← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الشيء لا يغاير الأمر وما كلفهم الله من الأحكام الثقيلة والأغلال فألزمهم من الضيق والحرج عقوبة لجرائمهم لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أمثال ورقة وبحيرا الراهب ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أمثال عبد الله بن سلام والقسيسين والرهبان والذين اتبعوا ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أمثال كعب الأحبار إلى يوم القيامة. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أمة منقرضة (١) في سالف الزمان، تقديره: ومن الأمة ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقيل: الأمة الهادية قوم استقاموا على شرائع التوراة قبل نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقيل: المراد بها عبد الله بن سلام وأصحابه الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وقيل: المراد بها قوم وقعوا بأرض وراء الصين رآهم نبينا ﵇ (٢) ليلة المعراج ودعاهم إلى الإسلام وتحويل السبت إلى الجمعة على سنة الإسلام فأجابوه وآمنوا به، وقيل: هؤلاء القوم على شريعة التوراة بعد، وهم معذورون لأنهم لم يروا نبينا ﵇ (٢) ولم يسمعوا القرآن ولم يبلغهم خبر الإسلام على سبيل الاستفاضة فإن جهة الوصول إليهم جهة واحدة وهي وادٍ من رمل جارٍ يخسف بمن اجتازه (٣) إلا يوم السبت، ولا يستنكر أن يكونوا قد غيروا وبدلوا في أيامنا وكانوا كما وصفهم الله تعالى حالة نزول الآية ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون من يصل إليهم من كفار نواحيهم ويهدون صبيانهم بالقول الحق والأمر الحق ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فيما بينهم. ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرت. ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ وفائدة السؤال التقرير عن القرية عما أصاب أهلها إذ

стр. 807

اعتدوا في أمر السبت ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ جمع حوت كغيلان جمع غول، والحوت السمكة، ﴿شُرَّعًا﴾ قال أبو عبيدة معمر: شوارع في الماء بادية، قال الليث حسان: شوارع رافعة رؤوسها ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يفعلون السبت، والسبت (١) مصدر، وكذلك يحتمل معنيين: التشبيه بالإتيان أي لا تأتيهم شرعًا والثاني أن يبتدىء كما أخبرناك ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ﴾ قيل: الأمة السائلة المبالغون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا هذه المقابلة بمسمع من المعتدين لتأكيد الزجر، وقيل: هم المداهنون، وقيل: هم المعتدون أنفسهم سألوا على وجه الاستهزاء. ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ الآية كالبدل عن الآية الأولى ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ كالبيان للعذاب البئيس. ﴿تَأَذَّنَ﴾ وأذن بمعنى كتوعّد وأوعد، وعن الزجاج (٢): معناه تألَّى ربك و (المبعوثون) هم المسلطون عليهم من كافر ومسلم، وفي فحوى الآية بشارة لنا بالاستيلاء على الدجال وأتباعه ودلالة على بقاء بقية من هؤلاء الأرجاس إلى انتهاء الدنيا مقهورين مسخرين. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ فرقناهم في أيام بخت نصر وبعده ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ الوصف ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتوبون.

стр. 808

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نزلت في يهود (١) عصر الوحي ومن يجانسهم (٢)، وقيل: نزلت في الجائرين من فقهاء الأمة وقضاتها، (الخلف) بسُكون اللام (٣): العقب السوء ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أي وجدوه عن آبائهم ومقدميهم ﴿يَأْخُذُونَ﴾ على إظهار ما في الكتاب وكتمانه منافع هذا الزمان ﴿الْأَدْنَى﴾ رشوة ﴿سَيُغْفَرُ﴾ أي يغفر لنا أخذ هذه الرشوة الواحدة وهم مصرّون وفي عزمهم أنه يأتيهم عرض مثله يأخذونه، وهذا القول منهم كفر وافتراء على الله وتأتًّ عليه لأن الله تعالى لم يعد ولم يوجب لمصرًّ على الصغيرة مغفرة فكيف لمصرًّ على الكبيرة ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ قيل: مستأنف والواو لعطف جملة على جملة (٤) كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] أي وجدك يتيمًا وضالًا وعائلًا فآوى وهدى وأغنى. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ عطف على (الذين) في الآية المتقدمة ويجوز أن

стр. 809

يكون مبتدأ وخبره نوفيهم أجورهم مضمرًا بدليل المضمر وقيل خبره ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ على اعتبار أن الذين يمسكون بالكتاب والمصلحين شيء واحد (١). ﴿نَتَقْنَا﴾ النتق رفع المظل على ما تحته، في حديث: "على البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها" (٢)، ومنه نتق السقاء وهو أن يرفعه فينفضه، ومنه المرأة الناتق وهي كثيرة (٣) الولد لأنها كالمظلة على أولادها، وفي حديث: "عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا" (٤). ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: جمعهم يومئذ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجًا في صورهم ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن يقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا فإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك إلهنا وربنا (٥) لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لو سويت بين عبادك، فقال: إني أحِبُّ أن أُشكر، ورأى فيهم

стр. 810

الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصّوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو الذي يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، وهو الذي يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وفي ذلك [قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النّجم: ٥٦] أي أخذ عليه الميثاق مع النذر الأولى، وفي ذلك] (١) و ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ وفي ذلك قال: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فكان في علمه يوم أمروا به من يكذب ومن يصدق به، قال: فكان روح عيسى ﵇ (٢) من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق من زمان آدم ﵇ (٢) فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت (٣) من أهلها مكانًا شرقيًا فحملته أي فحملت (٤) الذي خاطبها وهو روح عيسى ﵇ دخل في فيها (٥)، وروي في إخراج الذرية من صلب آدم ﵇ أمثال الذر روايات كثيرة عن ابن عباس (٦)، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السنة قالوا: أخرج ذلك اليوم أولاد صلبه من صلبه أولاد أولاده من أولاده وأولاد أولادهم من أولادهم وكذلك إلى انقطاع النسل، وكانوا أقل وأصغر وأخفى من الذر لا محالة فإن الذر مركب من أجزاء كثيرة فلا شك أنهم كانوا أصغر وأخفى حين كانوا كمني، إلا أن الله تعالى أتاهم بعد الإخراج

стр. 811

كما شاء فجعلهم أرواحًا كما قال أُبي، وأمثال الذر كما قال ابن عباس فأسمعهم وبصّرهم وأنطقهم بمشهد أبيهم آدم ﵇، قال: وفائدة ذلك أحد أشياء أربعة: إما تطييب قلب آدم ﵇ وتسليته بشبه عذر من الناكتين، وإما تذكر الأنبياء والصدّيقين ذلك الميثاق في مدة أعمارهم كالمستيقظ يذكر ما رأى فيذكره بعينه وصورته، أو تذكر غيرهم كالسكران إن (١) فعل شيئًا في سكره ثم يتخيله فيتفكر فيه وليس يبعد أن يكون توهم (٢) الناسخ من جريء هذا الميثاق، وأما ما نذكره من هبة آدم ﵇ (٣) من داود ﵇ (٤) سنين من عمره ويجوز ذلك وأما المعنى لم يطلعنا الله عليه. وقيل: المراد بالإخراج إخراج المواليد في كل عصر وقرن، و (الميثاق): الإلهام في قلوب ذوي العقول قبل اختيارهم الكفر أو الكتاب السماوي، والأخبار المتواترة والمأخوذ به ما هو موافق لظاهر الكتاب وعليه الجمهور ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم وهو عطف البيان ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أي أشهد بعضهم على بعض ﴿شَهِدْنَا﴾ من كلامهم تقديره لأن لا يقولوا أي لردّ قولهم هذا وللبغي اتجاهه من أي وجه. ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ لما كان أخذ هذا الميثاق مما يذكره الأنبياء والصديقون ويتخيله الشهداء والصالحون ويعترف به العَوام والمقلدون مع ما نبّه الله عليه كافة الناس في القرآن المعجز لم يصح دعوى المنكرين بأنهم كانوا مجيبين من جهة آبائهم الأولين. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ نزلت في بَلْعَام بن باعور (٥) كان

стр. 812

في مدينة الجبارين وكان من ذرية لوط ﵇ وكان يعرف اسم الله الأعظم فدعا به علي بني إسرائيل فحُبسوا في التيه أربعين سنة، فدعا موسى ﵇ (١) بإذن الله تعالى بإنزاع (٢) الاسم الأعظم (٣) عنه. ويروى أنه كان في زمن يوشع ﵇ لما حاصر يوشع هذه المدينة طلب بالق من بلعام أن يدعو عليهم وكان يعرفه أنه مجاب الدعوة فلم يفعل بلعام وقال: هؤلاء أولياء ربي (٤) لا أدعو عليهم، فرشا بالق امرأته بأموال كثيرة ولولو وحلي فاستزلته امرأته فركب أتانًا له وخرج إلى صومعته ليدعو علي بني إسرائيل فلم تسر تحته (٥) الأتان، فنزل عنها وتوجه إلى صومعته (٦) راجلًا، فاستقبله ملك من الملائكة وأخذ عليه الطريق فخر ساجدًا ودعا الله تعالى لتخليته فانكشف عنه الملك. فلما انتهى إلى الصومعة وتهيّأ للدعاء نسَّاه الله ذلك الاسم وصار كافرًا بعزمه على الدعاء لنصرة الكافرين على المؤمنين، فلما نسي الاسم غضب وسخط على ربه ورجع إلى بالق وعلمه حيلة وهي أن يسرح إلى بني إسرائيل جواري حسانًا ليزنوا بهن يخذلهم الله تعالى. وعن مجاهد والمعتمر بن سليمان عن أبيه أن بلعام كان نبيًا (٧) وهذا محمول على أنه كان نبيًا عند نفسه أو عند الناس ويشبه (٨) الأنبياء

стр. 813

لاطلاعه (١) على شيء من الغيب على سبيل التبع والاتفاق كالشهداء لا على سبيل التخصيص والاجتباء كالأنبياء. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب (٢) أن الآية نزلت في أميّة بن الصلت كان قد قرأ الكتب ووجد فيها نبيًا يبعث من العرب فطمع أن يكون هو ذلك، وكان مع ذلك ماهرًا خبيثًا يقول بلسانه غير ما يفعله بأركانه، فلما بعث نبينا ﵇ كذّب به حسدًا ولم يؤمن ومات كافرًا، وفيه قال ﵇: "هو رجل آمن بلسانه وكفر قلبه" (٣). وقيل: نزل في واهب من صيفيّ (٤) كان يلبس المسوح وتنسك في الجاهلية ثم عادى نبينا ﵇ وذهب إلى قيصر مستمّدًا فأهلكه الله في الطريق. وقيل: نزلت على وجه المثل في كل يهودي ونصراني (٥). ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ لحقه، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، وقال الفراء: تبعه وأتبعه بمعنى كلحقه وألحقه (٦). ﴿لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي تشرفناه بالآيات وعصمناه عن صفة الإخلاد إلى

стр. 814

الأرض واتباع الهوى، ولكنه لم يشأ عصمته فأخلد إلى الأرض، والإخلاد إلى الأرض هو لزوم المكان والتثبط والبقاء ﴿الْكَلْبِ﴾ سباع و (اللهث) إخراج اللسان إذا أخرج الكلب لسانه من حَرًّ وعطش لم يمسكه بزجر ولا تخلية، كذلك المنسلخ من الآيات لم ينزجر عن كفره بإنذار ولا تخلية والحَمْلُ على الشيء قصده على وجه الطرد وكأنه أخذ من أخذ من حمل السلاح عليه. ﴿سَاءَ﴾ بئسَ و ﴿الْقَوْمُ﴾ مرتفع (١) و ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التفسير (٢). ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ لهداية التوفيق للاهتداء و (الإضلال) الخذلان واتصالها بما قبلها من حيث ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي شئنا بذارهم ومصيرهم واللام لام الغرض (٣) كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الآية، قوله ﵇: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (٤) يدل عليه أن الله تعالى كان عند ذرء الشقي عالمًا بمصيره لا محالة فلو لم يشأ مصيره لما ذرأه، ألا ترى أن الحكيم لا يغشى النساء إذا لم يرد النسل ولم يتمتع بالشهوات إذا لم يرد السمن

стр. 815

وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ليس بمناقض لهذه الآية لأن العبادة ليست بمضادة لجهنم ولاحتماله أوجهًا سبعة؛ أحدها: التسخير لقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] الآية، والثاني: إظهار الخضوع لا القيام بالأوامر، والثالث: العبودية وهي الكينونة لا العبادة، والرابع: حالة الطفولة قد خلقوا على الفطرة، والخامس: الاقتضاء والاستحقاق كقول الوالدة لولدها: ما ولدتك إلا لتكبر فتحسن إلى، والسادس: العموم بمعنى الخصوص فيصرف إلى السعادة، والسابع: كون اللام في قوله ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لام العاقبة والمآل وذلك عند معاينة البأس فلو كان يحتمل وجهًا واحدًا لا يصح دعوى التناقض كيف وقد احتمل الأوجه. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الكفار وهم ملحدون ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ التسميات التي تكلم الله بها و ﴿الْحُسْنَى﴾ تأنيث الأحسن ﴿الَّذِينَ (١) يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الذين اشتقوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله كاللات من الله والعزى من العزيز، والذين أنكروا إطلاق تسميتين على مسمى واحد فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠] ويدخل في جملة هؤلاء الذين قالوا أسماء الله مخلوقة والذين أطلقوا على الله اسم الجسم والذين فرقوا بين الأسماء المشتقة من صفات الذات وبين الأسماء المشتقة من صفات الفعل ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] هم أهل السنة والجماعة، وتفسير السنة أن يسلكوا طريق السلف في كراهة الكلام والجدال في الدين والتعسف في تأويل متشابهات كلام رب العالمين وحديث رسوله خاتم النبيين بأن يجتهدوا في الفروع بالبحث عن الناسخ والمنسوخ والظاهر القريب والخفي البعيد وأن يميزوا الصحيح من السقيم والمتواتر من الآحاد والمتعارف المعتاد بين الناس وبين النادر والشاذّ وأن يتحروا الأشبه فالأشبه ويجتنبوا إهمال الحوادث كما يجتنبوا مخالفة الأصول الشرعية. وتفسير الجماعة الالتجاء إلى الكلمة السواء عند اقتتال

стр. 816

المقتتلين، وهذه الآية حجة في صحة الإجماع لأن الله تعالى زكاهم وعدلهم في أحكامهم. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أنكروها سرًا وجهرًا وأنكروها سرًا مع الإقرار بها جهرًا وأنكروا ظاهرها المعروف أو تفسيرها المجمع عليه أو سرها المكتوم لتعسف في التأويل من غير حجة ودليل ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قال الخليل (١): سنطوي عمرهم في اغترار منهم، وقال الضحاك: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة، وقال القتبي: هو أن يدنيهم (٢) من بأسه قليلًا، واستدراج الشيء تحصيله على المهلة والتدريج. ﴿كَيْدِي﴾ مكري ﴿مَتِينٌ﴾ قوي شديد وثيق ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ قيل: صعد النبي ﵇ ذات ليلة الصفا فلم يزل يدعو قريشًا فَخْذًا فخذًا حتى أصبح فقال أناس منهم: أصبح الرجل مجنونًا فأنزل الله (٣)، والمراد بالاستفهام أحد شيئين: إما الحث والإغراء وإما التقرير والإثبات، أي تفكروا وعملوا ثم أنكروا وجحدوا ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ الصاحب الذي بينك وبينه شأن من خلاف ووفاق. ﴿وَمَا﴾ للنفي و ﴿مِنْ﴾ لتأكيد النفي و (الجنة) و (الجنون) لكلّة البصر وكلوله ينظر بنظر القلب إن شاء الله ولذلك عم المخلوقات كلها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى﴾ في محل النصب معطوفًا على قوله ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ومحل الخفض معطوفًا على قوله ﴿مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ وفائدة النظر في المخلوقات الاستدلال بها على صانعها ﴿بَعْدَهُ﴾ بعد الحديث أو بعد تمام الأجل.

стр. 817

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ لا يتوصل مخلوق إلى علم أوانها (١) حقيقة، إن واحدًا من المخلوقين لو توصل إليه من جهة الوحي أو الأمارات المتقدمة وتعينت له الساعة بكمية الأيام والساعات والدقائق نكِّرت بكمية الأعداد والأنفاس والأصوات واللحظات والخطرات، كيف وهي ممكنة في كل لحظة غير واجبة ﴿أَيَّانَ﴾ سؤال عن الوقت تليها الاسم تارة والفعل أخرى وهي مركبة من أي أوان ﴿مُرْسَاهَا﴾ مواضع إرسائها و (الإرساء) الثبوت والقيام ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ لا يظهرها لوقتها غيره ﴿ثَقُلَتْ﴾ أي عظم واستصعب وقوعها أو علمها على أهل السموات والأرض، وفائدة الكتمان استواء الأولين والآخرين في الإنذار بالساعة وعظم شأن المباغتة والمفاجأة ﴿حَفِيٌّ﴾ مبالغ في البر والسؤال، يقال: استحفى السؤال وأحفى في السؤال، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧] لا يعلمون أن علمها خاصة ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ فيظنون أنهم يقفون عليها بالبحث عنها. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث نفي علم الساعة، عن ابن عباس أن قريشًا قالت لرسول الله: لا يخبرك ربك بالسعر لتشتري الطعام في الرخص بالخصب والجدب لتنتقل من الخصب إلى الجدب قبل أن تجدب الأرض فأنزل الله الآية (٢)، ﴿مِنَ الْخَيْرِ﴾ من جوائح النفس، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]. ﴿السُّوءُ﴾ ما يسوء النفس من المصائب الدنيوية. ظاهر قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇ و ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء، هكذا ذكر الكلبي (٣) وغيره قالوا: لما حبلت حواء جاءها إبليس فتصور بصورة مجهولة متسمتًا بالحرث

стр. 818

وأوهمها أنها تلد بهيمة أو تلد من فيها أو منخريها أو تلد ولدًا لا يعيش، فذكرت ذلك لآدم فأشفقا من ذلك ودعوا الله ، وزعم إبليس أنه عبد صالح مجاب الدعوة ومنّاهما أنهما إن سميا الولد باسمه ووهباه منه دعا الله لهما، فشرطا ذلك فولدت حواء غلامًا صالحًا فسمَّياه عبد الحارث كما يقول الصديق للصديق: ولدي هذا عبدك على وجه الإكرام، ولم يعلما مراد إبليس من ذلك ولا عرفاه، فأعظم الله تعالى شأن تلك التسمية وأعظم الإنكار عليها بمكان نبوة آدم ﵇ ورفعة رتبته ولعلمه بإبليس وبما يريد من تأسيس قاعدة الشرك والإفك وليس يبعد هذه الزلة والأكل من الشجرة في حالةٍ واحدة بغرور واحدٍ لما يروى أن قابيل ولد في الجنة ويدل عليه ضمير الجمع في قوله ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] والولادة متصور في الجنة كما يتصور خلق حواء فيها من ضلع آدم، وقيل: قوله ﴿صَالِحًا﴾ يرجع إلى الجنس. ﴿جَعَلَا﴾ يرجع إلى التوأمين فإن حواء كانت تلد في كل بطن توأمين ذكرًا وأنثى فهما اللذان جعلا له شركاء لآدم. ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: الإشراك فعل الذرية وإنما أسند إلى الأبوين مجازًا، وقيل: النفس الواحدة غير آدم من الآباء فإنهم آحاد إلى نوح ﵇ (١) والروح غير حواء من الأمهات لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. وقيل: الخطاب متوجه إلى العرب من أولاد عدنان خاصة وأن المراد بالنفس واحد من آبائهم. ﴿تَغَشَّاهَا﴾ غشيها ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي قامت وقعدت من غير مشقة ﴿أَثْقَلَتْ﴾ صارت ثقيلة بالحمل ﴿صَالِحًا﴾ بشرًا سويًا أو بشرًا يولد من موضع الولادة أو ولدًا يعيش ﴿شُرَكَاءَ﴾ مصدر يراد به الاسم (٢)

стр. 819

والمراد من الجمع الواحد أي كقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]. ﴿مَا﴾ ما يرجع إلى الجماد من الأصنام ﴿وَهُمْ﴾ راجع إلى الذين صور على مثالهم من طواغيت الإنس والجن أو إلى أصنام على ما يعتقدون فيها من الحياة والعقل. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ الآية غاية في نفي الخير عن هذه المعبودات من حيث أن اتباع الهوى عند الدعاء مقدور لعابديها غير مقدور لها فهي أوضع رتبة من عابديها، والصامت ضدّ الناطق. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ سادتهم المعبودون من جملة الملائكة والأنبياء والطواغيت وأن المماثلة بالعبودية ويحتمل أنهم الأصنام ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي كعباد ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ المستجدي بدعاء مستجاب وأنى لهم من جهة معبوديهم فإن استجابة الدعاء قضاء الحاجة أو الجزاء عليه ولا يقدر عليها إلا الله. ﴿يَبْطِشُونَ﴾ البطش الأخذ والمراد بهذه الأشياء نفي الأفعال دون الأعضاء كما تقول لضعيف: ألك بدن يحتمل هذا الثقل ومعدة تحتمل هذا الطعام، وهذه الآية غاية في نفي الخير عنهم أيضًا من حيث أنهم أوضع من عابديهم، فإن كانت الآيات في الأصنام المنحوتة والمنصوبة فبعضها على اعتبار كونها جمادًا أو بعضها على اعتبار اعتقاد المشركين أو على سبيل التشبيه، وإن كانت بعضها في الأصنام وبعضها في الملائكة والأنبياء أو الطواغيت فذلك اعتبار أوهام المخاطبين وعقولهم كأن بعضهم لا يعرف إلا ما يشاهد وبعضهم متوهم وراء المشاهدات أزواجًا وأنفسًا فعمهم بالإنكار بهذه الآيات بعضها في بعض. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يقول هذا القول

стр. 820

﴿وَتَرَاهُمْ﴾ خطاب للنبي ﵇ (١) والضمير عائد إلى الأصنام، وقيل: إلى المخاطبين. ﴿الْعَفْوَ﴾ الصفح والمنازلة وذلك قبل آية السيف أو بعد ما يظهرون من أنفسهم الإيمان أو خاصة في الذراري والنسوان، وعن ابن عباس (٢): العفو الزكاة والعرف المعروف كله، وقيل: إنه كلمة الإخلاص وكذلك قوله ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١] هم الأنبياء الذين أرسلوا بكلمة لا إله إلا الله. (النزغ) الهمز والوسوسة والأذى والإغراء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مبتدأ جملة ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ خبره ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ لمفاجأة الإبصار حالة التذكير والتذكير ذكر الله، و (الإبصار) إبصار الخير والشر على سبيل التمييز بعد إمدادهم. ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ ولا يكفون بأنفسهم أيضًا عن الغي. ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ كانت قريش إذا سكت رسول الله أيامًا ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ ألفاظًا حسنة فتقولتها يطالبون بالآيات على ظن أنه ربما انقطع فأنزل الله. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ عن أبي هريرة وابن المسيب أنها نزلت في الصلاة (٣)، وعن مجاهد أن النبي ﵇ (١) كان يقرأ في الصلاة فسمع

стр. 821

قراءة فتى من الأنصار فأنزل الله (١)، وعن أبي هريرة عنه ﵇ أنه قال: "إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به ... " (٢) الخبر، وعن جابر مرفوعًا: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٣)، وعن مجاهد أنها نزلت في الخطبة (٤)، ويجوز أنها نزلت فيهما، والإنصات سكوت في استماع. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أي راقب بالقلب دون الجهر في القول إبانه بالتسبيح والتهليل والقراءة في الصلاة ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل وهو ما بين العصر إلى المغرب (٥). ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الذين علمهم به علم المشاهدة من غير اجتهادٍ وكسب، وهم الملائكة والأنبياء والصديقون والشهداء، والفائدة عن الأخبار وعن حالهم هو التطميع لمن اقتدى بهم أن يلحقهم في رتبتهم بإذن الله تعالى. ...

стр. 822

سُوْرَةُ الأَنْفَال مدنية، نزلت بعد سورة "البقرة" (١) بالمدينة (٢)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا سبع آيات نزلت بمكة قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] (٣)، وقيل: نزلت آية واحدة بمكة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] (٤) وهي ست وسبعون آية حجازي بصري.

стр. 823

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ نزلت في غزوة بدر (١) في شهر رمضان سنة اثنتين، وسبب غزوة بدر أن عيرًا لقريش قدم من الشام فيهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأراد النبي ﵇ (٢) أن يخرج إليهم فيغير عليهم وهو يريد العير والله يريد النفير، فكان ما أراد الله. وذلك أن أبا سفيان سمع بخروج النبي ﵇ فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستنجدًا مستنفرًا، وكانت (٣) عاتكة بنت عبد المطلب (٤) قد رأت في المنام قبل مقدم

стр. 824

ضمضم أن رجلًا قدم على بعير له فوقف بالأبطح وقال: انفروا يا آل عدوًا إلى مصارعكم في ثلاث، ثم صعد أبا قبيس وصرخ ثلاثًا، ثم أخذ صخرة وأرسلها من رأس الجبل فأقبلت تهوي حتى إذا كانت في أسفله ارفضت فما بقيت دار من دور قريش إلا دخل فيها (١) بعضها. فقصَّت عاتكة رؤياها على أخيها العباس بن عبد المطلب وكانا يكتمان إيمانهما (٢) فقص العبّاس على الوليد بن عتبة وكان صديقًا له، فذكرها الوليد لأبيه وتحدث بها ففشا الحديث فيما بين الناس، قال العباس: غدوت إلى الكعبة لأطوف بها فإذا أبو جهل في نفر من قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة، ثم التفت إليّ فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النبية؟ أما رضيتم يا بني عبد المطلب أن تنبأت رجالكم حتى تنبأت نساؤكم؟! سنتربص بكم هذه الثلاث فإن كان حقًّا فسيكون وإلا كتبنا عليكم كتابًا إنكم أكذب أهل (٣) بيت في العرب. فلما كان يوم الثالث جاءهم ضمضم بن عمرو ووقف بعيره بالأبطح وقد حول رحله وشق قميصه وأجدع بعيره يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم أموالكم مع أبي سفيان قد عرض محمَّد وأصحابه، ولما سمع العبّاس هذا شمت بهم وطلب أبَا جهل فوجده في المسجد فتتبعه وناداه: كيف رؤيا عاتكة يا مصفرًّا استه؟! وقال أبو جهْل: دعنا عن هذا

стр. 825

يا أبا الفضل وتأهب للنفير، ولم يجد العباس من الخروج معهم بدًّا إلى أن كان ما كان على ما سبق في "آل عمران" (١). واختلفوا في الأنفال هاهنا قيل: إنها الغنائم كلها (٢)، وعن الحسن أنها ما كان يهم رسول الله ﷺ (٣) بقوله (٤): "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٥) فتسَارع الشبان وبقي المشايخ تحت الرايات محدقين برسول الله فلما فرغوا من القتال قال (٦) الشبان: هذه الأموال تنفل لنا رسول الله، وقالت المشايخ: نحن كنا ردءًا لكم (٧) فأشركونا فيها، وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن دفعت المال إلى (٨) من نَفَلهم لم يبق لسائر الناس شيء (٩)، فانتزع الله الأمر (١٠) من أيديهم ورده إلى رسوله ليستأنف فيه حكمًا على ما يرى فيه من

стр. 826

المصلحة. وعن عطاء عن ابن عباس (١): المراد بالأنفال ما شذ عن الغنائم من عبد أو دابة، والآية منسوخة على الأقوال الثلاثة بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وقيل: الآية نزلت في الخمس يحكم فيه الإمام باجتهاده، وقيل: هي كل الغنائم قبل الإحراز، والآية غير منسوخة (٢) على هذين (٣) القولين، والتنفل في اللغة الزيادة من الخير قال: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل (٤) والسؤال عن كيفية القسمة وكميتها. وفي مصحف عبد الله وأبي (٥) ﴿يسألونك الأنفال﴾ أي: يطلبونها منك وقد فهم الأمران (٦) جميعًا ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ حالتهم التي تجمعهم (٧).

стр. 827

٢٧ ﴿وَجِلَتْ﴾ خافت وفزعت وهذه الحكمة هي الأولى، وأما الحكمة الثانية فالاطمئنان (١) والاستئناس، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ على الإيمان المعهود من وجهين: أحدهما الأسباب والأدلة، والثاني الإيمان الحادث بالنازل الحادث. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ رد على الذين يشكون في إيمانهم ﴿حَقًّا﴾ نصب على التأكيد ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الحظ الجميل المحمود - يعني: في الآخرة إن شاء الله. ﴿كَمَا﴾ التشبيه لكون الأنفال لله أي هي لله، كما كان إخراجك من (٢) بيتك إلى الله وإن كرهه فريق من المؤمنين، وقيل: التشبيه لسؤالهم عن الأنفال واختلافهم فيها، أي: جادلوك فيها كما كرهوا الخروج فجادلوك فيه أوّل مرة، وإنما (٣) كان السبب في ذلك أن النبي ﵇ (٤) كان قد خرج إلى العير ووعدهم الله في الطريق أحد شيئين: إما الظفر بأموال العير (٥) الذي خرج قاصدًا إليها. وإما النصر عند الالتقاء، وكان الظفر بأموال العير أقرب وأسهل على ما قدّروه وأحبهم إليه من لقاء العدو؛ لأنهم لم يكونوا تأهبوا للقتال كل التأهب، فلما سمعوا أن أبا سفيان أخذ طريقًا آخر وأنهم ملاقو العدو لا محالة كرهوا ذلك، وقالوا لرسُول الله: أخرجتنا قاصدين إلى العير ولم تخبرنا بلقاء العدو حتمًا، وخافوا على أنفسهم خوفًا طبيعيًا، وإن كانوا معتقدين بأن (٦) الله منجز وعده ومسلطهم ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ لا محالة

стр. 828

ليذكروا (١) الله تعالى حالتهم (٢) تلك على وجه الملامة ليتكلفوا مخالفة الطبيعة في المسارعة إلى أمره ورسوله. ﴿فِي الْحَقِّ﴾ (٣) أي بالأمر الحق أو بالوعد الحق (٤)، وفي الحق بيان الجهاد من ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ أي بعد ما ظهر أنه أمر الله أو من بعد ما ظهر أنه أمر الله (٥)، أو من بعد ما ظهر أنه لهم لا عليهم، وإنما كان ظهر ذلك لهم بوعد (٦) الله، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ﴾ تشبيه لحالة خوفهم، أي: يجتنبون الموهوم كأنهم يحشرون، أي يشاهدون فيه الهلاك والموت لا محالة، وإن عطفت على جملة فعلية (٧) محله نصب بوقوع الذكر المقدر عليه. قيل: إن النبي ﵇ لما كان ببعض الطريق بعث عدي بن أبي الزغباء عليًا على العير، ونزل جبريل ﵇ (٨) مخبرًا بنفر قريش ومبشرًا بالاستيلاء على إحدى الطائفتين: إما العير (٩)، وإما النفير، فأشاروا عليه بالعير فأعاد كلامه، فأشاروا عليه بالعير، وقالوا: إنما أخرجتنا للعير وليست معنا أهبة القتال، فأعاد عليهم كلامه فأشاروا عليه بالعير حتى قام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله انظر أمرك وامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلّف عنك رجل من الأنصار، ففرح النبي ﵇ (١٠) حتى عرف السرور في وجهه، وقال المقداد بن الأسود الكندي: إنا لا نقول كما قال

стр. 829

بنو إسرائيل ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤] (١) ولكنا نقول: امض لأمر ربك (٢) فإنا بين يديك مقاتلون ما دامت عين منا تطرف (٣). ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل عن ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ البأس والشدة والحدة (٤)، فذات الشوكة هاهنا النفير و ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ العير (٥) لتغتنموا من غير قتالٍ، وأراد الله أن يسلطهم على ذات الشوكة ليقطع دابر الكافرين، روي أنهم (٦) لما ظفروا بالعدو وفرغوا مِن القتال والأنفال طمعوا في العير قالوا: يا رسول الله عليك بالعير، فقال العباس وهو أسير مشدود: لا ينبغي لك يا رسول الله، قال: ولم؟! قال: لأن الله وعَدَك إحدى الطائفتين، وقد أنجز (٧)، وهذا دليل على إيمان العباس وعقله وفطنته قبل ظهور إسلامه.

стр. 830

﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ إحقاق الحق: إثبات في المشاهدة لما ثبت في العقل، وإبطال الباطل: إزهاق في المشاهدة لما زهق في العقل. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ الاستغاثة طلب الغوث وهو عون الملهوف، و (الرادفة) (١) أن تتبع الشيء الشيء قال: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] واللام مفخمة و (الترادف) التتابع. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ قيل: إن الله تعالى ألقى عليهم النوم والأمن ليلتئذٍ حتى احتلم بعضهم ثم أصبحوا على غير ماء، فوسوس لهم الشيطان بأنهم لو كانوا على الحق لوجدوا مَاء يتطهرون به لصلاتهم، فأرسل الله عليهم مطرًا حتى اغتسلوا وشربوا (٢)، وكان الموضع تسوخ فيه الأقدام لكثرة الرمل فاشتد بذلك الوشي (٣) أيضًا فثبتت عليه أقدامهم، و (الربط على القلب): هو عقدها بالصبر الحائل بينه وبين الجزع والوجل والهلع والفشل ﴿بِهِ﴾ راجع إلى الماء وإلى الربط، و ﴿الْأَقْدَامَ﴾ جمع قدم وهو من الرجل كالكف من اليد. ﴿فَثَبِّتُوا﴾ تثبيت الملائكة المؤمنين إنما كان على سبيل التشجيع دون القتال، وقيل: تثبيتهم إياهم مشاركتهم في القتال تشريفًا لهم، ولو شاء الله لأهلكهم بمَلَك (٤) واحد منهم ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ ما فوق الأعناق وهو الرأس، وقيل: فوق زيادة وصلة مثل (على) نقول: ضربت الشيء وضربت عليه بمعنى (٥)، و (العنق): الرقبة، وهو المتوسط بين الرأس والصدر

стр. 831

﴿بَنَانٍ﴾ (١) أطراف من الأيدي والأرجل واحدتها بنانة، فإن كان الأمر للمؤمنين فالمراد ضربهم بالسيوف والمقارع، والمراد ببيان هذه المواضع إباحة القتل من كل وجه، وإنْ كان الأمر للملائكة، فالمراد بالضرب: ضربهم بما شاء الله من سلاح أو جناح على سبيل القتل (٢)، أو (٣) التسويم والرد والطرد، ذلك إشارة إلى الإمداد والإرداف أو الأمر بالقتل. ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ خطاب متوجه إلى الكفار من جهة الله تعالى أو من جهة الملائكة عند معاينة البأس، تقديره: ذلكم جزاؤكم ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أو ذوقوا ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ معطوف على ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ﴿زَحْفًا﴾ الزحف التقرب إلى الشيء قليلًا قليلًا، وأكثر استعماله فيما له أرجل كثيرة وهو مقدر هاهنا أقيم مقام الاسم، أي: زاحفين. ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ مائلًا نصب على الحال (٤)، وتقديره: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ على أي حال كان ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، و (التحيز والانحياز): التنحي، وفيه معنى النقيض ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾ قال ابن عباس أنها الكتيبة العظمى في المعركة، وعن أبي سعيد الخدري أنهم لو تحيزوا إلى فئة في دار الإسلام لم يكونوا منهزمين (٥)، قال ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم

стр. 832

ففروا فلما رجعوا إلى المدينة استجبنوا من الناس، فسألوا رسول الله: أنحن الفرارون؟ قال: "بل أنتم العكارون وأنا فئتكم". قال ثعلب: العكارون العطافون (١)، ثم يحتمل أن الآية مجملة لا يمكن العمل بظاهرها، وتفسيره ﴿مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ويحتمل أنها كانت عامة يمكن العمل بظاهرها عند الإتيان على النفس، ثم خصّصها قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾، ثم نسخت تلك الآية بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ نفي هذه الأفعال عن فاعلها وإسنادها إلى الله من جهة وقوعها يومئذ معجزة إلهية خارجة عن طوق البشر والرسم الموضوع المعهود. روي أن النبي ﵇ (٢) أخذ كفًا (٣) من حصى الوادي يوم بدر ورمى به في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" (٤)، وروى الزهري عن ابن المسيب أنه ﵇ رمى يوم أحد أُبيَّ بن خلف (٥)، وعن عبد الرحمن بن جبير أنه ﵇ دعَا بقوس في محاربة اليهود فرمى عليها بسهم إلى الحصين فأصاب كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فقتله (٦)، ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ معطوف على مضمر تقديره: ليهلكهم ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي سمعتم حق أو صدق واعلموا أن الله، ويجوز أن

стр. 833

يكون ﴿ذَلِكُمْ﴾ في محل النصب بإضمار اعلموا الإيمان (١). و (التوهين): إحداث الوهْن والضعف. كان المشركون (٢) عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهم انصر أحب الفئتين إليك، وكان أبو جهل يقول يوم بدر (٣): "اللَّهمَّ أقطعنا للرحم وأفسدنا للجماعة فأحنه اليوم" فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ (٤). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر مجادلتهم في الخروج، والواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ للحال أي لا يتولوا عنه سامعين دعاءه إياكم، وأما (٥) من لم يسمع فهو معذور (٦). ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ﴾ نزلت في بني عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا اثنان وكان أكثرهم منافقين (٧)، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١] (٨) أخبر أنهم لم يسمعوا سمع الانتفاع والاعتبار. و ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ الناس بدليل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ

стр. 834

كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] جمعهم جمع العقلاء، ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ الذين لا يسمعون إلى الحق ولا ينطقون بالحق، والمراد بالذين ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ المخاذيل عن العمل بقضية العقل. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ يدل على تفاوت طبائع السعداء والأشقياء، وأن السعيد مجبول على خير طبيعي متقدم على الخير الكسبي مظهر عند التوفيق للكسب، ثم يثمر الاستقامة، وأن الشقي غير مجبول عليه فلم (١) يستقم وإن وفق للاستماع والاعتبار. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إحياء القلوب للتفكر والاعتبار بروح الإلهام والقرآن وإحياء الشهداء للثواب قبل يوم البعث، و (الحائل) الحاجز وقوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: يملك قلبه فيقلبه كيف يشاء إن شاء جعله مشرقًا بنور الغيب وإن شاء جعله ميتًا محجوبًا. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ عامة ما يعم الفاسق والمداهن؛ عن ابن عباس (٢). والعصبيّة عن غيره قال ابن الزبير العوام (٣) ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ كالصفة للفتنة، وإنما دخلت النون المشددة بإضمار قسم: رأيت رجلًا والله لا يكون له نظير، يقيم القسم وجوابه مقام الصفة. ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ عدد قليل أو شيء قليل ولو وصف آحاد الجماعة بالقلة

стр. 835

لقال إذ أنتم قليلون ﴿النَّاسُ﴾ كفار قريش؛ عن عكرمة وقتادة والكلبي (١)، وقيل: فارس والروم (٢)، ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أراد تبويئه المدينة مراغمًا ومهاجرًا لهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا﴾ نزلت في (٣) الغلول، وقيل: في أبي لبابة بن عبد المنذر (٤) حيث استشاره بنو قريظة في النزول عن الحصن على حكم رسول الله فقال لهم بلسانه: انزلوا وأشار بيده إلى الحَلق، أي إنْ نزلتم (٥) على حكمه، وإنما حمله على ذلك مال له (٦) كان عندهم في الحصن فخاف عليه النهب إن فتحوا (٧) الحصن، قال أبو لبابة: ما برحت

стр. 836

قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، قيل: ولم يأكل أبو لبابة طعامًا ولا شرابًا سبعة أيام وخرّ مغشيًا عليه حتى بين الله توبته (١)، فائدة ذكر الأموال والأولاد التنبيه على أنها من دواعي الخيانة. ﴿فُرْقَانًا﴾ مخرجًا في الدنيا والآخرة عن ابن عباس ومجاهد والضحاك (٢). ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ اجتمعت جبابرة قريش في دار الندوة يدبرون في أمر رسول الله، ودخل معهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ نجدي، ثم قالوا فيما بينهم: "إنّ محمدًا ليس تمر الأيام والشهور إلا يزداد ويعظم شأنه وإنا نخشى أن نقاسي منه أكثر مما قاسينا إلى اليوم، فما الحيلة في تطفئة ناره وتجلية غباره، وقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيت وتسدوا عليه الباب وتخلوا كوة تطرحون إليه منها قوتًا يعيش به إلى أن يموت، فقال إبليس لعنه الله: بئس الرأي ما رأيت فإن أقاربه يتعصبون (٣) إذًا ويستنقذونه، قالوا جميعًا: صدق الشيخ النجدي، ثم قال أبو البختري بن هشام: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من أرضكم يذهبُ حيث يشاء، قال إبليس (٤): بئس الرأي ما رأيت، كأني به (٥) إذًا وقد كثر عليكم (٦) بعسكر لجب لينتقم منكم، قالوا جميعًا: صدق الشيخ النجدي، ثم قال الفاسق أبو جهل لعنه الله: لكني أرى أن يجتمع من كل بطن ورهط واحد ومعه سيفه، ثم نمشي جميعًا ونضربه ضربة رجل

стр. 837

واحد، وديناه إلى عشيرته ولا يقدرون على المطالبة بالقود فإنهم لا يقاومُون قريشًا بأجمعهم، قال إبليس: صدق هذا الشاب والرأي ما رآه، وأثنى عليه، فتفرقوا على ذلك وهبط جبريل ﵇ يخبر رسول الله ﷺ ويأذن له في الهجرة، فلما كان ليلة الاغتيال وثب عن (١) فراشه وخلّف عليًا مكانه وخرج من باب بيته وإذا هم وقوف مجتمعون فصرف الله أبصارهم عنه حتى أخذ التراب وحثى على رؤوسهم، ثم انطلق إلى أبي (٢) بكر فصحبه أبو بكر في الهجرة (٣) وكانا قد دبرا في ذلك من قبل فوفقهما الله تعالى لذلك فنزلت الآية (٤)، يذكر الله نعمته وإن كان هو ذاكرًا ليزداد شكرًا أو ليعتبر به المعتبرون. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ نزلت في المشركين الذين تحداهم رسول الله (٥) بمثل سورة من القرآن عامة وفي النضر بن الحارث بن كلدة كان يتحيز إلى الروم وفارس ويسمع أقاصيص رستم وإسفنديار فقال (٦): قد سمعنا القرآن ولو شئنا لقلنا مثله (٧)، وقد كذب الملعون وادّعى ما لا يقدر عليه وأصحابه، ولو قدروا لقالوا شيئًا مع طول المحاورة (٨) والمجاورة وكثرة التحدي، فإن ذلك لو قدروا عليه لكان أيسر في ردّ النبي ﵇ وأهون وأوحد وأمكن من القتال وبذل الأموال ومصادفة الرجال، ألا ترى أن طليحة الأسْدي ومسيلمة الكذاب كيف تكلفا وتوخيا المقابلة بما افتضحا به، حتى قال أبو بكر الصدَّيق لطليحة وأصحاب

стр. 838

مسيلمة: ويْحَكم هذا الكلام لم يخرج من أل (١)، فاعترفوا له بالاغترار والخسران والإدبار. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ نزلت في النضر بن الحارث أيضًا وأصحابه (٢)، فلم يمطر بالحجارة ولكن قتل صبرًا يوم بدر فذاق العذاب الأليم (٣)، قال أبو عبيدة: يقال في العذاب (أمطر) وفي الرحمة (مُطر) (٤). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ كأنهم لما دعوا بهذا الدعاء ولم يمطروا ولم ينزل بهم عذاب ازدادوا جرأة واتهام رسول الله ﷺ ، وكان المؤمنون تعجبوا بتأخير العذاب بعد دعائهم هذا، فبين الله تعالى وجه تأخير العذاب عنهم فإن الله تعالى لم يعذب قومًا قط حتى خرج نبيهم من بينهم كانت هذه سنته في الأمم الخالية ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فهم الذين سبق علم الله فيهم أنهم سيؤمنون ويستغفرون؛ هكذا عن ابن عباس (٥) في بعض الروايات، وقال قتادة والسدي وابن زيد (٦): أنه على وجه الترغيب لهم في الإيمان والاستغفار. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية في إثبات العذاب وتحقيق نزوله بهم عند ارتفاع المعنيين. ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي: أي شيء لهم من الحجة والعذر أن لا يعذبهم بالاستئصال (٧) لتلك الحجة أو لذلك العذر، فما خبر عن

стр. 839

موجب العذاب فقال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يصدون المؤمنين عن الحج والعمرة غصبًا من غير أن يكون إليهم ولاية المسجد الحرام عند الله تعالى وفي حكمه، ثم أخبر الله عن أولياء المسجد الحرام فقال: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿مُكَاءً﴾ صفيرًا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقًا وتوليد الصدى، والصّدى (١): هو الصّوت المنعكس، كانت قريش تصفّر وتصفق وتعتقد أنها صلاة ودعاء وذلك من وسواس الشيطان لهم (٢) ليصدهم عن التسبيح والتهليل، قال حسّان: إذا قام الملائكة اتبعتم ... صلاتكم التصفير والمكاء (٣) فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وأخبر بقبح فعلهم وسوء رأيهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ خطاب لهم بلغهم (٤) يوم بدر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في المطعمين يوم بدر؛ عن الضحاك (٥)، وفي أبي سفيان حين استأجر ألفي رجل من الأحابيش (٦) من كنانة واستجاش من سائر العرب يوم أحد؛ عن قتادة (٧) ومجاهد وغيرهما.

стр. 840

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ لام المفعول الثاني لـ "يحشرون" (١) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ لهذا ﴿الْخَبِيثَ﴾ جنس الكفار ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ جنسُ المؤمنين ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الخبيث ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يضع بعضه على بعض ومنه السحاب المركوم. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الانتهاء عن العداوة ولا يصح ذلك إلا بالإِسلام ﴿سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ يوم بدر (٢) ويهددهم بمثله. ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ كفر إن أجرينا على مشركي العرب ومحاربة الكفار (٣) وإن أجرينا على العُموم؛ لأن القتال ممتد إلى أن يستسلم أهل الشرق والغرب أجمعون أو تنتهي أيام الدنيا ﴿الدِّينُ﴾ التدين كله للتأكيد ﴿لِلَّهِ﴾ لوجه الله خالصًا. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإسلام والاستسلام ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ يواليكم وينصركم عليهم. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أي اعتقدوا وهو تكليف وليس بمجرد إعلام ولذلك علقه بشرط الإيمان ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ تفسير لقوله: (ما غنمتم) كقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ١٠]. وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يدل على قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾.

стр. 841

وروى سفيان الثوري عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب عند قوله (١): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة وسهم رسول الله كان ينفق مقدارًا على عياله ويصرف الباقي إلى حوائج المسلمين (٢)، وقد نقل عنه من طريق الاستفاضة قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٣)، ثم سقط سهمُهُ بوفاته؛ لأن خلفاءه جعلوا لأنفسهم رزقًا دارًّا في بيت المال فاستغنوا عن هذا السّهم، ولو رأى الإمام أن يفرز هذا السهم ويجعله في بيت المال عدة للمسلمين لكان في سعة إن شاء الله، وليس في الآية ما يدل على أن ذوي القربى سوى القائمين؛ لأن الخطاب متوجه إليهم كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وفي قوله: ﴿قُلْ (٤) مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] لكن الدلالة قد قامت على أنهم فقراء بني هاشم كان ﵇ يعطيهم من الخمس مقدار الحاجة يقول لهم: "أليس في خمس الفيء ما يغنيكم عن غسالة أيدي الناس؟ "، ثم عندنا (٥) استحقاقه بالفقراء بعد موت النبي ﵇، وعند الشافعي بمجرد القرابة واستحقاق اليتامى بالفقر بالإجماع (٦) والمساكين عام في الهاشميين وغيرهم وكذلك ابن السبيل، وفائدة تخصيص ذوي القربى التنبيه على أنهم في هذا المال (٧)

стр. 842

بخلاف ما هم في الزكوات (١) والصدقات أو تشريفهم على غيرهم (٢) كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وتخصيص اليتامى أن لا يوكلوا إلى (٣) أقاربهم الأغنياء لحق الحضانة أو التنبيه على تفقد المحتاجين. ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ بدل عن قوله ﴿يَوْمَ الْتَقَى﴾ وذلك يدل على قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (العدوة) جانب الوادي، قال النابغة: في عدوتين أقام القوم بينهما ... والقوم بين محروم ومختوم (٤) ﴿الدُّنْيَا﴾ تأنيث الأدنى و ﴿الْقُصْوَى﴾ تأنيث الأقصى أي الأبعد ﴿وَالرَّكْبُ﴾ العير في ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحل ويحتمل أن الركب جماعة من ركبان إحدى الطائفتين اللتين التقتا (٥) ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لكراهتهم لقاء العدو ومجادلتهم في ذلك أو لرفع التقادير والتدابير على ما نشاهده ونجريه ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ ليمضي وليتم شأنًا كان مقدورًا محققًا مثبتًا في اللوح ﴿لِيَهْلِكَ﴾ ليموت من مات بعد استبانة ويعيش من عاش بعد استبانة، وذلك تتمة وعد الله تعالى بهلاك قريش في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وقال ﵇: "والله لقد جئتكم

стр. 843

بالذبح" (١) وقيل: ليكفر من كفر بعد اتضاح قيام الحجة عليه ويؤمن من آمن بعد اتضاح قيام الحجة له، فإن الحجة وإن كانت قائمة فلا شك أنها ازدادت يوم بدر بما ظهرت يومئذ وشاهد كثير من الطائفتين الملائكة يومئذ. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ بدل مما تقدم في محل النصب (٢)، والظاهر أنه ﵇ رأى رؤيا في المنام (٣) وعلم الرؤيا علم على طريق المثل والإشارة والانعكاس فلذلك يجوز التفاوت فيه ومعناه قلة شوكتهم أو قلة بقائهم في الدنيا. وقال الحسن البصري: رآهم النبي ﵇ (٤) قليلًا في اليقظة (٥) والمراد بالمنام العين، ﴿سَلَّمَ﴾ أي رزق السلامة. ﴿فَاثْبُتُوا﴾ أراد به المصابرة وترك الانهزام أو الوقوف والتكبير عند أول وهلة (٦)، أما الوقوف فلاجتماع الرأي والتكبير والاستنصار (٧) وتوهين الكفار.

стр. 844

﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ في القتال وهو أن يخالفوا الإمام عند الفتنة فيتقدموا ويتأخروا بغير إذنه، وأن تتراحموا، أو يتجادلوا فيتخاذلوا ﴿رِيحُكُمْ﴾ ريح النصر قال ﵇ (١): "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" (٢) وقيل: الريح (٣) تزايد الأنفاس في الصدر عند الغضب بطول الاهتمام واحتباسُها قليلًا في الصدْرِ (٤)، وذلك يزيد في قوة الأعضاء، فإذا تنازعوا استوفوها في جهة التنازع ولم يبق للمطاعنة والمسابقة منها شيء. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ قيل: إن قريشًا لما بلغهم سلامة العير قال بعضهم ارجعوا فقد كفيتم، وقال أبو جهل وأمثاله: بل (٥) ننتهي إلى بدر فنطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف على رؤوسنا القينات لنفتخر به إلى آخر الأبد (٦)، فقلب الله عليهم أحوالهم وأطعم لحومهم (٧) السباع والنسور والديدان، وسقاهم مكان كؤوس الخمور كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، وأبدلهم من الفخر الخزي والعار وعذاب النار إلى أبد الآباد، ونهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرياء؛ لأن البطر هو الطغيان يحمل النفس على تمني المحال والقصد لما لا ينال حتى تقتحم الخسران والوبال، ورياء الناس يحمل النفس على ترك ما يعنيها من الأصلح والأوفق والأوجب والاشتغال بما لا يعنيها. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قيل: أراد سراقة بن مالك بن جُعْشُم كانت قريش حين خرجت تخاف من كنانة وبني بكر وكان سراقة شاعرًا مكينًا في

стр. 845

الكنانة (١) فعرض لهم في الطريق وقال: إني جار لك من (٢) كنانة وإنهم سيتبعونكم وينصرونكم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ﴾ الجمعان (٣) شاهد سراقة وتولى مدبرًا وكان قد شاهد مثله حين عرض للنبي ﵇ (٤) وأبي بكر الصدِّيق حين خرجا من مكة وهاجرا إلى المدينة، فقال له الحارث بن هشام: أفرارًا من غير قتال؟ فقال (٥): ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ (٦) وأكثر المفسرين على أن الشيطان هو إبليس لعنه الله تراءى لهم في صورة سراقة بن مالك أرسل إلى (٧) قريش أنكم تقولون خذلنا سراقة وانهزم عن الناس وإني والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، والجار والمجاور في الحقيقة إلا أنه صار اسمًا للخفير والمجير لأن الجيران كانوا يخفرون ويجيرون ﴿نَكَصَ﴾ رجع وانقلب و (العقب) مؤخر القدم. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ المعتقدون خلاف الإسلام ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وتردد من جملة المنافقين كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويقولون: أغتر هؤلاء بدينهم فيظنون أنه حق سينصرون به ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ﴾ كلام مستأنف وجواب لو محذوف (٨). و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أعوان ملك الموت و (الضرب) على الوجوه لزجر المتقدم وعلى الأدبار لطرد المتأخر كأنهم يسوقونهم سوق (٩) الخيل
следующие страницы →