الملك العظيم النبوة (٨)، وقيل: الإمداد بالملائكة. الهاء في ﴿بِهِ﴾ و ﴿عَنْهُ﴾ راجعة إلى النبي ﵇ (٩). وقيل: إبراهيم، وقيل: إلى الخبر عن آل إبراهيم (١٠). ﴿سَعِيرًا﴾ لمن صد عنه.

стр. 603

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ الانطباخ والانشواء وهو غاية استرخاء التأليف بالحرارة ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ غيرها. والعذاب للنفوس دون الجلود إذ لا حياة في الجلود وإن كانت من جوهر النفوس، وقيل: أن يجدد جلودهم (١) النضيجة وهي أجسادهم، ويجوز (٢) إطلاق اسم الغير عند (٣) الانقلاب كقوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] يعني: غيره، وقيل في تفسير قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: إنما هي (٤) هذه الأرض ولكنها تقلب ظهرًا عن بطن. و (الظل الظليل): هو الظل الذي يستطاب ويستظل به. قال الله تعالى في هذه: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣١] والمراد بالظل الظليل جميع أنواع السلامة عن الحرّ والبرد وغيرها في حمى الله وكنفه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ عامة في الظاهر يدخل (٥) كل أمانة من كلام أو مال ويدخل (٥) فيه ما كان عند أهل الكتاب من نعت نبينا ﵇ (٦)، ويدخل فيه ما ائتمن الله الأئمة فيه من العهد، وروي أن النبي ﵇ أخذ مفتاح الكعبة حرسها الله يوم الفتح من عثمان بن طلحة وجه بني عبد الدار وكانت الحجابة فيهم. فقال عثمان: خذ بأمانة الله، ثم إن عباسًا أحب أن يدفع رسول الله ﷺ (٧) المفتاح إليه لينضم له فضيلة الحجابة إلى فضيلة السقاية، فتلا رسول الله الآية ورد المفتاح إلى عثمان، وقيل: أنها نزلت حينئذ ثم إن عثمان بن طلحة دفعه بعد ذلك إلى أخيه شيبة وهو في بيته اليوم (٨).

стр. 604

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ طاعة الله (١) فريضة وطاعة رسُوله واجبة وطاعة أولي الأمر في طاعة الله فريضة. فريضة حتمًا وفي سائر المصالح حسنة مندوبٌ إليها، ولو كان حتمًا لما أمر برد المتنازع فيه إلى الله ورسوله، وينهى عن التنازع أصلًا، و (أولو الأمر) منا الولاة من مذهبنا وديننا الذين عقيدتهم ظاهرة وملتهم ظاهرة وبيعتهم سابقة، والمتنازع فيه ما اختلف فيه أهل الرأي والاجتهاد من الفروع دون الأصول، والردّ إلى الله وإلى الرسول، وقيل: رفعه إلى رسوله وانتظار نزول القرآن وهذا كان مختصًا بالصحابة، كانوا إذا رأوا من أمير السرايا شيئًا ينكرونه ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ بعد رجوعهم. والثاني بجعل المنصموص عليه بالسنة والكتاب أصلًا ويستنبط علة إن أمكن ثم يرد المتنازع فيه إلى ذلك الأصل بتلك العلة. والمنصوصان لغرض التعليل كالجمع (٢) بين الأختين في الكتاب والتفاضل في الأشياء الستة في الحديث، إلا ما نهى الله (٣) عن تعليله كقضاء الحائض صومها دون صلاتها، وهذا الوجه وجد بين جماعة من الصحابة وبين عمر في ولايته فمرّة رجعوا إلى قوله، ومرة رجع إلى قولهم، وكذلك وجد في ولاية عثمان وعلي. والثالث أن (٤) ترجي أمر المتنازع فيه إلى الله إذا تجاذب الأصلان ولم يكن ترجيح لأحدهما فحينئذ يجعل حكم المتنازع فيه موقوفًا. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ نزلت في المنافقين (٥). ﴿الطَّاغُوتِ﴾

стр. 605

كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب عن ابن عباس (١)، وقال مجاهد وقتادة والسدي (٢): ﴿الطَّاغُوتِ﴾ هاهنا أبو بُردة الأسلمي الكاهن. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ في صفة هؤلاء المنافقين أيضًا: روي أن يهوديًا ومنافقًا يسمى بشر اختصما فيما بينهما فقال اليهودي: بيننا أبو القاسم، فرافعه إلى النبي ﵇ (٣) وكان الحق بيد اليهودي في تلك الخصومة فحكم على بشر المنافق، فلما خرجا من عنده لم يرض المنافق بذلك الحكم ورافع اليهودي إلى أبي بكر الصدِّيق فحكم لليهودي أيضًا فلم يرض المنافق بذلك ورافعه إلى عمر، فلما أتياه قال المنافق: حكم بيني وبينه رسول الله ﷺ وأبو بكر فلم أرض بحكمهما ورضيت بحكمك الساعة قال: رضيت بحكمي؟ قال: نعم، فدخل بيته ثم خرج شاهرًا سيفه وضرب رقبة المنافق (٤). ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أحد شيئين: إما نزول ما يفضحهم من القرآن، وإما قتل عمر بشر المنافق. ﴿بِاللَّهِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بيحلفون على أنه محلوف به، ويجوز أن يكون حكايته حلفهم إذ الحلف في معنى القول ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ للأمر وتوفيقًا بين حكمك وحكم غيرك، ويحتمل ما أردنا بتوسط غيرك إلا الصلح دون مُر الحكم الذي هو من قضية الديانة والتسليم له.

стр. 606

﴿يَعْلَمُ الله مَا في قُلُوبِهِمْ﴾ إنما أبهم لأنه إن كان نفاقًا فإظهاره (١) يوجب القتل وفيه عنف ومضايقة، وإن كان إيمانًا فإظهاره (٢) يوجب قبول العذر ورفع الملام ففيه نوع إخلال بالسياسة، فلذلك أبهم إن شاء الله وردّ حكمهم إلى الإنذار والوعظ ﴿فَأَعْرِضْ﴾ عن عقوبتهم أو عن قبول عذرهم، و (وعظهم) هو لومهم على الفعل المذموم وحثهم على الفعل المحمود. والقول البليغ في أنفسهم تهديدهم بالقتل وسائر العقوبات إن رجعوا إلى مثل فعلهم ليبلغ ذلك القول في نفوسهم كل مبلغ من الإنذار والزجر. ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: إلا يستحق الطاعة، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وتقول المرأة لابنها: لم ألدك إلا لتكبر فتبرَّ بي ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بأمره وحكمه ﴿وَلَوْ﴾ تدخل على الأفعال وإنما وليتها هاهنا أنّ المشددة لأنها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنك عالم، أي: ظننتك عالمًا. والكناية منهم (٣) راجعة إلى المنافقين وإلى أوليائهم. و ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ظرف والعامل فيه ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: أتوك تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ لذنوبهم ﴿لَوَجَدُوا اللهَ﴾ أي: لأقبل الله عليهم بالتوبة والرحمة. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ نزلت في خصم الزبير بن العوام من الأنصار كانت بينهما خصومة في شرج من شراج المدينة فاختصما إلى النبي ﵇ فقال: "يا زبير اسق أرضك ثم أرسل إلى جارك" وأوصاه بالمعروف، فلم يرض الخصم بذلك وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! فغضب رسول الله ﷺ (٤) وأمر الزبير باستيفاء حقه واستيعابه غاية الاستيعاب على سبيل المضايقة وقال للزبير: "أمسك الماء حتى يبلغ الجدر" فأنزل الله الآية (٥). ﴿فَلَا﴾ نفي لكلام الخصم، أي: ليس كما يزعم، ثم ابتداء القسم

стр. 607

وهذا قوله ﴿فَلَا﴾ أقسم ولو أنه لتأكيد (١) النفي المتأخر عن القسم على سبيل التكرار كما تقول والله لا أفعل كذا. ﴿وَرَبِّكَ﴾ قسم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يكونون مخلصين في الإيمان ﴿حَتَّى﴾ إلى أن يتحاكموا إليك ويرجعوا إلى قولك فيما التبس واختلط عليهم من الأمر بسبب الشجر، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا﴾ معطوفة على ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾، و (الحرج) الضيق ولذلك سمي موضع الشجر الملتف حرجًا ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويفوضوا الأمر إليك تفويضًا. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قيل: لما رجع الزبير وخصمه حاطب ابن أبي بلتعة من عند رسول الله ﷺ (٢) مرّ خصمه على المقداد وقيل: على ثابت بن قيس وعنده يهودي فقال: لمن كان القضاء؟ قال: لابن عمته ولوى شدقه، ففطن اليهودي بذلك فقال (٣): قاتل الله هؤلاء يزعمون أنّ محمدًا نبي ثم يتهمونه في حكمه ولا يرضون به، فقال المقداد أو ثابت: والله لو أمرني محمَّد أن أقتل نفسي لقتلت، ولو أمرني أن أخرج من (٤) مالي لخرجت، فأنزل الله الآية (٥). ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ هذا القليل عمار وابن مسعود (٦)، ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ما يؤمرون به من أمر، وإنما قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأنه مشقة يوجب راحة دائمة فهو خير من لذة عاجلة تؤدي إلى العقاب، ﴿وَأَشَدَّ﴾

стр. 608

﴿تَثْبِيتًا﴾ أىِ: أثبت ثباتًاَ وهو في معنى قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦]. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ (١)، وكان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه، فقال: يا رسول الله إني أخاف أن لا ألقاك في الآخرة فإنك ترفع إلى الرفيق الأعلى (٢)، وعن مقاتل: نزلت في عبد الله بن زيد الأنصاري صاحب الأذان (٣)، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة (٤)، وهي على العموم في الظاهر. و (الصدِّيق): فعيل من الصدق وهي لأقصى غاية المبالغة في الوصف بالصدق أو التصديق، والصديق "المجمع عليه أبو بكر، و (الشهداء) الأئمة الذين يشهدون [على قومهم أو المقتولون في سبيل الله وأنهم سموا شهداء لأنهم يتبعون وما يشهدون] (٥) الأنبياء على مخالفتهم أو لأنهم يحضرون حظيرة القدس قبل يوم القيامة، ويحتمل أن المراد بالشهداء الأشهاد، وبالشهيد الشاهد، وإنما سمي شاهدًا لأنه شهد ما يشهده النبي ﵇ من

стр. 609

علم الغيب دون سائر الناس، هاما من طريق المشاركة مثل هارون ﵇ (١)، وإما من طريق المتابعة مثل السبعين، وإنما قدم النبي لأن اسم النبي مختص بالداعي الموحى إليه فكان لاختصاصه أشرف، والصديق يستجمع معنى الشهادة كلها لصدقه، ثم يزيد صدقًا في سائر المعاني من استواء ظاهره وباطنه، فلزيادته كان أشرف، والشهيد كان أخص من الصالح (٢)؛ لأن كل مسلم صالح إذا حافظ على الشريعة سواء كان من أهل المشاهدة أو لم يكن. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ ما أحسن أولئك وأحسن بأولئك (٣)، ﴿رَفِيقًا﴾ مرافقة. ﴿ذَلِكَ﴾ يعني إدخال الجنة فضلًا لأنه بفضله جعلها موعودة، فلولا فضله ووعده لما كانت الجنة مستحقة ولكان يكفي المحسن أن لا يعاقب بعقوبة المفسد، ﴿عَلِيمًا﴾ أي من عليم يعلم المطيع وغيره. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اتصالها بما قبلها من حيث أنه لما رغبهم غاية الترغيب اتبعه بما تكرهه النفوس ليهون عليهم ذلك في مقابلة ما رغّبهم فيه، ﴿حِذْرَكُمْ﴾ الحذر السلاح والعدة. وقيل: الحَذر والحِذر (٤). ﴿فَانْفِرُوا﴾ فأخرجوا النفر، والنفور: الخروج في وجه العدو، والنفور: التباعد، والنفار: التجافي، ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة وهي السرية

стр. 610

والعصبة وجمعها ثبات وثبون (١)، فالله تعالى يقول: اخرجوا سرايا أو جندًا مجندًا على حسب الإمكان وموافقة للحال (٢). ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ نزلت في المنافقين (٣) المتثاقلين عن الخروج المتربصين بالمؤمنين ﴿لَمَن﴾ اللام هي التي في قولك إنه ليفعل وإنه لفاعل، فلما قام الاسم مقام الخبر اكتسى بتلك اللام والسلام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام (٤) لام القسم (٥) فكأنه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ﴾ والله ليبطئن وهي تدخل على صلة المنقوصات والنكرات (٦)، وإنما قال (منكم) لأنهم كانوا في الظاهر من جملة المؤمنين أو من أهل المدينة، والبطء: ضد السرعة، والإبطاء ضد الإسراع. أو (٧) لقوله ليبطئن وجهان؛ أحدهما: ليبطئن بالتخفيف (٨)، وإنما شدد للمبالغة. والثاني: ليبطئن غيره من الخروج كما أخبر عنهم بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَا

стр. 611

تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] ﴿مُصِيبَةٌ﴾ نكبة (١) ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: شمت بالمؤمنين ويعدّ تخلفه عن موجب الإجزاء والشهادة نعمة ولم يعلم أنه خذلان وخسران، وذلك لفساد اعتقاده وإنكاره الدار الآخرة. ﴿فَضْلٌ﴾ ظفر وغنيمة، وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ عارض (٢)، والتقدير: ليقولن يا ليتني، ثم العارض يجوز أن يكون في موضعه لأن الحبيب يفرح بغنيمة الحبيب ولا يتمنى مشاركته على سبيل المزاحمة، ويحتمل أنه راجع إلى قوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. و (يا): حرف نداء، والتقدير: يا قوم (ليتني كنت معهم فأفوز) نصب لأنه جواب (٣) التمني (٤). ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ المؤمنون، والشري: بمعنى البيع. ويحتمل أنهم المنافقون، فيكون الشراء بمعنى الاشتراء

стр. 612

والتفسير هو الأول، وإنما قال ليقتل أو يغلب لينبه على الثواب والأجر العظيم في الوجهين، إذ كل واحد منهما إحدى الحسنيين. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، أي: وفي سبيل المستضعفين، وسبيلهم: نُصْرتهم وهم قوم لم يقدروا على الهجرة وبقوا بمكة مفتونين مستضعفين. ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ جمع ولد ﴿الْقَرْيَةِ﴾ مكة و ﴿الظَّالِمِ﴾ صفة أهلها، ثم الصفة والموصوف جملة صفة للقرية فلذلك أنجز الظالم، وإنما لم يقل الظالمين لأنها صفة تشبه الفعل من حيث تقدمت على الاسم، فكأنه قيل: من هذه القرية التي ظلم أهلها و ﴿أَهْلُهَا﴾ ابتدأ في اللفظ وفاعل في المعنى، قال الفراء: وفي المصحف ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء:١١]. ﴿وَاجْعَلْ﴾ وابعث، قيل: استجاب الله دعاءهم فبعث الله نبيه منتصرًا لهم، وما مَرَّ عليهم عتاب بن أسيد إلا لينتصف من الظالم للمظلوم. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه تحريض للمؤمنين وتشجيع لهم. و (الكيد) ما يكره الخصم من الحيلة، وإنما قال: ﴿ضَعِيفًا﴾ لأنه يجمع أولياءه بالغرور ولا يواليهم حقيقة الموالاة، ثم يتبرأ منهم سريعًا وينكص على عقبيه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ قيل: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون كانوا يستأذنون رسول الله ﷺ (١) في قتال قريش قبل الهجرة وقبل نزول آية السيف، وكان رسول الله ﷺ يقول لهم: "كفوا أيديكم" (٢) ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ كرهه فريق منهم وهو طلحة بن عبيد الله وقال ما قال،

стр. 613

فأنزل الله الآية (١)، وقال مجاهد: نزلت في اليهود (٢)؛ وذلك أن موسى ﵇ (٣) كان يأمرهم بالصبر وهم يريدون القتال، فلما كتب عليهم القتال وهم في التيه قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وقيل: نزلت في قوم منافقين (٤)، و (الكف): الإمساك والحبس. و (لما): ظرف زمان (٥)، والعامل فيه (٦) فجاءة (٧) الفريق الخشية. و ﴿إِذَا﴾ للتوقيت إن اتصلت بالفعل، وإن اتصلت بالاسم أفادت الفجاءة ﴿يَخْشَوْنَ﴾ في معنى الحال وتقديره: فلما كتب عليهم القتال فجىء فريق منهم خاشين، والمراد بخشيتهم من الناس الجبن دون الاعتقاد والحزم. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: مثل خشيتهم من الله ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أي: وأشد، وإنما جاز الوصف بالخشية الممثلة دون الأشد لأن الأقل داخل في الأكثر، وقيل: أو هاهنا للإبهام (٨) كأنهم (٩) موصوفون بإحدى الخشيتين لا بعينها (١٠). وقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ إن كان إخبارًا عن المؤمنين (١١) فهو سؤال بمعنى

стр. 614

الاسترشاد، وإلا فهو بمعنى الإنكار ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَخَّرْتَنَا﴾ على وجه الطلب. وذلك أنه لما لزمهم فرض الجهاد وخافوا (١) القتل وطلبوا التأخير إلى أجل قريب للتخلص في الحال، كما نقول للمطالب: (خلني ساعة) وفي قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ تزهيد لهم في الدنيا، وقوله (٢): ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ترغيب في (٣) الآخرة. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ نزلت في المنافقين الذين قالوا لإخوانهم ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ﴾ تأكيد للشرط وتقديره: أينما تكونوا ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يدرككم الموت، وواحد البروج: برج، وهو القصر المرتفع سُمي برجًا لظهوره، وقيل (٤): ومنه سمي الكواكب بروجًا، وتشييد (٥) البنيان تكرار الفعل في رفعه وأحكامه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ إخبار عن بعض المنافقين تشاءموا بالنبي ﵇ وقالوا: نقص بقدومه غلاتنا وغلت أسعارنا (٦)، وهو قريب من قصة آل فرعون ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] الآية، و (الفقه): إدراك العلم بالفهم، فَقِهَ إذا فهم، وفَقُهَ إذا صار فقيهًا. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ ليس بين الآيتين تضاد (٧) لأنه تعالى قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ ولم يقل: ما أصابهم من حسنة. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ وما أصابهم من سيئة ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ولو كان (٨) قال هكذا يحملنا الأول على الحكاية

стр. 615

والثاني على الاستفهام (١) بمعنى الإنكار وهذه في معنى (٢) قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] أي: النعم مبتداة من الله تعالى قبل الاستحقاق والاستيهال، والحوادث إنما يقضى بها لا نسبتها لنا إياها بكونها محلًا لها ولاستباحتنا (٣) إياها بارتكاب الجرائم وإنما قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لأن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ شهادة. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ طاعة الائتمار بأمره والانتهاء إلى قوله دون منه أوانه في فعله، وليس يطيع الرسول من ينكر نسخ القرآن بالسنة، وإنما كانت طاعته طاعة الله تعالى لأنه ﵇ لم ينطق عن الهوى ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أي: لم نبعثك جبارًا عليهم لتحفظهم عن التولي بالخبر، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف، لم نبعثك رقيبًا عليهم لتحفظهم في السر والعلانية. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ نزلت في المنافقين، و (طاعة) خبر مبتدأ محذوف. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ والتبييت إذا وقع على المعاني وهو التفكير بالليل وإذا وقع على الذوات فهو مكرها بالليل. قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ١٠٨] وقال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] وهو واقع هاهنا على غير قولهم وهي قرينة من قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (٤) في اللوح المحفوظ، وقيل: كُتَّابه الحفظة ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: الهُ عنهم ولا يهمنّك أمرهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فيما يريدون بك وفي جميع أمورك.

стр. 616

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والمراد بالاستفهام حثّهم على التدبر (١)، والتقدير: ليتدبروا في القرآن. والتدبُّر هو التأمل في عواقب الأمور وأدبارها وتصرف الرأي في مفهومها ومعقولها وكأن التدبر (٢) إبدال لهم عن تبييتهم الفاسد، ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: القرآن من عند جني أو إنسي كما ظن بعضهم ﴿اخْتِلَافًا﴾ أخبارًا غير موافقة للخبر عنها في الإخبار عن الماضي والإخبار عما في ضمائرهم وعما سيكون كما يجدونه في كتب النساب والمؤرخين، وفي أحكام الكهنة والمنجمين وقيل: لوجدوا فيه تناقضًا كثيرًا كما يجدونه في كلام مطنب متفنن وضّاع قد اختلفت به الأحوال مع مباينة أجناس المخاطبين، والكلام المختلف هو المتناقض الذي لا يمكن توفيقه دون ما اختلف فيه، فإن الكتب المنزلة كلها مختلف فيها. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ جاء في سفهاء المؤمنين والمنافقين (٣) والغاغة منهم، وإنما رتبه على التي تقدمت وهي في ذوي الرأي من المنافقين؛ لأن بعضهم كان من بعض، فقوله (أمر) أي نبأ وخبر من الأمن من الأعداء ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ منهم، أذاعوه: أفشوه، ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أمراء السرايا (٤)، وقيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ (٥)، وقيل: أولو العلم والبصَارة (٦)، ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يستخرجونه، وإنباط الماء استخراجه (٧)، وسمي

стр. 617

الأنباط أنباطًا لعلمهم باستخراج المياه (١)، والقليل مستثنى من المذيعين، وقيل: من معلوم المستنبطين. ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الكتاب والرسول، أو بعض أسباب التوفيق مما استغنى عنه الخاصّة (٢) دون العامة كانشقاق القمر والفتح فعل هذا القليل مستثنى من المتبعين للشيطان فإن عمرو (٣) بن زيد وزريبًا وقسًا (٤) آمنوا من غير كتاب ورسول، وأبو بكر وعلي وزيد بن حارثة آمنوا قبل انشقاق القمر، والمهاجرون والأنصار آمنوا قبل الفتح. ﴿فَقَاتِلْ﴾ الفاء جواب الشرط وهو قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ [النساء: ٨٠] ويحتمل التعقيب، هذا الأمر، الأمر بالتوكل (٥) تقديره: وتوكل على الله فقاتِل، أو التعقيب الكلام الكلام والآية الآية ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني التكليف عنه، تقديره: أنك لا تكلف إلا فعل نفسك، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أي: لا تأخذ بتكليف غيرك وإن كانوا مكلفين مثلك، وقيل: لا تكلف نفس إلا نفسك، وهذا بعيد لأنه لو كان كذلك لضم نفسك، ثم حملناه على التكليف الضروري دون الشرعي ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حثهم على القتال ﴿عَسَى﴾ من الله إيجاب منه لأن التكريم يصدق في التطميع ولأنه تقوية لأحد الموهومين المختلفين على الآخر بالقول، فصار كالأمر باعتقاد أحدهما وذلك لا يكون إلا بالواجب، ﴿بَأْسَ﴾ شدة الإصابة والامتناع ﴿تَنْكِيلًا﴾ فعل النكال (٦).

стр. 618

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾ أراد تشفيع العمل وهو أن يقرن (١) بين فعل الماضي وبين فعل الحال فيضم الحسنة إلى الحسنة أو سيئة إلى سيئة (٢). وعن الضحاك ومحمد بن جرير (٣) أن الشفاعة الحسنة موالاة المؤمنين بتشفيع وتوهم والشفاعة السيئة موالاة الكفار بتشفيع وتوهم. وعن مجاهد وابن زيد (٤): هي دعاء الرجل لأخيه المؤمن وعليه، وقيل: شفاعة بعض الصحابة عند رسول الله ﷺ (٥) للفقراء والمحتاجين إلى الزاد والراحلة ولأصحاب الأعذار وشفاعة بعضهم للمنافقين وللذين وجبت عليهم الحدود ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ من ثوابها ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب من وزرها مقيتًا مقتدرًا. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ إن حملنا الشفاعة على الدعاء والتحية على التسليم فاتصالها بها ظاهر، وإلا فالأمر بالتحية مرتب على الشفاعة الحسنة والتحية على وزن التفعيل من الحياة وأصْله بثلاث ياءات حذفت التي هي لام الفعل وعوض منها هاء وأدغمت إحدى الياءين في الأخرى كالتوصية، وقولك: التحيات لله، قيل: الإحياء لله تعالى تقول: حياك الله، أي: أحياك الله. وقيل: أوصاف الحياة لله فكأنك وصفته بالحياة كما أنك إذا كبرته (٦) وصفته بالكبرياء. وقيل: الملك لله وهذا هو الأظهر لأن التحية اسم للملك، وسمي الهدية تحية لما فيها من حقيقة أو لمجاوزتها السلام في العادة، والمراد بالتحية هاهنا التسليم والتسليم سنة وردّه فريضة. قال ﵇: "لا تبدؤوا اليهود بالسلام فإن سلم ردّوا عليه" (٧)، وقال رجل

стр. 619

للنبي ﵇ (١): السلام (٢) عليك يا رسول الله فقال: "عليك السلام ورحمة الله " فقال آخر: عليك السلام ورحمة الله فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: "وعليك"؛ لأنه أبلغ غاية السلام (٣) فلم يترك شيئًا ليزيده في الجواب. وقيل: التحية الهدية والهبة (٤) وردها مستحق ما لم يعوض إلا أن يكون ذا محرم ﴿حَسِيبًا﴾ مدركًا للحساب، وقيل: كافية. قال الله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تسلية للمؤمنين وزجر لغيرهم و ﴿إِلَى﴾ لاعتبار معنى الجمع وهو الحشد والإرجاء والتأخير أو يكون (٥) يوم القيامة من المجموع كما تقول: جمعت الخيل إلى (٦) الإبل، أي: ضممت يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] ﴿فِيهِ﴾ الهاء عائدة إلى الخبر أو اليوم ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد كلامه أصدق من كلام الله لأن الكذب غير متصور فيه. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ قال ابن عباس: نزلت في جماعة من قريش هاجروا منافقين، ثم اجتووا المدينة واستأذنوا في الرجوع إلى مكة فرجعوا، ثم خرجوا إلى الشام تجارًا واستبضعتهم قريش بضائع وقالوا: إن محمدًا لا يتعرض لكم فإنكم تظهرون دينه، فلما خرجوا انتهى الخبر إلى المدينة قال بعض الصحابة: نخرج إليهم ونغير عليهم. وقال بعضهم: كيف نخرج إلى قوم مسلمين (٧)؟

стр. 620

وعن زيد بن ثابت نزلت في المتخلفين يوم أحد (١). وعن ابن زيد أنها في أهل الإفك (٢). ﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصب على الحال (٣)، ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ نكسهمِ في الكفر والكفر مشبه بالعمق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: ٣١] الآية وليس الإركاس ترديًا (٤). وقال الله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ [النساء: ٩١] بسبب ما اجترموا من إفساد الهجرة أو التخلف أو غيره ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ على وجه التعجب والإنكار على إرادتهم صرف القضاء والقدر دون هداية الكفار ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ من الدين تيسيرًا عليهم سلوكه. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ يدل على أن الآية في (٥) الأولى في المنافقينِ من أهل مكة دون المنافقين من أهل المدينة، وفيهم قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]. ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ لا توالوهم موالاة المسلمين فيما بينهم ولا (٦) موالاة الجلفا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الهجرة أو هاجروا ثم أفسدوا الهجرة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ نزلت في المنضلين بسُراقة بن جعشم المدلجي

стр. 621

وهلال بن عويمر الأسلمي وسائر بني (١) مدلج (٢) وأسلم كان بعضهم صالح رسول الله ﷺ (٣) أن لا يكون له ولاء عليه وبعضهم آمن به وصدقه ولم يهاجر، ولم يدعهم رسول الله إلى الهجرة، وكان هذا حين هاجر ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط فكانوا يستقبلونه في الطريق ليلًا ونهارًا أفواجًا وفرادى ويشاهدون منه الآيات فيتخذون (٤) لأنفسهم وعشائرهم عنده عهدًا يأمنون بها عند ظهوره على قومه، والمراد بالمنضلين المنضمّون من قريش وسائر أهل الحرب إلى هؤلاء ليكونوا على حكمهم: أمر الله أن يسالمهم أيضًا. وقال أبو عبيدة: والمراد بالمنضلين من رجع إلى هؤلاء في النسبة لأنهم دخلوا (٥) في عموم أمانة لعشائرهم. والمراد بقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ جماعة من المستأمنين الذين قدموا المدينة أن يجيرهم كما قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التربة: ٦]. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ضاقت ونوت الإمساك والكف عن قتال الفريقين، وقوله (٦): ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ يذكر نعمة الدفع إياهم ليشكروا وليسارعوا في الإجابة، و (التسليط) (٧) التخلية بين القادر والمقدور ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ اجتنبوكم ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ بيان لاعتزالهم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: سالموا وأسلموا غير مهاجرين ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ﴾ جواب بهذه الشرائط لم يجعل الله لكم عليهم (٨) حجة في قتالهم ونهب أموالهم.

стр. 622

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ نزلت في أمثال نعيم بن مسعود الأشجعي وأشباهه كانوا يظهرون الصلح مكرًا وحيلة (١)، ويحتمل أنها في الذين نافقوا (٢) وأظهروا الإسلام لا هاجروا ولا اتصلوا بأصحاب المواثيق، ولكن أقاموا بين ظهراني قريش معتذرين بأنهم مستضعفون وهم كاذبون، فأمر الله بأسرهم (٣) وقتلهم حيث ثقفوا، ويجوز قتل المنافق إذا اطُّلع على كفره لقوله تعالى في المنافقين: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] وإنما لم يقتل ابن أبي بن سلول وأصحابه لنوع من المصلحة، ألا ترى أنه لم ينكر على المستأذن في قتله (٤). ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي كان قد خرج مهاجرًا فتبعه أبو جهل أخوه من أمه والحارث بن زيد وردّاه إلى مكة وعذباه على إسلامه، ثم تخلص منهما وهاجر وحلف بالله أن يقتل الحارث حينما يراه، ثم أسلم الحارث ولم يعلم به عياش فرآه ذات يوم وجده في ظهر فناء فقتله، ثم سمع بإسلامه فندم فأنزل الله الآية (٥). (ما كان) ما جاز (٦) لمؤمن (٧) أن يقتل مؤمنًا عمدًا، المستثنى والمستثنى منه أحد اسمي الباقي (٨) .................................

стр. 623

وليس على (١) هذا التقدير دليل إباحة القتل الخطأ (٢) لأنه كالمسكوت عنه، وإثبات الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ويحتمل أن معناه قتل المؤمن المؤمن منهي عنه معاقب عليه إلا في الخطأ؛ لأن النهي لا يتصور مع عدم القصد، والعقاب على الفعل لا يثبت مع الخطأ والنسيان، ويحتمل ما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، فإنّ ذلك جائز مباح إذا كان غالمب ظنه أنّه كافر وأنه يريد القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ عتق عبد أو أمة، ويجزىء في ذلك الرضيع الذي أحد أبويه مسلم. و (الدية): قيمة الدم وهي مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة لما روي عن خِشف بن مالك الطائي عن ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ قضى بالدِّية في الخطأ أخماسًا" (٣). وعن عبيدة السّلماني أن عمر جعل الديّة على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم (٤) "إلا أن يصدقوا" أن يتصدقوا الدِّية دون الرقبة؛ لأن الرقبة خالص حق الله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أسلم في دار الحرب وأقام به، هكذا روي عن (٥)

стр. 624

عطاء بن السائب عن أبي عياض (١)، وإن كان من قوم المقتول من جملة المعاهدين وهو معاهد غير مؤمن فالواجب عليكم دية مسلمة إلى أهله كما في المسلم. أبو داود عن الزهري عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﵇ (٢) قضى في كل ذي عهد في عهده يقتل بدية ألف دينار" ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي رقبة (٣) ﴿تَوْبَةً﴾ نصب لأنه مفعول له (٤). ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ على سبيل الاستحلال لأنها نزلت في شأن مِقْيس بن ضُبابة. وذلك أن بني النجار قتلوا أخاه هشام بن ضُبابة خطأ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فبعث الفهري معه إلى بني النجار ليوفوه دِيَة أخيه فذهب الفهري معه فأدّى الرسالة وأخذ له الدِّيَة ورجعا جميعًا، فلما كان ببعض الطريق أنف مقيس من الاقتصار على الدِّيَة وحدثته نفسه بقتل الفهري رسول رسول (٥) الله فقتله قال: قتلتُ به فهرًا وحملتُ عقله ... سَراةَ بني النّجّارِ أربابِ فارِعِ فأدركت ثأري واضطجعت موسّدًا ... فكنت إلى الأوثان أول راجع

стр. 625

فأنزل الله الآية في شأنه وهذا سبب مروي (١) فصار كالمتلو فوجب تعليق الحكم به، و (التعمد) مأخوذ من العمْد وهو القصد الصادق. وقتل (٢) العمد عندنا ما (٣) يوجد بالسلاح أو ما يجري مجرى السلاح في تعريف الإجزاء. وقال ﵇: "كل شيء خطأ إلا السيف" (٤)، وإن أجرينا على العموم فالمراد بالخلود خلود متناهٍ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في أسامة بن زيد، أو مثله عن أبي ظبيان أن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ (٥) في سرية إلى حرقات من جهينة فأتيت على رجل فذهبت لأطعنه فقال: لا إله إلَّا الله، فطعنته وقتلته فجئت إلى النبي ﷺ فأخبرته وقال: "قتلته وشهد أن لا إله إلا الله؟! " قلت: يا رسول الله قالها تعوذًا، قال: "ألا شققت عن قلبه" (٦). وعن خالد بن الوليد أنه سار في قوم من خزيمة (٧)، يقولون: صبأنا صبأنا، أي: أسلمنا فقال ﵇: "اللهم إني أبرأ إليك من صنع خالد" (٨). وإنما قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ لأن هذه الواقعة تقع للمسافرين في الغالب ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ما يعرض من المال في الحياة الدنيا وجمعه أعراض إنما تبادرونهم بالقتل لتغنموا أموالهم ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾

стр. 626

صرف لهمِّهم عن مال المقتول إلى ما عند الله ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ مشركين في إسلامكم أو مسلمين بين الكفار ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أنعم الله عليكم بصرفكم (١) عن تلك الحالة إلى هذه الحالة. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ نزلت في تفضيل المجاهدين على القاعدين، وفيها دليل بأن الجهاد فرض على الكفاية لأنه وعد القاعد بالحسنى. عن قتادة قال: "أملى رسول الله ﷺ (٢) على زيد بن ثابت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجاء (٣) ابن أم مكتوم وهو يمليها قال: يا رسول الله (٤) لو استطعت لجاهدت، قال زيد: فأنزل الله على النبي ﷺ (٥) وفخذه على فخذي حتى ظننت أنه يرض فخذي ثم سري عنه ونزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٦) أصحاب العلل الضارة المانعة عن المقاصد سواء كانت في البصر أم غيره ﴿دَرَجَةً﴾ رتبة وشرفًا أو منازل الجنة نصب على التفسير (٧).

стр. 627

و ﴿الْحُسْنَى﴾ نعت للحالة (١) أو الخصلة ونقيضها السوء أي ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب على التفسير. وقد يكون التفسير بلفظ الواحد ويكون بلفظ الجمع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ نزلت في منافقي مكة (٢)، ﴿ظَالِمِي﴾ نصب على الحال تقديره ظالمين ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ معرف بمعنى النكرة فيتم فبماذا كنتم من الدين والسؤال سؤال توبيخ. ﴿إِلَّا﴾ بمعنى آخر ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ حال لهم. تقديره: غير مستطيعين (حيلة): احتيالًا في التخلص والهجرة، و (الحيلة): التصرف النافذ اللطيف ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا من مكة إلى المدينة (٣) أو طريقًا في المكايدة والاحتيال. ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ زلاتهم وذنوبهم لا تخلفهم عن الهجرة؛ لأن ذلك لم يكن منهم. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ﴾ الآية نزلت فيمن هاجر واتصل وفيمن هاجر ولم يتصل، روي أن رجلًا من المؤمنين المستضعفين لما سمع وعيد المتخلفين عن الهجرة قال: لا عذر لي فإني أعرف السبيل، فأمر من حمله وكان شيخًا هرمًا فلما بلغ التنعيم مات، فأنزل الله الآية. واختلفوا في اسمه قيل جُنْدَع بن ضمرة، وقيل: جندب، وقيل: جندب بن ضمرة (٤)، وقيل:

стр. 628

ضمضم بن عمرو (١) الخزاعي (٢). و (المراغم): الذي يراهم فيه أعداءك بحسن حالك. والمراغمة: أشد من المعاتبة. ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ معطوف على الشرط وهو مجاز وحقيقته: ثم يمت ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ أي: وجب، أي: ضمن الله أجره وأوجب ذلك في حكمه. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سافرتم، واختلفوا في رفع الجناح، قيل: هو كرفع الجناح عن المتطوف بالصفا والمروة وذلك أفاد الوجوب. كذلك هاهنا، وقيل: هو على الإباحة للقصر عن مقدار الواجب وهو عندنا لرفع الوجوب فيما زاد على الشطر من الصلوات الرباعية ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ والقصر النقص، والإقامة التي تُوجب (٣) الإكمال خمسة عشر يومًا ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ على سبيل اعتبار الغالب من أحوالهم كقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] قال يعلي بن منبه: قلت لعمر: ما بالنا نقصر ونحن آمنون؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، وسألت رسول الله ﷺ (٤) فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوها" (٥).

стр. 629

﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الصلاة المذكورة في هذه الآية مختصة بالخوف من العدو عند اللقاء سواء تبين ظلمهم وقتالهم أو لم يتبيّن لوجود الخوف فيهما، والإمام يقوم مقام رسول الله كما في الجمعة والكسوف واختلفوا في صفة الصلاة والسلاح و (الحذر): آلة القتال ﴿فَيَمِيلُونَ﴾ أي: يعطفون ويفرون وهو معطوف على تغفلون، والرخصة في وضع السلاح عند الضرورة. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ على عموم أحوالكم ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أقمتم، والاطمئنان: السكون، وضده الاضطراب ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المقيم ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ واجبًا فرضًا منجّمًا. وهذا يدل على وجوب الترتيب في الفوائت. ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ نزلت فيما لقي المسلمون يوم أحد من أبي سفيان بن حرب وأصحابه (١). عن ابن عباس يقول: لا تضعفوا في طلب الكفار قتلًا وأسرًا ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقيل: إنها عامة فمعناه إن كنتم من لحم ودم، ﴿تَأْلَمُونَ﴾ بالقتال فأعداؤكم أمثالكم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، أي: إحدى الحسنيين فأنتم أولى بالإقدام والشجاعة والحكمة، وذكر العلم والحكمة لبيان كون المؤمنين أولى بالإقدام والشجاعة. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ نزلت الآيات في طعمة بن أبيرق سرق درعًا لقتادة بن النعمان الأنصاري، وكان الدرع في جراب فيه دقيق فذهب بها إلى بيت زيد بن السمين اليهودي أودعها إياه، وافتقد قتادة درعه فلم يجدها فاتبع أثر الدقيق إلى بيت زيد بن السمين وأخذه فوجد الدرع عنده

стр. 630

فأتى به رسول الله وادعى عليه بالسرقة. قال اليهودي: أودعنيها (١) طعمة بن أبيرق وإخوته بشر وبشير ومبشر، وأنكر طعمة وإخوته ذلك ولم يكن لليهودي بينة فكان الظاهر أنه هو السارق، وجاء أناس من المسلمين يثنون على طعمة ويزكونه فهمّ رسول الله بمعاقبة زيد بن السمين فأنزل الله الآية وبرّأ اليهودي وفضح بني أبيرق وفرّ طعمة إلى مكة مرتدًا، ثم سرق هناك أيضًا فنفي إلى الشام، ورافق رفقة في طريق الشام فسرق منهم أيضًا فأخذوه ورجموه (٢) ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ بما هداك الله وبيَّن لك. و (الخصيم): في الباطل، و (الخصم): في الحق. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ لما هممت من مبادرة الوحي ومعاقبة اليهودي. ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ ولا تخاصم ولا تدافع عن بني أُبيرق ﴿مَنْ كَانَ﴾ أي: مَنْ هُوَ خوّان أثيم. ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ ويتوارون في اختلاف المعذرة، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يخفون عليه ﴿مُحِيطًا﴾ لا يفوته أعمالهم ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ خطاب متوجه إلى المثنين علي بني أُبيرق المزكين إياهم، أي: هب أنكم دافعتم اليهودي عنه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهل من يدافع الله عنهم يوم القيامة ﴿وَكِيلًا﴾ كفيلًا، استفهام بمعنى النهي على سبيل التهديد. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ ندب ودعوة للذين والوْا بني أبيرق سواء ما يسوء به غيره من الغصب والسرقة ولخونهما ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يتعداه من الذنوب ثم يستغفر الله بالحزن والندامة. ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يرجع وباله إليه في الحقيقة. (الخطيئة): ما أصيب خطأ كالقتل ونحوه، و (الإثم): ما أصيب عمدًا، وقيل: من المعاصي ما يسمى خطية ومنها ما يسمى إثمًا.

стр. 631

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ يقذف بذلك الكسب أو الإثم بريئًا غير جانٍ و (البراءة) المباينة والانفصال ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ اقترف واكتسب. ثم ذكر لنبيه نعمة ليزيد فرحًا وشكرًا قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ توفيقه وعصمته ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ كانوا يستزلونك في الحكم بأنْ يجري الأمر على ظاهره غير منتظر للوحي الممكن نزوله عليك ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأشياء المستورة مما يجب الإيمان به عند السماع. ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ مصدر (١) ويطلق بمعنى الاسم. قال الله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وإذ هم نجوى متناجون فإن كان المراد هاهنا الاسم فهم بنو أُبيرق والاستثناء منقطع بمعنى لكن، وإن كان بمعنى المصدر، فالكناية ترجع إلى معنى المؤمنين والاستثناء متصل (٢)، وإنما أخبر بأنه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ لأنّ المناجاة في الشرِّ شرٌّ، وفي المباح الذي لا يمكن إظهاره شر أيضًا، قال ﵇: "لا يتناجى اثنان دون ثالث فإن ذلك يحزنه" (٣). ﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ ضيافة أو إقراض غيره ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

стр. 632

تأليف بينهم، ذلك إشارة إلى التناجي بهذه الأشياء ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ معظم (١) قدره كثير الأجر أو لم يكن. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ يخالفه في الكتاب والسنة بالاعتقاد ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد ما قامت الحجة عليه بالبيان والإعجاز ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يخالف بالاعتقاد إجماعهم بعد إنعقاده، وإنما صار إجماع هذه الأمة حُجّة بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله ﵇ (٢): "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (٣). قوله: ﴿مَا تَوَلَّى﴾ نقلده ما تقلّد بخذلانه وتيسيره للعسرى. وهذا الجزاء إنما وجد حالة وجود الشرط، ثم لله المشيئة فيه بعد ذلك من لا يرى نسخ الوعيد، فللَّه أن لا يفعل الوعيد بمن شاء من خلقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في طعمة بن أُبيرق فتكون آية عذاب، والسابقة نزلت في وحشي فتكون آية رحمة (٤)، والمراد بهذه الآية عبدة الأصنام وبالأولى أهل الكتاب ﴿بَعِيدًا﴾ يبعد عن الحق وقصد الطريق، والبعيد: ضدّ القريب. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تقدير الآية: إن يدعون من دونه إلا إناثًا وشيطانًا، كقولك: لا أطيع إلا الأمير ولا أطيع إلا الوزير، أي: لا أطيع غيرهما، ولو أسقطت الواو أيضًا وكلامك بالإبدال على سبيل الاستدراك ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ جنيًا كوافر حللن في الصحراء، و (الإناث) كاللات والعزى ومنوة ونبواته وناميلة، ويحتمل بالإناث الأنفس المعبودة من دون الله على سبيل العموم (٥).

стр. 633

﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾ جنيًا كافرًا متمردًا وهو إبليس لعنه الله، ويحتمل أن النفي الثاني نفي المستثنى المثبت من قبل على سبيل التحقيق واعتبار الأصل كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (١)﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] و (المريد): المتجرد بالشر، والصخرة المراد العاصي (٢) هي الملساء، والشجرة المراد التي تساقطت أوراقها، والجدار المملس الممرد، والرجل الأمرد: الذي لا لحية له. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ أي: بعزتك لأتخذن وهو في معنى قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وإنما قال هذا: بعد زوال المعرفة وألا يعلم أنه ليس بمعجز لله لا بمعاند إياه، والمراد بالنصيب المفروض غير المخلصين، و (المفروض): المقطوع المحدود بالتقدير. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضلاله تزيينه وتمنيته ووسوسته بالعمل وأمره ووسوسته وكلامه من حروف الأصنام ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطعن ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: بحر البحيرة، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تغير الدين والفطرة؛ عن ابن عباس، الإخصاء؛ عن أنس وعكرمة (٣)، والوشم؛ عن ابن مسعود والحسن (٤)، وقيل: هو وصل الشعور، وقيل: هو اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء.

стр. 634

﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يحملهم على التمنِّي مختصًا معدلًا ومصرفًا قيلًا تقولًا، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] أي: قوله، ويقول: هذا من قيل فلان، أي من قوله. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ نزلت في المنافقين والمشركين والخطاب لهم؛ عن مجاهد (١)، وقال غيره: خطاب للمؤمنين، أي: ليس إلا بمحكوم على ما يتمنون (٢)، وقوله (٣): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عام وبل مقدر فيه، أي: الوعيد شامل على اعتبار الأفعال من دون الذوات، إذ الذوات لا توجب ثوابًا ولا عقابًا. روي لما نزلت هذه الآية خاف أبو بكر الصدِّيق خوفًا شديدًا وأظهر ذلك لرسول الله فقال ﵇: "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك في الدنيا، وأمّا الآخرون فيجمع ذلك عليهم حتى يجزوا به في الآخرة" (٤). وفي بعض الروايات: "ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك البلاء؟ " (٥)، مصداق ذلك قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ اشتراط الإيمان يدل على أن غير المؤمن قد يعمل صالحًا وذلك ما يحمد في العقل كالسخاء والوفاء وصلة الأرحام والصدق، وإنما شرط الإيمان لأنَّ الجنة حرام على غير المؤمن وقد أحبط عمله بكفره وابتغائه غير وجه الله ومنّه على مَنْ أنعم عليه. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ ليس أحد أحسَن دينًا ﴿أَسْلَمَ﴾ أخلصَ ﴿وَجْهَهُ﴾ أمره مقبلًا معترفًا بالتوحيد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يدلّ أن إحسان العمل فرع الإيمان والإِسلام ﴿حَنِيفًا﴾ حال لمن أسلم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي:

стр. 635

جعله مخصوصًا بالولاية فيه ترغيب في الإسلام والإحسَان وزجر عن العمل السيء. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ فصل مبتدأ في ذكر النساء مرتب على الفصل الأول في هذه السورة عائد إليه، والاستفتاء طلب الإفتاء وهو الإجابة ببيان الحكم. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في محل الجر معطوف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ وتقديره: ويستفتونك في حكم البالغات وفيما يتلى عليكم من حكم اليتامى النساء غير البالغات أيضًا (١) ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: اللواتي لا تؤتونهن ما أوجبَ لهن من مهر المثل ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ في نكاحهن بالمهر القليل. وهذا التفسير للإقساط المنفي المتقدم ما هو وإفتاؤه فيهن جميعًا ما بيّن من حكم أنكحتهن ومواريثهن صغائر وكبائر وبيَّن في حكم مواريث المستضعفين ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: ويفتيكم في قيامكم لليتامى بالقسط أيضًا عند الوصية وقسم المواريث. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ علمت ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا وخروجًا عن الحد المحدود في حسن العشرة، والإعراض هاهنا في معنى الهجران والطلاق، والصلح المأذون فيه تركها القسمة على أن لا يطلقها. عن عروة (٢) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ (٣) لا يفضل بعضنا على بعض في القسم وكان
следующие страницы →