← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وروى سفيان الثوري عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب عند قوله (١): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة وسهم رسول الله كان ينفق مقدارًا على عياله ويصرف الباقي إلى حوائج المسلمين (٢)، وقد نقل عنه من طريق الاستفاضة قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٣)، ثم سقط سهمُهُ بوفاته؛ لأن خلفاءه جعلوا لأنفسهم رزقًا دارًّا في بيت المال فاستغنوا عن هذا السّهم، ولو رأى الإمام أن يفرز هذا السهم ويجعله في بيت المال عدة للمسلمين لكان في سعة إن شاء الله، وليس في الآية ما يدل على أن ذوي القربى سوى القائمين؛ لأن الخطاب متوجه إليهم كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وفي قوله: ﴿قُلْ (٤) مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] لكن الدلالة قد قامت على أنهم فقراء بني هاشم كان ﵇ يعطيهم من الخمس مقدار الحاجة يقول لهم: "أليس في خمس الفيء ما يغنيكم عن غسالة أيدي الناس؟ "، ثم عندنا (٥) استحقاقه بالفقراء بعد موت النبي ﵇، وعند الشافعي بمجرد القرابة واستحقاق اليتامى بالفقر بالإجماع (٦) والمساكين عام في الهاشميين وغيرهم وكذلك ابن السبيل، وفائدة تخصيص ذوي القربى التنبيه على أنهم في هذا المال (٧)

стр. 842

بخلاف ما هم في الزكوات (١) والصدقات أو تشريفهم على غيرهم (٢) كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وتخصيص اليتامى أن لا يوكلوا إلى (٣) أقاربهم الأغنياء لحق الحضانة أو التنبيه على تفقد المحتاجين. ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ بدل عن قوله ﴿يَوْمَ الْتَقَى﴾ وذلك يدل على قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (العدوة) جانب الوادي، قال النابغة: في عدوتين أقام القوم بينهما ... والقوم بين محروم ومختوم (٤) ﴿الدُّنْيَا﴾ تأنيث الأدنى و ﴿الْقُصْوَى﴾ تأنيث الأقصى أي الأبعد ﴿وَالرَّكْبُ﴾ العير في ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحل ويحتمل أن الركب جماعة من ركبان إحدى الطائفتين اللتين التقتا (٥) ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لكراهتهم لقاء العدو ومجادلتهم في ذلك أو لرفع التقادير والتدابير على ما نشاهده ونجريه ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ ليمضي وليتم شأنًا كان مقدورًا محققًا مثبتًا في اللوح ﴿لِيَهْلِكَ﴾ ليموت من مات بعد استبانة ويعيش من عاش بعد استبانة، وذلك تتمة وعد الله تعالى بهلاك قريش في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وقال ﵇: "والله لقد جئتكم

стр. 843

بالذبح" (١) وقيل: ليكفر من كفر بعد اتضاح قيام الحجة عليه ويؤمن من آمن بعد اتضاح قيام الحجة له، فإن الحجة وإن كانت قائمة فلا شك أنها ازدادت يوم بدر بما ظهرت يومئذ وشاهد كثير من الطائفتين الملائكة يومئذ. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ بدل مما تقدم في محل النصب (٢)، والظاهر أنه ﵇ رأى رؤيا في المنام (٣) وعلم الرؤيا علم على طريق المثل والإشارة والانعكاس فلذلك يجوز التفاوت فيه ومعناه قلة شوكتهم أو قلة بقائهم في الدنيا. وقال الحسن البصري: رآهم النبي ﵇ (٤) قليلًا في اليقظة (٥) والمراد بالمنام العين، ﴿سَلَّمَ﴾ أي رزق السلامة. ﴿فَاثْبُتُوا﴾ أراد به المصابرة وترك الانهزام أو الوقوف والتكبير عند أول وهلة (٦)، أما الوقوف فلاجتماع الرأي والتكبير والاستنصار (٧) وتوهين الكفار.

стр. 844

﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ في القتال وهو أن يخالفوا الإمام عند الفتنة فيتقدموا ويتأخروا بغير إذنه، وأن تتراحموا، أو يتجادلوا فيتخاذلوا ﴿رِيحُكُمْ﴾ ريح النصر قال ﵇ (١): "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" (٢) وقيل: الريح (٣) تزايد الأنفاس في الصدر عند الغضب بطول الاهتمام واحتباسُها قليلًا في الصدْرِ (٤)، وذلك يزيد في قوة الأعضاء، فإذا تنازعوا استوفوها في جهة التنازع ولم يبق للمطاعنة والمسابقة منها شيء. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ قيل: إن قريشًا لما بلغهم سلامة العير قال بعضهم ارجعوا فقد كفيتم، وقال أبو جهل وأمثاله: بل (٥) ننتهي إلى بدر فنطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف على رؤوسنا القينات لنفتخر به إلى آخر الأبد (٦)، فقلب الله عليهم أحوالهم وأطعم لحومهم (٧) السباع والنسور والديدان، وسقاهم مكان كؤوس الخمور كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، وأبدلهم من الفخر الخزي والعار وعذاب النار إلى أبد الآباد، ونهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرياء؛ لأن البطر هو الطغيان يحمل النفس على تمني المحال والقصد لما لا ينال حتى تقتحم الخسران والوبال، ورياء الناس يحمل النفس على ترك ما يعنيها من الأصلح والأوفق والأوجب والاشتغال بما لا يعنيها. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قيل: أراد سراقة بن مالك بن جُعْشُم كانت قريش حين خرجت تخاف من كنانة وبني بكر وكان سراقة شاعرًا مكينًا في

стр. 845

الكنانة (١) فعرض لهم في الطريق وقال: إني جار لك من (٢) كنانة وإنهم سيتبعونكم وينصرونكم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ﴾ الجمعان (٣) شاهد سراقة وتولى مدبرًا وكان قد شاهد مثله حين عرض للنبي ﵇ (٤) وأبي بكر الصدِّيق حين خرجا من مكة وهاجرا إلى المدينة، فقال له الحارث بن هشام: أفرارًا من غير قتال؟ فقال (٥): ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ (٦) وأكثر المفسرين على أن الشيطان هو إبليس لعنه الله تراءى لهم في صورة سراقة بن مالك أرسل إلى (٧) قريش أنكم تقولون خذلنا سراقة وانهزم عن الناس وإني والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، والجار والمجاور في الحقيقة إلا أنه صار اسمًا للخفير والمجير لأن الجيران كانوا يخفرون ويجيرون ﴿نَكَصَ﴾ رجع وانقلب و (العقب) مؤخر القدم. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ المعتقدون خلاف الإسلام ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وتردد من جملة المنافقين كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويقولون: أغتر هؤلاء بدينهم فيظنون أنه حق سينصرون به ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ﴾ كلام مستأنف وجواب لو محذوف (٨). و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أعوان ملك الموت و (الضرب) على الوجوه لزجر المتقدم وعلى الأدبار لطرد المتأخر كأنهم يسوقونهم سوق (٩) الخيل

стр. 846

ويمنعونهم عن الانتشار، ويحتمل أن الضرب على الوجوه للتعذيب لا بمعنى آخر، والضرب على الأبدان للسوق (١) والحشر (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أو إلى تعقب المؤاخذة وترك المعاجلة. ﴿لَمْ يَكُ﴾ لم يكن، وإنما اختص الكون بالإخبار لاقتضائه الآنية العامة، وإنما سقطت النون لأنها تشبه حروف المدّ واللين في خفائها (٣) فجاز سقوطها بالجزم، والمراد بـ (النعمة) سوى نعمة التوفيق والشكر، وقيل: نعمة التوفيق داخلة فيه لأن الله لا يخذل ولا يمنع التوفيق إلا مع سوء الاختيار، لا يتقدم هذا على ذلك ولا ذاك على هذا ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ على أنفسهم من الشكر، فتغيير الشكر تبديله بالكفر، وقيل: ما بأنفسهم عند أنفسهم من النعمة، وتغييرهم إياها تسبيبهم لزوالها، والتغيير تبديل الكيفية في الحقيقة إلا أنه يستعمل في تبديل الأعيان مجازًا، كما يقال انقلب الترح فرحًا، والبكاء ضحكًا. وإنما كرر التشبيه بدأب آل فرعون الحث على الاعتبار، وإنما عيّن فرعون وأهله بالغرق لأنه أشد استفاضة من أخبار عاد وثمود والذين من قبلهم. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء لتعقيب امتناعهم في الحالة الثانية كفرهم في الحالة الأولى.

стр. 847

﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ نزلت في بني قريظة نقضوا العهد مرة بعد أخرى (١) و (الذين) بدل عن الذين في الآية الأولى وهو إبدال البعض من الكل (٢) (شرد بهم) التشريد التفريق والتنكيل. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ الخوف العلم أو غلبة الظن ﴿خِيَانَةً﴾ مكر المعاهدين ﴿فَانْبِذْ﴾ العهد إليهم جهرًا ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ حال كقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] تقديره كائنًا أو كائنين على سواء في العداوة. ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ للإعجاز معنيان أحدهما أن تفعل فعلًا يعجز عنه غيرك، والثاني أن تفسير إلى حال يعجز غيرك عن الاستيلاء عليك. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ به (٣) ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ عام في كل ما يتقوى به على الأعداء من سلاح وكراع، وعن عقبة بن عامر قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ "الرمي (٤) لهو المؤمن في الخلاء (٥) وقوته عند اللقاء" (٦)، قال: ومات عقبة فأوصى بتسعين قوسًا كل قوس قرنها وسهامها في سبيل الله (٧)، قال: قرنها سيف، فقال: قرن الرجل إذا تقلد سيفه وتنكب قوسه، وعن عقبة قال: إن الله

стр. 848

تعالى ليدخل الجنة بالسهم الواحد ثلاثة: صانعه الذي يحتسب بصنعه الخير، والرامي به والمهدي به، قال: وقال ﵇: "ارموا واركبوا وإن ترموا خيرًا من أن تركبوا وكل شيء يلهُو به الرجل باطلًا إلا رمي الرجل بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق" (١) وعن عروة البارقي قال: قال ﵇: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٢) الأجر والمغنم. والمراد بـ (عدو الله (٣) وعدوهم) قوم واحد وهم الكفار كما في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقيل: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ الكفار، و (عدوّنا) أهل البغي من المؤمنين ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ الجن، عن ابن عباس (٤)، وقيل: سوى بني قريظة (٥) والمعروفين من الأعداء. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ (٦) إلى السلم ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ضمير المسالمة أو الفعلة أو الخصلة، والآية غير منسوخة وقيام الدلالة على امتناع مشركي العرب لا يدل على أن الآية منسوخة في حق غيرهم. ﴿أَيَّدَكَ﴾ قواك ﴿بِنَصْرِهِ﴾ ما قدر الله من التأييد بغير سبب ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ما قدره من التأييد بسببهم.

стр. 849

﴿وَأَلَّفَ﴾ والتأليف الجمع بين شيئين بتوفيق الطبيعة دون القهر، والمراد به ما ألف الله به قلوب أوليائه من معرفته والموالاة في ذاته (١) من غير رحم ولا عصبة ولا جوار ولا صحبة ولا اصطلاح (٢) زمان فهم كنفس واحدة تجسدت من جوهر طيب، ثم نطقت بروح الوحي معصومة من الفتن والبغضاء وأمراض الأهواء، وقيل: أراد التأليف بين الأوس والخزرج من بعد ما كانت بينهم عداوة قديمة (٣). ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل الخفضِ عطفًا على الضمير في ﴿حَسْبُكَ﴾ وقيل: الكاف في ﴿حَسْبُكَ﴾ في محل النصب، وقيل: إنه في محل الرفع عطفًا على اسم الله وتأويله حسبك (٤) تأييد الله بلا سبب وتأييد ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥). ثم تعبّد الله المؤمنين بمصابرة عشرة أمثالهم ووعد لهم النصر عليها، ثم نسخ هذا بالمصابرة بمثليهم (٦)، ولم يبلغنا أنهم عملوا بهذا المنسوخ وغلبُوا على هذه الشريطة قبل نسخ الوجوب، وأما بعد نسخ الوجوب (٧) فقد بلغنا ذلك وأعظم منه.

стр. 850

﴿حَرِّضِ﴾ التحريض: الحث والإغراء، والعِشْر ظما من إظماء الإبل وهو لابتداء الماء تسعة أيام معشرون ظما؛ وإنما لم يقتصر على عدد واحد لئلا يتوهم أن الحكم أو الوعد مختص بالقليل دون الكثير أو الكثير دون القليل وليشترك (١) فيه الحاذق والجاهل. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ إخبار عن ما مضى من شأن الأنبياء نزل على سبيل الإنكار والعتاب، أي ما جاز لنبي قط أن يكون له أسرى يفتدون منه ﴿حَتَّى يُثْخِنَ﴾ إلى أن يثخن القتل في أعدائه، ويحتمل إلى أن يتمكن في الأرض التقتيل، وقد كان النبي (٢) ﵇ (٣) مَنّ على أساريه وأنعم عليهم بقبول الفداء قبل أن يثخن في أعدائه القتل، وكان ذلك بمشاورة بعض الصحابة فعاتبه الله على ذلك وأخبر عن غرض أصحابه في قبول الفداء. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أن لا يعذب أهل بدر، عن مجاهد والحسن وقتادة (٤)، وقيل: أن يرزق الإسلام بعض الأسارى، وقيل: أن لا يؤاخذ الناس بالأوامر الشرعية السماعية قبل السماع، وقيل: أن تكون الغنائم حلالًا لأمة محمَّد ﵇ (٥)، وذلك أن الكتاب السابق ما تقدم على هذه الحادثة من الآيات النازلة من قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٣، ٤]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [لحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦] فالنبي ﵇ غير مخطئ مراد الله وما فيه المصلحة وما سيأذن له فيه ويجعله له (٦)

стр. 851

شريعة، ولكنه عجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه (١) وحيُه وكان أصحابه غير مخطئين في طاعته ولكنهم لم ينتظروا الوحي وعجلوا بالإشارة عليه، ويحتمل أن الكتاب السابق قضاء الله وحكمه أن يغفر لنبيّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر (الغنم): الاستفادة وإصابة الخير، والخير المعلوم: الإيمان، والخير الموعود: الثواب، وهو على سبيل التفضيل على المأخوذ، وقال العباس عمّ النبي ﵇ (٢): أبدلني الله مكان عشرين أوقية من الذهب (٣) عشرين عبدًا كلهم يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها (٤) جميع أموال بكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (٥) هذا الذي أخلفه في نفسه (٦)، وأما الذي أخلف على ولده فلا يحصيه إلا الله (٧). ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ نزلت في الذين عاهدوا النبي ﵇ (٨) أن لا يعودوا حربًا عليه إن أطلقهم وردهم إلى (٩) نياتهم ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (١٠) وسلطك عليهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان ﵇ (٨) آخى بين المهاجرين والأنصار على

стр. 852

أن يرث بعضهم بعضًا، وقطع الموالاة بينهم وبين القاعدين من الهجرة للمقيمين في دار الحرب إلا (١) على سبيل النصرة في الدين على غير المعاهدين بقضيته هذه الآية، وفائدته ترغيبهم في الهجرة وزجرهم (٢) عن الإقامة في دار الحرب ثم نسخت بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣)، ويحتمل أن تكون هذه الآية في الذين ليس لهم ذوو الأرحام من المؤمنين فلا تكون منسوخة. وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية دليل أن الكفر كله واحد ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ يعني النصر الواجب المأمور به وحكم الموالاة وقطعها عليهم الله تعالى حكم المقيمين في دار الحرب بتخصيص المهاجرين وحكم الممتنعين عن النصرة بتخصيص الأنصار ترغيبهم بذلك في الهجرة والنصرة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ ألحق الله (٤) المهاجرين الآخرين بالمهماجرين الأولين من المهاجرين الآخرين العباس وابنا أخيه عقيل بن عبد المطلب ونوفل بن الحرث، وقد روي عنه ﵇ (٥) أنه قال للعباس: "ختم الله بك الهجرة، كما ختم فيَّ النبوة" (٦) فقوله: "لا هجرة بعد الفتح" (٧) على فتح بدر على هذه الرواية، ويحتمل أن هجرة بني هاشم ختمت بفتح بدر وهجرة سائر الناس ختمت بفتح مكة، وكما ألحق المهاجرين الآخرين بالأولين جعل أولي الأرحام بالميراث والموالاة من أصحاب العقود والمؤاخاة بعد ارتفاع الهجرة والمندوب إليها، والله أعلم.

стр. 853

سُوْرَةُ التَّوْبَةِ (١) مدنية كلها (٢)، وعن مجاهد أنها آخر ما نزلت (٣)، وعن عطاء عن ابن عباس: سور (٤) القرآن ماية وثلاثة عشر (٥)، فكأنه عدّ الأنفال [والتوبة سورة واحدة، وقال ابن عباس: قلت لعثمان: مالك م عمدتم إلى الأنفال] (٦)، وهي (٧) من (٨) المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر.

стр. 854

قال: لأن سورة التوبة آخر القرآن نزولًا، وقصتها تشبه بقصة سورة الأنفال، فقبض رسول الله ﵇ (١) ولم يبين لنا حكمها فقرنَّا بينهما، ولم نكتب بسم الله الرحمن الرحيم (٢). وكذلك روى القاضي أبو عاصم عن أبي بن كعب. وهي ماية وثلاثون آية في غير عدد الكوفة (٣). ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّه﴾ إن الله كان قد أنزل على نبيه ﵇ في أول ما أنزل بالمدينة قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فكانت ذمم (٤) النبي ﵇ (٥) منعقدة على هذه الشريطة، فلما فتح الله مكة وانسلخ شهر رمضان ودخل أشهر الحج الأكبر (٦) وكثر من القبائل مكرها وغدرها ونكثها أمر الله تعالى نبيه أن ينبذ إليهم عهودهم ويعلمهم ذلك ليكونوا على سواء، وأمرهم أن يردّوا العهود الزائدة على أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، ويرفع العهود الناقصة إلى أربعة أشهر أوّلها غرّة شوال، وقيل: أولها يوم الحج الأكبر وذلك اليوم العاشر من ذي القعدة كان الموسم انتقل إلى ذلك الوقت بنسيء الكفار، وآخرها انسلاخ الأشهر الأربعة المحرمة بالذمة والعهد، وقيل: انسلاخ الأشهر الحرم انسلاخ رجب، كان قد بقي من مدة بني ضمرة وهم من كنانة تسعة أشهر

стр. 855

أوّلها غرّة ذي القعدة فأمر الله نبيه أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وقيل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] في قوم (١) لم يكن لهم ذمة فأجلهم رسول الله بخمسين يومًا أوّلها يوم الحج الأكبر، وليس هذا بسديد؛ لأن من الحج الأكبر إلى انسلاخ المحرم ثمانين يومًا على التخمين، وكان ﵇ قد بعث أبا بكر إمامًا للناس في الحج فنزل جبريل (٢) ﵇ (٣) وأمر النبي ﵇ (٤) أن يبعث رجلًا من أهل بيته - ثلاث عشرة آية من أول هذه السورة - إلى الموقف والمنحر ليقرأ على الناس فبعث عليًا فقرأها عليهم، قالوا: برئنا منك ومن ابن عمك وبرئتما منا إلا مِنَ الضرب والطعن، ثم ندموا وأقاموا على العهد المذكور إلى أن دخلوا في الإسلام أفواجًا. ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه براءة، قوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ وقيل: براءة مبتدأ، ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ خبره (٥) وكذلك ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ خبره وإنما أسندت المعاهدة إلى المؤمنين؛ لأن أمر رسول الله ﵇ (٤) وأمر المؤمنين واحد. ﴿فَسِيحُوا﴾ تمهيل، والسياحة: هو الضرب في الأرض.

стр. 856

﴿وَأَذَنٌ﴾ إعلام الحج الأكبر من الحجة المعروفة ذات الوقوف، والحجة الصُّغْرَى هي العمرة، وقيل: الأكبر صفة اليوم، وهو يوم عرفة، فإن الوقوف فيه، وقيل: هو يوم النحر لاشتماله على الرمي والنحر والحلق وطواف الزيارة، ثم غلب هذا الحج على حجة أبي بكر سنة تسع، وحجة النبي ﵇، وسميت بحجة الوداع. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ (١) المؤمنين الذين يتمون ويتقون نقضه من غير سبب موجب للنقض. ﴿انْسَلَخَ﴾ انكشف فالأشهر ملابسة إيانا فإذا مضت فكأنها انسلخت عنّا، والمراد بـ (القعود) الاعتراض لقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿مَرْصَدٍ﴾ الطريق الذي لا بدّ منه، ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ يعني لترك الاعتراض، والتخلية أن يجعل الشيء فارغًا خاليًا لما أمر الله برفع ذمم مشركي العرب أن يضع بين المسلمين وبينهم أسباب الرسالة لئلا ينقطع السبيل فيتعذر التبليغ. ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: طلب منك الجوار والإجارة ﴿مَأْمَنَهُ﴾ دار الحرب. ﴿كَيْفَ﴾ للتعجب وأسباب التعجب بعدها، والاستثناء عارض وأسبابه فهؤلاء المستثنون من تقدم ذكرهم، وقيل: قوم من بني بكر من كنانة، وقيل: هم بنو خزيمة، ولما طال العارض بين التعجب وأسبابه أعاد التعجب وقريب منه قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى أن قال: ﴿وَلَمَّا (٢) جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ (٣)﴾ [النساء: ١٥٥] إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا

стр. 857

بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قوله: ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿إلًا﴾ (الإلّ) القرابة قال حسان: لعمرك أن إِلّك من قريش ... كألِّ السَّقب من رألِ النَّعَام (١) الإل العهد والذمة قال: كأنه لم يكن بيني وبينكم ... إلٌّ ولا خُلةٌ تُرعى ولا ذمم (٢) والإلّ: اسم الله وربوبيته، قال أبو بكر الصديق: ويْحكم إن هذا لم يخرج من إل (٣). ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الرياسة والعصبية والخمر والزنا والقمار. ﴿لَا يَرْقُبُونَ﴾ الخبر الأول خبر عن نياتهم معلق بشرط القدرة، وهذا الخبر خبر عما هم يفعلون في الحال، وقيل: الخبران واحد والتكرار للتأكيد. ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل أعانوا حلفاءهم من بني وائل من بكر، على خزاعة حلفاء نبينا ﵇ (٤)، فقدم على رسول الله عمرو بن سالم وبُديل بن ورقاء المدينة مستنجدين، وكان بديل يرتجز (٥) (٦): لاهمَّ إني ناشدٌ محمدا ... حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا

стр. 858

كنت لنا ولدًا وكنت والدا ... ثمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا أبيض مثل البدر يسمو صعدا ... إنَّ قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وقعدوا بكرًا رصدا (١) (٢) فقال رسول الله: "لا نصرني الله إن لم أنصركم" ثم أمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة، وكان أبو سفيان يومئذٍ عند هرقل بالشام فكتبت قريش إليه بالخبر، فلما قرأ الكتاب استأذن هرقل في الرجوع وقال: إن محمدًا كان عاهدنا شيئًا وهو يريد النكث، قال هرقل: ولم ذلك؟ قال: لأنا أعنا حلفاءنا على حلفائه، قال: هو معذور فإنكم إذا قاتلتم حلفاءه فقد قاتلتموه (٣). وانصرف أبو سفيان من الشام يريد الإصلاح حتى دخل المدينة على فاطمة بنت النبي ﵇ وطلب منها الإجارة فلم تفعل، وطلب من الحسن والحسين (٤) فلم يفعلا، ثم خرج إلى أبي بكر فردَّه وإلى عمر فردَّه وقال: والله لنضربن استك أبا سفيان، فقال: ما أسفهك يا ابن الخطاب، ثم خرج إلى علي ﵁ طلب منه الإجارة فقال (٥) علي: يا أبا سفيان، أتظن برسول الله أنه يريد (٦) أمرك، اخرج إلى الناس واضرب إحدى يديك على الأخرى فقل (٧): آجرت بين الناس، فقال (٨) أبو سفيان: أهو كما

стр. 859

يقول؟ قال علي: سترى (١) ما يكون، فخرج أبو سفيان فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: آجرت بين الناس ورجع إلى مكة، وقال: آجرت بين الناس، قالوا: كيف؟ فأخبرهم بالقصة، قالوا: لم تفعل شيئًا، وإنما استهزأ بك علي، ثم سار رسول الله في جيوشه إلى مكة ولم يلق أحدًا مقبلًا ولا مدبرًا إلا حبسه لئلا يخبر أهل مكة بسيره إليهم، فخرج أبو سفيان متجسسًا أخبارهم فلقيه العباس في جوف الليل وأجاره وأردفه خلفه على بغلة رسول الله ﵇ (٢) حتى أدخله عليه ﷺ ، وأحسّ به عمر فسابقه إلى النبي ﵇، فسبقه وحال بينه وبين أبي سفيان ثم ردَّه رسول الله ﷺ إلى مكة. فلما كان ببعض الطريق أمر عباسًا ليتبعه فيحبسه على الطريق ليمر به كتائب العسكر، فلما لحقه العباس خافه أبو سفيان على نفسه وقال: أغدرًا يا بني هاشم؟ قال: كلا ولكن أبصر كتائبنا (٣)، وكان كلما مرّ عليه كتيبة، قال: أفى هؤلاء محمَّد؟ وكان عباس يقول: لا، هؤلاء بنو فلان وهؤلاء بنو فلان حتى مر رسول الله (٤) كالبدر المنير تحت المغفر في ثلاثة آلاف فارس من الأنصار متكفرين بالسلاح. وأسلم أبو سفيان، فقال عباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الصيت فاجعل له شيئًا يفتخر به، قال رسول الله ﵇: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وانصرف أبو سفيان إلى مكة ونادى: من دخل داري فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند وأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا هذا الخبيث، فضربوه ضربًا شديدًا. وكان خالد بن الوليد على الميمنة فاستقبله جمع من المشركين

стр. 860

وعليهم حماس بن قيس ومقيس بن ضبابة وعكرمة بن أبي جهل فقاتلهم خالد حتى هزمهم، وكان رسول الله ﷺ قد نهاه عن ذلك فلمَّا علم بذلك قال: "عسى أن يكون خيرًا". وروى ابن (١) إسحاق أنهم قتلوا من المسلمين كرز بن جابر وحبيش بن خالد (٢) وأصيب من مزينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم أنفروا، وقوله ﵇ (٣): "إني أعوذ من صنيع خالد" لم يكن في هذا اليوم وإنما كان من قبله، في جذيمة يوم بالغميصاء (٤)، وجمع رسول الله ﷺ الأنصار حواليه يوم فتح مكة ثم أمرهم بأن يحضروا أوباش قريش، قال أبو هريرة: وما كنا إلا قادرين على قتل من نشاء أن نقتله، فجاء أبو سفيان، وقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه على نفسه فهو آمن" (٥). واستثنى أربعة من المشركين وأمر بقتلهم (٦). وأجارت أم هانئ رجلين من مخزوم فأراد أخوها علي بن أبي طالب أن يقتلهما فجاءت إلى رسول الله تشكوه والنبي ﵇ (٧) يصلَّي صلاة الضحى وذلك قبل أن يدخل مكة، فقال: "أجرنا من أجرت" (٨).

стр. 861

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار"، فنادى: يا معشر الأنصار، أجيبوا رسول الله (١)، فجاؤوا كأنما كانوا على ميعاد ثم قال: "اسلكوا هذا الطريق ولا يشرفن أحد عليكم إلا آلمتموه"، أي: قتلتموه، وسار رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد. وما قتل ذلك اليوم إلا أربعة، ودخل صناديد قريش الكعبة يظنون أن السيف لا يرفع عنهم فأخذ رسول الله بعضادتي الباب، وقال: "ما تظنون؟ "، فقال: نقول: أخ وابن عم حليم رحيم، فقال رسول الله ﵇ (٢): "إني أقول كما قال يوسف ﵇: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] " الآية فخرجوا من الكعبة كأنما نشروا من القبر ودخلوا في الإسلام (٣). قالت عائشة: ما من بلدة إلا فتحت بالسيف إلا المدينة فإنها فتحت بـ "لا إله إلا الله" (٤). وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: ٢٢] في شأن أسد وغطفان، وقيل: في الحديبية وذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] كان المشركون بعثوا أربعين رجلًا وقتل اثنا عشر لاغتيال أصحاب (٥) رسول الله عام الحديبية فأظهرهم (٦) الله عليهم فأخذوهم وجاؤوا بهم إلى النبي ﵇ (٧) فأطلقهم. قد دلَّ كتاب الله وتواترت الروايات وأجمع أصحاب السير أن مكة فتحت عنوة، ثم منَّ عليهم النبي ﵇ (٧) وأطلقهم ولم يقسم أموالهم فسمُّوا طلقاء، فمن قال: فتحت صلحًا فقد خالف الكتاب والسنة وخرق الإجماع (٨).

стр. 862

﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ الشفاء إزاحة الأذى من مرض أو غضب أو حزن، وكان شفاء المؤمنين حين صعد بلال على سطح الكعبة ورفع صوت الأذان، قال خالد بن أسيد (١): الحمد لله الذي لم يبق أسيد إلى هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: إن كنت لأبغض أن ينهق عليها بلال بن أبي رباح، وقال سهيل بن عمرو: دعوه إن لها ربًا (٢) إن شاء أن ينصرها نصرها، وقالت جويرية بنت أبي جهل حين سمعت اسم رسول الله في الأذان: والله لقد رفع ذكرك، ولما سمعت قوله: قد قامت الصلاة، قالت: أما القيام فسأقوم ولكني لا أحب قاتل أخي أبدًا، والمؤمنون يسمعون منهم أحاديثهم هذه ويضحكون عليهم. ﴿وَلِيجَةً﴾ هو الذي يلج عليك وتلج عليه على كل حال ولا يكتم عنه سره (٣) (٤). ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ نزلت في الرد على المشركين حين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقي الحجيج، وقيل: إنما نزلت هذه السورة في آخر ما نزلت في المدينة في أيام فتح مكة وتوفي [رسول] (٥) الله قبل أن يبين موضعها، فالظاهر أن المفتخرين: أبو سفيان والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل ابن عمرو (٦) وخالد بن أسيد.

стр. 863

﴿مَا كَانَ﴾ أي: لم يكن معتدًا به ولم يصح ولم يقع موقعه فعلهم ذلك، و (العمارة) ضد التخريب، (شهادتهم) على أنفسهم بالكفر: جهرهم به وإن لم يعدوه كفرًا وإنما صحّ العمارة من آمن بالله. ﴿أَجَعَلْتُم﴾ فضيلة سقاية الحاج كفضيلة، ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوها فإن لكم فيها أجرًا" (١) فلولا أن الآيات نزلت في فتح مكة ولكن رسول الله ولى السقاية عمه عباسًا وأولاده بعد الفتح وقال: "انزحوا ولولا أن يزاحمكم الناس لنزحت معكم" (٢)، وأذن في البيتوتة بمكة لأجل السقاية ليالي مني (٣)، فصار عباس جامعًا بين السقاية وبين الهجرة والجهاد، ونال بكلتي الفضيلتين ثم نال فضيلة الاستسقاء على منبر رسول الله في أيام عمر (٤) مع ما خصّه الله تعالى من عمومة نبيه ﵇ وولاية مواليه وذريته وأبوَّة خلفائه من غير منازع ولا مدافع فللَّه الحمد (٥). ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ شرفًا أو ثواب الدنيا ليصح التفضيل على الكفار، وإن حُمل على درجات الآخرة، كان التفضيل على سبيل التوسع (٦) والمجاز. ﴿نَعِيمٌ﴾ رفع لقوله ﴿لَهُمْ﴾ فيحسن الوقف على ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ ويجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ فيوقف على ﴿لَهُمْ﴾ (٧).

стр. 864

﴿اسْتَحَبُّوا﴾ اختاروا وارتضوا. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قرابتكم (١)، ﴿كَسَادَهَا﴾ أراد ضد الرَّواج ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بفتح مكة عن مجاهد (٢)، ويحتمل أنها نزلت بعد فتح مكة، والأمر الموعود فتح تبوك أو تخريب مسجد ضرار أو صدّ المشركين عن المسجد الحرام أو الموت الذي لا بدّ منه. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ لما فرغ رسول الله من فتح مكة وكسر الأصنام ورجع إليه خالد وسائر السرايا قصد إلى حنين، وحنين وادٍ بين مكة والطائف، فقصد إلى حنين يغزو العرب كانوا تجمعوا لقتاله ثلاثين ألفًا من هوازن وثقيف وهلال وجشم يقودهم مالك بن عوف النضري، وكان حمل مع نفسه دريد بن الصمة الجشمي براية، وكان دريد معروفًا بالبأس والنجدة وأصالة الرأي، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وذهب بصره، وحمله مالك مع نفسه، وكلّف الناس على حمل البيوت والأثقال إلى المعركة، فلما نزلوا ببعض المنازل سمع دريد جلبة وأصواتًا مختلفة فسأل مالك عنها، فقال: هذه أصوات الصبيان والنساء يختلف الناس على حمل بيوتهم إلى المعركة ليقاتلوا فيها ويحموها عن النهب والسلب، قال دريد: بئس الرأي ما رأيت يا مالك، فإن هؤلاء يزيدون المقاتلين شغلًا وخوفًا وفشلًا وجبنًا، فلم يلتفت مالك إلى قول دريد، حتى إذا كان يوم اللقاء جاء بأجفان سيوف الناس إلى دريد وهو في الخيمة، وقال دريد: ما هذه؟ قال: هذه أجفان السيوف أخذتها لأكسرها إذا اشتد الأمر، قال دريد: ولماذا تكسرها؟ قال: ليعلموا أنه لا سبيل إلى غمدها وإلى الانهزام، فضحك دريد وقال: يا مالك، إنك راعي الغنم فشأنك به ودع

стр. 865

أمر القتال، أترى هؤلاء القوم لئن انهزموا ليمنعنهم كسر أجفان سيوفهم فيصيرون على القتل لمكانها؟! وإن النبي ﵇ (١) لما خرج من مكة استعار من صفوان بن أمية دروعًا، وكان صفوان مؤجلًا إلى أربعة أشهر ليسلم ولم يسلم بعدُ فخرج مع النبي ﵇ (٢) لمكان دروعه، وكان النبي ﵇ (٢) في عشرة آلاف فارس وأمر أبا سفيان فخرج في ألفي فارس من طلقاء مكة فكانوا اثني عشر ألفًا، فلما اقتربوا إلى العدو وصعد عباس (٣) على بعض التلول واطلع على عسكر المسلمين وأعجبته الكثرة ونادى: يا رسول الله، لن نغلب اليوم عن قلة، فقال رسول الله: "مَهْ يا عم وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"، فلم يمض عليهم ساعة حتى التقت الفئتان وكان رسول الله (٤) يومئذٍ راكبًا بغلته الشهباء. وكان العباس أخذ بلجامها وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بفرزها (٥) وعلي يقاتل بين يدي رسول الله، فأمر مالك بن عوف جموعه أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة، لم يقم أحد من المسلمين وانكشفوا عن رسول الله (٦) وكان كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ إنما ابتلوه (٧) لكلمة عباس وإعجابه بالكثرة وكما قال عباس: أعجب بالكثرة وكان كثير من الناس أعجبوا بها فلم يبق مع رسول الله إلا عباس وعلي والفضل بن عباس وسفيان بن حارث بن

стр. 866

عبد المطلب وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيدة وأسامة بن زيد ورجل آخر، وفي ذلك يقول ابن عباس (١): نصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وقد ذر من قد ذر منهم فاقشعوا وثامننا لاقى الحمام بسيفه ... بما مسه في الله لايتوجع وفرح أبو سفيان بن حرب ومن معه من طلقاء مكة فشمتوا بالمسلمين، وقال أبو سفيان (٢): اليوم بطل السَّحر، فقال له صفوان بن أمية وهو كافر: فضّ الله فاك؛ لأن يربنا رجل من قريش خير من أن يربنا رجل من هوازن (٣)، ثم أمر رسول الله ﷺ عمه عباسًا لينادي بالأنصار وكان جهوري الصوت، فقال: يا أصحاب بيعة العقبة، ويا أصحاب بيعة الشجرة، ويا أصحاب سورة البقرة، فعرفوا صوته، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ (٤)، ونزل رسول الله ﷺ عن بغلته وسلَّ سيفه وباشر الحرب بنفسه وكان يقول (٥): "أنا النبي لاكذب ... أنا ابن عبد المطلب" (٦) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ عليه وعليهم، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهزم الكفار بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة، حتى إن الرجل الواحد من

стр. 867

المسلمين قد تولى قتل ثلاثين وأربعين وخمسين نفسًا من الكفار، والتجأ مالك بن عوف إلى الطائف مذعورًا مدحورًا في نفر يسير من الأشقياء، وغنم المسلمون أموالهم ونساءهم وذراريهم، وبلغ عدد النبي ستة آلاف رأس، وعثر رجل من الأنصار على دريد بن الصمّة يريد قتله، قال دريد: ومن أنت؟ فتعرف له الرجل. قال دريد: أما إني قد أنعمت (١) على أمهاتك وفككت (٢) من الرق ثلاثًا (٣) من جداتك قبل أن خلقت وسماهن له، فضرب الرجل بسيفه ضربة في عنقه فلم يخدشه خدشة فكأنما ضرب على صمدة (٤)، فقال دريد: بئس شيء سلحتك أمك، خذ سيفك من وراء المحمل واضربني به ولا تضرب على العظم ولا على الجلد المنزي ولكن اتبع اللحم، ففعل الرجل كما علمه دريد فاجتز رأسه (٥). وأعطى رسول الله أبا سفيان وأصحابه من الغنيمة هذه (٦) أموالًا كثيرة يؤلف قلوبهم بذكر الله، واستوحش الأنصار بذلك ثم رضوا بحكم الله ورسوله، فقال لهم رسول الله ﷺ :"أما ترضون أن يرجع الناس إلى ديارهم بالأموال وترجعون إلى دياركم بنبي الله؟ " فاستهلوا بالرضا والحمد لله (٧). ﴿مَوَاطِنَ﴾ جمع موطن وهو موضع القرار والسكون والرحب السعة وقوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: ضاقت برحبها ومع رحبها، وذلك من شدة الخوف وانسداد سبيل الهزيمة بالدهش واستقبال العدو من كل وجه.

стр. 868

وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ يحتمل أنها عامة ويحتمل أنها في الذين أتوا رسول الله مستسلمين يفدون الأسارى فمنَّ عليهم رسول الله ﵇ (١). ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الحال تدل على أنهم مشركو العرب لأنهم كانوا يقربون المسجد الحرام ويختلفون إليه بالحج والعمرة دون سائر الناس، وإن (٢) اعتبرنا بالغالب من إطلاق الكتاب والسنة دلَّ ذلك أيضًا وهم عبدة الأوثان دون سائر الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، وقال ﵇: "من أسلم من أهل الكتاب كان أجره مرتين وله ما لنا وعليه ما علينا، ومن أسلم من المشركين كان له ما لنا وعليه ما علينا" (٣)، وإن اعتبرنا الشأن والنزول دل ذلك أيضًا، قال أبو هريرة: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله فنادى بأربع: "أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانًا، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر" (٤) وهكذا روى مقسم عن ابن عباس في حديث طويل، ودلته الدلائل أن عرفة حرمة قربان المشركين كالمسجد الحرام وعرفة ليست من الحرم فهي كسائر مساجد الإسلام، ودلَّ كتاب الله أن المستجير مستثنى من جملة المشركين، ويجوز له أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام حتى يسمع كلام الله ثم يعود إلى مأمنه. أبو الزبير عن جابر في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الجزية (٥)، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: قال المؤمنون: كنا نصيب متاجر

стр. 869

المشركين فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضًا لهم (١)، قال الطحاوي: العوض هي الجزية المذكورة بعد هذه، وقال الفراء: العوض هو خصب تبالة وحرش أسلموا وحملوا طعامهم إلى مكة (٢)، (النجس) شيء مستقذر وإذا قرنت به الرجس كسر النون قيل رجس نجس، ﴿عَيْلَةً﴾ فقرًا، ووجه تعليق الموعود بالمشيئة تصور موت كثير منهم قبل إنجاز الوعد وتصور فقر كثير منهم مع وجود الشرط وهو خوف العيلة بسائر أسباب الفقر وكل ذلك بتقدير الله. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ عامة في قتال أهل الكفر، وتقديرها: والذين لا يحرمون والذين لا يدينون، وقد خرج عن عمومها النساء والذرية والمشايخ غير ذوي الرأي والعميان والزمنى (٣) والأساقفة والرهبان الذين وقع الأمن من جهتهم، قال علي: كان رسول الله (٤) إذا بعث جيشًا من المسلمين قال: "انطلقوا بسم الله في سبيل الله" إلى أن قال: "ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا" (٥). وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اغزوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" (٦)، وكذا أبو بكر الصديق إلى يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين بعثهم إلى الشام (٧)، ويحتمل أن الآية خاصة في المقاتلين دون من وقع الأمن من

стр. 870

جهتهم، وإلى هذا أشار ﵇ حين رأى امرأة مقتولة (١). و ﴿الْجِزْيَةَ﴾ اسم المقضي عن الرقاب والظاهر أن يكف عن قتالهم حتى يعطوا الجزية نقدًا، إلا أن (٢) الدلالة قامت على وجوب الكف بالالتزام على شرط اليسار، ﴿عَن يَدٍ﴾ عن نعمةٍ منكم عليهم وذمة منكم لهم، وقيل: عن قهر. وقيل: عن نقد كقوله في حديث الربا: "يدًا بيد" (٣). ومقدار الجزية ما روي عن عمر أنه بعث حذيفة بن (٤) اليمان وعثمان بن حنيف إلى السواد حتى وضعا عليهم الجزية، فصنفا الناس ثلاثة أصناف ووضعا على الأغنياء ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى الأوساط المحتملين أربعة وعشرين، وعلى الفقراء المكتسبين اثني عشر درهمًا، ولم يوجبا على النساء والصبيان والفقراء الذين لا يقدرون على الكسب شيئًا (٥)، ودلت الآية على سقوط الجزية بالموت والإِسلام لفوات القتال، وفي الآية جواز أخذ الجزية عن أهل الكتاب وليس فيها نفي جوازه عن غيرهم. وقد صح عنه ﵇ (٦) جواز أخذها عن عبدة (٧) الأوثان من العجم (٨) وعن مجوس هجَر وهم عبدة النيران (٩).

стр. 871

﴿عُزَيْرٌ﴾ بن سُوْيا (١) من أولاد فنحس بن عازور بن هارون بن عمران، وكان عزير يوم سبى بخت نصر بني إسرائيل ابن ست سنين معه أمه، ثم ماتت أمه وكفله دانيال ﵇، وعلمه الكتابة قصدًا من التوراة، وهما دعوا كيرش الملك ملك فارس إلى توحيد الله ودينه وعمارة بيت المقدس وردّ خزائنه وأهله إليه، ثم توفي دانيال وهو ابن مائة وثلاثين سنة فخلفه عُزير وهو ابن ثلاث وتسعين سنة فصار قاضي القضاة وحكم الحكماء، وقد ذهب أكثر التوراة عن اليهود ولم يبق منها نسخة إلا نسخة الصابئين باليمن ونسخة مدفونة ببيت المقدس بحث عنها المسيح ﵇ فكتبها لهم عزير بإذن الله تعالى وإلهامه بخمسة أقلام، وكان يستمد بقلم من تلك الأقلام فيكتب به ما شاء الله فإذا انقطع المداد كسر القلم ورمى به وأخذ قلمًا آخر، فانتهت التوراة بانتهاء هذه الأقلام الخمسة، وكان ذلك آية من آيات الله تعالى معجزة لعزير ﵇، فلما فرغ من الكتابة مرض من يومه فختم على التوراة وسلمها إلى رجل صالح يسمى زكريا وأوصى إليه إملاء التوراة إلى بني إسرائيل، وتوفي عزير وتوفي بعده بيومين هذا الرجل الصالح وصارت التوراة عند ينجايل بن نبيا وكان رجلًا خمِّيرًا شرّيبًا، فرفع الختم وحرف الكلم عن مواضعه ثم ردّ الختم كما كان حتى رفع الختم ثانيًا بمشهد من بني إسرائيل وأملاها عليهم بالتبديل والتحريف ولبسَ الأمر عليهم. قال ابن عباس: كان عزير يصلي، فبينا هو كذلك إذ نزل نور ودخل جوفه وعاد إليه ما ذهب من التوراة، فأذن في قومه: قد ردّ الله علي التوراة، فجعل يعلمهم فقابلوا ما أخذوا عنه بما وجدوه في التابوت فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذه إلا أنه ابن الله (٢)، وعن الكلبي: أنه مات مائة سنة ثم أحياه الله تعالى فجاء إلى بني إسرائيل بالتوراة فلم يصدقوه حتى أخبرهم عن أبيه عن جده أن نسخة من التوراة مدفونة في

стр. 872

موضع كذا وكذا، فانطلقوا إليه وبحثوا عنها فلم يجدوه غادر منها حرفًا، فعند ذلك وقعت لهم الشبهة وقالوا: إنه ابن الله (١)، وإنما أسند هذه المقالة إلى جماعة من اليهود على طريق المجاز (٢) كما تقول الروافض علي إله، وقالت الخوارج: تعذب الأطفال، وإنما قالت الإسماعيلية (٣) من الروافض والأزارقة من الخوارج فقط. ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يشابهون ويماثلون الذين كفروا من قبل، هم الذين ادعوا حلول الباري سبحانه في أجسام ترابية منهم جمّ الملك والذين عبدوه، ونمرود وفرعون والهنود وبنو المليح (٤) الذين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ وهو تركهم كتاب الله بتاويلاتهم وإعراضهم عن القرآن وسائر الآيات المعجزة الإلهية إلى اعتقادهم الباطل في المسيح ﵇ (٥). (إطفاء نور الله) بمسهم إبطال القرآن والإيمان بتأويلاتهم وأكاذيبهم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي: ولا يريد الله لنوره إلا إتمامه وإن كره الكافرون ذلك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 873

﴿بِالْهُدَى﴾ الأصل وبـ (دين الحق) الفرع إن شاء الله، ويحتمل بـ (الهدى) الفرقان وبـ (دين الحق) الإسلام، وقيل: هما واحد، واختلاف اللفظين، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ لينصر (١) أهله على أهل الأديان كلها وليجعله أبين وأوضح من سائر الأديان، وقد كان بحمد الله. وإنما أخبر عن حال الأحبار والرهبان ليبين أنهم ليسوا معصومين كالأنبياء، ويجوز تصديقهم وتقليدهم (٢) من غير مطالبة بالدليل والأكل والأخذ والإمساك ولذلك ابتدأ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وهم المرادون بهذه الصفة المشروطة، و (الكنز) (٣) كل مال مدّخر لا ينفق، والاكتناز الاجتماع، والهاء في ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾ عائدة إلى الأموال والكنوز، وقيل: إلى الذهب، وقيل: إلى الفضة وحدها (٤) على ما قدمنا، وجواب الشرط ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾. ﴿يَومَ﴾ نصب على الظرف والعامل العذاب لا البشارة، ﴿يُحْمَى﴾ يولد الحرارة، ويحتمل أن يحيى الذهب على الفضة في نار جهنم، ويحتمل يحيى شيء من الحطب والفحم على كنوزهم في نار جهنم حتى يصير نارًا، و (الكي) إمساس البشرة شيئًا حاميًا لينًا وثوبه يحترق، و (الجبهة) ما فوق الأنف، وكيها أقبح وأبلغ في العلامة، وكي الجنوب

стр. 874

والظهور يمنع راحة الاضطجاع. ﴿هَذَا﴾ أي: يقال لهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ (١). ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث الإنكار على الأحبار (٢) والرهبان وذكر صدهم عن سبيل الله، فمن جملة صدهم عن سبيل الله (٣)، أنهم وجدوا الزمان المشتمل على المشهور الاثني عشر قاصرًا عن الاشتمال على الفصول الأربعة، نقلوا عن مواضعها بعد ما كانت معلقة بالقمر، أما اليهود فجعلوا السنة المجبورة ثلاثة عشر شهرًا وكرروا السنة التاسعة عشر جامعة لكسوره (٤) المجتمعة من الشرعيات، وسمّوا الشهر الزائد آذار فكان لهم في السنة المجبورة آذاران (٥) (٦)، أما السريانيون فجعلوها تشرين الأول زائدًا بيوم والكانون الأول زائدًا والكانون الآخر زائدًا وجعلوا شباط ثمانية وعشرين في ثلاث سنين وتسعًا وعشرين يومًا في السنة الرابعة (٧)، فاستدركوا بهذا الحساب أوقات زرعهم وتجارتهم وضربهم في الأرض، وأبطلوا مناسكهم وأعيادهم ومواسم دينهم فضلُّوا وأضلُّوا بتركهم مصالح معاشهم فأنكر الله ذلك عليهم وأخبر أن الشهور في كتاب الله ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ودور الأفلاك وسير الشمس والقمر والنجوم في بروجها، فتبين أنّ الشهور معلقة بالقمر لا محالة، وإلى هذا ذهبت العانانية (٨) من اليهود فاتخذوا رؤوس شهورهم

стр. 875

بالأَهلَّة وعدّوا ثلاثين إذا لم يروا الهلال واتخذوا المغاربة من اليهود رؤوس شهورهم من ليلة القدر. ﴿مِنْهَا﴾ من جملة المشهور الاثني عشر، ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ محرمة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد، وتحريمها تحريم القتال فيها على وجه الابتداء، وكان هذا الحكم فيها بين العرب وفي ابتداء الإسلام وهو اليوم منسوخ، ولا يعرف له ناسخ (١)، وقيل: تحريمها تشريفها وتعظيمها ليكون الثواب فيهنّ أعظم وكذلك العقاب، ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ في هذه الأشهر الأربعة، ويجوز تخصيص النهي مع كونه عامًا كقوله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الآية. وفائدة تعظيم الذنب في الزمان والمكان كفائدة تفضيل (٢) العمل فيهما، كما أنه يجوز أن يكون حالًا للمأمورين ثم يسقط الفرض عن القاعدين بكفاية المجاهدين، ويجوز أن يكون حالًا للمشركين ثم تخصيص هذا العموم في آية الجزية. ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ ليوافقوا ويماثلوا، وأصله أن تطأ سيرة غيرك، والهمز وترك الهمز لغتان. محمَّد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان الناسىء رجلًا من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة بن عوف (٣)، وكان يكون على الناس بالموسم (٤) فإذا همَّ الناس بالصدور وفرغوا عن حجهم قام فخطب الناس، وقال: يا أيها الناس، أنا الذي

стр. 876

لا أعاب ولا أجاب ولا مَردّ لما قضيت، فيقول (١) المشركون: لبيك (٢) ربنا، ثم يسألونه أن ينسيهم شهرًا يغيرون فيه، فإن قال: إن صفر العام حرام حلّوا الأوتار ونزحوا الأزجة (٣) والقطب وإن قال: حلال، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة والقطب، وخرجوا فأغاروا على الناس، قال محمَّد: فقلت للكلبي: إذا كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا (٤) فكيف كان الناس لا يأخذون حذرهم في نوبة الحلال، قال: إنما يفعلون ذلك في السنين وهم أغرّ ما كانوا، فكان التحريم والتحليل في هذين الشهرين المحرم وصفر، وإنما فعل ذلك بهم لأنهم كانوا يصيبون على ظهور الدواب من الغارة، وكانت معيشتهم منها فشق عليهم توالي الأشهر الحرم. محمَّد بن إسحاق عن الكلبي قال: أول من أنسأ الشهر من مصر مالك بن كنانة، وذلك أنه نكح إلى معاوية بن ثور الكندي وكانت النساة (٥) في كندة وهم ملوك ربيعة ومُضَر فورثها مالك بن كنانة منهم، ثم نسأ ثعلبة بن مالك بن الحرث، ثم نسأ بعده سدير بن القَلَمَّس، ثم كانت النسأة في بني فُقَيْم من بني ثعلبة، وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد ابن فُقَيم (٦) قال: وكانوا يسمون المحرم صفر الأول فيقول (٧) صفران وشهرا ربيع وجماديان ورجب

стр. 877

وشعبان وشهر رمضان وذو القعدة وذو الحجة فكان الناسىء ينسىء سنة ويترك سنة، وليحلوا (١) الحرام ويحرموا الحلال فإذا قال: نسأت من هذه السنة صفرًا طرحوه ولم يعتدوا به وقالوا: الصفر وشهر ربيع الأول صفران ولشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى شهرا ربيع ولجمادى الآخر (٢) ورجب جماديان على هذا الترتيب، ثم يمسك عن الإنساء في السنة الثانية ويقول: يا أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم وقد أحللت دماء المحلين طي وخثعم في الأشهر الحرم وإنما يحل دماء هاتين القبيلتين لاستحلالهما الأشهر الحرم ومخالفتهما سائر العرب في اعتقاد تحريم هذه الأشهر، ثم ينسأ في السنة الثانية صفر الأول عنده وهو الصفر الثاني في الحساب المستقيم فيقول لشهري ربيع صفران ولجمادين شهرا ربيع ولرجب وشعبان جماديان على هذا الترتيب حتى يستدير الحج في كل أربع (٣) وعشرين سنة إلى الشهر الذي ابتدأ منه، وكان الحج سنة الفتح وهي سنة ثمان قد انتهى إلى ذي القعدة فلم يأمر رسول الله (٤) عتاب بن أسيد، وحج أبو بكر سنة تسع وحج رسول الله سنة عشر فوقف بعرفة، وقال: "يا أيها الناس إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض (٥) فلا شهر ينسى ولا عدة تحظى صوان الحج في ذي الحجة". وعن مجاهد (٦) وغيره قال: كانوا يحجون في كل شهر عامين فإذا مضت

стр. 878

الثلاث عشرة سنة استقبلوا العدة وكانت حجة (١) أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة وكذلك كانوا حجوا في ثمان ثم استقبل النبي ﵇ (٢) ذي الحجة فذلك قوله: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ نزلت في شأن غزوة تبوك (٣) استنفرهم رسول الله حالة العسرة والجدب والزمان زمان قيظ والشدة بعيدة والعدو الروم، فتثاقل المؤمنون وتكاسل المنافقون وتخوفوا مثل يوم مؤتة الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ في خلاصة المؤمنين واثقًا بالله متوكلًا عليه حتى انتهى إلى تبوك فلم يجد من يقابله، وخرج إليه رئيس البلدة مستسلمًا والتزم الجزية، وكذلك التزم الجزية أهل خربا وأدرح، وأرسل رسول الله (٤) خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فصادف صاحبها متصيدًا مع نفر يسير وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي من أبناء الملوك، فأخذه وجاء به إلى رسول الله (٤) فمنَّ عليه وأطلقه بعد أن التزم الجزية، ثم رجع (٥) رسول الله على رغم المنافقين إلى المدينة سالمًا غانمًا مظفرًا بفضل الله ورحمته ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدلًا منها وعوضًا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة ومقابلتها، وكان ﵇ (٦) قد استخلف على المدينة في هذه الغزوة علي بن أبي طالب. عن مصعب بن سعد عن أبيه أن النبي ﵇ (٦) قد خلف عليًا في غزوة تبوك وقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟! فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ﵇ غير أنه لا نبي بعدي" أخرجه مسلم والبخاري وأبو عيسى (٧).

стр. 879

﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ (١)﴾ قال ابن عباس: نزلت في حي من أحياء العرب قعدوا عن الخروج مع رسول الله فأمسك الله عنهم المطر وابتلاهم بالجدب فذلك العذاب الأليم (٢)، والمراد بالأبدال: اليمن، وقيل: أبناء فارس وسائر الغزاة إلى اليوم، روي أن عليًا خطب يومًا فأتاه الأشعث وهو يخطب على المنبر فقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء، يعني: الموالي، فقال علي: من يعذرني من هذه الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه، إن طردتهم إني إذًا لمن الظالمين، والله لقد سمعت رسول الله ﵇ (٣) يقول: "لينصرنكم على الدين كما ضربتموهم عليه بدًا" (٤). عن ابن شهاب قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، قال: من أين قدمت يا زهري، قلت: مكة، قال: من خلفت يسود أهلها، قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية؛ قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بما ساد عطاء، قال: إنه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ومن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: عبد نوبيٌّ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن أهل الجزيرة، قلت: ابن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك من يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي،

стр. 880

قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري فرَّجت علي، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال الزهري: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط (١). ﴿إِلَّا ننَصُرُوُه﴾ نزلت في تذكرهم نصرة الله نبيه ﵇ وصاحبه أبا بكر الصديق حين خرجا من مكة و ﴿الْغَار﴾ الشق الكبير في الجبل، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ في الموالاة والحفظ، ﴿سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يحتمل في النبي ﵇ (٢) ويحتمل في أبي بكر ويحتمل فيهما، لكن كنى عن أحدهما على سبيل الاقتصار كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وتأييده بالجنود يومئذ بإنزال الملائكة ليصرف عنهما، وقيل: أراد تأييده يوم بدر ويوم حنين، وأراد بالكلمة الدين والدعوة. فخرج إلى طلبها سراقة بن مالك بن جعشم القصة، وقصة (٣) مرض النبي ﵇ وقال: "مروا أبا بكر ليصلي بالناس" إلى أن بايعوا أبا بكر. عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله ثم (٤) قال: لما كان اليوم (٥) الذي قبض فيه أبو بكر الصديق فسجوه بثوب ارتجت المدينة بالبكاء وأبلس الناس كيوم قبض فيه النبي ﵇ وجاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مسرعًا مسترجعًا باكيًا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة من أمة محمَّد ﵇ حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁ مسجّى فقال: رحمك الله أبا بكر (٦) كنت إلف رسول الله (٧) وأنسه ومستراحه وثقته
следующие страницы →