← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الجمع والجماعات ومجالس العلم والوعظ واشتغالهم عن القراءة والتفقه في دين الله بمصالح معاشهم، وقد جعل الله النهب والفتك والنخوة والعزة في أهل البوادي حيث كانوا، فهم بمنزلة السباع، وجعل الرفق والسخرة والانقياد والذلة في الحواضر حيث كانوا (١)، فهم بمنزلة البهائم، وجعل الحكم (٢) والعلم والسلطنة وتصريف الأمور (٣) في البدويين الذين نزلوا المدن والأمصار وتركوا التبدي فهم بمنزلة الناس من سائر الحيوان، هذا هو الغالب. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في أسد وغطفان (٤)، ﴿يَتَّخِذُ﴾ أي: يعد ويعتقد، ﴿مَغْرَمًا﴾ غرمًا، وهو أن يلزم الإنسان من غير أن يعود إليه منه نفع، ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في مزينة وجهينة وغفار وأسلم (٥). ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: الرتبات المضيئة التي يكون صاحبها مراقبًا مشاهدًا، و (صلوات الرسول) (٦) دعواته الصالحة، والضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عائد إلى الصدقات، وقيل: إلى الصلوات، وقيل: إليهما جميعًا، ﴿في رَحْمَتِهِ﴾ في قضية رحمته وهي النعمة والجنة. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ عن الشعبي أنّ (٧) السابقين الأولين ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الذين بايعوا (٨) رسول الله (٩) بيعة الرضوان (١٠) بالحديبية

стр. 912

تحت الشجرة (١)، ويحتمل أن ﴿مِنَ﴾ لتبيين الجنس كما في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، والدليل لزوم اسم التابعين قومًا أدركوا الصحابة وأخذوا العلم منهم (٢) ورووا الحديث عنهم، فلو كان (من) للتبعيض لكان اسم المبايعين لازمًا لسائر المهاجرين والأنصار. وفي قوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ دلالة أن النبي ﵇ (٣) ما كان يعلمهم بأعيانهم علمًا مقطوعًا به لكن لغلبة الظن ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمَّد: ٣٠]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ في الدنيا مرة وفي القبر مرة عن أبي (٤) مطيع عن أبي حنيفة (٥) ﵀ من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطبقة الخبيثة الجهمية الهالكة لأنه أنكر قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧]، فإن قال: أؤمن بالآية، ولا أؤمن بتأويلها (٦) وتفسيرها، فهو كافر لأن من القرآن ما تأويله تنزيله. ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ قال الكلبي: نزلت في ثلاثة: أبي لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن خزام (٧)، وعن الضحاك وقتادة: أنهم سبعة (٨)، وعن زيد بن أسلم: كانوا ثمانية (٩)، وعن ابن عباس: كانوا عشرة فشدَّ منهم سبعة أنفسهم على السواري، قيل: وحلف أبو لبابة أن لا يحل نفسه حتى

стр. 913

يحلَّه رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله (١) فحلف أن لا يحله حتى يأمر الله بأمره فيه (٢)، قيل: وكان أول أمر أبي لبابة أنه خاصم يتيمًا إلى رسول الله (١) في عذق (٣) فقضى له به ثم تشفع إليه ليعطيه اليتيم فأبى فقال: "أعطه إياه ولك مثله في الجنة"، فأبى، فانطلق إليه أبو الدحداح واشتراه منه بحديقة له ثم أتى رسول الله (١) [فقال]: أرأيت إن أعطيته اليتيم ألي مثله في الجنة؟ قال: "نعم"، فأعطى اليتيم فكان ﵇ (٤) يقول: "كم من عذق (٥) مدلي في الجنة لأبي الدحداح". ثم إن أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله (٦) حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوفهم بالذبح، ثم تخلف عن غزوة تبوك، ثم ألقى الله في قلبه التوبة والندم فشد نفسه بالسارية فبقي كذلك سبعة أيام حتى غشي عليه فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية (٧)، ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ كقولك: خلطت الماء واللبن، ولو قلت: خلطت الماء باللبن لجاز أيضًا (٨). ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لما أنزل الله توبة هؤلاء جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله (٦) وقالوا: هذه خلَّفتنا عنك فتصدق بها، فتوقف في ذلك رسول الله (٦) فأنزل الله (٩)، روي أنه أخذ ثلث أموالهم وترك الباقي عليهم

стр. 914

و ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ خطاب للنبي ﵇ (١) وهو في تقدير الحال، ﴿سَكَنٌ﴾ سكينة وطمأنينة، و ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾، و ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾ لتأكيد الوصف والأخذ وهو القبول والإثابة. ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول لتشريفهم أو لتعليق الأحكام الشرعية بهم بعد وفاة رسول الله (٢). ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ نزلت في الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (٣) وكل المؤمنون بهذه الصفة إلا المبشرين بالجنة. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ نزلت في سبعة عشر نفسًا من بني عمرو بن عوف بنوا قريبًا من مسجد قباء مسجدًا لأجل أبي عامر الفاسق (٤) وكانوا (٥) يسمونه الراهب، وكان بالشام، فبنوا هذا المسجد لأجله ينتظرون قدومه عليهم في ذلك المسجد، وكان يؤمهم مُجَمَّع بن جارية كالنائب عن أبي عامر الفاسق وكان منافقًا قارئًا للقرآن، فطلبوا من رسول الله (٢) قبل خروجه إلى غزوة تبوك أن يحضرهم فيصلِّي بهم في مسجدهم يبتغون بذلك (٦) عذرًا لأنفسهم، فقال ﵇ (٧): "حتى أنصرف من هذه الغزوة" فأنزل الله في منصرفه (٨)، ﴿ضِرَارًا﴾ مضارّة وهو نصب

стр. 915

على أنه مفعول له (١)، ومن ﴿حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ هو أبو عامر الفاسق (٢) كان قد ترهب ولبس المسوح بالمدينة قبل مقدم رسول الله، فلما هاجر إليها رسول الله أتاه أبو عامر الفاسق، وقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ﵇ (٣): "هذا دين إبراهيم" قال أبو عامر: فأنا على دين إبراهيم، فقال ﵇ (٣): "هذا دين إبراهيم أنا عليه" قال أبو عامر: بل أدخلت فيه ما ليس منه، قال رسول الله: "بل جئت بالحنيفية بيضاء نقية"، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدًا وحيدًا، لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، وانضوى إلى الكفار فقاتلوا يوم أحد وبعد ذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن ويئس الملعون (٤) عن مشركي العرب خرج إلى الشام ليستنصر قيصر، وكان يأمر المنافقين ببناء هذا المسجد ويخبرهم بأنه سيأتيهم بجنود لا قبل لهم بها: لا حد بها فلم يمكنه الله من ذلك وأماته بالشام طريدًا وحيدًا، وابن أبي عامر الفاسق إنما هو حنظلة غسيل الملائكة (٥)، ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا (٦)، ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ إلا استمالة أبي عامر ليرجع ويسلم فكذبهم الله تعالى.

стр. 916

﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ قال مقاتل: أرسل النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية مالك بن الدُّخْشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيًا قاتل حمزة إلى هذا المسجد الظالم أهله، فهدموه وأحرقوه، وأمر ان يتخذ ذلك الموضع كناسة يلقى فيها الجيف (١)، وفيه دليل لمحمد (٢) على أن المسجد إذا خرب وتعطل رجع إلى المالك، قال أبو يوسف: هم لم يكونوا بنوه على نية المسجد حقيقة. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ مسجد رسول الله ﵇، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﵇ (٣) قال: "هو مسجدي هذا" (٤) يدل عليه (٥) ما روى أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أنه لما أنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال النبي ﵇ (٦): "يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم هذا"، قال: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي (٧) بالماء، قال: "هو ذلك فعليكموه" (٨)، وقيل: إنه مسجد قباء. روي عن عبد الله بن الحارث أن أهل قباء أتوا النبي ﵇ (٩) فذكروا له الاستنجاء بالماء، فقال: "إن الله أثنى عليكم فدوموا" (١٠)، ﴿رِجَالٌ

стр. 917

﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، وعن أبي هريرة أن النبي ﵇ (١) قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء، ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآية، قال: "كانوا يستنجون بالماء" فنزلت هذه الآية فيهم (٢). والأصح أن المسجد مسجد رسول الله (٣) وأن الرجال المتطهرين عامة الأنصار من أهل المسجدين جميعًا فدلَّ عليه ما روي أنه حمَّ الأنصار فعادهم رسول الله (٣) وقال: "أبشروا فإنها كفارة طهور"، قالوا: يا رسول الله، ادع الله أن يديمها علينا أيامًا حتى تكون كفارة لنا فأنزل الله تعالى يثني عليهم، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالحمى عن معاصيهم (٤). والتأسيس موضع الأساس، والأساس قاعدة البناء، من ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ﴾ هو رسول الله مع أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ هو أبو عامر الفاسق مع أصحابه المنافقين. والأول: هو التأسيس على حالة التقوى أو نية التقوى، والثاني: على وجه المثل، و (الجرف) هو التجويف الذي جرفت السيول والأودية حشوه ﴿هَارٍ﴾ هائر، قدمت لام الفعل وأخرت عينه على سبيل القلب (٥) كقولك:

стр. 918

هو شاكي السلاح وشائك، وقد تحذف الهاء من هائر حذفًا حقيقيًا من غير قلب، في حديث خزيمة وذكر السنة، قال: تركت المخ رارًا والمطي هارًا (١)، والهور والانهيار: الميل، ومنه التهور والهوارة، في الحديث: "من أطاع ربه فلا هوارة عليه" (٢)، وروي: "من انقى الله وُقي الهوارة" (٣). ﴿بَنَوْا رِيبَةً﴾ أي: سبب ريبة، ﴿تَقَطَّعَ﴾ تفسخ، فمن حمل الكلام على الغاية والتوقيت قال: ترتفع الريبة عند تقطع القلوب لأن الارتياب في فعل الأحياء دون من هلك وتلاشى، ومن حمل على المبالغة والتأكيد قال: يجوز بقاء الريبة مع تقطع القلوب لجواز بقاء الحياة والعقل (٤) فيهما بتبقية الله تعالى كحياة الشهيد (٥)، وحياة الذين يُسألون في القبور، وهذا أشبه. ويمكن الجمع بين القولين بأن يحمل أَحَدهما في طائفة من المنافقين والأخرى في طائفة أخرى منهم. ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الرجال الذين

стр. 919

يحبون أن يتطهروا، عن عبد الله بن رواحة قال يوم البيعة: اشترط يا رسول الله لربك ولنفسك، قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهاليكم"، قال: فإن فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة"، قال: ربح البيع لا نفيل ولا نستقيل، فأنزل الله بها هذه الآية (١)، واشترى الله من عباده ما يملكه عليهم إنما على سبيل التفضيل واللطف وهو كالاستقراض منهم وإيجاب الأجر لهم، أبو هريرة يحدث عن النبي ﵇: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (٢). ﴿التَّائِبُونَ﴾ أي: هم التائبون، وقيل: رفع على المدح (٣)، ﴿السَّائِحُونَ﴾ السياحة هي رحلة الشتاء والصيف في الجهاد والحج وطلب العلم وزيارة المشايخ في بيوتهم وقبورهم (٤). قال ﵇ (٥): "سياحة أمتي الجهاد" (٦)، وقال ﵇: "الصوم

стр. 920

سياحة أمتي" (١) , لأنه يلقى من الشدة ما يلقاه السائح في الأرض. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن هذه صفتهم عند الله ورسوله مع ما يتعاطونه من الذنوب سرًا وجهرًا. ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر محافظة حدود الله؛ عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة جاء رسول الله (٢) فوجد أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية عنده فقال النبي ﵇ (٣) لأبي طالب: "يا (٤) عم قل: لا إله إلا الله كلمة نجاح أشهد لك بها عند الله"، وقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل النبي ﵇ (٣) يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي (٥) ﵇ (٦): "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنه"، فأنزل الله الآية، فأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآية (٧). وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله (٨) خرج يومًا وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلًا، ثم ارتفع نحيب رسول الله (٨) بالبكاء، فبكينا لبكائه ﵇، ثم إن النبي ﵇ (٩) أقبل إلينا فتلقاه عمر، فقال: ما الذي

стр. 921

أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ رسول الله بيد عمر ثم أقبل إلينا (١) فقال: "أفزعكم بكاي؟ " فقال: نعم يا رسول الله، فقال: "إن القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، وأنزل عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معه (٢) ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، "فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرقة" (٣)، قال الأمير (٤): ويمكن الجمع بين الروايتين: كان يستغفر لأبي طالب سنين حتى زار قبر أمه يومئذٍ فأنزل الله الآية فانتهى عن الاستغفار لهما، قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت الآية فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار للأموات، ولم ينههم عن الاستغفار للأحياء حتى يموتوا. ثم أنزل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية استغفر له ما كان حيًا فلما مات أمسك عن الاستغفار له (٥)، (الأوّاه) كثير التأوه خوفًا من الله ، عن الأزهري، وقال أبو عبيدة (٦): الأوّاه: المتأوه شفقًا وفرقًا ويقينًا ولزومًا للطاعة، ويحتمل أنه كان يتأوه على هلاك قومه وكفرهم بالله ويتحلّم عنهم ولا يخاشنهم [ولا يزيد على التأوه لأنه لم يكن مأمورًا بالقتال.

стр. 922

﴿لِيُضِلَّ﴾، الإضلال ههنا لتخطئته وتضليله] (١) وتضليله ومؤاخذته إياهم بما لا علم لهم به ثم اختلفوا، فقيل: نزلت الآية في مؤاخذة الله إياهم للعمل بالأحكام المنسوخة قبل العلم بالنسخ كالصلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر، وقيل: نزلت في مؤاخذة الله إياهم (٢) بالاستغفار للمشركين قبل بيانه (٣) أنه لا يجوز، وإنما وصف بالعلم لأن هذا الحكم المذكور من قضيّة علمه وحكمته، وإنما وصف نفسه بأن له ملك السموات والأرض لتبيين جواز تصرفاته في مملكته من النسخ والإضلال والمغفرة والعذاب وغير ذلك. ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ﴾ وهو قوله: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] والتوبة على المهاجرين والأنصار عفوه عنهم زلاتهم من التخلف وغير ذلك، ﴿في سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وقت الضيق والشدة. كان الأمر قد بلغ إلى أن نحو بعضهم ناقته فعصر أكراشها وشرب عصارتها (٤). وعن مقاتل أن التمرة كانت فيهم بين الاثنين والثلاثة يلوك هذا ثم يعطي هذا، وعن الحسن أنهم كانوا يعتقبون على رواحلهم وزادهم شيء من دويق الشعير وإهالة منتنة (٥)، وعن عمر قال: أصابنا عطش شديد فدعى النبي ﵇ فأمطر الله السماء فعشنا بذلك (٦)، ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ لشدة الابتلاء وقلة الصبر وكثرة الوسواس. ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ (٧) الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: خلفهم الله بتقديره أو الشيطان

стр. 923

بغروره أو أموالهم وأهلوهم بفتنتها، ويحتمل تخليف رسول الله إياهم عن مجلسه وحضرته ومهاجرته إياهم بخمسين صباحًا، ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: برحبها وسعتها، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: صدورهم وقلوبهم، وضيق النفس أن تمتلىء بالحزن والهم حتى تختنق فلا تسع شيئًا، ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا، وإنما استثنى الملجأ إليه للتنبيه على رحمته ورأفته بعد ابتلائه ومحنته، وفي الآية دلالة أن توبة الله عليه توبة العبد. عن كعب بن مالك، قال: لم أتخلف عن رسول الله في (١) غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرًا، ولم يعاتب النبي ﵇ أحدًا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى، ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله في الناس لبدر وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلف عن النبي ﵇ (٢) بعد في غزاة غزاها حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﵇ (٢)، وأذَّن النبي ﵇ (٢) الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم وذلك حين طاب الظلال وطابت الثمار، وكان قلَّ ما أراد غزوة إلا ورّى بغيرها وكان يقول: "الحرب خدعة" (٣). فأراد النبي ﵇ (٢) غزوة تبوك أن يتأهب أهبتهم وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا في ذلك أصعر إلى الظلال وطيب الثمار، فلم أزل كذلك حتى قام النبي ﵇ غاديًا بالغداة وذلك يوم الخميس فأصبح غاديًا، قلت: أنطلق إلى السوق وأشتري جهازي ثم ألحق بهم، فانطلقت إلى السوق بالغد فعسر عليَّ بعض شأني، فرجعت فقلت: أرجع غدًا إن شاء الله فألحق بهم، فَعسر عليَّ بعض شأني أيضًا، فلم أزل كذلك حتى التبس فيَّ الذنب تخلفت عن رسول الله (٤)، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة

стр. 924

فيحزنني أن لا أرى رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، وكان ليس تخلف أن ذلك سيخفى وكان الناس كثيرًا لا يجمعهم ديوان وكان جميع من تخلف عن النبي ﵇ (١) بضعة وثمانين رجلًا، ولم يذكرني ﵇ حتى بلغ تبوك قال: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من قومي: خلفه يا نبي الله برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ: بئس ما قال، والله يا نبي الله لا نعلم إلا خيرًا، قال: فبينا هم كذلك إذا هم برجل يزول به السّراب فقال النبي ﵇ (٢): "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة. فلما قضى النبي ﵇ (٢) في غزوة تبوك وقفل ودنا من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة النبي ﵇ (٢) وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، حتى إذا أقبل (٣) النبي ﵇ (٢) مصبحكم بالغداة زاح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو إلا بالصدق، ودخل النبي ﵇ ضحى وصلَّى في المسجد ركعتين، وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك؛ دخل المسجد فصلَّى ركعتين ثم جلس، فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه فيستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. فدخلت المسجد فإذا رسول الله (٤) جالس، فلما رآني تبسَّم (٥) تبسُّم المغضب فجلست بين يديه فقال: "ألم تكن ابتعت ظهرك؟ "، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فما خلفك؟ "، قلت: والله لو بين يدي أحد من الناس غيرك جلست لخرجت من سخطه عليَّ بغير عذر، لقد أوتيت جدلًا ولكن قد علمت يا نبي الله أني إن أخبرك اليوم بقول تجد عليَّ فيه وهو حق فإني أرجو فيه عقبى الله، وإن حدثتك اليوم حديثًا ترضى عني فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك عليَّ، والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذًا مني حين

стр. 925

تخلفت عنك، فقال: "أما هذا فقد صدقكم الحديث، قم حتى يقضي الله فيك"، فقمت فثار على أثري ناس من قومي يؤنبوني، فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنبًا قبل هذا، فهلا اعتذرت إلى النبي ﵇ (١) بعذر يرضى عنك فيه وكان استغفار النبي ﵇ سيأتي من وراء ذنبك ولم يقف نفسك موقفًا لا تدري ماذا يقضي الله لك فيه، فلم يزالوا يؤنبوني حتى هممت (٢) أن أرجع فأكذب نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة ذكروا رجلين صالحين قد شهدوا بدرًا لي (٣) فيهما أسوة حسنة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدًا ولا أكذّب نفسي. قال: ونهى النبي ﵇ الناس عن كلامنا أيها الثلاثة، قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلِّمني أحد وتنكّر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكرت لنا الأرض حتى ما هي بالأرض التي نعرف، وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالسوق وإلى المسجد وأدخل فآتي النبي ﵇ (٤) فأسلم عليه فأقول: هل حرك شفتيه بالسلام؟ فإذا قمت أصلِّي إلى سارية فأقبلت قبل صلاتي نظر إليَّ بمؤخر عينه فإذا نظرت إليه أعرض عني. واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار ولا يطلعان رؤوسهما. قال: فبينا أنا أطوف بالسوق وإذا رجل نصراني جاء بطعام له يبيعه يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسان فإذا فيها: أما بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ولست بدار مضيعة ولا هوان فالحق بنا نواسك، فقلت: هو أيضًا من البلاء والشر، فسجرت لها التنور فأحرقتها. فلما مضت أربعون ليلة إذا رسول رسول الله (٥) قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ قال:

стр. 926

لا, ولكن لا تقربها، فجاءت امرأة هلال فقالت: يا نبي الله إن هلال بن أمية شيخ ضعيف هل تأذن لي أخدمه؟ قال: "نعم، ولكن لا يقربنك"، فقالت: يا نبي الله والله ما به حركة لشيء، ما زال يبكي الليل والنهار مذ كان من أمره ما كان. قال كعب: فلما طال عليَّ البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه وهو ابن عمي فسلَّمت عليه فلم يرد علي، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت حتى قلتها ثلاثًا، فقال أبو قتادة في الثالثة: الله ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجًا. حتى إذا مضت خمسون ليلة من حيث نهى النبي ﵇ (١) عن كلامنا صلَّيت على ظهر بيت لنا الفجر، ثم جلست وأنا في المنزلة التي قال الله قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا، إذ سمعت نداء من ذروة سلع: أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدًا وعلمت أن الله قد جاءنا بالفرج، ثم جاء رجل يركض على فرس يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين، قال: وكانت توبتي نزلت ثلث الليل على النبي (٢) ﵇ (٣) فقالت أم سلمة: يا رسول الله ألا نبشر كعب بن مالك؟ قال: "إذًا يحطمكم الناس ويمنعونكم النوم سائر الليل"، وكانت أم سلمة محسنة في شأني تحزن بأمري، فانطلقت إلى رسول الله (٤) فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سرّ بالأمر استنار، فجئت وجلست بين يديه فقال: "أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك مُذْ ولدتك أمك"، فقلت: يا رسول الله، أمن عند الله أم من عندك؟ قال: "بل من عند الله"، ثم قرأ عليه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ حتى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وفيها أنزل أيضًا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فقلت: يا نبي الله إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا،

стр. 927

وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله (١) وإلى رسوله، فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال كعب: فما أنعم الله عليَّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله (١) حيث صدقته أنا وصاحباي أن لا يكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا، وإني لأرجو (٢) أن لا يكون الله أبلى أحدًا من الصدق مثل الذي أبلاني ما تعمدت (٣) للكذب بعد وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال الزهري: هذا ما انتهى إلينا من حديث كعب بن مالك (٤). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال أبو بكر الصديق: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان (٥). سئل النبي ﵇: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: "لا" (٦). ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ ولا أن يرغبوا، ويحتمل أنه مجزوم على النهي، و (رغبتهم بأنفسهم عن نفسه) إيثارهم أنفسهم على نفسه، ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش، ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب، ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة، و (الوطء) موضع القدم وكذلك الموطىء ويجوز أن يكون مصدرًا، ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ صفة للموطىء، أي: يغيظ الكفار وطؤهم إياه، و (النيل): الإصابة، والضمير في (به) عائد إلى كل واحد من الأشياء المذكورة. (قطع الوادي): سلوكه، والوادي ما بين العدوتين، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ قال الكلبي: لما أنزل الله عيوب المنافقين

стр. 928

المتخلفين، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن سريّة بعد هذا، فكانوا يخرجون السرايا ويتركون رسول الله (١) بالمدينة فأنزل، قال الكلبي: وفيه وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد قدموا على رسول الله (١) بالنساء والذراري فنزلوا في سكك (٢) المدينة وأفسدوا الطريق على الناس فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣) يأمرهم بأن يفد من كل قبيلة وفد على النبي ﵇ ولا يفدوا بأجمعهم. وعن مجاهد أن رسول الله (١) كان أرسل بعض أصحابه إلى قبائل العرب دعاة يدعونهم إلى الإسلام ويعلمونهم الشريعة، فلما سمعوا ما نزل في المتخلفين عن رسول الله (١) خافوا أن يكونوا من المتخلفين فالتحقوا بالنبي ﵇ (٤) فأنزل الله الآية (٥)، و (المتفقه في الدين) المنذر قومه إذا رجع هذا النافر إن كان مع النبي (٦) بالمدينة، والله أعلم بالمراد. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يجوز أن يكون خبرًا حقيقيًا فإنهم لم ينفروا كافة قط منذ زمان رسول الله ﵇ (٧) إلى زماننا هذا، ويجوز أن يكون خبرًا بمعنى النهي (٨)، وفي الآية دلالة أن خبر الواحد يوجب العمل والحذر وإن لم يوجب العلم لأن الطائفة اسم الواحد فصاعدًا. ﴿يَلُونَكُمْ﴾ يجاورونكم، وفيها دلالة على كراهة أن يترك أهل كل ثغر جهتهم ويسير إلى جهة أخرى إلا بعد الكفاية والاستغناء، قال ﵇: "عصابتان من أمتي أحرزهما الله تعالى من النار: عصابة تغزو الهند وعصابة

стр. 929

تكون مع عيسى ﵇ (١) عند نزوله من السماء" (٢). أبو هريرة قال: وعدنا رسول الله ﵇ غزوة الهند فإن أدركها أنفق فيها نفسي ومالي فإن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر (٣)، وكتب عثمان بن عفان من المدينة إلى عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بأن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره فوجّه حكيم بن حزام بن جبلة العبدي فلما رجع أنفذه إلى عثمان فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير المؤمنين، ماؤها وشل وتمرها دقل ولصُّها بطل، إن قل الجيش ضاعوا وإن كثروا بها جاعوا (٤). ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الذين يلوننا، ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ والمنافقون من جملتهم لأنهم أقرب الكفار إلينا جوارًا، كانوا يتساءلون ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورة، ﴿إِيمَانًا﴾ على وجه الإنكار وفي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ردّ من الله عليهم إنكارهم وبيان بأن المؤمنين ازدادوا بهذه السورة إيمانًا. وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قريبة من قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] فتنهم، ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ إظهار لعامتهم. وعن مجاهد: أنها القحط والشدة (٥)، وعن الحسن وقتادة: أنها الدعوة إلى الجهاد (٦).

стр. 930

﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كان المنافقون إذا رأوا رسول الله قد غشي عليه ليوحى إليه نظر بعضهم إلى بعض يتفقدون المسلمين المخلصين هل يجدونهم ناظرين إليهم متبعين أحوالهم فإن وجدوهم كذلك سكنوا ونكسوا رؤوسهم وقعدوا كارهين، وإن لم يجدوهم كذلك تفرعنوا بعقولهم وانصرفوا خوف الفضيحة فأنزل الله الآية فيهم (١)، وقوله: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يجوز أن يكون على وجه الإخبار ويجوز أن يكون على وجه الدعاء. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عن أبي بن كعب، قال: آخر آية نزلت على رسول الله (٢)، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الآية، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من العرب (٣)، قال الزجاج (٤): معناه أنه بشر مثلكم وفي الشواذ ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) من النفاسة وهي الكرم والرفعة والقدر، ﴿عَنِتُّمْ﴾ أثمتم (٦) تقول: عزّ عليَّ ما نزل بك، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ على إيمانكم ورشدكم، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في الحديث: "أن النبي (٧) لم ينتصر من مظلمة ظلمها قط ما لم تنتهك

стр. 931

محارم الله فإذا انتهك شيء من محارم الله كان من أشد الناس غضبًا" (١)، وعنه ﵇ (٢): "ما خُيِّرت (٣) بين أمرين إلا اخترت (٤) أيسرهما ما لم يكن مأثمًا" (٥)، وقال ﵇ (٢): "ارحموا الضعيفين: النساء والذراري" (٦)، وقال ﵇: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان" (٧)، وقال يوم وفاته: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٨)، والله أعلم. ...

стр. 932

درجُ الدُر في تَفْسِيرِ الآي وَالسُّور تأليف عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى (٤٧١هـ) تحقيق وَليدْ بْن أحَمد بن صَالِح الُحسَيْن ... إيَاد عَبْد اللَطيفْ القَيْسي مِنْ سُوَرة يُونسْ إِلى سُوَرة الأَحْزَابْ المجلَّد الثَّالث

стр. 933

سُورَةُ يُونسَ مكية كلها (١)، وعن ابن عباس إلا ثلاث آيات: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيات (٢)، وقيل: الآية نزلت (٣) في يهود المدينة وهي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] (٤)، وهي ماية وتسع (٥) آيات إلا عند أهل الشام (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ أنا الله أرى (٧)، وقيل: قسم أقسم بآياته ولطفه وربوبيته (٨)، وقيل: إشارة إلى رأفة الله تعالى ورحمته وبره وبريته أو إشارة إلى القرآن والذكر.

стр. 934

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وقيل: خبر لمبتدأ مضمر (١) الحكم المشتمل على الحكم والدلالات في الخبر أن القرآن شافع مشفع وماحل مصدق. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ استفهام تعجب وإنكار الشيء المستبعد جوازه على قضية العادة والطبيعة، والناس (٢) قريش وأمثالهم، ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ في محل الرفع على أنه اسم كان ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ هو خيرة (٣) الله مِنْ خَلْقِهِ خاتم النبيين أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ترجمة للوحي بأن ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ منزلة رفيعة (٤)، عن القتبي: ما قدموه من عمل صالح (٥)، عن أبي سعيد الخدري: محمَّد شفيع صدق لهم يوم القيامة (٦)، وعن زيد بن أسلم: أنه محمَّد ﵇ (٧) لقوله ﵇: "أنا فرطكم على الحوض" (٨)، ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ حكايته لقولهم الذي قالوه عند تعجبهم بالوحي النازل على محمَّد. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ قال ابن سابط (٩): يدبر أمر الرسالة أربعة أملاك:

стр. 935

جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈، فأما جبريل فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى المطر والنبات، وأما ملك الموت فعلى الأنفس، وأما إسرافيل فينزل عليهم بما يؤمرون (١)، وهذا على المجاز (٢)، وهو في تفسير قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، فأما حقيقة التدبير فهي لله (٣) تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ يكفي كل شيء ولا يكفيه شيء، ويغني عن كل شيء ولايغني منه شيء. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعدًا حقًا، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بأعمالهم التي أقسطوا فيها، وقيل: إن الله يجزيهم بالقسط ولا يبخسهم شيئًا، ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء ساخن، ومنه الحمام والمستحم، وحميم جهنم يشوي الوجوه بئس الشراب. ﴿ضِيَاءً﴾ مصدر كالبناء، والضياء أغلب من النور؛ لأنه يتعدى إلى غير ذاته أبدًا، والنور قد يتعدى وقد لا يتعدى. روي أن كعبًا لقي عبد الله بن عمرو بن العاص والناس حوله يستفتونه قال: هلك أخي عبد الله عند هذا يكون الفتن (٤)، اذهب إليه، فقل له: لا تكذبنَّ على الله، فإن غضب فدعه وإن لم يغضب فاسأله, فأتاه فقال: إن كعبًا يقول لك: لا تكذبن علي الله، قال: نصح لي أخي، من كذب على الله سوّد الله وجهه يوم القيامة، قال: إنه يسألك عن الشمس والقمر أهما في السماوات السبع أم في السماء الدنيا أم في الهوي دون الفلك؟ قال: بل هما في السماوات السبع ووجههما إلى العرش وأقفيتهما إلى الأرض، قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦]، وقيل: الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، وقيل: الشمس في

стр. 936

الفلك الرابع، والقمر في الفلك الأدنى. والأفلاك غير السماوات، وقيل: السماء والهواء واحد، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا بأمره الحق بقضية حكمه من غير لهو ولا عبث. ﴿لَآيَاتٍ﴾ دلائل وحدانية الله تعالى ودلائل انقضاء الدنيا والمال. ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ أبو عبيدة: لا يخافون (١)، ﴿لِقَاءَنَا﴾ الحساب والعرض، وقيل: لقاء الله، هم الذين أيسوا عن لقائه لجهلهم به، ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذين آثروا شهواتها على السعي للآخرة، وقنعوا بالحياة الدنيا لأنها مبلغهم من العلم فليست لهم همة الآخرة. روي أن النبي ﵇ (٢) بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان هو صالَحَ أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال [من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافقت صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلَّى]، (٣) صلاة الفجر وانصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء"، قالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم" (٤)، وروي: "فتهلككم كما أهلكتهم" (٥) (٦).

стр. 937

﴿وَاطْمَأَنُّوا﴾ أخلدوا إليها لجهلهم بالآخرة ولكراهة ما قدمت أيديهم، هم الذين يحجبهم المحسوس عن المعقول. ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ إلى الفلاح، ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ بنور إيمانهم وبسبب (١) إيمانهم، ﴿في جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ في العقبى. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أول (٢) دعواهم دليل على تعجبهم بكل ما يشاهدونه لحسنه وبهجته، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ دليل على إعجابهم بما يشاهدونه لما يعود إليهم من نفع أو لذة، ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ دليل على أمنهم وطهارة صدورهم من الغل واستراحتهم من الذلة. ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأمثاله حيث قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٣)، وقيل: في شأن من يدعو على نفسه وولده ودابته وعبده في غضبه (٤)، وقيل: في شأن المستعجل بشر يتوهمه خيرًا، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ كأستعجالهم، ﴿فَنَذَرُ﴾ عطف مستقبل على ما مرّ في جواب (لو) كما سبق (٥). ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾ نزل في هشام بن المغيرة (٦)، وقيل: عامة فيمن لزم هوى النفس والطبيعة واستهان بالعقل والشريعة، وفيها تنبيه على

стр. 938

قبح هذه الخصلة، ﴿لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضطجعًا على جنبه وهو حال مسّ الضر أو الدعاء (١)، ﴿مَرَّ﴾ ذهب عن باب الدعاء معرضًا إلى شهواته، وقال الفراء: معناه استمر على طريقته (٢)، ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] لننظر إلى المشاهدة من كيفية أعمالكم التي قدرناها من سابق علمنا وعلمناها (٣) من سابق مشيئتنا. وفائدة النظر إيجاب الجزاء، وعن عرباض بن سارية الأسلمي، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل من أصحابه: إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله وبالسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا"، أي: الذي عليكم "فإنه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، ومن أدركته منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٤). ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الكلبي وهم خمسة نفر الوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والحارث بن عيطلة، فقتل الله كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه (٥) وفيهم قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]، ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ له معنيان: أحدهما محاولتهم سبيلًا على رسول الله (٦) بإتيانه بما يقترحونه، والثاني: طمعهم أن لا يكون في الثاني (٧) سب آلهتهم والنهي عن عبادتهم وأن يكون محللًا لما يحبونه

стр. 939

محرمًا لما يكرهونه على قضية شهواتهم (١)، وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ﴾ الآية منسوخة (٢) بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وفي قوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ (٣) مَا تَلَوْتُهُ﴾ دلالة أن القرآن لم يكن مقدورًا لرسول الله (٤) وأنه لم يمكنه أن يأتي بمثله عمدًا من قبله لأنه قد بلغ أشده وآنس منه الرشد ولم يكن يتعاطى من القرآن شيئًا حتى اكتهل ثم انتصب قارئًا من غير كتابة ولا تعلم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث مطالبتهم رسول الله ﷺ أن يفتري على الله ما لا ينفعهم ولا يضرّهم ذوات معبوديهم. ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ أتخبرون الله بلا شيء، وقيل: أتنبهون الله على شيء جهله ولم يعلمه وبما لا يعلمه الله، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ صفات معبوديهم. ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ هي كلمة التمهيل والتأجيل إلى حين؛ إنما الغيب على ما كتمه الله عن خلقه من الآيات الملجئة متى يكون وأنى يكون. ﴿وَإِذَا﴾ ظرف والعامل فيه ﴿إِذَا﴾ الثانية (٥) مع صلتها، ﴿لَهُمْ مَكْرٌ﴾ (٦)

стр. 940

إضافة الشرط المتقدم والخير القادم إلى آلهتهم وإلى النجوم والأيام، و ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ بالطبع على قلوبهم وباستدراجهم وبإهلاك الأولين وإتباع الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين. ﴿حَتَّى﴾ غاية للتسيير المتقدم، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ جماعة بدلالة (١) قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، ﴿جَاءَتْهَا﴾ عائد إلى ﴿الْفُلْكِ﴾ وقيل: إلى الريح الطيبة اختصاص العصوف بالريح يغني عن علامة التأنيث. قال الفراء (٢): نقول ريح عاصف وعاصفة (٣) على لغتين، وأعصفت أيضًا الموج فورة الشيء الكثير بكل مكان من أمكنة الموج. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: ظنوا أنهم هالكون، يقال: فلان محاط به، أي: هالك سدت عليه سبيل النجاة، ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أي: فدعوا الله ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ أي: الريح العاصفة أو المحنة أو النكبة أو الحالة. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إنما وقع تمثيل الحياة الدنيا بالنبات الحصيد بعد الاكتهال لسرعة زوالها عند الكمال، والمراد من التمثيل التزهيد والتنبيه، ﴿قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ على الانتفاع بها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ قضاؤنا وحكمنا بهلاكها ويبسها وجدبها، ﴿حَصِيدًا﴾ مستأصلًا. ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾ دار السلامة من الآفات، فالسلام والسلامة بمعنى كاللذاذ واللذاذة، وقيل: السلام اسم الله تعالى. عن مالك بنيزيد الأشجعي قال: الإسلام ثلثمائة وخمسة عشر سهمًا، فإذا كان يوم القيامة أقبل في صورة حسنة يجر ثوبه حتى ينتهي

стр. 941

إلى الله تعالى فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، منك بدأت وإليك أعود، اللهم من جاء متمسكًا بسهم من سهامي فأدخله الجنة (١). ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة (٢)، و (الزيادة) النظر إلى الله تعالى، تواترت الأخبار (٣)، ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾ ولا يلحق ولا يصيب ومنه المراهق ﴿قَتَرٌ﴾ غبار العرصات ودخان الدركات، ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ لهم جزاء سيئة. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكروا يوم نحشرهم، ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي: قفوا والزموا مكانكم، وذلك قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤] قريبًا

стр. 942

﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بعد وقفهم مسؤولين، قال الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥] لو تميز المؤمنون من الكافرين. ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ قول الأصنام المصورة، وقيل: قول الملائكة [وعزير وعيسى ﵈ كما قال عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية قول الملائكة]، (١) ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ [سبأ: ٤١] ويحتمل أن الأرواح الخبيثة من طواغيت الإنس والجن تبرأ من عابديها وتستشهد الله كاذبة كما يحلفون به كاذبين. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أعيدوا إلى جزائه. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإشراك، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ سخط الله بطاعته أو تتقون الإشراك بالله بتوحيده (٢). ﴿فَذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الله الرازق من السماء والأرض المالك للسمع والبصر المدبر للأمر، ﴿رَبُّكُمُ﴾ سيدكم وخالقكم، ﴿الْحَقُّ﴾ الشيء الواجب كونه ووجوده الباطل نفيه وجحوده، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ إنكار عليهم على قضية انقسام الكلام فإنه حق وباطل، فإذا استحق الحق نفى للغير الباطل، واتباع الباطل: الضلال. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أنه ليسى بعد الحق إلا الضلال أو كما يصرفون أو كما فسقوا وكما نخبرك ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ترجمة الكلمة. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للإعادة معنيان: الإماتة كقوله (٣)، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] والنشأة للمعاد. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ يعني أوهامهم التي توهموها، وفي الآية رد على القائلين بحدوث صفات الذات والفعل وبالجهة والهيئة فإنها أوهام كلها.

стр. 943

﴿أَنْ يُفْتَرَى﴾ في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ (١)، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ كقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الكتب المتقدمة (٢)، ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أحكامه، (الكتاب): هو التوراة والإنجيل واللوح المحفوظ أو ما كتب الله علينا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ إخبار عن خاتمتهم ومآلهم دون أحوالهم. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ والمراد منها التهديد، وقيل: المتاركة، وهي منسوخة بآية السيف (٣). ﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾ إن كان الاستماع للانتفاع فالصم قوم آخرون وإن كان الاستماع للاستهزاء فالصم هم المستمعون، والمراد به صميم القلب لأنه قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ واذكر (٤) يوم نحشرهم. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك مرجعهم فحشرهم للحساب والعذاب فدمر عليهم يوم بدر ومحقهم في سائر المشاهد واستأصلهم يوم فتح مكة، ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ لترادف الأخبار دون المعاني المخبر عنها.

стр. 944

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية في مثل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقيل: قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [هود: ١١٧] وفيها دلالة أن الجماعة وإن عظمت لم ينطبق عليها اسم الأمة حقيقة ما لم يقروا برسول الله، فإذا جاء رسولهم بينت (١) أحكامهم وشرائعهم وميز بين الخبيث والطيب والهالك والناجي، وقيل: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة شهيدًا عليهم (٢) وحوسبوا على أعمالهم ووفوا ثوابها وعقابها، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ ذكر للتنبيه على قيام الحجة ووجوب الجزاء. ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ سؤال على وجه الاستعجال بالبوار. ﴿الْوَعْدُ﴾ الوعيد. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ لا أقدر على خير نفسي ونفعها فكيف أقدر على تعجيل الوعد الموعود، ثم بين وجه تأخر العذاب بوجوب الهلاك معلق بإتيان الرسل، وإتيانه معلق بتتمة الأجل. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ وزانها قولك لغريم: أرأيت (٣) أن أزنك هذه الدنانير إيش تطالبه، أي: ليس لك عندي سوى هذه الدنانير شيء، فكذلك ليس للكفار عند الله إلا البوار وإدخال النار ﴿ثُمَّ﴾ معناه نقول أو قيل أو يقال للمجرمين إذا آمنوا عند معاينة البأس. ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾، ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ بعد ذلك ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ على وجه الاستهزاء، ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أكائن هذا الوعيد، ﴿إى﴾ نعم (٤)، ﴿وَرَبِّي﴾ قسم وجوابه، ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وقيل: القسم متصل بقوله: ﴿إِى﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ كلامًا مبتدأ.

стр. 945

﴿وَلَوْ أَنَّ﴾ جوابه مضمر (١)، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ عند أول لحظة ثم الحسرة من بعد كما يحلفون ويجحدون ثم يعتزمون ويتلاعنون (٢). اتصال ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ﴾ بما قبلها، ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ فأخبر أنه لله عزوجل فكذلك ما في السماوات. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ برء وزوال علة. ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلام والقرآن هو آي الكتاب، ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من المال. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ فيه ضمير تقديره: أرأيتم هذا الرزق الذي جعلتم منه حرامًا وحلالًا أنتم مأذونون فيه إن جعلتم (٣) ذلك بإذن الله فتقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ يوم القيامة نصب بالظن، أي: ما يظنون بالله يومئذٍ بأن يفعل بهم، وإنما ذكر الفضل من حيث ذكر الرزق أو من حيث تقديم الدعوة والإنذار أو من حيث الإرجاء والإمهال. ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ دليل على أن النعمة الدنياوية عمت البرَّ والفاجر، وأن الشكر (٤) واجب عليهم في النفع والدفع جميعًا في شأن أمر وبال. ﴿مِنهُ﴾ أي: من الله، وقيل: من القرآن، وقيل: إلى العمل. ﴿يَعْزُبُ﴾ يبعد (٥). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعترفوا بقضية المعرفة، ﴿يَتَّقُونَ﴾ بقضيف الاعتراف.

стр. 946

﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له" رواها (١) أبو الدرداء وعبادة بن الصامت عنه ﵇ (٢). وعن أبي قتادة الأنصاري: سمعت رسول الله (٣) يقول: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فهذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصُق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره" (٤)، وفي الصحاح عن ابن سيرين (٥) عن أبي هريرة: "إذا اقترب الزمان لم تكذب رؤيا الرجل المسلم وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا الرجل المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة من الله تعالى ورؤيا من تخزين الشيطان ورؤيا من شيء يحدث الإنسان به نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث وليقم فليصلِّ" (٦). ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ادعاؤهم العزة لأنفسهم، ثم ردّ عليهم ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لادعائهم العزة لأنفسهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائرهم. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ يحتمل وجوهًا أربعة: العطف وتقديره: وما يتبعه الذين، والجحد، أي: وما يتبعك أو وما يتبع الحق، والاستفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء يتبع، والمصدر، أي: اتباع الذين ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ إن هؤلاء يريدون اتباع ﴿الظَّنَّ﴾ في ذلك إشارة إلى البيان والقرآن أو إلى الجعل.

стр. 947

﴿مَتَاعٌ﴾ أي: لهم متاع أو متاعهم متاع (١). ﴿إِذْ﴾ في محل النصب بالذكر تقديره: واذكر لهم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ اجعلوا الآراء المختلفة جامعًا، ﴿غُمَّةً﴾ سترة، أي: لا يكونن عليكم أمركم مستترًا ملتبسًا، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أتموا أمركم، وكل هذا تحدِّ من نوح ﵇ (٢) توكلًا على الله وإظهارًا لآياته. ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ جواب التولي المشروط لمعنى خفي فكأنه يقول: فإن تولَّيتم فلم تقولوا عليّ أجرًا ولم تنقصوني شيئًا ولم يعظم علىَّ توليتكم. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ المراد بهم الهالكون دون المفلحين (٣) وإنما خصهم لتمحض الوعيد، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لم يكن الملتزمون بطريقة الماضين بمؤمنين بالذي كذبت به أئمتهم من قبل، وقيل: فما كانوا ليؤمنوا به في المستقبل من اْعمارهم بسبب تكذيبهم أول مرة فإنه ران على قلوبهم. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أن هذا سحر مبين، ﴿لِلْحَقِّ﴾ إذ جاءكم، وقوله: ﴿أَسِحْرٌ﴾ من كلام موسى ﵇ على وجه الإنكار. ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ لتصرفنا، ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ العظمة والملك. ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ أربعون أهل بيت من القبط ولدهم نساء بني إسرائيل كانوا يسمون الذرية (٤) ﴿لَعَالٍ﴾ خبر عما مضى. ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ إنما أمرهم لئلا يخافوا دون الله فيفسد إيمانهم.

стр. 948

﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ كون المسلم فتنة للكافرين (١) أن تسوء عاقبته العاجلة ويشمت الكافر به ويقيس عليه عاقبته الآجلة، وأن يرتد المسلم فيزيد الكافر إصرارًا. ﴿تَبَوَّءَا﴾ تتخذ المنازل وأصله البواء وهو اللزوم (٢). ﴿بُيُوتًا﴾ مساجد، الكلبي وغيره (٣): كانت مساجد بني إسرائيل ظاهرة فأمر فرعون بهدمها عند منابذة (٤) موسى ﵇ إياه، فأمر الله اتخاذ المساجد في بيوتهم وأن يجعلوها مستقبلة للكعبة قبلة إبراهيم وإسماعيل (٥)، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مستقبلة القبلة (٦)، وقيل: اجعلوها قبلة لكم يصلون إليها، وقيل: اجعلوا بعضها مقابل بعض (٧)، وقيل: المراد به المصلى. وقيل: المسجد وإنما لم يؤمروا بالزكاة لأن أكثرهم كانوا مماليك لآل فرعون أو كانوا فقراء. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ لما دعا انقلبت أعيان أموالهم حتى صار

стр. 949

سُكَّرهم حجارة (١)، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وقيل: نصب على جواب الأمر بالفاء، وقيل: جزم على الدعاء (٢). ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ كان موسى يدعو وهارون (٣) يؤمِّن (٤). ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ابن عباس، عنه ﵇ (٥) أنه ذكر أن جبريل ﵇ (٥) يدس في فيّ فرعون الطين خشية أن يرحمه (٦)، كان جبريل يعاجل فرعون ليتم فيه دعوة موسى ﵇ (٧)، فمن كان يعاجل رحمة الله كفر لأنه يتقرب إلى الله بإظهار موالاة نبيه ومعاداة عدوه. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ إن جبريل ﵇ فرح حين سمع وتيقن أن فعله وقع مرضيًا لله.

стр. 950

﴿بِبَدَنِكَ﴾ بجسدك، فقيل: الآية استفهام على سبيل الإنكار تقديرها ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فتكون قدوة وحجة، لمن خلقك ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ وقيل: إنها على سبيل الخبر ومعناها: اليوم نلقي بدنك بعد إزهاق الروح على فجوة من الأرض لتكون عبرة ونكالًا لمن خلفك (١). ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ما أورثهم من ديار آل فرعون، وقيل: المراد به التيه حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وقيل: ديار العمالقة حيث افتتحها يوشع ﵇ أو البيت المقدس حين ابتناه داود وسليمان ﵉. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خطاب للنبى ﵇ والمراد به أمته كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقيل: هذا شرط لم يوجد والمراد به التأكيد، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] (٢) الآية، وقيل: لم يشك ولم يسأل كقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقيل: معناه: إن كنت في شك مما أنزلنا إليك هل هو موجب لك أمن العاقبة والختم على السعادة فأسأل الأنبياء إذا لقيتهم ليلة المعراج كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآية، وإن كانت الآية مكية فتكون (مما) بمعنى ممن (٣) أنزل وهو جبريل ﵇ (٤) في الصورة التي ظهر فيها لرسول الله في ابتداء الوحي حتى سألت خديجة له ورقة بن نوفل، وقيل: لما جرى على لسانه في سورة "النجم" أنه شيء ابتلي به وحده وخاف مثله في المستقبل فأخبر الله في سورة "الحج" أنه ما أرسل من قبله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] الآية.
следующие страницы →