← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

لا أعاب ولا أجاب ولا مَردّ لما قضيت، فيقول (١) المشركون: لبيك (٢) ربنا، ثم يسألونه أن ينسيهم شهرًا يغيرون فيه، فإن قال: إن صفر العام حرام حلّوا الأوتار ونزحوا الأزجة (٣) والقطب وإن قال: حلال، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة والقطب، وخرجوا فأغاروا على الناس، قال محمَّد: فقلت للكلبي: إذا كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا (٤) فكيف كان الناس لا يأخذون حذرهم في نوبة الحلال، قال: إنما يفعلون ذلك في السنين وهم أغرّ ما كانوا، فكان التحريم والتحليل في هذين الشهرين المحرم وصفر، وإنما فعل ذلك بهم لأنهم كانوا يصيبون على ظهور الدواب من الغارة، وكانت معيشتهم منها فشق عليهم توالي الأشهر الحرم. محمَّد بن إسحاق عن الكلبي قال: أول من أنسأ الشهر من مصر مالك بن كنانة، وذلك أنه نكح إلى معاوية بن ثور الكندي وكانت النساة (٥) في كندة وهم ملوك ربيعة ومُضَر فورثها مالك بن كنانة منهم، ثم نسأ ثعلبة بن مالك بن الحرث، ثم نسأ بعده سدير بن القَلَمَّس، ثم كانت النسأة في بني فُقَيْم من بني ثعلبة، وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد ابن فُقَيم (٦) قال: وكانوا يسمون المحرم صفر الأول فيقول (٧) صفران وشهرا ربيع وجماديان ورجب

стр. 877

وشعبان وشهر رمضان وذو القعدة وذو الحجة فكان الناسىء ينسىء سنة ويترك سنة، وليحلوا (١) الحرام ويحرموا الحلال فإذا قال: نسأت من هذه السنة صفرًا طرحوه ولم يعتدوا به وقالوا: الصفر وشهر ربيع الأول صفران ولشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى شهرا ربيع ولجمادى الآخر (٢) ورجب جماديان على هذا الترتيب، ثم يمسك عن الإنساء في السنة الثانية ويقول: يا أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم وقد أحللت دماء المحلين طي وخثعم في الأشهر الحرم وإنما يحل دماء هاتين القبيلتين لاستحلالهما الأشهر الحرم ومخالفتهما سائر العرب في اعتقاد تحريم هذه الأشهر، ثم ينسأ في السنة الثانية صفر الأول عنده وهو الصفر الثاني في الحساب المستقيم فيقول لشهري ربيع صفران ولجمادين شهرا ربيع ولرجب وشعبان جماديان على هذا الترتيب حتى يستدير الحج في كل أربع (٣) وعشرين سنة إلى الشهر الذي ابتدأ منه، وكان الحج سنة الفتح وهي سنة ثمان قد انتهى إلى ذي القعدة فلم يأمر رسول الله (٤) عتاب بن أسيد، وحج أبو بكر سنة تسع وحج رسول الله سنة عشر فوقف بعرفة، وقال: "يا أيها الناس إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض (٥) فلا شهر ينسى ولا عدة تحظى صوان الحج في ذي الحجة". وعن مجاهد (٦) وغيره قال: كانوا يحجون في كل شهر عامين فإذا مضت

стр. 878

الثلاث عشرة سنة استقبلوا العدة وكانت حجة (١) أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة وكذلك كانوا حجوا في ثمان ثم استقبل النبي ﵇ (٢) ذي الحجة فذلك قوله: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ نزلت في شأن غزوة تبوك (٣) استنفرهم رسول الله حالة العسرة والجدب والزمان زمان قيظ والشدة بعيدة والعدو الروم، فتثاقل المؤمنون وتكاسل المنافقون وتخوفوا مثل يوم مؤتة الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ في خلاصة المؤمنين واثقًا بالله متوكلًا عليه حتى انتهى إلى تبوك فلم يجد من يقابله، وخرج إليه رئيس البلدة مستسلمًا والتزم الجزية، وكذلك التزم الجزية أهل خربا وأدرح، وأرسل رسول الله (٤) خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فصادف صاحبها متصيدًا مع نفر يسير وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي من أبناء الملوك، فأخذه وجاء به إلى رسول الله (٤) فمنَّ عليه وأطلقه بعد أن التزم الجزية، ثم رجع (٥) رسول الله على رغم المنافقين إلى المدينة سالمًا غانمًا مظفرًا بفضل الله ورحمته ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدلًا منها وعوضًا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة ومقابلتها، وكان ﵇ (٦) قد استخلف على المدينة في هذه الغزوة علي بن أبي طالب. عن مصعب بن سعد عن أبيه أن النبي ﵇ (٦) قد خلف عليًا في غزوة تبوك وقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟! فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ﵇ غير أنه لا نبي بعدي" أخرجه مسلم والبخاري وأبو عيسى (٧).

стр. 879

﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ (١)﴾ قال ابن عباس: نزلت في حي من أحياء العرب قعدوا عن الخروج مع رسول الله فأمسك الله عنهم المطر وابتلاهم بالجدب فذلك العذاب الأليم (٢)، والمراد بالأبدال: اليمن، وقيل: أبناء فارس وسائر الغزاة إلى اليوم، روي أن عليًا خطب يومًا فأتاه الأشعث وهو يخطب على المنبر فقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء، يعني: الموالي، فقال علي: من يعذرني من هذه الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه، إن طردتهم إني إذًا لمن الظالمين، والله لقد سمعت رسول الله ﵇ (٣) يقول: "لينصرنكم على الدين كما ضربتموهم عليه بدًا" (٤). عن ابن شهاب قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، قال: من أين قدمت يا زهري، قلت: مكة، قال: من خلفت يسود أهلها، قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية؛ قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بما ساد عطاء، قال: إنه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ومن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: عبد نوبيٌّ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن أهل الجزيرة، قلت: ابن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك من يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي،

стр. 880

قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري فرَّجت علي، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال الزهري: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط (١). ﴿إِلَّا ننَصُرُوُه﴾ نزلت في تذكرهم نصرة الله نبيه ﵇ وصاحبه أبا بكر الصديق حين خرجا من مكة و ﴿الْغَار﴾ الشق الكبير في الجبل، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ في الموالاة والحفظ، ﴿سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يحتمل في النبي ﵇ (٢) ويحتمل في أبي بكر ويحتمل فيهما، لكن كنى عن أحدهما على سبيل الاقتصار كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وتأييده بالجنود يومئذ بإنزال الملائكة ليصرف عنهما، وقيل: أراد تأييده يوم بدر ويوم حنين، وأراد بالكلمة الدين والدعوة. فخرج إلى طلبها سراقة بن مالك بن جعشم القصة، وقصة (٣) مرض النبي ﵇ وقال: "مروا أبا بكر ليصلي بالناس" إلى أن بايعوا أبا بكر. عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله ثم (٤) قال: لما كان اليوم (٥) الذي قبض فيه أبو بكر الصديق فسجوه بثوب ارتجت المدينة بالبكاء وأبلس الناس كيوم قبض فيه النبي ﵇ وجاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مسرعًا مسترجعًا باكيًا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة من أمة محمَّد ﵇ حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁ مسجّى فقال: رحمك الله أبا بكر (٦) كنت إلف رسول الله (٧) وأنسه ومستراحه وثقته

стр. 881

وموضع سرّه، كنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم إيمانًا وأشدهم يقينًا وأخوفهم قلبًا وأعظمهم غناءً في دين الله وأحوطهم على رسول الله (١)، وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهمٍ سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة من رسول الله، وأشبههم به هديًا وخلقًا وسمتًا ورحمةً وفضلًا وأشرفهم منزلةً وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرًا، صدقت رسوله (٢) حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقًا فقال : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] جاء بالصدق: بمحمد، وصدّق به (٣): أبو بكر، واسيته حين بخلوا وكنت معه (٤) عند المكاره حين عنه (٥) قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وصاحبه في الغار، والمُنَزَّل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله وأمته، فأحسنت الخلافة حين ارتدَّ الناس فقمت في دين الله قيامًا ما لم يقم به خليفة نبي قط، فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله (٦) إذ هموا (٧). كنت خليفته حقًا لم تنازع ولم تصدع بزعم المنافقين وكذب الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين، فقصت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تتعتعوا ومضيت بنور الله إذ وقفوا واتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتًا وأعلاهم قوتًا وأقلهم كلامًا وأصوبهم منطقًا وأطولهم صمتًا وأبلغهم قولًا وأكبرهم رأيًا وأشجعهم قلبًا وأشدهم يقينًا وأحسنهم عملًا

стр. 882

وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين (نصيرًا) (١) أولًا حين تفرق عنه الناس وآخرًا حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا حين صاروا عليك عيالًا فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وأدركت بعلمك ماجهلوا، تشمرت (٢) إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابًا صبًا وللمؤمنين رحمة وأنسًا وللمؤمنين غيثًا وخصبًا، فطرت والله بغنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها، لم تفلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم يزغ قلبك ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزلزله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﵇: "ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر الله، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله، جليلًا في الأرض كبيرًا عند المومنين"، لم يكن لأحد فيك ولا لقائل فيك مغمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل (٣) عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقت نهج السبيل وسهل العسير وأطفيت النيران واعتدل الدين فقوي الإيمان وظهر (٤) أمر الله ولو كره الكافرون فخليت عنهم فأبصروا، فسبقت والله سبقًا بعيدًا وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا وفزت بالخير فوزًا مبينًا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدّت مصيبتك في الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه وأسلمنا لأمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وصونًا وكهفًا وحرزًا وللمؤمنين فئة وحصنًا وغيثًا وأنسًا وعلى المنافقين

стр. 883

غلظة وكظمًا وغيظًا فألحقك الله نبينا ونبيك ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال: وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكى وبكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله (١). ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ خفافًا (٢): أهل يسار، و (ثقالًا): المعسرين، عن ابن عباس (٣)، وقال مقاتل وطاووس عن ابن عباس: نشاطًا وغير نشاط (٤)، وقال ابن زيد: الثقال: أصحاب (٥) الضيعة، والخفاف (٦): غيرهم، وقيل: العُزاب والمتأهلون (٧)، وعن عطية العوفي (٨): الركبان والمشاة (٩)، وعن مرة الهمداني: الأصحاء (١٠) والمرضى (١١)، وعن الحسن البصري: الشبان والشيوخ (١٢)، وعن الحسن أيضًا: المتفرغون والمشاغيل (١٣).

стр. 884

وعن الزهري أن سعيد بن المسيب خرج إلى العدو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل: ليس عليك حرج فإن عليك صاحب ضرر فقال: استنفر الخفيف والثقيل هان لم يمكني الحرب فكثرت السّواد وحفظت المتاع، وهذه الآية منسوخة بقوله (١): ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] عند بعض الناس وغير منسوخة عند الأكثرين. ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما تدعوهم، ﴿عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ مقتصدًا دون البعيد فوق القريب، ﴿الشُّقَّةُ﴾ الناحية، عن ابن عرفة جمعه شقق (٢)، قال الفراء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ يعلمهم كاذبين، العلم واقع على ذواتهم وأخبارهم جملة يدل عليه كسرة الهمزة من قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ودخول اللام في الخبر، ولو كان العلم واقعًا على مجرد فعلهم لكانت مفتوحة ولما دخلت اللام في الخبر، روي أن الحجاج بنيوسف أخطأ في "العاديات" فقرأ: أنَّ ربَّهم بفتح الهمزة، فلما علم أنه أخطأ استدرك بإسقاط اللام فقال: (يومئذ خبير). ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وإنما قدّم العفو لتلطيف العتاب كقولك: رحمك الله لم فعلت، وعافاك الله لم فعلت. كان النبي ﵇ (٣) أذن في التخلف للمعتذرين إليه على الفور من غير تثبت وتمييز بين الصادقين والكاذبين معتبرًا بالظاهر من أحوالهم وكان ذلك له جائزًا لقوله: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] إلا أنه سلك سبيل الرخصة وترك الاحتياط فأنكر الله ذلك عليه وبين له أنه لو فعل غير ذلك لكان أحسن وأحوط. الاستئذان المنفي عن المؤمنين استئذانهم لئلا يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا، والاستئذان المختص بالمؤمنين في سورة "النور" توقفهم للإذن وتركهم الانسلال والانتشار للحوائج من غير إذن الرسول ﵇.

стр. 885

وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ دليل على أن الإيمان لا يصح من غير معرفة الله سبحانه لأن للريب مدخلًا وللشبهة موضعًا في الإيمان ما لم يتصل (١) بمعرفة الله تعالى، وإنما كره انبعاثهم لأن انبعاثهم لو وجد لكان معصية ولم يكن طاعة لقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فهذه الكراهة ككراهة الصلاة بغير طهارة، كره فعلها من غير (٢) وجه وتركها من وجه. (التثبط) التعويق، وقيل: التثقيل، وفلان ثبط أي: ثقل، والقول لهم: ﴿اقْعُدُوا﴾ هو إذن النبي ﵇ (٣) ويحتمل قول بعضهم لبعض، ويحتمل أنه أمر تكوين وتقدير من الله تعالى للقاعدين النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، (إيضاع الإبل) حملها على الإسراع في السير، والمراد به إسراع المنافقين في المشي بالنميمة من المؤمنين وبالأراجيف المكروهة، وفي قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ دليل أن بعض المنافقين أو بعض من كان يخالطهم ويعاشرهم كان قد خرج للنبي ﵇ (٣) (ابتغاؤهم الفتنة) من قبل رجوع ابن أُبي بن سلول يوم أُحُد بثلث الناس وإرجافهم في المدينة بالأراجيف المكروهة وإغراؤهم بين المؤمنين. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نزلت في جد بن قيس قال له النبي ﵇ (٣): "هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ "، فقال: ائذن لي يا رسول الله ولا تفتني؛ أي: لا تؤثمني فإني رجل كلف بالنساء مستهتر بهن، فإذا رأيت بنات الأصفر لم أصبر عنهن (٤)، وبنو الأصفر هم الروم ينسبون إلى حبشي ملكهم واستولد نساءهم. ﴿أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ شأننا من الحزم والاحتياط.

стр. 886

﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ هو أن يرزقهم إحدى الحسنيين إما بالنصرة والغنيمة وإما التمحيص والشهادة في كل جهاد لا محالة (١). ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ من عند الله ما يرسل عليهم في الدنيا من الشدائد ليجعلهم نكالًا ثم يسوقهم إلى عذاب النار وإما يصيبهم الله بأيدينا) الحدُّ والتعزير في الجنايات والحبس في التهم والقتل على ظهور الكفر منهم (٢)، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ ابن عباس: نزلت في جدّ بن قيس حيث قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] هذا مالي خذ منه ما شئت فإني أعينك به (٣)، وقوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ في معنى الشرط (٤) كقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقال أبو الدرداء وجدت (أخبرُ تَقْلِه) (٥)، وفي المثل: (عش رجبًا (٦) تر عجبًا) (٧). ويجوز أنه إنما لا تقبل نفقاتهم، ﴿طَوْعًا﴾ لأن النفقة لا تكون قربة

стр. 887

إلا مع بقاء التكليف وقد زال عنهم تكليف الإنفاق في الغزو مع رسول الله ﵇ (١)، ويحتمل أنهم لو كانوا ينفقون لكانوا يريدون بذلك غير وجه الله (٢). ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ﴾ يجوز أن يكون المنع فعل الله والمستثنى في محل الخفض بإضمار حرف التعليل (٣) أي: وما منعهم (٤) الله عن مساواة غيرهم في قبول الصدقات، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون المنع فعل شيء مجهول والمستثنى في محل الرفع، أي: ما منعهم شيء عن مساواة غيرهم في قبول الصدقات إلا كفرهم (٥)، ﴿وَلَا يَأْتُونَ﴾، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ يحتمل بمعنى الماضي ويحتمل على ظاهره. تعذيبهم بأموالهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تشديد خوفهم على فوتها وتعظيم فوتها على قلوبهم فيمسكونها ويكتمونها ويتباغون عليها ويتحاسدون فيها ولا يزالون في اهتمام وعناء، وإنما يجمعون لوارث يبغضهم ويبغضونه، و (تعذيبهم بأولادهم) ما يصابون فيهم ويرون منهم من المكروه ما لا يرون من الأعداء.

стр. 888

وقال ابن عباس: في الآية تقديم وتأخير، فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة (١) الدنيا (٢)، ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تتلاشى وتبطل. ﴿يَفْرَقُونَ﴾ الفرق: الخوف والخشية وفيه دليل أن من تحقق خوفه من غير الله لم يكن مؤمنًا، وفي الحديث: "لا يجتمع البخل والجبن في قلب مؤمن ولا يجتمع الشجاعة والسخاوة في قلب منافق" (٣). ﴿مَلْجَأً﴾ مفرًا وملاذًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ كل ما يغور الإنسان فيه وهو أن يستتر، يقال: غارت الشمس، أي: غابت، ومنه الغور (٤) والغار (٥)، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ أصله مدْتخلًا على وزن مفتعل (٦)، وفي قراءة ابن مسعود

стр. 889

﴿متدخلًا﴾، ﴿يحمَحُونَ﴾ يميلون؛ عن ابن عرفة، ويسرعون؛ عن الأزهري (١). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ كان المنافقون ينسبون (٢) رسول الله (٣) في قسم الصدقات إلى الميل والعناية ووضعها في غير موضعها فإن أعطاهم أمسكوا عن العيب وإن لم يعطهم سخطوا فأنزل الله الآية (٤)، و (اللمز): العيب. وجواب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ مضمر وتقديره: لكان خيرًا لهم (٥)، وفضل الله الغنائم والصدقات وسائر أبواب الرزق، ندب إلى مثله قول علي ﵁ (٦): رضيت بما قسم الله لي ... وفوضت أمري إلى خالقي لقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي

стр. 890

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الصدقات فبين الله أنّ أهل الصدقات هؤلاء دون المنافقين الذين يلمزون رسول الله في الصدقات، وفيه دلالة أن حق الأخذ إلى الإمام بدليل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ويجوز أن يكون مستحق الأخذ غير مستحق العين كما في الجزية وأموال اليتيم الفقراء المحتاجين، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ أهل الترحم والرأفة وهم أسوأ حالًا من الفقراء عندنا، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الذين يلون جمع الصدقات وأخذها بإذن الإمام لهم عمالة في الصدقات وهي مكروهة للهاشميين، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان ثم حسن إسلامه، وحكيم بن حزام ثم حسن إسلامه، والحارث بن هشام ثم حسن إسلامه، وسهيل بن عمرو ثم حسن إسلامه، وحكيم خويطب بن عبد العزى ثم حسن إسلامه، وصفوان بن أمية والعلاء بن حارثة الثقفي وعيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النضري والعباس بن مرداس السلمي ثم حسن إسلامه، وقيس بن مخرمة ثم حسن إسلامه، وجبير بن مطعم ثم حسن إسلامه. كان رسول الله ﷺ يدفع إليهم شيئًا من الصدقات ليقطع به شرورهم عن المسلمين فكان يعود نفع ذلك إلى الفقراء والمساكين. ثم انقطع ذلك فلم يعطهم عمر وعثمان وعلي شيئًا، وسأل بعضهم عمر فقال: إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (١)، وإنما قال ذلك بعد عزّ الإسلام وضعف الشرك ووقع الأمن من جهة هؤلاء، ولكن أبا بكر الصديق دفع إلى عدي بن حاتم من صدقة قومه ثلاثين بعيرًا ولا نعلم أنه من سهم المؤلفة قلوبهم ليؤلف قلوب أقربائه أم من سهم العاملين لأنه كان حقها أم من سهم ابن السبيل لأنه أمره بأن يلحق بخالد بن الوليد فلحق (٢) به في زُهاء ألف فارس (٣).

стр. 891

﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدون به الكتابة ويدخل فيهم من أعتق شقصه واستسعى في الباقي، وقال ﵇: "من أعان مكاتبًا في رقبته أو غازيًا في عسرته أو مجاهدًا في سبيل الله أظله الله يوم لا ظل إلا ظله" (١) (٢)، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الذين عليهم الدين ولا يجدون القضاء، و (الغرم): اللزوم والضمان، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الجهاد يدفع إلى فقراء المجاهدين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع عن ماله، والإِسلام شرط في هؤلاء لقوله ﵇ (٣): "وأردها في فقرائكم" (٤) سعيد بن جبير عن علي عن ابن عباس: إذا آتى الرجل الصدقة صنفًا من هذه الأصناف الثمانية أجزأه، وروي مثل ذلك عن عمر وسعيد بن أبي وقاص وحذيفة (٥)، وتابعهم عليه سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبو العالية. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ كان المنافقون يطفئون الدين ويتكلمون بالكفر ويعيبون رسول الله (٦) ويقولون: إن بلغهُ قولنا اعتذرنا إليه وحلفنا عنده فسيقبل عذرنا فإنما هو أذن سامعة، وإنما يوصف بهذا من كان سريع الاستماع سريع التصديق من غير تحقيق، والمتكلم بهذه الكلمة جلاس بن سويد (٧)،

стр. 892

فبين الله أنه أذن خير وصلاح ورحمة يؤمن بما يخبره الله ويشهد للمؤمنين بالصدق، وليس أذن شر وفساد ليصدق المنافقين في أعذارهم الكاذبة (١). ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ نزلت في جماعة من المنافقين كانوا قعدوا فيهم غلام من الأنصار، وقيل: زيد بن أرقم، وقيل: عامر بن قيس، فقال بعض المنافقين: إن كان ما يقوله محمَّد حقًا فإنّا شرٌّ من حمار، وقال له المؤمن: والله إن ما يقوله محمَّد لحق وإنكم لشر من حمير، فخاصمهم وخاصموه ثم رافعهم إلى رسول الله (٢) وأخبره بمقالتهم وأنكروا وحلفوا فاستحى المؤمن من ذلك، وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تفرق الصادق من الكاذب فأنزل (٣)، قيل: واعترف الجلاس فاستغفر له (٤) النبي ﵇ (٥) فخلص وحسُن إسلامه (٦). و (إرضاء الله) لفظ مجاز (٧) وحقيقته إتيان ما يرضاه الله من الفعل والتغيير حاصل في مبتغى الرضا دون الله. ﴿يُرْضُوهُ﴾ عائد إلى الله، وقيل: إلى رسوله (٨)، وهذا لكراهة الجمع

стр. 893

بين اسم الله واسم من دونه في كتابة واحدة، ولهذا قال ﵇ لمن قال (١): ومن يعصهما فقد غوى: "بئس الخطيب أنت" (٢). ﴿يُحَادِدِ﴾ يشاقق ويجانب. ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ نزلت في جدّ بن قيس ووديعة بن خذام والجهير بن خمير (٣) كانوا يسيرون فيما بين العسكر بين يدي رسول الله (٤) في غزوة تبوك يتحدثون ويتضاحكون وكان كلامهم: يطمع هذا الرجل أن يستولي على قصور الشام وحصونها؟! فنزل، وقال ﵇ لعمار بن ياسر: "أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم عمّا هم فيه فسيقولون لك: إنا كنا نخوض في حديث العسكر ونلعب" فأدركهم عمار فسألهم فقالوا: إنا كنا نخوض في حديث العسكر ونلعب، فقال: احترقتم حرقَكم الله، فجاؤوا إلى النبي ﵇ معتذرين، وقال الجهير بن خمير: أنا ما تكلمت بشيء ولكن كنت أضحك معهما فمناه رسول الله الجميل (٥) ووعد له التوبة (٦)، وقيل أنهم

стр. 894

كانوا أربعة نفر والذي لم يكن يتكلم هو المختبي، وقيل: المخشي بن خمير وكيفية حذرهم عن نزول السورة أنهم يظنون أن هذه السورة من جهة النبي ﵇ يتقولها من جهة نفسه فيهم وفي أمثالهم فكانوا يكتمون عنه كفرهم لئلا ينزل من جهته الرفيعة شيء في شأنهم الوضيع (١)، ويحتمل أنه خبر بمعنى الأمر، أي: فليحذر المنافقون. ﴿طَائِفَةً﴾ اسم يقع على الواحد والجماعة، ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ هو الذي لم يكن يتكلم واعترف بذنبه، وقال: استغفر لي يا رسول الله، والطائفة المحتوم على عذابها سائر الركب. ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ قال قتادة: كانوا يسمون هذه السورة الفاضحة (٢) لأنها فضحت المنافقين لم تزل تنزل فيها: ومنهم ومنهم حتى لم تترك منافقًا إلا نبهت عليه، وعن قتادة أيضًا: كنا نسمي هذه السورة المثيرة (٣) لأنها أثارت مثالب المنافقين ومخازيهم. وعن الحسن كانوا يسمونها الحفارة (٤) لأنها حفرت فاستخرجت ما في قلوب المنافقين. وعن عطاء أن سبعين رجلًا من المنافقين أنزل الله أسماءهم ثم نسخ تلك الأسماء (٥) رحمة منه على خلقه، فإن أولادهم وعشائرهم كانوا مسلمين. وقيل: لما رجع رسول الله (٦) من غزوة تبوك عرض له في الطريق اثنا عشر نفسًا من المنافقين في ليلة ظلماء متنكرين يريدون الفتك برسول الله، ووإن عمار بن ياسر يقول راحلة رسول الله ﷺ وحذيفة

стр. 895

يسوقها (١)، فقال ﵇ (٢) لحذيفة: "اضرب وجوه رواحلهم " فضربها حتى نحاهم وطردهم خائبين، ثم قال رسول الله ﷺ : "من عرفت من القوم؟ "، قال: لم (٣) أعرف أحدًا غير أني عرفت جمل فلان، فسماهم له رسول الله (٤) حتى عدَّهم أحاد أحاد قال: وفيهم نزلت قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] فقال حذيفة: لا نبعث إليهم يا رسول الله من يقتلهم؟ قال ﵇: "أكره أن تقول العرب: لما ظفر محمَّد بالعدو أقبل على أصحابه يقتلهم، ولكن الله تعالى يكفيناهم بالدُّبيلة"، قيل: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: "شهاب من جهنم يرسل على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه" (٥)، وعن المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﵇ (٦) سمى لحذيفة المنافقين، وقال: "إياك أن تخبر بأحد منهم حتى آذن لك في ذلك"، وتوفي رسول الله (٤) قبل أن يأذن له، فمكث بذلك حذيفة حتى سأله عمر في خلافته فقال: أنشدك الله هل أنا فيمن سمى لك رسول الله؟ فقال: لا والله، ووالله لا أبرىء أحدًا بعدك (٧)، وإنما سأل عمر لأجل الطاعنين والمتهمين إياه بالجور والميل ولم يكن آمنًا من التخلق ببعض أخلاقهم، فإنما قال حذيفة: والله لا أبرىء لالتزام وصية النبي ﵇ (٦) أن لا يخبر به أو خوفه لإعجاب من يبريه أو سمّاهم على النعت دون التعيين، وقيل ما يجد عاريًا عن تلك النعوت جملة. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ تركوا ذكره ومراقبته، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: خذلهم ولم يذكرهم بالرحمة والخير (٨).

стр. 896

﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ أوعد (١) الله. ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ التشبيه للوعيد عند الزجاج (٢)، ولأفعالهم عند الفراء (٣)، ويحتمل اللعن والعذاب المقيم، ويحتمل لكون بعضهم من بعض، ويحتمل النسيان والفسوق، و (الاستمتاع بالخلاق) هو الاستمتاع بالرزق على غير الوجه المباح المأذون في الشريعة؛ كاستخراج الخمر من العنب، ولبس الديباج والذهب، وإمساك النرد والشطرنج للعب، واتخاذ المعازف واتخاذ القينات وإخصاء الغلمان ونحوها، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم الذي خاضوا (٤). ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ استفهام على سبيل التقرير والإثبات وحث على اعتبار

стр. 897

الآيات، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قريات لوط سميت بهذا لانقلابها ظهرًا على بطن (١)،وقيل: لإفك أهلها (٢). ﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾ أي: سينيلهم ما أراد لهم من الخير في سابق علمه ومشيئته. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع بين صفة المنافقين (٣) وما وعد لهم في معادهم وصفة المؤمنين وما وعد لهم في معادِهم على سبيل الإطباق للجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار، ﴿عَدْنٍ﴾ خلود وإقامة، تقول: عدنت بأرض كذا وكذا أَعدن وأُعدن عدُونًا وعدنًا ومنه المعدن، وسأل ابن عباس كعبًا عن العدن، فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانية (٤)، وعن عطاء: أنه نهر جناته على حافتيه (٥). وعن الأعمش: وسط الجنة (٦)، وعن الكلبي: أعلى درجة في الجنة (٧)، ﴿وَرِضْوَانٌ﴾: رفع بالابتداء وخبره ﴿أَكْبَرُ﴾، ثم وهو يحتمل معنيين؛ أحدهما: الجنة من عنده ووعده خير من النار والعذاب المقيم، والثاني: إرضاؤه عنهم أكبر من وعده (٨) لهم؛ لأن الرضا يوجب أمن العافية ودوام العافية والجنة لا توجب ذلك، فإن آدم وحواء أُخْرِجَا منها على سبيل التأديب والتعذيب، وأخرج منها الطاووس والحية على سبيل

стр. 898

المسخ (١)، وأخرج إبليس على سبيل الطرد واللعن وكان من الصاغرين، وفي الحديث: "إن الله تعالى يقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد بيضت وجوهنا ويسرت لنا الحساب وأنقذتنا من النار وأجزتنا على الصراط وأدخلتنا الجنة؟! فيقول الله : إن لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما ذلك يا ربنا؟ فيقول الله تعالى: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا" (٢). و (مجاهدة المنافقين) هو التعنيف في الملامة والإنذار والتعزير والحبس ما لم يظهروا أمرهم فإذا أظهر أمرهم فالسيف، ومن علم منهم أنه يتوب بلسانه تقية لم تقبل توبته، و (الغلظة) ضد الرقة ولا تصلح المجاهدة بغير غلظة كما لا تصلح المسالمة بغير رفق. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ هو قول الجلاس بن سويد (٣): إن كان ما يقوله محمَّد حقًا فنحن شر (٤) من حمير، وقيل: قولهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] لنقعدن على رأس ابن أُبي تاجًا (٥)، وقيل: قولهم: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وكلمة الكفر: كل كلمة تخالف مقتضى الإسلام، وفي الآية دلالة أن الإيمان والإسلام واحد. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قصدهم الفتك، ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في إغناء الله إياهم بالغنائم الإسلامية تحت الراية النبوية حتى صاروا أهل كنوز وصهيل بعد أن كانوا أهل زرع ونخيل، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ بيُمن رسوله قابلوه بالعيب والطعن والمكر وبطروا وكفروا

стр. 899

نعمة الله فذكر الله حالهم ذلك، وسئل الحسين بن الفضل (١) عن قولهم: اتق شر من أحسنت إليه هل يوجد في القرآن، فقال: نعم وذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ تطميع لهم في التوبة، قيل: لما سمع الجلاس هذه الآية قام وتاب إلى الله ورسوله فاستغفر له رسول الله ﷺ . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، قال: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، قال: ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال: "ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثل رسول الله ﷺ ، والله لو سألت أن تسيل علي الجبال ذهبًا لسالت"، ثم رجع وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني الله مالًا، والله لئن آتاني الله مالًا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ارزق ثعلبة مالًا"، فاتخذ غنمًا فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلوات مع رسول الله ﷺ ثم يخرج (٢) إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها وكان يشهد الجمع مع رسول الله ﷺ ثم يخرج إليها، ثم نمت فاشتغل بها وترك الجمع والجماعات وجعل يتلقى الركبان، فقال: وما وراءكم من الخبر وما كان من أمر الناس؟ فأنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: واستعمل رسول الله ﷺ على الصدقات رجلين رجلًا من الأنصار ورجلًا من بني سليم وكتب لهما الصدقة وأسبابهما وأمرهما أن يصدّقا الناس وأن يمرا بثعلبة فيأخذا من صدقات (٣) ماله، ففعلا حتى دُفعا إلى ثعلبة، فقال: صدّقا الناس فإذا فرغتما فمرّا

стр. 900

بي، ففعلا فقال ثعلبة: ما أرى هذه إلا أخية الجزية، انطلقا حتى ألقى رسول الله ﷺ (١) فأنزل الله على رسوله ﷺ (٢): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فركب رجل من الأنصار ابن عم ثعلبة راحلة حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك ثعلبة، هلكت فأنزل الله فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة وقد وضع على رأسه التراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، فلم يقبل منه رسول الله ﷺ (٢) صدقته حتى قبض رسول الله (٣) ﷺ (٢)، ثم أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر قد عرفت موضعي من قومي ومكانتي من رسول الله ﷺ (٢) فاقبل صدقتي، فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عمر فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان فأبى أن يقبل منه. ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ وترك قتل ثعلبة مع ظهور نفاقه (٤)، وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١] إما لكراهة تنفير قلوب ووقوع الفتنة فيما بينهم كما روينا في حديث حذيفة حيث أرادوا الفتك به، وإما لأنه لم يصرح باسم ثعلبة ولم يعينه وهو لم يعد تصريح كفر بل كان يعتذر ويتضرع. وينبغي للمسلم الرضا بالقسمة وترك الاختيار والتسليم لله والوفاء بالعهود، فإن ثعلبة لو رضي باليسير من الرزق وترك مطالبة رسول الله (٥) بما يتمناه، لما شُغِل عن الجمع والجماعات، ولو سلم الله أمره ولم يسم الزكاة أخيّة الجزية لما أعقبه الله في قلبه نفاقًا، ولو وفي بعهده لما افتضح في الدنيا والآخرة.

стр. 901

وفي الآية دلالة أن النذر فيما قبل المُلك يصح بالإضافة، وأن النذر بالقرب يُلزم الإنسان ويجب الوفاء به، إما بإتيان الملفوظ به بعينه وإما إتيان المعبر عنه بالألفاظ المعدولة عن ظاهرها مثل قوله: عليَّ أن أذبح ولدي أو علي أن أصرف بثوبي حطيم الكعبة أو ثوبي في رياح الكعبة، أو قال الشيخ الكبير: لله عليَّ أن أصوم أو لله عليَّ أن أتصدق بمالي، ولا نذر في المباح والمعصية وكفارته كفارة يمين، وقوله: عليَّ عهد الله، وبريت من عهد الله يمين. في الآية دلالة أن دفع صدقة الأموال الظاهرة إلى الإمام ولولا اشتهار ذلك بين الصحابة لكان ثعلبة يدفعها إلى الفقراء ويريح نفسه من مذلة الردّ، وفيه دلالة أنه كان يعرض على النبي ﵇ (١) والخلفاء من بعده رياء وسمعة وقصدًا لإزالة العار لا لوجه الله تعالى؛ لأنَّ النفاق الكائن في القلب يضاد ابتغاء مرضاة الله. ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ قول ثعلبة: هذه أخيّة الجزية. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قيل: إن عبد الرحمن بن عوف كان عنده ثمانية آلاف دينار فأمسك أربعة آلاف فجاء إلى (٢) رسول الله بأربعة آلاف وقال: أقرضتها ربي عزوجل وأمسكت مثلها لنفسي وعيالي، فقال ﵇: "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، وكان عند أبي عقيل الأنصاري صاعان من تمر فجاء إلى رسول الله (٣) بصاع وأمسك لنفسه صاعًا، فقال المنافقون: أما عبد الرحمن فأنفق على وجه الرياء، وأما عقيل فأنفق طمعًا في الزيادة والله غني عن صدقته، فأنزل (٤)، ﴿إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ إلا مقدار وسعهم وطاقتهم.

стр. 902

و ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما مات ابن أبي ابن سلول دعي إليه رسول الله (١) ليصلي عليه، فلما قام رسول الله وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي عليه؟ وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله (١) وقال: "أخّر عني يا عمر"، فلما أكثرت، قال: "إني خيّرت فاخترت، ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت عليها"، قال: فصلَّى عليه (٢) (٣)، وكذلك روى نافع عن ابن عمر والشعبي عن جابر بن عبد الله (٤)، والتخيير قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وصلاته عليه محمول على الاستغفار والدعاء دون صلاة الجنازة، لما روي عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﵇ (٥) أعطاه قميصه فكفن فيه ثم حضره ليصلِّي عليه فجذبه عمر وقال: أتصلي عليه (٦) وقد نهاك الله؟ فقال: "أنا بين خيرتين"، فقول قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٧)، وقول عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله تعالى؟ تأويل منه لقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقوله ﵇ (٨): "أنا بين خيرتين" ردّ منه على عمر تأويله، والدليل على أن قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ نزل في هذه الحادثة بعد قول عمر قبل صلاة رسول الله (٩) ما روى أبو الزبير عن جابر أن ابن أبي ابن سلول لما هلك جاء ابنه إلى رسول الله (٩) وقال: يا رسول الله، إنك لم تشهده، ولم يزل يعتريه حتى

стр. 903

أتاه وقد أدخل حفرته، وقال: يا رسول الله، أفلا قبل أن يدخلوه حفرته، فاستخرج فتفل عليه رسول الله من قرنه (١) إلى قدمه وألبسه قميصه (٢)، دلّ أنه لم يصلِّ عليه صلاة الجنازة، ولكنه كان مخيَّرًا بين الاستغفار وتركه لإشماله عشائرهم وأولادهم، والمقصود من لفظة السبعين هي المبالغة دون العدد (٣)؛ لأنها مأخوذة من السبع التي هي نهاية كثير من الأعداد؛ منها عدد آيات فاتحة الكتاب، وأجزاء القرآن والسور الطوال والمثاني، وعدد التائبين مع رسول الله (٤) يوم حنين، وعدد السماوات والأرض والأنجم السيارة والأقاليم والأبحر، والأيام والألوان وأعضاء السجود، وطبقات النار، وليالي عاد، وسني يوسف ﵇ (٥) والسنبلات والبقرات، وأشواط الطواف وأشواط السعي، وأركان الصلاة وهي: الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والخروج، وأجناس أموال الزكاة، وهي: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل وما أخرجت الأرض، وأجناس الحيوان: كالطائر والقافز والماشي والزاحف والعائم والمنساب والمحتلج، والجهات المستقيمة مع الحيثية. ومما أخذ من السبع للمبالغة قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]

стр. 904

وقول النبي ﵇ "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة" (١)، وفي الحديث أنه صب على رأسه الماء من سِباع في شهر رمضان (٢)، يريد به الجماع، وسمي السبع سبعًا لأن قوته مضاعفة، وفي الحديث: "إن المنافق يأكل في سبعة أمعاء" (٣)، وفي الحديث: "إن صاحب اليمين يقول لصاحب الشمال أمسك فيمسك سبع ساعات من النهار" (٤)، فإن تاب لم يكتب عليه، وفي الحديث: "سألت الشفاعة لأمتي، فقال: لك سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقلت: ربّ زدني، فقال: مع كل ألف سبعون ألفًا، فقلت: رب زدني، فقال: لك هذا فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله" (٥)، وفي الحديث أن سائلًا قال: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ فقال: "سبعين مرة" (٦)، وفي الحديث؛ "أن الكافر يهوي في النار سبعين خريفًا" (٧). وقيل: خصت السبعة بالمبالغة لأن كميتها مشتملة على ثلاثة من أوتار العدد وثلاثة من الأشفاع. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قيل: كان رسول الله ﵇ (٨) برز

стр. 905

بعسكره إلى ثنية الوداع حين خرج إلى غزوة تبوك وترك ابن أبي بن سلول أسفل من الثنية مع المنافقين، فلما ارتحل رسول الله تخلّف ابن أُبي مع بضع وثمانين رجلًا فأنزل الله الآية، و (المقعد) القعود مصدر كالمطعم والمشرب والملبس، ﴿خِلَافَ﴾ مخالفة مفعول له (١)، ﴿فِي الْحَرِّ﴾ في أوان الحر (٢) وهو القيظ، والحر ضدّ البرد، وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ كالشرط لحصول الخير في علمهم، وتقديره: أعلمهم أن ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ قريب منه ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٣). ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾، ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ أمر كينونة وإلجاء لا أمر شرع وتعبد بدلالة ذكر الجزاء، وضحك الشيء غاية ظهور جماله عند وجود مراده أو مسرته أو شهوته أو حاجته الطبيعية، يقال: ضحك الفجر إذا طلع، وضحك

стр. 906

السحاب إذا برق، وضحك الشيب إذا تبيّن، وضحكت الشمس إذا ازداد ضوؤها، وضحكت الأرض إذا اكتست بالأنوار، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس: ٣٩،٣٨] والبكاء ضدّ الضحك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣]، وقوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩]. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ نزلت في غزوة تبوك قبل رجوع رسول الله (١) إلى المدينة، فإنما قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ لمعنيين؛ أحدهما: الزجر والمعاقبة، والثاني: أنه لم يخرج بعد ذلك إلى غزوة حتى قبضه الله تعالى، وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] مختلف فيه، قيل: دعاهم إلى الخروج مع علي بن أبي طالب في غزوة طي، فخرج علي بهم وأغار على طي وسبق ابنة حاتم الطائي أخت عدي فمنَّ عليها وأطلقها فتبعت أخاها وأخبرته بالقصة ولم تزل (٢) به حتى حملته على (٣) أن وقد على النبي ﵇ (٤)، فلما رآه قام بين يديه إكرامًا له ولم يكن يقوم بين يدي أحد من المشركين، ثم خرج إليه من المسجد وأخذ بيده فذهب إلى الحجرة، فلما كان ببعض الطريق استقبلته امرأة ترفع إليها حاجتها، فجلس لها رسول الله حتى سمع قصتها وقضى حاجتها ثم قام وانطلق مع عدي إلى البيت، فاستدل عدي بتواضعه على أنه نبي وليس بملك جبار. ثم عرض عليه النبي ﵇ (٤) الإسلام فأسلم (٥). وقيل: دعاهم إلى الخروج مع أسامة بن زيد إلى اليمن فتوفي قبل خروجه وسرحه أبو بكر مع القوم بعد ما تردَّدوا في أمرهم وترفعوا أن

стр. 907

يكونوا تحت راية أسامة وسرح مع عمر بن الخطاب وخرج لمشايعته راجلًا. وقيل: دعا أبو بكر إلى قتال طليحة بن خويلد الأسدي ومسيلمة الكذاب بعد وفاة رسول الله ﷺ (١)، وهذا أصح لأنه لو كان دعوة رسول الله ﷺ (٢) لقال: سأدعوكم أول مرة، أي: أول مرة لما بعدها. وقيل: أراد بأول مرة كراهتهم الخروج في غزوة بدر. وقيل: أراد تخلفهم عن الحديبية قبل غزوة خيبر وفتح الطائف وهذا أقرب. ﴿الْخَالِفِينَ﴾ المتخلفين، قال موسى ﵇ (٣) لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال الله تعالى: ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ نزلت في شأن ابن أبي بن سلول (٤) روي أنه لما مرض مرضه الذي مات فيه دعا رسول الله ﵇ (٥) فحضر رسول الله ﷺ وقال: "أما نهبتكم عن موالاة اليهود؟ "، قال: لم يوالهم سعد بن معاذ فمه (٦)، ثم قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنبني، ثم سأله أن يعطيه قميصه الذي يلي جسده ليكفن فيه فأعطاه قميصه، فقيل: يا رسول الله أتعطي قميصك منافقًا؟ قال: "إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا، وإني أؤمل أن بدخل في الإسلام بهذا السبب خلق كثير"، فكان كما قال، أخلص وأحسن الإسلام يومئذٍ ألف من الخزرج (٧). ﴿أَبَدًا﴾ نصب على

стр. 908

الظرف، و (القبر): الشق في الأرض يدفن فيه الميت، والنهي عن القيام على القبور لأنه فعل الأولياء والأحباب وأصحاب المصيبة والتفجع. ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾ خطابه والمراد به كل واحد من (١) أمته، ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ برحمة وبيان للسورة. و ﴿الْخَوَالِفِ﴾ النساء (٢) الفواسد، يقال: نبيذ خالف؛ أي: فاسد. ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ أصحاب الأعذار الصحيحة, عن مجاهد، وأصحاب الأعذار الكاذبة، عن قتادة. وقد جاء الفريقان ليأذن لهم في القعود، ولا تنافي بين القولين، ﴿الْأَعْرَابِ﴾ أصحاب المواشي الذين ينزلون البوادي، مجاهد عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عباس (٣) قال: أشار على نمرود بإحراق إبراهيم رجل من الأعراب فقيل لابن عباس: ولهم أعراب، قال: نعم، والأكراد أعراب فارس، والمراد بالأعراب ههنا الذين ينزلون حوالي المدينة من أسد وغطفان وغيرهما، بما ﴿كَذَبُوا اللهَ﴾ أي: أظهروا لله ورسوله غير ما يعلمه الله من ضمائرهم، فلما تواترت الآيات في المتخلفين تخوف منها أصحاب الأعذار الصادقين فأنزل الله فيهم.

стр. 909

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾، ﴿إِذَا نَصَحُوا﴾ أخلصوا العمل عن الغش، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ الناصحين، ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ في لومهم على تخلفهم. ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نزلت في سبعة نفر من الأنصار وسابعهم عبد الله بن معقل الأنصاري (١) كانوا فقراء، وقيل: نزلت في أبي موسى الأشعري، وقيل: في ابن أم مكتوم (٢)، وأصحابه، ﴿قُلْتَ﴾ أي: قلت لهم وهو صفة ﴿الَّذِينَ﴾ (٣)، و ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ﴾ ظرف لهم وتقديره: ولا على الذين قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه إذا ما أتوك لتحملهم، ﴿تَوَلَّوْا﴾ فتولوا، وإنما حسن إسقاط الفاء لحسن الوقوف على ما قبله، ﴿حَزَنًا﴾ أي: من حزن أو حزنوا حزنًا، وقيل: تقديره حازنين (٤)، ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ بيان لسبب الحزن، ونصب يجدوا بـ (أن) (٥).

стр. 910

﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ لن نصدقكم في أعذاركم، ﴿نَبَّأَنَا﴾ خبرنا بأشياء، ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، ﴿وَسَيَرَى الله﴾ في المستقبل من التوبة والإضرار، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ بعد ما عميت عليكم الأنباء. والمراد بـ (الإعراض): الإعراض عن مباحثتهم ومجادلتهم وإنما أمروا بالإعراض لتسكين الفتنة التي يبغونها بخلابتهم في الجدال. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ نزلت في جد بن قيس بن (١) قشير، والظاهر أنها في شأن الأعراب (٢). ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ أغلظ أكبادهم وقساوة قلوبهم وهم الفداؤون الذين نعتهم رسول الله (٣) بالجفاء والقسوة و (أشد نفاقًا) لمكرهم وحيلهم في الحروب والمهادنات، ﴿وَأَجْدَرُ﴾ وأحرى وأحق, ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ لبعدهم عن حضرة (٤) رسول الله (٣) وكونهم بمعزل عن

стр. 911

الجمع والجماعات ومجالس العلم والوعظ واشتغالهم عن القراءة والتفقه في دين الله بمصالح معاشهم، وقد جعل الله النهب والفتك والنخوة والعزة في أهل البوادي حيث كانوا، فهم بمنزلة السباع، وجعل الرفق والسخرة والانقياد والذلة في الحواضر حيث كانوا (١)، فهم بمنزلة البهائم، وجعل الحكم (٢) والعلم والسلطنة وتصريف الأمور (٣) في البدويين الذين نزلوا المدن والأمصار وتركوا التبدي فهم بمنزلة الناس من سائر الحيوان، هذا هو الغالب. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في أسد وغطفان (٤)، ﴿يَتَّخِذُ﴾ أي: يعد ويعتقد، ﴿مَغْرَمًا﴾ غرمًا، وهو أن يلزم الإنسان من غير أن يعود إليه منه نفع، ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في مزينة وجهينة وغفار وأسلم (٥). ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: الرتبات المضيئة التي يكون صاحبها مراقبًا مشاهدًا، و (صلوات الرسول) (٦) دعواته الصالحة، والضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عائد إلى الصدقات، وقيل: إلى الصلوات، وقيل: إليهما جميعًا، ﴿في رَحْمَتِهِ﴾ في قضية رحمته وهي النعمة والجنة. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ عن الشعبي أنّ (٧) السابقين الأولين ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الذين بايعوا (٨) رسول الله (٩) بيعة الرضوان (١٠) بالحديبية

стр. 912

تحت الشجرة (١)، ويحتمل أن ﴿مِنَ﴾ لتبيين الجنس كما في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، والدليل لزوم اسم التابعين قومًا أدركوا الصحابة وأخذوا العلم منهم (٢) ورووا الحديث عنهم، فلو كان (من) للتبعيض لكان اسم المبايعين لازمًا لسائر المهاجرين والأنصار. وفي قوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ دلالة أن النبي ﵇ (٣) ما كان يعلمهم بأعيانهم علمًا مقطوعًا به لكن لغلبة الظن ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمَّد: ٣٠]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ في الدنيا مرة وفي القبر مرة عن أبي (٤) مطيع عن أبي حنيفة (٥) ﵀ من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطبقة الخبيثة الجهمية الهالكة لأنه أنكر قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧]، فإن قال: أؤمن بالآية، ولا أؤمن بتأويلها (٦) وتفسيرها، فهو كافر لأن من القرآن ما تأويله تنزيله. ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ قال الكلبي: نزلت في ثلاثة: أبي لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن خزام (٧)، وعن الضحاك وقتادة: أنهم سبعة (٨)، وعن زيد بن أسلم: كانوا ثمانية (٩)، وعن ابن عباس: كانوا عشرة فشدَّ منهم سبعة أنفسهم على السواري، قيل: وحلف أبو لبابة أن لا يحل نفسه حتى

стр. 913

يحلَّه رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله (١) فحلف أن لا يحله حتى يأمر الله بأمره فيه (٢)، قيل: وكان أول أمر أبي لبابة أنه خاصم يتيمًا إلى رسول الله (١) في عذق (٣) فقضى له به ثم تشفع إليه ليعطيه اليتيم فأبى فقال: "أعطه إياه ولك مثله في الجنة"، فأبى، فانطلق إليه أبو الدحداح واشتراه منه بحديقة له ثم أتى رسول الله (١) [فقال]: أرأيت إن أعطيته اليتيم ألي مثله في الجنة؟ قال: "نعم"، فأعطى اليتيم فكان ﵇ (٤) يقول: "كم من عذق (٥) مدلي في الجنة لأبي الدحداح". ثم إن أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله (٦) حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوفهم بالذبح، ثم تخلف عن غزوة تبوك، ثم ألقى الله في قلبه التوبة والندم فشد نفسه بالسارية فبقي كذلك سبعة أيام حتى غشي عليه فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية (٧)، ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ كقولك: خلطت الماء واللبن، ولو قلت: خلطت الماء باللبن لجاز أيضًا (٨). ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لما أنزل الله توبة هؤلاء جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله (٦) وقالوا: هذه خلَّفتنا عنك فتصدق بها، فتوقف في ذلك رسول الله (٦) فأنزل الله (٩)، روي أنه أخذ ثلث أموالهم وترك الباقي عليهم

стр. 914

و ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ خطاب للنبي ﵇ (١) وهو في تقدير الحال، ﴿سَكَنٌ﴾ سكينة وطمأنينة، و ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾، و ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾ لتأكيد الوصف والأخذ وهو القبول والإثابة. ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول لتشريفهم أو لتعليق الأحكام الشرعية بهم بعد وفاة رسول الله (٢). ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ نزلت في الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (٣) وكل المؤمنون بهذه الصفة إلا المبشرين بالجنة. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ نزلت في سبعة عشر نفسًا من بني عمرو بن عوف بنوا قريبًا من مسجد قباء مسجدًا لأجل أبي عامر الفاسق (٤) وكانوا (٥) يسمونه الراهب، وكان بالشام، فبنوا هذا المسجد لأجله ينتظرون قدومه عليهم في ذلك المسجد، وكان يؤمهم مُجَمَّع بن جارية كالنائب عن أبي عامر الفاسق وكان منافقًا قارئًا للقرآن، فطلبوا من رسول الله (٢) قبل خروجه إلى غزوة تبوك أن يحضرهم فيصلِّي بهم في مسجدهم يبتغون بذلك (٦) عذرًا لأنفسهم، فقال ﵇ (٧): "حتى أنصرف من هذه الغزوة" فأنزل الله في منصرفه (٨)، ﴿ضِرَارًا﴾ مضارّة وهو نصب

стр. 915

على أنه مفعول له (١)، ومن ﴿حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ هو أبو عامر الفاسق (٢) كان قد ترهب ولبس المسوح بالمدينة قبل مقدم رسول الله، فلما هاجر إليها رسول الله أتاه أبو عامر الفاسق، وقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ﵇ (٣): "هذا دين إبراهيم" قال أبو عامر: فأنا على دين إبراهيم، فقال ﵇ (٣): "هذا دين إبراهيم أنا عليه" قال أبو عامر: بل أدخلت فيه ما ليس منه، قال رسول الله: "بل جئت بالحنيفية بيضاء نقية"، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدًا وحيدًا، لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، وانضوى إلى الكفار فقاتلوا يوم أحد وبعد ذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن ويئس الملعون (٤) عن مشركي العرب خرج إلى الشام ليستنصر قيصر، وكان يأمر المنافقين ببناء هذا المسجد ويخبرهم بأنه سيأتيهم بجنود لا قبل لهم بها: لا حد بها فلم يمكنه الله من ذلك وأماته بالشام طريدًا وحيدًا، وابن أبي عامر الفاسق إنما هو حنظلة غسيل الملائكة (٥)، ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا (٦)، ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ إلا استمالة أبي عامر ليرجع ويسلم فكذبهم الله تعالى.
следующие страницы →